LOGIN# الفصل الخامس: خارج الأسوار
## حقول آل البدر في حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول. استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته. استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء. ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ زمن. لكن ما شدّ نظر كبير الخدم لم يكن هزاله وحده، بل عيناه؛ هادئتان بشكل غريب، ثابتتان، لا تحملان خوف الغلمان الجدد المعتاد، بل شيئًا أعمق من ذلك — شيئًا يشبه نظرة من رأى أكثر مما ينبغي لعمره أن يرى. قال له كبير الخدم: "سيدي، بماذا سينفعنا هذا الغلام الهزيل؟ خاصة ونحن مقبلون على موسم الحصاد. هكذا بنية لا تقوى على مثل هذه الأعمال الشاقة." "لا أعلم ما الذي جعلني أشتريه. ربما أردتُ أن أغيّر مصير حياته." أمعن أدهم النظر فيه. "ورأيت ما به من حزن... من يدري ما هي قصته؟ وغمرني شعورٌ بأن أنقذه من بؤسه." كان العمال منتشرين بين الحقول منذ الفجر، ظهورهم منحنية، أيديهم لا تتوقف. لا أحد يرفع رأسه أكثر مما يجب. هذه أرضٌ تُقاس فيها قيمة الإنسان بما ينتجه، لا بما يشعر به. وصل الخبر مع القافلة الصباحية، يتناقله العمال همسًا وهم يعبرون بين السواقي: الملك بلغ حدود الوادي. لم يكن خبرًا يعني الكثير لمعظمهم، مجرد حديثٍ يُقتل به الوقت بين حمل الأكياس وتفريغها. لكن عابس، الذي كان يحاول أن يتعلّم كيف يُصلح حبلًا مقطوعًا عند حظيرة الخيل دون أن يعرف حتى اسم الرجل الذي أمره بذلك، توقفت يداه فجأة، وكأن الاسم وحده كفيلٌ بأن يوقف الزمن. لاحظه سالم، أحد صبية الحظيرة، من بعيد. لم يكن يعرف الوافد الجديد إلا بالنظر؛ رآه مرتين منذ الأمس، مرة يُساق خلف الوكيل، ومرة يقف وحده عند حافة الحقل وكأنه لا يعرف أين يضع قدميه. اقترب منه الآن بفضولٍ أكثر منه بقلق. "أنت الغلام الجديد." وقف أمامه، يتفحصه كما يتفحص المرء شيئًا لم يعتد رؤيته بعد. "لماذا توقفت هكذا؟" لم يجب عابس فورًا. أنهى العقدة التي كانت بين يديه بحركةٍ آلية، ثم جلس على كومة القش القريبة، وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه. "أخبرني بما حصل." جلس سالم أمامه، فضوله يغلب حذره. "شحب وجهك بمجرد سماع اسم الملك. هل تعرفه؟" نظر عابس إليه طويلاً، غريبًا كان أم لا، وكأن الكلمة التي طالما حبسها وجدت أخيرًا فمًا يسمعها. "منذ سبع سنوات، حاول أبي أن يُخرجنا من الوادي." بدأ الكلام ببطء، كل جملة توضع في مكانها كحجرٍ يُختار بعناية. "كنت أصغر من أن أفهم لماذا كنا نركض في تلك الليلة، لكنني كنت كبيرًا بما يكفي لأتذكرها كاملة." "من نحن؟" "أنا، وأبي، وأخواتي الثلاث." توقف لحظة، وابتلع شيئًا في حلقه. "لم نصل إلى النهر. أدركنا حراس الميثاق قبل ذلك." لم تكن سبع سنوات. كانت ليلتين لا أكثر، ما زال ترابهما عالقًا تحت أظافره. لكن عابس تعلّم في تلك الليلتين وحدهما درسًا لم يكن يحتاج إلى سبع سنوات ليتقنه: أن الحقيقة، حين تُقال كما هي أمام غريبٍ لم يعرفه سوى يومٍ واحد، تترك أثرًا يقود إلى صاحبها. فارتدى الزمن كقناع، ومدّه سبع سنوات كاملة، ليبتعد بنفسه عن تلك الليلة بقدر ما تحتمله الكلمات. شحب وجه سالم. "عابس..." — استعاد الاسم لتوّه من ذاكرته، إذ لم يكن قد ناداه به من قبل. "قتلوا أبي أولاً." واصل عابس بصوتٍ لا يرتفع ولا ينكسر، وكأنه يروي حكاية حدثت لغيره. "ثم واحدة من أخواتي، بضربة سيفٍ واحدة، أمام عيني. والأخريان بعدها بلحظات." "وأنت؟ كيف خرجت؟" "لم أخرج. ليس حقًا." أطرق عابس، ويداه ترتجفان قليلاً فوق ركبتيه. "أمسكت بسكينٍ كانت في جيبي، واندفعت نحو أحدهم في تلك الليلة، دون أن أفكر، دون أن أعرف حتى ماذا كنت أفعل. جرحت قدمه. ثم ركضت، وركضت، حتى لم أعد أسمع صراخهم خلفي." "من كان؟ من فعل هذا بكم؟" أطرق عابس، وللمرة الأولى بدا التردد على ملامحه، وكأنه يتذكر فجأة أن الرجل الجالس أمامه غريبٌ لا يعرف عنه شيئًا سوى ما قاله قبل لحظات. "لن أخبرك اسمه اليوم." رفع رأسه أخيرًا، وعيناه فيهما ثباتٌ لم يعرفه سالم من قبل. "اسمٌ كهذا، إن خرج من فمك في المكان الخطأ، يقتلك أنت أيضًا. لكن اعلم أنه يخدم الملك، وأنه كان هناك، وأنني رأيت وجهه بوضوحٍ لن يفارقني ما حييت." جلس سالم صامتًا، لا يجد كلمات تليق بما سمعه للتو من رجلٍ لم يعرف اسمه قبل يومٍ واحد. "ولماذا الآن؟ لماذا تخبرني أنا بالذات، وأنت لا تعرفني؟" توقف عابس، وكأن السؤال أعاده فجأة إلى حجمه الحقيقي: غريبٌ وسط غرباء، أفلت لسانه بما لم يكن ينوي قوله. "لا أعرف." قالها بصدقٍ يشبه الاعتراف. ثم مدّ يده، وأمسك بكتف سالم بقوةٍ لم يتوقعها منه. "لكن إن نطقت بحرفٍ مما سمعته اليوم، فلن أكون أنا من يؤذيك." نظر إليه سالم بذهولٍ يخترق الحذر، إذ لم يكن يعرف من هذا الغلام الجديد، الذي اشتُري قبل يومٍ واحد فقط ليخدم بيت آل البدر، أنه يحمل كل هذا خلف صمته القصير. كانت تلك اللحظة أول ما عرفه أحدٌ عن عابس على الإطلاق؛ لا صورة سابقة تنكسر، بل صفحة أولى تُفتح دفعة واحدة. ولم يكن يعرف أيضًا، وهو يصدّق كل كلمةٍ سمعها للتو، أن الوجه الذي يبحث عنه عابس ليس بعيدًا سبع سنوات، بل يبعد عنه الآن مسيرة أيام لا أكثر. أطبق عابس على كتف سالم مرة أخيرة، ثم نهض، ومسح وجهه بكمّه، وعاد إلى الحبل المقطوع بين يديه، وكأن شيئًا لم يُقل. --- ## الغابات الجبلية غرب وادي العقيق الغابات الجبلية غرب وادي العقيق في الغابات الجبلية غرب وادي العقيق، كان أنس ومن معه يبحثون عن زميلهم المفقود مروان. "مروان! هل تسمعني؟" كان الرجال يصيحون باسمه، وقد انقسموا إلى ثلاث فرق للبحث عنه. جميع الرجال خرجوا مع أنس بحثًا عن صديقهم. انتهى الأثر عند مدخل وادي العظام، حيث توقف أنس ملاحظًا آثار مخالب دبٍّ أقرن على الأشجار. كل شيء يوحي بأن مروان قد دخل وادي العظام. جلس أنس يفكر، وقد بلغ أعلى مراحل التوتر: كان على مروان أن يذهب في مهمةٍ عادية لاصطياد الفرائس السهلة، فكيف أصبح فريسة لأعتى وحوش الوادي؟ وأين وادي العظام أصلًا من مسار الصيد المعتاد؟ "ما الحل الآن؟" لم يجد أحد جوابًا. صاح ماجد: "أنس! تعال إلى هنا!" كان يبحث عن آثار. "انظروا، إنه مروان!" فوق الشجرة، كان صديقهم متسلقًا الشجرة الكبيرة. نادوه، فلم يردّ. صعد أنس إليه، وتبعه ماجد، بينما بقي الرجال يراقبون من الأسفل. وصل أنس إلى مروان، ولحقه ماجد، لينصدما بهول ما رأياه: مروان قد أغرس في قلبه سيفه بيده. جعل هذا المنظر أنس يفكر: ما الذي حصل مع مروان ليدفعه إلى قتل نفسه؟ كان مروان من أشجع الرجال، أحد قادتهم، وسبق له أن قاتل دبًّا أقرن من قبل ونجا. قطع هذا التفكير ماجد، وهو يربّت على كتف أنس: "انظر هناك." وإذا بدبٍّ أقرن، ربما أكبر دبٍّ شاهده هؤلاء الصيادون في حياتهم، قد لقي مصرعه بطريقةٍ وحشية، أحشاؤه في الخارج، وكأن خصمه أكل منه حتى شبع ثم تركه. أمر أنس الرجال بإيقاف البحث، وأن يجتمعوا هناك لينزلوا جثمان صاحبهم. وصلت مجموعة فارس إلى مجموعة أنس. قال فارس: "عروة ورجاله سيلحقون بي. وجدوا آثار أرانب متحورة، سيصطادونها ثم يلحقون بنا." نظر أنس إليه، والخوف الذي حاول كتمه يتسرب رغمًا عنه. "انفخوا أبواق الانسحاب. لا يجب أن يبقى أحد هنا حتى المغيب. هيا بنا." لاحظ فارس التوتر على وجهه. "ماذا هناك؟" لم يجبه أحد. رأى فارس مروان، وقد قتل نفسه بسيفه، فصمت. صعد الجميع إلى خيولهم، ووضعوا جثة صديقهم على عربة الفرائس. صاح أنس بهم: "لا تتوقفوا، ولا تنظروا خلفكم. إلى قرية العم طه، جميعًا!" --- لم يكن عروة قد سمع أبواق الانسحاب بعد. كان هو ورجاله الأربعة يتبعون آثار الأرانب المتحورة عميقًا داخل الغابة، حيث تكثف الشجر حتى ابتلع ضوء العصر، ولم يبقَ منه سوى خيوطٍ رفيعة تتسلل بصعوبة بين الأغصان. "هنا." أشار أحد الرجال إلى بقعة عشبٍ مسحوق، وريشٍ متناثر لا يشبه ريش أي طائرٍ رآه من قبل. توقف عروة. لم يكن يشعر بالبرد، لكن شعر ذراعيه انتصب فجأة، كما لو أن جسده عرف شيئًا لم يعرفه عقله بعد. "لماذا توقف الصياح خلفنا؟" سأل أحدهم، يقصد رجال أنس. لم يجبه أحد. الغابة نفسها بدت وكأنها توقفت عن التنفس؛ لا حفيف ورق، ولا صوت طائر، ولا حتى صوت أقدامهم على الأرض الرطبة. ثم جاء الصفير. خافتٌ في البداية، بعيد، يتردد بين الجذوع وكأنه يبحث عن شيء. تجمّد الرجال الخمسة في أماكنهم. "ما هذا؟" همس أحدهم، ويده تشتد على مقبض سيفه حتى ابيضّت أصابعه. جاءه الجواب من الجهة المقابلة تمامًا: صفيرٌ ثانٍ، أعمق، أقرب. نداءٌ ورد. "عروة." تراجع أحد الرجال خطوة، صوته يرتجف. "أريد العودة الآن." لم يستطع عروة أن يجيب. كان بصره مثبتًا على شيءٍ يتحرك بين جذوع الأشجار البعيدة، شيءٍ طويل، منتصب كإنسان، لكن مشيته لا تشبه مشية إنسان؛ اندفاعات متقطعة، سريعة جدًا، ثم توقفٌ مفاجئ وكأنه يشمّ الهواء. خرج من بين الأشجار. كان له رأس رجلٍ في أصله، لكن الفك ممتدٌ أكثر مما ينبغي لأي وجهٍ بشري، والعينان بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان على عروة وحده. جلده رمادي متشقق كلحاءٍ ميت، وذراعاه أطول من أن تليقا بجسده، تنتهيان بمخالب طويلة معقوفة لا تزال ملطخة بدمٍ لم يجفّ بعد. صرخ أحد الرجال، وركض دون أن ينتظر أمرًا. لم يُكمل خمس خطوات. اندفع نحوه المخلوق بسرعةٍ لم تسمح لعين بشرية أن تتبعها، فلا يرى المرء سوى الأثر بعد وقوعه: ذراعٌ ترتفع، ثم تهوي. لم يسمع أحد صوت اصطدامٍ، فقط رأى الرأس يطير عن الجسد ليسقط بعيدًا بين الأعشاب، بينما بقي الجسد واقفًا لحظةً قبل أن ينهار. لم يصرخ أحد. لم يستطع أحد. انقضّ الثاني من الجهة الأخرى في اللحظة نفسها، فأمسك بأحد الرجال من كتفه بقبضةٍ واحدة، ورفعه عن الأرض كما يرفع طفلٌ دمية، ثم أطبق فكّه على عنقه. لم يكن قتلًا سريعًا رحيمًا؛ كان المخلوق يمضغ وهو لا يزال يمسك بجسد الرجل المرتجف، وصوت العظم يتكسر بين أنيابه أعلى من أي صراخٍ آخر في تلك اللحظة. "عروة، تحرّك!" صاح الرجل الأخير المتبقي، لكن عروة لم يتحرك. رجلاه رفضتا حمله. استل سيفه بيدٍ ترتجف، واندفع نحو الوحش الأول بضربةٍ يائسة أكثر منها مدروسة. لم يصل السيف حتى منتصف المسافة؛ رفع المخلوق ذراعه، فاصطدم السيف بمخالبه وتطاير من يد عروة كأنه عودٌ يابس، وسقط عروة على ظهره من قوة الصدمة وحدها. نظر إلى الأعلى، فرأى الفك الممدود ينفتح فوقه، والعينين السوداوين تحدّقان فيه دون أثر جوعٍ ولا غضب، بل بشيءٍ أبرد من ذلك بكثير: لا مبالاة كاملة، وكأنه ليس أكثر من طعامٍ يتحرك بالصدفة على الأرض. كان آخر ما فكّر فيه عروة، قبل أن ينغرس الفك في كتفه، هو وجه الدب الأقرن الذي مرّوا بجثته قبل ساعة، وقد فهم أخيرًا، متأخرًا جدًا، لماذا تُركت أحشاؤه في العراء دون أن يُؤكل منها شيء. لم يكن جوعًا وحده ما فعل ذلك. كان تحذيرًا، لم يفهمه أحد إلا وهو يُمضغ. ---الفصل الرابع والعشرون: دماء الغابةفي فجر اليوم التالي، كان الضباب لا يزال معلقاً فوق قرية العم طه حين خرج أنس من خيمته، ومشى بين الرجال النائمين. لم يكن قد نام أكثر من ساعتين، لكن جسده اعتاد على هذا النوع من التعب. توقف عند النار التي كانت قد تحولت إلى رماد، ونظر إلى الغابة البعيدة التي كانت لا تزال مظلمة.كان قد اتخذ قراره قبل أن تشرق الشمس. سيختار عشرة رجال، لا أكثر. لن يأخذ جيشاً، لأن الجيش يجذب الانتباه. سيأخذ من يعرف كيف يصمت، ومن يعرف كيف ينتظر.مرّ بين الخيام، ونظر إلى الوجوه النائمة. كان بعضهم قد جرح في المعركة السابقة، وبعضهم كان لا يزال يحمل آثار الحروق. توقف عند رجل كان جالساً بعيداً عن النار، يصقل سيفه بحجر."لم تنم؟" سأل أنس.رفع الرجل رأسه. كان في الثلاثين، نحيلاً، بعينين هادئتين لا تكشفان شيئاً."لا أحب النوم قبل المعركة." قال الرجل."ما اسمك؟""زيد."جلس أنس بجانبه، ونظر إلى السيف."ستأتي معي."لم يسأل زيد إلى أين، ولا لماذا. فقط أومأ، وأعاد السيف إلى غمده.---في خيمة أخرى، كان أسر قد استيقظ قبل الفجر. خرج، ووجد أنس يقف عند حافة القرية."اخترت الرجال." قال أنس دون أن
الفصل الثاني والعشرون: أثر النار والقمحخرج أسر من قاعة الحكم وهو لا يزال يشعر بثقل كلمات والده في صدره. المشي في أروقة القصر لم يكن يساعد على التخلص من ذلك الإحساس الغريب الذي تركته نظرة وليد الأخيرة، تلك النظرة التي حملت أكثر من اعتذار. كانت تحمل شيئاً لم يستطع تسميته، كأن والده كان ينظر إليه وفي عينيه حزنٌ لشخصٍ لم يعد موجوداً.في الفناء الخلفي، وقف أسر للحظة، ورفع وجهه إلى السماء. كانت غائمة، والهواء بارد، ورائحة التراب المبلل تشي بأن المطر قادم. أغمض عينيه للحظة، وحاول أن يرتب الأفكار التي كانت تتزاحم في رأسه.الجيش في قرية العم طه. أنس وفيصل يقودانه. والده يعتذر من دون سبب واضح. راكان يرسل القمح والتمر من الأراضي المسترجعة. والجبال... الجبال لا تزال صامتة، منتظرة.فتح عينيه، وقراره كان قد تشكل في تلك اللحظة: لن ينتظر. سيذهب إلى قرية العم طه بنفسه. ليس ليقاتل، بل ليرى بأم عينيه ما يحدث. وليرى أنساً، ويتأكد من أنه بخير.لكن قبل أن يتحرك، مرّت بباله فكرة أخرى: أمينة. تذكر البيت الصغير عند طرف السوق، والمرأة التي كانت تنظر إليه من النافذة. لم يعرف لماذا توقف عند بيتها، لكن شيئاً في
الفصل الحادي والعشرون: ما وراء الحجر---لمن يرغب في متابعة رحلة أدهم وعابس بالتفصيل، وما سبق أن حدث لهما قبل دخولهما إلى درب القاطع، وما سيحدث لهما بعد ذلك، يمكنه قراءة أحداثهما كاملة في رواية «الحديد واللحم».---جلس وليد في قاعة الحكم، والضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، يرسم خطوطاً طويلة على أرضية الحجر الباردة. كان وجهه أقل شحوباً مما كان عليه قبل أسابيع، لكن يديه ما زالتا ترتجفان فوق ذراعي الكرسي. جلس أسر أمامه، ينظر إلى والده بعينين تقرآن ما لا يقوله."لقد سمعت أن الجيش وصل إلى قرية العم طه." قال وليد، صوته أضعف مما كان، لكنه واضح."نعم." قال أسر. "أنس وفيصل يقودانهم.""وهل تعتقد أنهم مستعدون؟"فكر أسر قبل أن يجيب. كان يعرف أن والده لا يسأل عن الاستعداد العسكري فقط."مستعدون بقدر ما يستطيعون." قال أسر. "لكن الاستعداد لا يكفي أحياناً."نظر وليد إلى ابنه طويلاً، ثم قال:"أنت تتحدث كأنك تعرف شيئاً لا أعرفه.""لا." قال أسر. "لكنني بدأت أفهم أن ما لا نعرفه قد يكون أخطر مما نعرفه."صمت وليد لحظة، ثم تنهد. نظر بعيداً نحو النافذة التي تطل على طرف السوق، حيث كان البيت الصغير. توقف ن
الفصل العشرون: ما تبقى منالم يتحرك أدهم.وقف هناك، يده على مقبض سيفه، وعيناه على قائد قطاع الطرق الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة، وسيفه مسلول، ووجهه يتقلب بين التهديد والتردد. كان الهمس قد خفت، لكن أثره بقي معلقاً في الهواء، كأن الصخور نفسها كانت تتنفس بصعوبة."ألقوا أسلحتكم." كرر قائد قطاع الطرق، لكن صوته لم يعد يحمل الثقة نفسها.نظر أدهم إلى رجاله. رأى الخوف في عيون بعضهم، والترقب في عيون آخرين. رأى عابس واقفاً إلى جانبه، سيفه نصف مسلول، وعيناه ثابتتان على العدو، لا ترتجفان.ثم نظر أدهم إلى الممر الضيق، إلى الصخور التي تحيط بهم، إلى الطريق الذي لا يبدو أن له نهاية."لا." قال أدهم، بصوت هادئ، ثم سحب سيفه في حركة واحدة.لم ينتظر رداً. اندفع نحو قائد قطاع الطرق قبل أن يكمل تفكيره، وسيفه يرسم قوساً في الهواء الضيق. اصطدم النصل بنصل آخر، وارتد الصوت بين الصخور كأنه طلق ناري."الآن!" صرخ أدهم، ورجاله تحركوا كجسد واحد.كان الممر ضيقاً، لا يتسع لأكثر من رجلين أو ثلاثة في آن واحد. هذه الميزة، التي كانت تهديداً في البداية، أصبحت الآن سلاح أدهم. قطاع الطرق لم يستطيعوا التقدم كلهم دفعة واحدة،
الفصل التاسع عشر: درب القاطعكانت آثار النار لا تزال دافئة حين وضع أدهم يده فوق الرماد. انحنى، وفرك بقايا الفحم بين أصابعه، ثم رفع عينيه نحو الممر المظلم أمامهم."منذ كم؟" سأل أحد الرجال."يومين، ربما ثلاثة." قال أدهم، وهو يمسح يديه من السواد. "ليست قديمة."وقف، ونظر حوله. إلى جانب بقايا النار، كانت هناك آثار أقدام متجهة إلى الأمام، وإلى الخلف أيضاً. وكأن من كانوا هنا قد ترددوا قبل أن يختاروا طريقهم."ربما مسافرون مثلنا." قال رجل آخر."مسافرون لا يتركون رماداً دافئاً دون أن يطفئوه." قال أدهم. "هؤلاء كانوا في عجلة، أو لم يهتموا إن عُثر عليهم."صمت الرجال. كان الجو بارداً، والهمس الذي سمعوه عند المدخل لم يعد، لكن شيئاً آخر حل محله: صمت أثقل، كأن الجبال نفسها كانت تنتظر.وقف أحد الرجال، واقترب من كومة صغيرة من الحجارة على جانب الممر. ركلها برفق، فانكشفت تحتها قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة داكنة.رفعها، ونظر إليها، ثم إلى أدهم."دم."اقترب أدهم، وتفحص القطعة. الدم لم يكن قديماً تماماً. مدّ أصابعه على حافة القماش، وشعر بأنها لا تزال رطبة قليلاً من برد الجبال."هم قريبون." قال أحمد، بصوته ال
الفصل الثامن عشر: ما تخفيه الجبال استيقظ أدهم على صوت ضحك.لم يكن ضحكاً عالياً، بل خافتاً، كمن يحاول أن يخفي فرحته ولا يستطيع. فتح عينيه فرأى أحمد جالساً على صخرة قريبة، ينظر إلى سنجاب صغير يتسابق مع غصن يتدلى من شجرة، ووجهه — وللمرة الأولى منذ أن عرفه — ليس متجمداً في تلك الكآبة المعتادة."إنه يلعب." قال أحمد، صوته يحمل دهشة طفل. "السنجاب يلعب مع الغصن."نهض أدهم واقترب منه، ووقف إلى جانبه. نظر إلى السنجاب، ثم إلى أحمد."أتعلم؟" قال أدهم، وهو يمسح الغبار عن ثوبه. "ظننت أن الجبال فقط هي التي تجعلك تبتسم.""الجبال لا تجعلني أبتسم." قال أحمد، وعيناه لا تفارقان السنجاب. "لكن هذا... هذا مختلف."وقف أدهم صامتاً لحظة. كان يعرف أن هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو عادية، هي في الحقيقة علامة على شيء أكبر: أن أحمد بدأ يرى العالم ليس فقط كألم، بل كشيء يمكن أن يكون جميلاً أيضاً."هيا." قال أدهم، وربت على كتفه. "الطريق طويل، والسنجاب سيبقى هنا حين نعود."لم يتحرك أحمد. ظل ينظر إلى السنجاب حتى اختفى بين الأغصان، ثم نهض أخيراً، وتبعه إلى حيث كان الرجال يجهزون الخيول.---كان الطريق شمالياً، يمر بين تل