Share

النداء

last update publish date: 2026-08-25 12:13:53

# الفصل الثامن: النداء

بدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير.

"إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"

لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.

ثم جاء الصوت.

لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.

استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.

كفى ذلك الجزء.

رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حركةٍ رأتها.

انطلقت صرخةٌ من امرأةٍ في أحد البيوت، وتبعها هرجٌ ومرجٌ في الظلام.

لم يتحرك المخلوق نحو الصوت مباشرة. وقف للحظة، وكأنه يتذوق الهواء الممطر، ثم اندفع بسرعةٍ مرعبة، غير منطقية، اندفاعاتٌ متقطعة تُلغي المسافة في أجزاء من الثانية.

"تراجعوا!" حاول أنس أن يُبقي على نظام صفوفه، لكن الكلمة ضاعت وسط فوضى رجالٍ رأوا للتو ما لم يتوقعوا رؤيته في حياتهم.

انكسر أول الصف أولاً. رجلٌ رمى قوسه وركض بلا اتجاه. تبعه آخر. حتى فارس، الذي وقف بجانب أنس منذ ساعات، تراجع خطوتين قبل أن يستدير ويهرب بين البيوت المظلمة، صارخًا اسمًا لم يفهمه أحد.

في أقل من عشر ثوانٍ، وجد أنس نفسه وحده، والمطر يجلد وجهه، والمخلوق يقترب منه عبر الوحل.

لم يهرب. لم يكن الوقت ليسأل نفسه لماذا. استل سيفه.

من خلف زاوية بيتٍ مظلم، اختبأ فارس، يداه ترتجفان حول قوسٍ لم يعد يذكر كيف يُستخدم. رأى أنس يتلقى الضربة الأولى، وأراد أن يصرخ باسمه، لكن صوته اختنق في حلقه.

في الزقاق المقابل، تكوّم رجلٌ آخر خلف كومة حطبٍ مبلل، يراقب من بين الشقوق، عيناه لا تصدّقان ما تريان.

جابر، عند طرف السور المنخفض، أمسك بسيفه بقوة، وحاول أن يخطو خطوة نحو المعركة، فمنعته يد رجلٍ بجانبه.

"ستموت." همس الرجل بصوتٍ مرتجف. "لن تفيده بشيء."

سحب جابر يده بعنف، لكنه لم يتحرك أيضًا. بقي هناك، متجمدًا، يراقب قائده وحيدًا، وهم جميعًا، كل من كان يقسم بالولاء له قبل ساعة، مختبئون بينما يُمزَّق أمامهم.

انقضّ المخلوق. تفادى أنس بانحناءةٍ جانبية، لكن طرف المخلب شقّ ذراعه هذه المرة، فصرخ من الألم وهو يتراجع.

ضربة. ثم أخرى. تصادم السيف بجلدٍ صلب، ارتدّ، لم يخترق شيئًا سوى سطحٍ متيبّس كاللحاء.

حاول أن يراوغ نحو شجرةٍ ضخمة كان قد لمحها منذ بداية المواجهة، لكن المخلوق كان أسرع من أن يمنحه تلك المسافة؛ أمسك بكتفه فجأة، ورماه بعيدًا كما تُرمى دميةٌ لا وزن لها.

اصطدم أنس بجذع شجرةٍ أخرى، فخرج الهواء من صدره دفعة واحدة، وسقط على ركبتيه في الوحل.

لم يمهله المخلوق وقتًا للتنفس. اندفع مجددًا، فرمى أنس نفسه جانبًا في اللحظة الأخيرة، فمرّ المخلب فوق ظهره، شقّ قميصه وجلده معًا، وصرخ من جديد وهو يتدحرج في الوحل.

من مخبئه، أطبق جابر عينيه لحظة، لا يحتمل المشهد، ثم فتحهما مجددًا، غير قادرٍ على النظر بعيدًا رغم كل شيء.

وصل أنس زحفًا، بالكاد، إلى الشجرة التي كان يقصدها منذ البداية.

فجأة، انشقّ البرق السماء، وضرب الشجرة نفسها.

اشتعلت في لحظة، ألسنة النار تتصاعد رغم المطر.

بيدٍ ترتجف من الألم والإرهاق معًا، مرّر أنس نصل سيفه فوق اللهب، حتى احمرّ المعدن، ثم حاول أن ينهض، فتعثّر مرة قبل أن يستقيم أخيرًا، دمٌ يسيل من ذراعه وظهره ويختلط بالمطر.

صرخ رغم كل شيء: "تعال! تعال إليّ! آآآههه... تعال وواجهني!"

توقف المخلوق للحظة، وكأن الصراخ نفسه استفزّه. أطلق صفيرًا قويًا، حادًا، ثم اندفع بكل ما تبقى من سرعته.

حاول أنس أن يتفادى كما فعل من قبل، لكن ساقيه، المُنهكتين، خذلتاه هذه المرة؛ شعر بالمخلب يمزّق جنبه قبل أن يتمكن من الانخفاض بالكامل، فصرخ من جديد، لكنه استغلّ الألم نفسه ليدفع جسده أسفل الذراع الممتدة، ودار بما تبقى له من قوة، وأطلق ضربةً واحدة أفقية بالسيف المحمّى.

طار الرأس عن الجسد.

توقف الجسد المقطوع للحظة، وكأن الزمن نفسه تجمّد، ثم أطلق — قبل أن يسقط — صفيرًا حادًا وطويلًا اخترق ضجيج المطر والرعد معًا. لم يكن صفير ألمٍ، بل نداءٌ محسوب، استغاثةٌ موجّهة لا صرخة عاجزة.

جاءه الرد فورًا. صفيرٌ من الجهة الشرقية للقرية. ثم آخر من ناحية الجبل. ثم ثالث، أقرب من الاثنين.

أدرك أنس، بذعرٍ بارد لم يشبه أي خوفٍ عرفه من قبل، أن المخلوق لم يكن يصرخ من الألم وهو يموت.

كان يستدعي.

انهار الجسد أخيرًا في الوحل، ساكنًا، لكن الصفير الذي أطلقه لم يسكن معه — بل ظل يتردد بين الجبال، يقترب من كل اتجاه.

لم يتحرك أحد من مخابئهم للحظات طويلة، وكأن أجسادهم احتاجت وقتًا لتصدّق أن الخطر انتهى قبل أن تسمح لأقدامهم بالخروج. ثم، واحدًا تلو الآخر، بدأوا يخرجون ببطء، ينظرون إلى بعضهم قبل أن ينظروا إلى أنس، وكأن كل واحدٍ منهم يعرف بالفعل أن هذه الليلة لن تُنسى، ولا الطريقة التي تركوا بها قائدهم يواجه وحده ما كان يجب أن يواجهوه جميعًا.

انهار أنس فجأة، جسده يستسلم أخيرًا لكل ما تحمّله؛ سقط على جنبه في الوحل، فاقدًا وعيه، ودمه لا يزال ينزف من جرحيه.

"أنس!" اندفع جابر نحوه، يرفع رأسه بحذر، يتحسس نبضه بيدٍ مرتجفة. "لا يزال حيًا. لكنه يحتاج من يعالجه، ولا أحد هنا يملك ما يكفي."

نظر الرجال إلى بعضهم، ثم إلى القرية المحطمة حولهم.

"الرباط." قال أحدهم أخيرًا. "أقرب مكانٍ إلينا فيه طبيب حقيقي، وأسوارها أعلى من هنا."

بدأوا يجهّزون عربة بسرعة، يفرشون فيها ما توفر من أقمشة، وحملوا أنس بحذرٍ شديد، جرحه لا يزال يسيل رغم الضمادات المرتجلة.

وقف فارس على مسافة، لا يقترب، عيناه على الرجل الذي تركه يقاتل وحده قبل قليل.

"لا نستحق أن نعيش بعد الليلة." قالها أخيرًا، بصوتٍ لا يخاطب أحدًا تحديدًا. "تركناه. تركناه يواجه ذلك الشيء وحده، وهربنا كالجرذان."

لم يردّ أحد. كان الصمت نفسه اعترافًا كافيًا.

"كنا خائفين." حاول أحدهم أن يبرر، بصوتٍ لا يقنع حتى صاحبه.

"وهو لم يكن خائفًا؟" قاطعه فارس بمرارة. "رأيته يرتجف مثلنا تمامًا. الفرق أنه بقي."

بدأ رجلٌ آخر يتكلم عن العار الذي سيلاحقهم، حين قطع الصفير الحديث فجأة.

بعيدًا، لكن ليس بعيدًا كفاية.

تجمّد الجميع.

"إلى الرباط. الآن." أمر جابر، متوليًا القيادة في غياب أنس الفجائي. "الأهالي أولاً، والجرحى معهم. تحركوا!"

بدأ الأهالي بالتدفق نحو العربات والخيول المتبقية، أطفالٌ يُحملون نصف نائمين، نساءٌ يجمعن ما استطعن حمله في لحظات، بينما وُضع أنس بعناية في إحدى العربات، لا يزال فاقدًا وعيه.

حين استعدّ جابر للركوب معهم، أوقفه أحد الرجال بيده.

"أنت ورجالٌ آخرون يبقون هنا."

"لماذا؟"

"لأن أحدًا يجب أن يبقى." أجاب الرجل ببساطةٍ ثقيلة. "ولأننا خذلناه مرة الليلة. لن نخذله مرتين."

نظر جابر إلى القرية المحطمة، ثم إلى العربات المبتعدة تحمل من تبقى من الأهالي وقائدهم فاقد الوعي، وأومأ أخيرًا برأسه، وسحب سيفه من غمده مجددًا.

بقي هو وستة رجالٍ آخرين، في قريةٍ لا تزال أبوابها محطمة، والصفير لا يزال يتردد في مكانٍ ما خلف الأشجار.

---

في القصر، بعيدًا عن كل ذلك، لم تكن الليلة قد انتهت بعد على نحوٍ مختلف.

بعد أن انصرف الملك ورجاله إلى أجنحتهم المخصصة، بقي وليد وحده في القاعة للحظات، قبل أن يدخل أسر خلفه، مغلقًا الباب بقوةٍ أكبر مما قصد.

"وافقتَ." قالها أسر، ليست سؤالًا.

"نعم." لم يستدر وليد فورًا.

"دون أن تستشير المجلس. دون أن تستشيرني، أو ركان، أو حتى العم طه."

استدار وليد أخيرًا، وعلى وجهه تعبٌ لم يحاول إخفاءه هذه المرة. "لم يكن هناك وقتٌ للمجلس، يا أسر. الملك كان يجلس أمامي، ينتظر جوابًا."

"كان بإمكانك أن تطلب مهلة. يومًا. ساعة حتى."

"وماذا كنت سأقول له؟" ارتفع صوت وليد قليلاً، نادرًا ما يحدث ذلك. "'انتظر يا جلالة الملك، بينما أستشير رجالًا لا تعرف أنت حتى بوجود بعضهم؟' هل كنت تريدني أن أكشف للملك عن كل ما بنيناه بالسر طوال هذه السنوات، في اللحظة نفسها التي يعرض فيها عليّ اعترافًا رسميًا بجيشٍ لم يكن يعرف أصلاً أنه موجود؟"

توقف أسر، الحجة أصابت مكانًا لم يتوقعه.

"تعهدتَ بالولاء الدائم." قالها بصوتٍ أهدأ لكن لا يقل ثقلاً. "أنت شخصيًا، أمام كل من في تلك القاعة. هذا لا يُلغى، يا أبي. هذا يربطنا نحن جميعًا، إلى الأبد، بقرارٍ اتخذته وحدك في دقائق."

نظر وليد إلى ابنه طويلاً، وشيءٌ في عينيه بين الاعتذار والإصرار معًا.

"كنت سأخسر الوادي لو ترددت، يا أسر. رأيت في عيني ذلك الرجل أن هذا العرض لن يتكرر. أخذته، لأنني رأيت الباب يُغلق أمامي إن لم أفعل."

"أو ربما." قالها أسر بهدوءٍ بارد، وهو يتجه نحو الباب. "رأيت بابًا يُفتح، دون أن ترى ما ينتظرنا خلفه."

غادر دون أن ينتظر ردًّا، تاركًا وليد وحده مجددًا، يحدّق في القاعة الفارغة، وثقل توقيعٍ لم يجفّ حبره بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    النداء

    # الفصل الثامن: النداءبدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير."إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.ثم جاء الصوت.لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.كفى ذلك الجزء.رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حرك

  • صفير الجبال    الحصار

    # الفصل السابع: الحصارقبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي.استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس.جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا."سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف.""أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة."ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله."لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء."لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا."جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه

  • صفير الجبال    ثمن الولاء

    # الفصل السادس: ثمن الولاءانحنى وليد بالقدر المحسوب نفسه الذي أتقنه على مدى عشرين عامًا. "جلالتك يشرّف أرضنا بحضوره."ابتسم عمران تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبدًا. "وليد الرعد. سمعت أن رجالك ما زالوا يستخرجون الحديد بالكفاءة نفسها، رغم كل شيء.""رغم كل شيء، جلالتك، الوادي لا يعرف طريقةً أخرى للبقاء."لم يُعلّق الملك. نظر إلى راكان، ثم إلى أسر الذي وصل قبل لحظاتٍ فقط، أنفاسه أسرع مما ينبغي لرجلٍ لم يفعل شيئًا سوى المشي. توقفت عينا عمران عليه قليلًا أطول من اللازم."وهذان ابناك.""أسر وراكان، جلالتك."أومأ الملك برأسه دون اهتمامٍ ظاهر، لكن أسر لاحظ، كما يلاحظ دائمًا، أن شيئًا في تلك النظرة كان يزن لا يُحيّي."سنتحدث في القصر." قالها عمران، وتحرك دون أن ينتظر ردًّا.جلس الملك في صدر القاعة، ووليد أمامه، وعن يمينه أسر وراكان، وخلفه وقف سيف الضياء صامتًا كعادته."لنبدأ بما هو بسيط." قال عمران، وهو يتأمل كأس الماء أمامه دون أن يشربه. "الحديد. أنتجتم هذا العام أقل مما أنتجتموه في العام الماضي.""المناجم الشرقية انهارت جزئيًا في الشتاء، جلالتك. نعمل على إعادة فتحها.""وكم سيستغرق ذل

  • صفير الجبال    خارج الاسوار

    # الفصل الخامس: خارج الأسوار## حقول آل البدرفي حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ

  • صفير الجبال    الجسر العظيم

    # الفصل الرابع: الجسر العظيموصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه."كل شيء جاهز يا سيدي."لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا."لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه."من أين هذا؟""من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.لم يقل شيئًا آخر.

  • صفير الجبال    ما لا يقال

    # الفصل الثالث: ما لا يُقال## تدريب الصيادينتوقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه."لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد."كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا."مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب."وكم رجلاً يملك الملك؟"تردد راكان. "آلاف."صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"لم يجب أحد.نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه."إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status