Share

خارج الاسوار

last update publish date: 2026-08-22 18:44:06

# الفصل الخامس: خارج الأسوار

## حقول آل البدر

في حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.

استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.

استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.

ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ زمن. لكن ما شدّ نظر كبير الخدم لم يكن هزاله وحده، بل عيناه؛ هادئتان بشكل غريب، ثابتتان، لا تحملان خوف الغلمان الجدد المعتاد، بل شيئًا أعمق من ذلك — شيئًا يشبه نظرة من رأى أكثر مما ينبغي لعمره أن يرى.

قال له كبير الخدم: "سيدي، بماذا سينفعنا هذا الغلام الهزيل؟ خاصة ونحن مقبلون على موسم الحصاد. هكذا بنية لا تقوى على مثل هذه الأعمال الشاقة."

"لا أعلم ما الذي جعلني أشتريه. ربما أردتُ أن أغيّر مصير حياته." أمعن أدهم النظر فيه. "ورأيت ما به من حزن... من يدري ما هي قصته؟ وغمرني شعورٌ بأن أنقذه من بؤسه."

كان العمال منتشرين بين الحقول منذ الفجر، ظهورهم منحنية، أيديهم لا تتوقف. لا أحد يرفع رأسه أكثر مما يجب. هذه أرضٌ تُقاس فيها قيمة الإنسان بما ينتجه، لا بما يشعر به.

وصل الخبر مع القافلة الصباحية، يتناقله العمال همسًا وهم يعبرون بين السواقي: الملك بلغ حدود الوادي. لم يكن خبرًا يعني الكثير لمعظمهم، مجرد حديثٍ يُقتل به الوقت بين حمل الأكياس وتفريغها. لكن عابس، الذي كان يحاول أن يتعلّم كيف يُصلح حبلًا مقطوعًا عند حظيرة الخيل دون أن يعرف حتى اسم الرجل الذي أمره بذلك، توقفت يداه فجأة، وكأن الاسم وحده كفيلٌ بأن يوقف الزمن.

لاحظه سالم، أحد صبية الحظيرة، من بعيد. لم يكن يعرف الوافد الجديد إلا بالنظر؛ رآه مرتين منذ الأمس، مرة يُساق خلف الوكيل، ومرة يقف وحده عند حافة الحقل وكأنه لا يعرف أين يضع قدميه. اقترب منه الآن بفضولٍ أكثر منه بقلق.

"أنت الغلام الجديد." وقف أمامه، يتفحصه كما يتفحص المرء شيئًا لم يعتد رؤيته بعد. "لماذا توقفت هكذا؟"

لم يجب عابس فورًا. أنهى العقدة التي كانت بين يديه بحركةٍ آلية، ثم جلس على كومة القش القريبة، وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

"أخبرني بما حصل." جلس سالم أمامه، فضوله يغلب حذره. "شحب وجهك بمجرد سماع اسم الملك. هل تعرفه؟"

نظر عابس إليه طويلاً، غريبًا كان أم لا، وكأن الكلمة التي طالما حبسها وجدت أخيرًا فمًا يسمعها.

"منذ سبع سنوات، حاول أبي أن يُخرجنا من الوادي." بدأ الكلام ببطء، كل جملة توضع في مكانها كحجرٍ يُختار بعناية. "كنت أصغر من أن أفهم لماذا كنا نركض في تلك الليلة، لكنني كنت كبيرًا بما يكفي لأتذكرها كاملة."

"من نحن؟"

"أنا، وأبي، وأخواتي الثلاث." توقف لحظة، وابتلع شيئًا في حلقه. "لم نصل إلى النهر. أدركنا حراس الميثاق قبل ذلك."

لم تكن سبع سنوات. كانت ليلتين لا أكثر، ما زال ترابهما عالقًا تحت أظافره. لكن عابس تعلّم في تلك الليلتين وحدهما درسًا لم يكن يحتاج إلى سبع سنوات ليتقنه: أن الحقيقة، حين تُقال كما هي أمام غريبٍ لم يعرفه سوى يومٍ واحد، تترك أثرًا يقود إلى صاحبها. فارتدى الزمن كقناع، ومدّه سبع سنوات كاملة، ليبتعد بنفسه عن تلك الليلة بقدر ما تحتمله الكلمات.

شحب وجه سالم. "عابس..." — استعاد الاسم لتوّه من ذاكرته، إذ لم يكن قد ناداه به من قبل.

"قتلوا أبي أولاً." واصل عابس بصوتٍ لا يرتفع ولا ينكسر، وكأنه يروي حكاية حدثت لغيره. "ثم واحدة من أخواتي، بضربة سيفٍ واحدة، أمام عيني. والأخريان بعدها بلحظات."

"وأنت؟ كيف خرجت؟"

"لم أخرج. ليس حقًا." أطرق عابس، ويداه ترتجفان قليلاً فوق ركبتيه. "أمسكت بسكينٍ كانت في جيبي، واندفعت نحو أحدهم في تلك الليلة، دون أن أفكر، دون أن أعرف حتى ماذا كنت أفعل. جرحت قدمه. ثم ركضت، وركضت، حتى لم أعد أسمع صراخهم خلفي."

"من كان؟ من فعل هذا بكم؟"

أطرق عابس، وللمرة الأولى بدا التردد على ملامحه، وكأنه يتذكر فجأة أن الرجل الجالس أمامه غريبٌ لا يعرف عنه شيئًا سوى ما قاله قبل لحظات.

"لن أخبرك اسمه اليوم." رفع رأسه أخيرًا، وعيناه فيهما ثباتٌ لم يعرفه سالم من قبل. "اسمٌ كهذا، إن خرج من فمك في المكان الخطأ، يقتلك أنت أيضًا. لكن اعلم أنه يخدم الملك، وأنه كان هناك، وأنني رأيت وجهه بوضوحٍ لن يفارقني ما حييت."

جلس سالم صامتًا، لا يجد كلمات تليق بما سمعه للتو من رجلٍ لم يعرف اسمه قبل يومٍ واحد.

"ولماذا الآن؟ لماذا تخبرني أنا بالذات، وأنت لا تعرفني؟"

توقف عابس، وكأن السؤال أعاده فجأة إلى حجمه الحقيقي: غريبٌ وسط غرباء، أفلت لسانه بما لم يكن ينوي قوله.

"لا أعرف." قالها بصدقٍ يشبه الاعتراف. ثم مدّ يده، وأمسك بكتف سالم بقوةٍ لم يتوقعها منه. "لكن إن نطقت بحرفٍ مما سمعته اليوم، فلن أكون أنا من يؤذيك."

نظر إليه سالم بذهولٍ يخترق الحذر، إذ لم يكن يعرف من هذا الغلام الجديد، الذي اشتُري قبل يومٍ واحد فقط ليخدم بيت آل البدر، أنه يحمل كل هذا خلف صمته القصير. كانت تلك اللحظة أول ما عرفه أحدٌ عن عابس على الإطلاق؛ لا صورة سابقة تنكسر، بل صفحة أولى تُفتح دفعة واحدة. ولم يكن يعرف أيضًا، وهو يصدّق كل كلمةٍ سمعها للتو، أن الوجه الذي يبحث عنه عابس ليس بعيدًا سبع سنوات، بل يبعد عنه الآن مسيرة أيام لا أكثر.

أطبق عابس على كتف سالم مرة أخيرة، ثم نهض، ومسح وجهه بكمّه، وعاد إلى الحبل المقطوع بين يديه، وكأن شيئًا لم يُقل.

---

## الغابات الجبلية غرب وادي العقيق

الغابات الجبلية غرب وادي العقيق

في الغابات الجبلية غرب وادي العقيق، كان أنس ومن معه يبحثون عن زميلهم المفقود مروان.

"مروان! هل تسمعني؟" كان الرجال يصيحون باسمه، وقد انقسموا إلى ثلاث فرق للبحث عنه. جميع الرجال خرجوا مع أنس بحثًا عن صديقهم.

انتهى الأثر عند مدخل وادي العظام، حيث توقف أنس ملاحظًا آثار مخالب دبٍّ أقرن على الأشجار. كل شيء يوحي بأن مروان قد دخل وادي العظام. جلس أنس يفكر، وقد بلغ أعلى مراحل التوتر: كان على مروان أن يذهب في مهمةٍ عادية لاصطياد الفرائس السهلة، فكيف أصبح فريسة لأعتى وحوش الوادي؟ وأين وادي العظام أصلًا من مسار الصيد المعتاد؟

"ما الحل الآن؟" لم يجد أحد جوابًا.

صاح ماجد: "أنس! تعال إلى هنا!" كان يبحث عن آثار. "انظروا، إنه مروان!"

فوق الشجرة، كان صديقهم متسلقًا الشجرة الكبيرة. نادوه، فلم يردّ. صعد أنس إليه، وتبعه ماجد، بينما بقي الرجال يراقبون من الأسفل. وصل أنس إلى مروان، ولحقه ماجد، لينصدما بهول ما رأياه: مروان قد أغرس في قلبه سيفه بيده.

جعل هذا المنظر أنس يفكر: ما الذي حصل مع مروان ليدفعه إلى قتل نفسه؟ كان مروان من أشجع الرجال، أحد قادتهم، وسبق له أن قاتل دبًّا أقرن من قبل ونجا.

قطع هذا التفكير ماجد، وهو يربّت على كتف أنس: "انظر هناك."

وإذا بدبٍّ أقرن، ربما أكبر دبٍّ شاهده هؤلاء الصيادون في حياتهم، قد لقي مصرعه بطريقةٍ وحشية، أحشاؤه في الخارج، وكأن خصمه أكل منه حتى شبع ثم تركه.

أمر أنس الرجال بإيقاف البحث، وأن يجتمعوا هناك لينزلوا جثمان صاحبهم.

وصلت مجموعة فارس إلى مجموعة أنس.

قال فارس: "عروة ورجاله سيلحقون بي. وجدوا آثار أرانب متحورة، سيصطادونها ثم يلحقون بنا."

نظر أنس إليه، والخوف الذي حاول كتمه يتسرب رغمًا عنه. "انفخوا أبواق الانسحاب. لا يجب أن يبقى أحد هنا حتى المغيب. هيا بنا."

لاحظ فارس التوتر على وجهه. "ماذا هناك؟"

لم يجبه أحد. رأى فارس مروان، وقد قتل نفسه بسيفه، فصمت.

صعد الجميع إلى خيولهم، ووضعوا جثة صديقهم على عربة الفرائس.

صاح أنس بهم: "لا تتوقفوا، ولا تنظروا خلفكم. إلى قرية العم طه، جميعًا!"

---

لم يكن عروة قد سمع أبواق الانسحاب بعد.

كان هو ورجاله الأربعة يتبعون آثار الأرانب المتحورة عميقًا داخل الغابة، حيث تكثف الشجر حتى ابتلع ضوء العصر، ولم يبقَ منه سوى خيوطٍ رفيعة تتسلل بصعوبة بين الأغصان.

"هنا." أشار أحد الرجال إلى بقعة عشبٍ مسحوق، وريشٍ متناثر لا يشبه ريش أي طائرٍ رآه من قبل.

توقف عروة. لم يكن يشعر بالبرد، لكن شعر ذراعيه انتصب فجأة، كما لو أن جسده عرف شيئًا لم يعرفه عقله بعد.

"لماذا توقف الصياح خلفنا؟" سأل أحدهم، يقصد رجال أنس.

لم يجبه أحد. الغابة نفسها بدت وكأنها توقفت عن التنفس؛ لا حفيف ورق، ولا صوت طائر، ولا حتى صوت أقدامهم على الأرض الرطبة.

ثم جاء الصفير.

خافتٌ في البداية، بعيد، يتردد بين الجذوع وكأنه يبحث عن شيء. تجمّد الرجال الخمسة في أماكنهم.

"ما هذا؟" همس أحدهم، ويده تشتد على مقبض سيفه حتى ابيضّت أصابعه.

جاءه الجواب من الجهة المقابلة تمامًا: صفيرٌ ثانٍ، أعمق، أقرب. نداءٌ ورد.

"عروة." تراجع أحد الرجال خطوة، صوته يرتجف. "أريد العودة الآن."

لم يستطع عروة أن يجيب. كان بصره مثبتًا على شيءٍ يتحرك بين جذوع الأشجار البعيدة، شيءٍ طويل، منتصب كإنسان، لكن مشيته لا تشبه مشية إنسان؛ اندفاعات متقطعة، سريعة جدًا، ثم توقفٌ مفاجئ وكأنه يشمّ الهواء.

خرج من بين الأشجار.

كان له رأس رجلٍ في أصله، لكن الفك ممتدٌ أكثر مما ينبغي لأي وجهٍ بشري، والعينان بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان على عروة وحده. جلده رمادي متشقق كلحاءٍ ميت، وذراعاه أطول من أن تليقا بجسده، تنتهيان بمخالب طويلة معقوفة لا تزال ملطخة بدمٍ لم يجفّ بعد.

صرخ أحد الرجال، وركض دون أن ينتظر أمرًا.

لم يُكمل خمس خطوات.

اندفع نحوه المخلوق بسرعةٍ لم تسمح لعين بشرية أن تتبعها، فلا يرى المرء سوى الأثر بعد وقوعه: ذراعٌ ترتفع، ثم تهوي. لم يسمع أحد صوت اصطدامٍ، فقط رأى الرأس يطير عن الجسد ليسقط بعيدًا بين الأعشاب، بينما بقي الجسد واقفًا لحظةً قبل أن ينهار.

لم يصرخ أحد. لم يستطع أحد.

انقضّ الثاني من الجهة الأخرى في اللحظة نفسها، فأمسك بأحد الرجال من كتفه بقبضةٍ واحدة، ورفعه عن الأرض كما يرفع طفلٌ دمية، ثم أطبق فكّه على عنقه. لم يكن قتلًا سريعًا رحيمًا؛ كان المخلوق يمضغ وهو لا يزال يمسك بجسد الرجل المرتجف، وصوت العظم يتكسر بين أنيابه أعلى من أي صراخٍ آخر في تلك اللحظة.

"عروة، تحرّك!" صاح الرجل الأخير المتبقي، لكن عروة لم يتحرك. رجلاه رفضتا حمله.

استل سيفه بيدٍ ترتجف، واندفع نحو الوحش الأول بضربةٍ يائسة أكثر منها مدروسة. لم يصل السيف حتى منتصف المسافة؛ رفع المخلوق ذراعه، فاصطدم السيف بمخالبه وتطاير من يد عروة كأنه عودٌ يابس، وسقط عروة على ظهره من قوة الصدمة وحدها.

نظر إلى الأعلى، فرأى الفك الممدود ينفتح فوقه، والعينين السوداوين تحدّقان فيه دون أثر جوعٍ ولا غضب، بل بشيءٍ أبرد من ذلك بكثير: لا مبالاة كاملة، وكأنه ليس أكثر من طعامٍ يتحرك بالصدفة على الأرض.

كان آخر ما فكّر فيه عروة، قبل أن ينغرس الفك في كتفه، هو وجه الدب الأقرن الذي مرّوا بجثته قبل ساعة، وقد فهم أخيرًا، متأخرًا جدًا، لماذا تُركت أحشاؤه في العراء دون أن يُؤكل منها شيء.

لم يكن جوعًا وحده ما فعل ذلك.

كان تحذيرًا، لم يفهمه أحد إلا وهو يُمضغ.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    النداء

    # الفصل الثامن: النداءبدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير."إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.ثم جاء الصوت.لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.كفى ذلك الجزء.رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حرك

  • صفير الجبال    الحصار

    # الفصل السابع: الحصارقبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي.استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس.جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا."سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف.""أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة."ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله."لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء."لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا."جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه

  • صفير الجبال    ثمن الولاء

    # الفصل السادس: ثمن الولاءانحنى وليد بالقدر المحسوب نفسه الذي أتقنه على مدى عشرين عامًا. "جلالتك يشرّف أرضنا بحضوره."ابتسم عمران تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبدًا. "وليد الرعد. سمعت أن رجالك ما زالوا يستخرجون الحديد بالكفاءة نفسها، رغم كل شيء.""رغم كل شيء، جلالتك، الوادي لا يعرف طريقةً أخرى للبقاء."لم يُعلّق الملك. نظر إلى راكان، ثم إلى أسر الذي وصل قبل لحظاتٍ فقط، أنفاسه أسرع مما ينبغي لرجلٍ لم يفعل شيئًا سوى المشي. توقفت عينا عمران عليه قليلًا أطول من اللازم."وهذان ابناك.""أسر وراكان، جلالتك."أومأ الملك برأسه دون اهتمامٍ ظاهر، لكن أسر لاحظ، كما يلاحظ دائمًا، أن شيئًا في تلك النظرة كان يزن لا يُحيّي."سنتحدث في القصر." قالها عمران، وتحرك دون أن ينتظر ردًّا.جلس الملك في صدر القاعة، ووليد أمامه، وعن يمينه أسر وراكان، وخلفه وقف سيف الضياء صامتًا كعادته."لنبدأ بما هو بسيط." قال عمران، وهو يتأمل كأس الماء أمامه دون أن يشربه. "الحديد. أنتجتم هذا العام أقل مما أنتجتموه في العام الماضي.""المناجم الشرقية انهارت جزئيًا في الشتاء، جلالتك. نعمل على إعادة فتحها.""وكم سيستغرق ذل

  • صفير الجبال    خارج الاسوار

    # الفصل الخامس: خارج الأسوار## حقول آل البدرفي حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ

  • صفير الجبال    الجسر العظيم

    # الفصل الرابع: الجسر العظيموصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه."كل شيء جاهز يا سيدي."لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا."لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه."من أين هذا؟""من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.لم يقل شيئًا آخر.

  • صفير الجبال    ما لا يقال

    # الفصل الثالث: ما لا يُقال## تدريب الصيادينتوقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه."لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد."كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا."مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب."وكم رجلاً يملك الملك؟"تردد راكان. "آلاف."صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"لم يجب أحد.نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه."إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status