เข้าสู่ระบบداخل تلك الزنزانة السوداء الباردة التي تفوح منها رائحة الرطوبة والعفن القديم، كانت جالسة وحيدة على الأرضية الإسمنتية القاسية وهي تضع يدها المرتجفة على رأسها المتعب والمثقل بالهموم، منظر تلك السيارة الرياضية الحمراء الفاخرة وهي تضرب ذلك الطفل الصغير بعنف شديد وتطير به في الهواء كدمية صغيرة لا يزال عالقاً في رأسها ككابوس دموي لا ينتهي ولا يفارق خيالها.قُطع شرودها الطويل وغرقها في ذكرياتها المؤلمة بصوت المفتاح الحديدي الصدئ وهو يدور في القفل.قالت الشرطية وهي تفتح الزنزانة وتخرج المفتاح ببطء بينما تشير لها بالخروج ببرود وملامح جامدة: "آنسة فيرونا ريتش أتى المحامي لرؤيتك."عادت فيرونا إلى وعيها فجأة من دوامة أفكارها، رفعت رأسها بدهشة واستغراب، هي لا تتذكر أنها وافقت على تعيين محامٍ من الأساس ولم تطلب أحداً.نهضت بتثاقل وتعب وسارت بخطوات متثاقلة خلف الشرطية إلى غرفة الزيارة الصغيرة ذات الطاولة الحديدية والمصباح الأصفر الخافت، كانت تحدق إليه بفضول إنه في أواخر العشرينات ربما ثلاثيني، ذو شعر بني مرتب بعناية وجسد رياضي قوي يظهر بوضوح من تحت بدلته الرسمية الأنيقة، كان يحدق إلى هاتفه ويبتسم اب
طرقٌ خفيف، لكنه متوتر، قطع سكون الممر. تقدم أحد الرجال وطرق باب الغرفة. بعد لحظة، انفرج الباب ببطء وخرج فيكتور، وأغلقه خلفه بحرص كمن لا يريد إيقاظ أحد في الداخل. كان الطارق محققًا، حليق الرأس، وجهه شاحب وعيناه غائرتان من قلة النوم.قال بنبرة خافتة وعاجلة: "اضطررت للقدوم، الموضوع هام."أومأ له فيكتور، فابتعدا معًا عن الباب وتوجها إلى الرواق الجانبي القريب من الشرفة، حيث كان ضوء النهار الباهت يتسلل ويكشف ذرات الغبار في الهواء. هناك، بعيدًا عن آذان الغرفة، يمكنهما الحديث.سأل فيكتور بصوت منخفض: "هل هناك جديد بخصوص آل لوكا؟"أجاب المحقق وهو يلقي نظرة سريعة حوله: "أجل، تم تأجيل الاحتفال بتتويج الزعيم الجديد لنهاية الأسبوع القادم. يبدو أنهم يريدون امتصاص الغضب أولًا."وأضاف بنبرة امتعاض: "تسببت لادوتوريسا روزاليا بخسائر وفوضى مرورية هائلة خلال الأسبوع الماضي. تقود كالمجنونة ولا أحد يجرؤ على إيقافها. وبسبب نفوذ هذه العائلة، يصعب على الشرطة التعامل معها أو حتى اعتقالها بتلك التهم التافهة."كان المحقق يلمح إلى ما هو أخطر، وصوته ازداد انخفاضًا: "أنا واثق أن أحدهم يتستر عليها، ربما جهات عليا جدً
كانت دائخة وثقيلة الرأس، رغم ذلك فتحت عينيها بصعوبة وهي تشعر بالألم الحاد يجتاح جسدها كله، إنها غرفة بيضاء باردة تفوح منها رائحة المطهر، بستائر خضراء باهتة تمنع ضوء الشمس من الدخول.حاولت أن تستجمع قواها، وقالت وهي تنهض مسرعة من السرير لتشعر بصداع يكاد يفجر رأسها: "فيكتور أين شاين كيف حاله؟ أين ابني؟"كان فيكتور في الخارج في الممر الطويل يتحدث مع الأطباء ووجهه شاحب، ليسمع صوتها المرتعش حتى يهرع إليها مسرعاً، هي لم تكمل محاليلها الوريدية المعلقة بعد.قال وهو يمسك بكتفيها برفق ويعيدها إلى السرير: "حبيبتي تريثي، إنه قد تجاوز مرحلة الخطر، لقد ظهر متبرع بالدم في اللحظة الأخيرة وأنقذ طفلنا، هو بخير الآن."كلماته أدخلت الطمأنينة والدفء إلى قلبها المرتجف، لتسحب قميصه الأبيض وتحتضنه بقوة وتقول بدموع: "خذني لرؤيته أرجوك، قدماي لا تقويان على السير لكنني أريد رؤيته."لم يناقشها هو يعلم أنها أكثر عناداً منه، يعلم أنها لن تبقى في السرير لحظة واحدة بعد سماعها عن شاين، لذلك حملها بين ذراعيه بحنان بعد فصل المحاليل الوريدية عن يدها برفق.كان شاين قد تم نقله في الصباح الباكر إلى غرفة خاصة هادئة، كانت مق
كانت تركض حافية تقريبًا، وثوبها الأحمر يتطاير خلفها كلهبٍ في مهب الريح. بدت كبياض الثلج وقد خرجت للتو من حديقة التوت البري، لكن وجهها لم يكن يحمل براءة الحكاية، بل هلع أمّ. كانت تتبع فيكتور الذي يضم الطفل الصغير بين ذراعيه كأنه يحاول أن يمنعه من الانزلاق خارج الحياة.ما إن دفعا باب المشفى حتى صرخت، وصوتها يتشقق في الفراغ البارد:"أيها الطبيب! اللعنة، أما من أحد هنا؟"كان المكان خاويًا على نحو غريب. مكتب الاستقبال فارغ، والرواق الطويل يلمع تحت ضوء أبيض بارد. شعرت نابيلار بغصة تتصاعد في حلقها. لمح فيكتور ظل طبيب في نهاية الرواق، فاندفع نحوه، وقميصه الأبيض ملطخ بدماء صغيرة داكنة.وضعت نابيلار يديها على وجه شاين الصغير الذي تدلى رأسه بلا حول:"شاين، حبيبي، افتح عينيك!"كانت صرخاتها حادة تصم الآذان، بينما كان جسد الصبي بين يدي زوجها هامدًا، فاقدًا للوعي، شفتاه شاحبتان.تلعثم فيكتور وهو يحاول أن يشرح للطبيب الذي وصل لاهثًا: "لقد... لقد سقط من الدرج وارتطم بتماثيل الزينة."قالها بصوت مرتجف. الحقيقة التي لم ينطق بها هي أنهما كانا في غرفتهما منشغلين بنفسيهما، ولم ينتبه أي منهما إلى أن شاين لم
جلس رون على الأريكة، جسده مائل للأمام، مرفقاه على ركبتيه، وعيناه الباردتان مثبتتان على من يجلس أمامه دون أن تطرفا."أخبرتك أنني لا أريد أن آخذ دور العرّاف القادم لآل لوكا."قالها بنبرة حاسمة، هادئة لكنها قاطعة كحد السكين، وهو يعيد القلادة ذات الجمجمة - تلك التي تحمل طلقتين غائرتين في محجرها - إلى ماتيو، وكأنه يعيد إليه العهد نفسه ويمزقه.عض ماتيو على أسنانه بغضب من هذه الحركة المهينة، ولم يستطع كتم انفعاله:"الحفل لإعلانك الزعيم بعد أسبوع، وتأتي إليّ اليوم لترفض هذا العرض؟ لا يا لوكيندر، لا يمكنك خيانة والدي، إنه عقدٌ أبرم لأجلك."قالها وهو يسحب نفساً عميقاً ومتوتراً من سيجارته، دخانه يتصاعد ليغلف وجهه، بينما كانت عيناه معلقتين بنظرات لوكيندر الباردة التي لم تتزحزح قيد أنملة.ساد الصمت للحظة ثقيلة، نظرات متجمدة، وكأن بينهما حرباً صامتة لا يجرؤ أحد على إطلاق رصاصتها الأولى. ثم حاول ماتيو أن يلعب على وتره الحساس، وخفض صوته:"أتفعل كل هذا لأجل ابنتك؟ أخبرتك أنها ستعيش في ماليزيا مع عائلة ثرية سترعاها وستزورها كلما أردت..."لم يكمل جملته، إذ قاطعه رون بضربة قوية ومفاجئة بقبضته على الطاولة
"فيكي... أنا بخير، لا تقلق."قالتها بصوتٍ خافتٍ مرتجف حاولت أن يبدو مطمئناً، لكنه لم يصل إليه. لم يستمع فيكتور إلى كلماتها على الإطلاق. كانت عيناه معلقتين بوجهها الشاحب، وقلبه يخفق بعنفٍ يكاد يُسمع. في لحظةٍ واحدة، انحنى وحملها بين ذراعيه القويتين كما لو كانت شيئاً ثميناً يخشى أن ينكسر، وخرج بها من المكان دون أن ينطق بكلمة واحدة. كان الممر الطويل للشركة بارداً ومضاءً بأضواء بيضاء حادة، وعيون الموظفين المذهولة تتبعهما في صمتٍ ثقيل. ترك خلفه لوكيندر واقفاً في منتصف الغرفة، عاجزاً عن الحركة، متجمداً في مكانه، وكانت ملامح وجهه شاحبة كالورق، يتصبب منها العرق والهزيمة.ضمها إلى صدره أكثر وهو يسير، وهمس بالقرب من أذنها بصوتٍ مبحوح يملؤه الخوف والوعيد معاً:"لا تقلق، لن أتركك مجدداً."بين ذراعيه، قلبت نابيلار عينيها بارتباك، وهي لا تدري كيف تخفي وجهها المحمر من نظرات الموظفين الفضولية التي تلاحقها. خبأت رأسها في تجويف عنقه، تستنشق عطره المألوف الذي كان يمنحها دائماً شعوراً بالأمان. كانت تستمع بوضوح إلى نبضات قلبه المتسارعة، تلك النبضات التي لم تتوقف لحظة عن الخفقان بجنونٍ من أجلها، فشعرت أن
لقد تأكدت من المنزل في ابهى صوره، الاثاث و حتى الطلاء البنفسجي القاتم يتماشي مع الستائر و بقيه ازهار الزينة الخضراء.كانت نابيلار قد أمضت ساعات طويلة وهي تتنقل بين أرجاء المنزل، تعدل مزهرية هنا، وترتب إطاراً هناك، وكأنها تحاول أن تحشو المكان بروح دافئة تعوض البرودة التي يعيشها زواجهما. حتى الشموع ا
"سيد لوكيندر، لم أتوقع حضورك اجتماع اليوم. ظننت أنك ستقضي شهر العسل الآن بعد أن انضممت أخيرًا إلى صفنا."قالها رجل في منتصف العمر وهو يعدل ربطة عنقه بابتسامة دبلوماسية واسعة.لكن لوكيندر لم يرد عليه حتى.كان تركيزه الكامل، وحتى التوتر الظاهر في عروق عنقه، منصبًا على المرأة الشابة الواقفة قرب مخرج ا
اقترب لوكيندر منها ببطء، وكأنه يستمتع بالتوتر الواضح المرتسم فوق ملامحها. كانت عيناها العسليتان بالكاد تجرؤان على النظر إليه، مترددة وخائفة بطريقة جعلته يشعر بالرضا.نعم… هذا تمامًا ما توقعه منها.بل وما أراده أيضًا.وفجأة، دوى صوت تحطم الأطباق داخل غرفة الطعام.تناثرت قطع الزجاج فوق الأرضية الرخام
صدرها الذي يعلو ويهبط بسرعة… ساقاها الطويلتان… خصرها المنحوت بدقة… وانحناءة جسدها التي بدت كفيلة بجعل أي رجل يفقد اتزانه. أما شعرها الأسود المبلل والمنسدل على ظهرها، مع عينيها بلون العسل، فكانا يزيدان المشهد فوضى داخل رأسه.ضغط لوكيندر على صدغه بأصابعه وهو يتمتم بضيق خافت:"ما الذي أدخلته إلى حياتك







