LOGIN# الفصل الرابع: الجسر العظيم
وصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل. وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني. اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه. "كل شيء جاهز يا سيدي." لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا. "لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا." نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ. سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك. توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه. "من أين هذا؟" "من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته." هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها. لم يقل شيئًا آخر. لكن عينيه بقيتا على الحديد لحظة أطول مما يستدعيه فضولٌ عابر، كأنه يزن فيه شيئًا أثقل من وزنه الحقيقي. لقاء خالد والملك وصل الملك عمران عند الظهيرة التالية، وحاشيته تمتد خلفه كظلٍّ طويل. استقبله خالد عند مدخل الجسر، وانحنى بالقدر المطلوب بالضبط، لا أكثر ولا أقل. "جلالتك." "خالد." ابتسم الملك ابتسامة الرجل الذي يعرف قيمة من أمامه. "كيف حال الجنوب؟" "هادئ، كعادته منذ توقيع الهدنة. الحصاد جيد هذا العام، والحدود آمنة." أطرق خالد قليلاً. "وكيف حال الشمال، جلالتك؟" "مزدهر، لكنه ثقيل اللسان في كل ما يخص الضرائب الجديدة." ضحك الملك ضحكة قصيرة لا تحمل مرحًا حقيقيًا. "أظن أنك تعرف هذا الشعور." سارا جنبًا إلى جنب على الجسر، بينما كانت الحاشية تتبعهما على مسافة محسوبة. "سمعت أن الهدنة مع إيلار لا تزال صامدة." قال خالد. "صامدة، لكنها هشة." تنهد الملك. "السلام بعد حربٍ طويلة أشبه بجدارٍ أُعيد بناؤه على عجل. يبدو متينًا، حتى تختبره أول عاصفة." مشيا بصمتٍ قصير، قبل أن يقول الملك، بنبرةٍ لا تحمل مقدمات: "سنتوجه إلى وادي العقيق." توقف خالد خطوة واحدة، لا أكثر، لكن عين الملك كانت سريعة بما يكفي لتلحظها. "بعد كل هذه السنين؟" "حان الوقت." لم يزد الملك على ذلك. واصل السير وكأن الجملة لم تكن تحمل ثقلاً يستحق التوقف عنده. لكن خالد، وهو يمشي خطوة خلفه، شعر بشيء لم يشعر به منذ سنوات: أن هناك ما لا يُقال، وأن الرجل الذي يمشي أمامه، مهما بدا مسترخيًا، كان قد رتّب كل كلمة في هذا الحوار قبل أن ينطقها بوقت طويل. داخل الوادي اجتمع مجلس الشيوخ في القاعة الصخرية، وكان المكان أضيق من أن يستوعب كل هذا التوتر. جلس وليد في صدر القاعة، والعم طه إلى يمينه. وقف راكان قرب الباب، ذراعاه متشابكتان، وجلس أسر، لأول مرة، بين أعضاء المجلس لا خلفهم. "الملك على بعد ثلاثة أيام." بدأ وليد. "وعلينا أن نقرر كيف نستقبله." استمع، ولم يتكلم أكثر من ذلك. كان يفضّل أن يسمع أولاً، ويكتشف لاحقًا أين يكمن الخطأ في كل رأي قبل أن يكشف رأيه هو. تكلم العم طه أولاً. "نساوم." قالها بثقة من خبِر التفاوض طويلاً. "نمنحه بعض ما يريد، ونحتفظ ببعض ما نحتاج. لا مواجهة، ولا استسلام كامل." أومأ وليد، دون أن يوافق تمامًا. "طريق الوسط يفترض أن الطرفين يريدان شيئًا معتدلاً." قال أخيرًا. "ونحن لا نعرف بعد ماذا يريد الملك هذه المرة. المساومة على مجهول أشبه بالمقايضة في الظلام." اعترض راكان بحدة لم يخفِها. "إذًا لنُظهر له أننا لسنا في موقع من يُقايَض على الإطلاق." تقدم خطوة. "قوة، ولو ظاهرية، تكفي لتذكيره أن الوادي لم يعد يركع بصمت." نظر إليه وليد طويلاً. "وإن حسبها استفزازًا؟" سأل بهدوء. "رجلٌ يملك آلاف الرجال لا يحتاج مبررًا كبيرًا ليؤدّب من يظن أنه يتحداه. القوة التي لا تملك ما يسندها ليست قوة، بل دعوة." ساد صمت قصير في القاعة، ثم التفت الجميع إلى أسر. لم يتسرع. أخذ نفسًا، ونظر إلى أبيه قبل أن يتكلم. "كلاكما محق في جزء، ومخطئ في جزء." بدأ بهدوء لم يعتده المجلس منه. "العم طه محق: لا مواجهة مباشرة. وراكان محق أيضًا: الصمت وحده لن يحمينا. لكن كليكما ينسى شيئًا واحدًا." نظر حوله. "نحن لا نملك جيشًا يوازي جيش الملك، ولا نملك ما يكفي من الوقت للمساومة البطيئة. لكننا نملك ما لا يملكه أي طرفٍ آخر في هذه المملكة." توقف لحظة، يمنح كلماته وزنها. "حديدنا هو ما بنى انتصارهم على إيلار. وإيلار لن تصمت طويلاً، وهو يعرف ذلك أكثر منا جميعًا." التفت إلى وليد مباشرة. "لن نتوسل سلامًا، ولن نستفزّه بقوةٍ مصطنعة. سنجعله يفهم أن حاجته إلينا أكبر من غضبه علينا، أيًّا كان سبب هذا الغضب." ثم أضاف، بصوتٍ أهدأ لكنه لا يقل حسمًا: "وهناك شيء آخر يجب أن يعرفه هذا المجلس الآن." نظر إليه وليد بترقب لم يخفِه. "لسنا وحدنا صيادين نتدرب على الوحوش." قالها أسر أخيرًا. "منذ أشهر، نبني قوة سرية من رجالٍ أعلنت المملكة موتهم زورًا، أكثر من مئة رجل، يعرفون كل ممرٍّ وكل كهفٍ في هذه الجبال أكثر مما يعرفه أي جيش غازٍ." جمد الجميع. نظر وليد إلى ابنه بصدمة لم يحاول إخفاءها. "مئة رجل؟" همس العم طه، وقد اتسعت عيناه. "منذ متى؟" "منذ وقتٍ كافٍ ليصبحوا حقيقة، لا مجرد فكرة." أجاب أسر دون أن يتراجع عن نظرة أبيه. "لم أخبركم لأنني أردت التمرد، بل لأنني أردت أن يكون لدينا خيار إن فشلت كل الطرق الأخرى. واليوم، هذا الخيار هو ما سيمنحنا القوة لنتفاوض دون أن نتوسل، ودون أن نستفز." طال الصمت في القاعة أكثر من أي لحظة سبقتها. نظر وليد إلى ابنه طويلاً، بين الغضب من أن يُفاجَأ في مجلسه، والفخر بأن ابنه رأى ما لم يره هو، حتى استقرت ملامحه أخيرًا على شيء أقرب إلى القبول الحذر. "كان يجب أن تخبرني قبل هذه اللحظة." قالها بصوتٍ منخفض. "أعرف." لم يعتذر أسر أكثر من ذلك. "لكنني أخبرك الآن، حين يكون لهذه المعلومة قيمة تُستخدم، لا حين تكون مجرد سرٍّ يُثقل كاهلك أكثر مما يحمل بالفعل." نظر العم طه بينهما، ثم قال أخيرًا، بصوتٍ فيه مزيج من القلق والإعجاب: "يبدو أن هذا المجلس لديه الآن ورقة لم يكن يعرف أنه يملكها." "نعم، لدينا ما نضغط به على أنفسنا." قال وليد أخيرًا، بصوتٍ لا يخلو من ثقلٍ لم يُخفِه. "لكن انسوا هذا الأمر الآن، حتى نرى ماذا يريد الملك أولاً. بعدها... نسوّي هذا الأمر، يا أمير الحرب." نظر إلى أسر وهو ينطق اللقب الأخير، ولم تحمل نبرته سخرية واضحة، لكنها لم تحمل رضا أيضًا. بعد المجلس انفضّ المجلس بعد نقاشٍ لم يُرضِ وليد، وغادر الجميع واحدًا تلو الآخر، حتى بقي أسر وحده في القاعة، يراقب أباه الجالس صامتًا أمام النافذة. "منذ متى يا أبي؟" اقترب منه بصوتٍ خافت. "لماذا لم تخبرنا؟" جلس بجواره. "نحن عائلتك." لم يرد وليد. مدّ أسر يده، وأمسك بيد أبيه الجافة، الخشنة من سنوات لا تُحصى من العمل والقلق. سحب وليد يده بعنف. ثم، دون سابق إنذار، ضرب أسر بكفٍّ على وجهه. نظر أسر إلى الأرض، والصمت الذي أعقب الصفعة كان أثقل منها. "الآن تخبرني، بين مجلسي؟" ارتفع صوت وليد أخيرًا، مشحونًا بغضبٍ حبسه طويلاً. "أنت تبني جيشًا... تريد التمرد على والدك؟ يا لفخري بك. يا لفخري بك." "ليس الأمر كما تظن يا أبي." حاول أسر أن يشرح. "ليس وكأني..." "اخرس." قطع وليد كلامه. "بلغ بك الأمر إلى هذا الحد؟" "أبي، أنت مريض. يجب أن ترتاح." جمد وليد للحظة، وكأن السؤال أصابه في مكانٍ لم يتوقعه، ثم اشتد غضبه أكثر. "اغرب عن وجهي أيها العاق." نهض وليد، وقد ارتجفت يده من الغضب أكثر من المرض. "ألهذا اقترحت على الملك أن يسمح لنا بإنشاء فرق صيد؟ لتحوّلها إلى جيشك الخاص، أيها الماكر البذيء؟" "أنت تلومني على رحيل مالك؟" اشتدّ النقاش بين الأب وابنه، كل جملة تُلقى أثقل من سابقتها. "دعني أخبرك شيئًا." قال أسر، وقد بدأت السخرية تتسلل إلى صوته. "أيها الملك المحب لرعاياه." نظر إليه وليد بذهول، لكن أسر لم يتوقف. "هل تعلم كم أنقذت فرق الصيد الناس من الجوع والوحوش؟ ألا ترى أنه لم يعد أحد يطرق بابك يطلب خبزًا؟" "على الأقل مالك لم يمت." صرخ أسر، وضرب يده على الطاولة بقوة اهتزت لها الأكواب. "كما حصل مع معظم عائلات الوادي! الجميع هنا لديه من فارقته الحياة، وأنت ما زلت تلومني!" توقف للحظة، أنفاسه ثقيلة، ثم واصل بصوتٍ أشد قسوة مما سبق. "ماذا كنت ستقول للملك؟ \'نعمل لك اثنتي عشرة ساعة يوميًا ونحن قابلون بذلك\'؟" هزّ رأسه بمرارة. "لقد أضعفت هذا الوادي بهذه العشرين عامًا. جدي شداد أراد المجد على حساب الوادي. وأنت أردت الوادي على حساب كل شيء آخر. لكنك، يا أبي، على وشك أن تُذيب الصخر نفسه." انفتح الباب فجأة. "ما بك يا أسر؟" دخل راكان مسرعًا، الصدمة بادية على وجهه. "تجاوزت حدودك." أمسك بذراع أسر، وجرّه نحو الخارج. "ما بك؟ صوتك كان عاليًا جدًا." همس راكان بحدة وهما يبتعدان عن القاعة. "ماذا حصل؟" لم يجب أسر بعد. كان لا يزال يلهث من ثقل ما قاله، ومن ثقل الصفعة التي لم تغادر وجهه بعد، حين اندفع نحوهما أحد الحراس، وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة من الركض. "أين السيد وليد؟" سأل الحارس بصوتٍ يكاد ينكسر. توقف راكان. "في الداخل. ماذا هناك؟" "الملك..." ابتلع الحارس ريقه. "الملك على مشارف الوادي." جمد الاثنين في مكانهما. "الآن؟" نظر راكان إليه بذهول لم يحاول إخفاءه. "أليس من المفترض أن يصل بعد ثلاثة أيام؟" لم يجب الحارس. اكتفى بالإشارة نحو التلال الشرقية، حيث بدأت الرايات تلوح من بعيد، أقرب بكثير مما كان يجب أن تكون. نظر أسر إلى راكان، ونظر راكان إليه، وللحظة نسي الاثنان كل ما قيل في تلك القاعة قبل دقائق، إذ حلّت محله صدمة واحدة، ثقيلة، تشبه سكون ما قبل الانهيار: الملك لم يعد قادمًا. الملك وصل. ---الفصل الرابع والعشرون: دماء الغابةفي فجر اليوم التالي، كان الضباب لا يزال معلقاً فوق قرية العم طه حين خرج أنس من خيمته، ومشى بين الرجال النائمين. لم يكن قد نام أكثر من ساعتين، لكن جسده اعتاد على هذا النوع من التعب. توقف عند النار التي كانت قد تحولت إلى رماد، ونظر إلى الغابة البعيدة التي كانت لا تزال مظلمة.كان قد اتخذ قراره قبل أن تشرق الشمس. سيختار عشرة رجال، لا أكثر. لن يأخذ جيشاً، لأن الجيش يجذب الانتباه. سيأخذ من يعرف كيف يصمت، ومن يعرف كيف ينتظر.مرّ بين الخيام، ونظر إلى الوجوه النائمة. كان بعضهم قد جرح في المعركة السابقة، وبعضهم كان لا يزال يحمل آثار الحروق. توقف عند رجل كان جالساً بعيداً عن النار، يصقل سيفه بحجر."لم تنم؟" سأل أنس.رفع الرجل رأسه. كان في الثلاثين، نحيلاً، بعينين هادئتين لا تكشفان شيئاً."لا أحب النوم قبل المعركة." قال الرجل."ما اسمك؟""زيد."جلس أنس بجانبه، ونظر إلى السيف."ستأتي معي."لم يسأل زيد إلى أين، ولا لماذا. فقط أومأ، وأعاد السيف إلى غمده.---في خيمة أخرى، كان أسر قد استيقظ قبل الفجر. خرج، ووجد أنس يقف عند حافة القرية."اخترت الرجال." قال أنس دون أن
الفصل الثاني والعشرون: أثر النار والقمحخرج أسر من قاعة الحكم وهو لا يزال يشعر بثقل كلمات والده في صدره. المشي في أروقة القصر لم يكن يساعد على التخلص من ذلك الإحساس الغريب الذي تركته نظرة وليد الأخيرة، تلك النظرة التي حملت أكثر من اعتذار. كانت تحمل شيئاً لم يستطع تسميته، كأن والده كان ينظر إليه وفي عينيه حزنٌ لشخصٍ لم يعد موجوداً.في الفناء الخلفي، وقف أسر للحظة، ورفع وجهه إلى السماء. كانت غائمة، والهواء بارد، ورائحة التراب المبلل تشي بأن المطر قادم. أغمض عينيه للحظة، وحاول أن يرتب الأفكار التي كانت تتزاحم في رأسه.الجيش في قرية العم طه. أنس وفيصل يقودانه. والده يعتذر من دون سبب واضح. راكان يرسل القمح والتمر من الأراضي المسترجعة. والجبال... الجبال لا تزال صامتة، منتظرة.فتح عينيه، وقراره كان قد تشكل في تلك اللحظة: لن ينتظر. سيذهب إلى قرية العم طه بنفسه. ليس ليقاتل، بل ليرى بأم عينيه ما يحدث. وليرى أنساً، ويتأكد من أنه بخير.لكن قبل أن يتحرك، مرّت بباله فكرة أخرى: أمينة. تذكر البيت الصغير عند طرف السوق، والمرأة التي كانت تنظر إليه من النافذة. لم يعرف لماذا توقف عند بيتها، لكن شيئاً في
الفصل الحادي والعشرون: ما وراء الحجر---لمن يرغب في متابعة رحلة أدهم وعابس بالتفصيل، وما سبق أن حدث لهما قبل دخولهما إلى درب القاطع، وما سيحدث لهما بعد ذلك، يمكنه قراءة أحداثهما كاملة في رواية «الحديد واللحم».---جلس وليد في قاعة الحكم، والضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، يرسم خطوطاً طويلة على أرضية الحجر الباردة. كان وجهه أقل شحوباً مما كان عليه قبل أسابيع، لكن يديه ما زالتا ترتجفان فوق ذراعي الكرسي. جلس أسر أمامه، ينظر إلى والده بعينين تقرآن ما لا يقوله."لقد سمعت أن الجيش وصل إلى قرية العم طه." قال وليد، صوته أضعف مما كان، لكنه واضح."نعم." قال أسر. "أنس وفيصل يقودانهم.""وهل تعتقد أنهم مستعدون؟"فكر أسر قبل أن يجيب. كان يعرف أن والده لا يسأل عن الاستعداد العسكري فقط."مستعدون بقدر ما يستطيعون." قال أسر. "لكن الاستعداد لا يكفي أحياناً."نظر وليد إلى ابنه طويلاً، ثم قال:"أنت تتحدث كأنك تعرف شيئاً لا أعرفه.""لا." قال أسر. "لكنني بدأت أفهم أن ما لا نعرفه قد يكون أخطر مما نعرفه."صمت وليد لحظة، ثم تنهد. نظر بعيداً نحو النافذة التي تطل على طرف السوق، حيث كان البيت الصغير. توقف ن
الفصل العشرون: ما تبقى منالم يتحرك أدهم.وقف هناك، يده على مقبض سيفه، وعيناه على قائد قطاع الطرق الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة، وسيفه مسلول، ووجهه يتقلب بين التهديد والتردد. كان الهمس قد خفت، لكن أثره بقي معلقاً في الهواء، كأن الصخور نفسها كانت تتنفس بصعوبة."ألقوا أسلحتكم." كرر قائد قطاع الطرق، لكن صوته لم يعد يحمل الثقة نفسها.نظر أدهم إلى رجاله. رأى الخوف في عيون بعضهم، والترقب في عيون آخرين. رأى عابس واقفاً إلى جانبه، سيفه نصف مسلول، وعيناه ثابتتان على العدو، لا ترتجفان.ثم نظر أدهم إلى الممر الضيق، إلى الصخور التي تحيط بهم، إلى الطريق الذي لا يبدو أن له نهاية."لا." قال أدهم، بصوت هادئ، ثم سحب سيفه في حركة واحدة.لم ينتظر رداً. اندفع نحو قائد قطاع الطرق قبل أن يكمل تفكيره، وسيفه يرسم قوساً في الهواء الضيق. اصطدم النصل بنصل آخر، وارتد الصوت بين الصخور كأنه طلق ناري."الآن!" صرخ أدهم، ورجاله تحركوا كجسد واحد.كان الممر ضيقاً، لا يتسع لأكثر من رجلين أو ثلاثة في آن واحد. هذه الميزة، التي كانت تهديداً في البداية، أصبحت الآن سلاح أدهم. قطاع الطرق لم يستطيعوا التقدم كلهم دفعة واحدة،
الفصل التاسع عشر: درب القاطعكانت آثار النار لا تزال دافئة حين وضع أدهم يده فوق الرماد. انحنى، وفرك بقايا الفحم بين أصابعه، ثم رفع عينيه نحو الممر المظلم أمامهم."منذ كم؟" سأل أحد الرجال."يومين، ربما ثلاثة." قال أدهم، وهو يمسح يديه من السواد. "ليست قديمة."وقف، ونظر حوله. إلى جانب بقايا النار، كانت هناك آثار أقدام متجهة إلى الأمام، وإلى الخلف أيضاً. وكأن من كانوا هنا قد ترددوا قبل أن يختاروا طريقهم."ربما مسافرون مثلنا." قال رجل آخر."مسافرون لا يتركون رماداً دافئاً دون أن يطفئوه." قال أدهم. "هؤلاء كانوا في عجلة، أو لم يهتموا إن عُثر عليهم."صمت الرجال. كان الجو بارداً، والهمس الذي سمعوه عند المدخل لم يعد، لكن شيئاً آخر حل محله: صمت أثقل، كأن الجبال نفسها كانت تنتظر.وقف أحد الرجال، واقترب من كومة صغيرة من الحجارة على جانب الممر. ركلها برفق، فانكشفت تحتها قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة داكنة.رفعها، ونظر إليها، ثم إلى أدهم."دم."اقترب أدهم، وتفحص القطعة. الدم لم يكن قديماً تماماً. مدّ أصابعه على حافة القماش، وشعر بأنها لا تزال رطبة قليلاً من برد الجبال."هم قريبون." قال أحمد، بصوته ال
الفصل الثامن عشر: ما تخفيه الجبال استيقظ أدهم على صوت ضحك.لم يكن ضحكاً عالياً، بل خافتاً، كمن يحاول أن يخفي فرحته ولا يستطيع. فتح عينيه فرأى أحمد جالساً على صخرة قريبة، ينظر إلى سنجاب صغير يتسابق مع غصن يتدلى من شجرة، ووجهه — وللمرة الأولى منذ أن عرفه — ليس متجمداً في تلك الكآبة المعتادة."إنه يلعب." قال أحمد، صوته يحمل دهشة طفل. "السنجاب يلعب مع الغصن."نهض أدهم واقترب منه، ووقف إلى جانبه. نظر إلى السنجاب، ثم إلى أحمد."أتعلم؟" قال أدهم، وهو يمسح الغبار عن ثوبه. "ظننت أن الجبال فقط هي التي تجعلك تبتسم.""الجبال لا تجعلني أبتسم." قال أحمد، وعيناه لا تفارقان السنجاب. "لكن هذا... هذا مختلف."وقف أدهم صامتاً لحظة. كان يعرف أن هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو عادية، هي في الحقيقة علامة على شيء أكبر: أن أحمد بدأ يرى العالم ليس فقط كألم، بل كشيء يمكن أن يكون جميلاً أيضاً."هيا." قال أدهم، وربت على كتفه. "الطريق طويل، والسنجاب سيبقى هنا حين نعود."لم يتحرك أحمد. ظل ينظر إلى السنجاب حتى اختفى بين الأغصان، ثم نهض أخيراً، وتبعه إلى حيث كان الرجال يجهزون الخيول.---كان الطريق شمالياً، يمر بين تل







