Share

الجسر العظيم

last update publish date: 2026-08-22 11:43:22

# الفصل الرابع: الجسر العظيم

وصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.

وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.

اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه.

"كل شيء جاهز يا سيدي."

لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا.

"لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."

نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.

سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.

توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه.

"من أين هذا؟"

"من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."

هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.

لم يقل شيئًا آخر. لكن عينيه بقيتا على الحديد لحظة أطول مما يستدعيه فضولٌ عابر، كأنه يزن فيه شيئًا أثقل من وزنه الحقيقي.

لقاء خالد والملك

وصل الملك عمران عند الظهيرة التالية، وحاشيته تمتد خلفه كظلٍّ طويل.

استقبله خالد عند مدخل الجسر، وانحنى بالقدر المطلوب بالضبط، لا أكثر ولا أقل.

"جلالتك."

"خالد." ابتسم الملك ابتسامة الرجل الذي يعرف قيمة من أمامه. "كيف حال الجنوب؟"

"هادئ، كعادته منذ توقيع الهدنة. الحصاد جيد هذا العام، والحدود آمنة." أطرق خالد قليلاً. "وكيف حال الشمال، جلالتك؟"

"مزدهر، لكنه ثقيل اللسان في كل ما يخص الضرائب الجديدة." ضحك الملك ضحكة قصيرة لا تحمل مرحًا حقيقيًا. "أظن أنك تعرف هذا الشعور."

سارا جنبًا إلى جنب على الجسر، بينما كانت الحاشية تتبعهما على مسافة محسوبة.

"سمعت أن الهدنة مع إيلار لا تزال صامدة." قال خالد.

"صامدة، لكنها هشة." تنهد الملك. "السلام بعد حربٍ طويلة أشبه بجدارٍ أُعيد بناؤه على عجل. يبدو متينًا، حتى تختبره أول عاصفة."

مشيا بصمتٍ قصير، قبل أن يقول الملك، بنبرةٍ لا تحمل مقدمات:

"سنتوجه إلى وادي العقيق."

توقف خالد خطوة واحدة، لا أكثر، لكن عين الملك كانت سريعة بما يكفي لتلحظها.

"بعد كل هذه السنين؟"

"حان الوقت."

لم يزد الملك على ذلك. واصل السير وكأن الجملة لم تكن تحمل ثقلاً يستحق التوقف عنده.

لكن خالد، وهو يمشي خطوة خلفه، شعر بشيء لم يشعر به منذ سنوات: أن هناك ما لا يُقال، وأن الرجل الذي يمشي أمامه، مهما بدا مسترخيًا، كان قد رتّب كل كلمة في هذا الحوار قبل أن ينطقها بوقت طويل.

داخل الوادي

اجتمع مجلس الشيوخ في القاعة الصخرية، وكان المكان أضيق من أن يستوعب كل هذا التوتر.

جلس وليد في صدر القاعة، والعم طه إلى يمينه. وقف راكان قرب الباب، ذراعاه متشابكتان، وجلس أسر، لأول مرة، بين أعضاء المجلس لا خلفهم.

"الملك على بعد ثلاثة أيام." بدأ وليد. "وعلينا أن نقرر كيف نستقبله."

استمع، ولم يتكلم أكثر من ذلك. كان يفضّل أن يسمع أولاً، ويكتشف لاحقًا أين يكمن الخطأ في كل رأي قبل أن يكشف رأيه هو.

تكلم العم طه أولاً.

"نساوم." قالها بثقة من خبِر التفاوض طويلاً. "نمنحه بعض ما يريد، ونحتفظ ببعض ما نحتاج. لا مواجهة، ولا استسلام كامل."

أومأ وليد، دون أن يوافق تمامًا.

"طريق الوسط يفترض أن الطرفين يريدان شيئًا معتدلاً." قال أخيرًا. "ونحن لا نعرف بعد ماذا يريد الملك هذه المرة. المساومة على مجهول أشبه بالمقايضة في الظلام."

اعترض راكان بحدة لم يخفِها.

"إذًا لنُظهر له أننا لسنا في موقع من يُقايَض على الإطلاق." تقدم خطوة. "قوة، ولو ظاهرية، تكفي لتذكيره أن الوادي لم يعد يركع بصمت."

نظر إليه وليد طويلاً.

"وإن حسبها استفزازًا؟" سأل بهدوء. "رجلٌ يملك آلاف الرجال لا يحتاج مبررًا كبيرًا ليؤدّب من يظن أنه يتحداه. القوة التي لا تملك ما يسندها ليست قوة، بل دعوة."

ساد صمت قصير في القاعة، ثم التفت الجميع إلى أسر.

لم يتسرع. أخذ نفسًا، ونظر إلى أبيه قبل أن يتكلم.

"كلاكما محق في جزء، ومخطئ في جزء." بدأ بهدوء لم يعتده المجلس منه. "العم طه محق: لا مواجهة مباشرة. وراكان محق أيضًا: الصمت وحده لن يحمينا. لكن كليكما ينسى شيئًا واحدًا."

نظر حوله.

"نحن لا نملك جيشًا يوازي جيش الملك، ولا نملك ما يكفي من الوقت للمساومة البطيئة. لكننا نملك ما لا يملكه أي طرفٍ آخر في هذه المملكة." توقف لحظة، يمنح كلماته وزنها. "حديدنا هو ما بنى انتصارهم على إيلار. وإيلار لن تصمت طويلاً، وهو يعرف ذلك أكثر منا جميعًا."

التفت إلى وليد مباشرة.

"لن نتوسل سلامًا، ولن نستفزّه بقوةٍ مصطنعة. سنجعله يفهم أن حاجته إلينا أكبر من غضبه علينا، أيًّا كان سبب هذا الغضب."

ثم أضاف، بصوتٍ أهدأ لكنه لا يقل حسمًا:

"وهناك شيء آخر يجب أن يعرفه هذا المجلس الآن."

نظر إليه وليد بترقب لم يخفِه.

"لسنا وحدنا صيادين نتدرب على الوحوش." قالها أسر أخيرًا. "منذ أشهر، نبني قوة سرية من رجالٍ أعلنت المملكة موتهم زورًا، أكثر من مئة رجل، يعرفون كل ممرٍّ وكل كهفٍ في هذه الجبال أكثر مما يعرفه أي جيش غازٍ."

جمد الجميع.

نظر وليد إلى ابنه بصدمة لم يحاول إخفاءها.

"مئة رجل؟" همس العم طه، وقد اتسعت عيناه. "منذ متى؟"

"منذ وقتٍ كافٍ ليصبحوا حقيقة، لا مجرد فكرة." أجاب أسر دون أن يتراجع عن نظرة أبيه. "لم أخبركم لأنني أردت التمرد، بل لأنني أردت أن يكون لدينا خيار إن فشلت كل الطرق الأخرى. واليوم، هذا الخيار هو ما سيمنحنا القوة لنتفاوض دون أن نتوسل، ودون أن نستفز."

طال الصمت في القاعة أكثر من أي لحظة سبقتها.

نظر وليد إلى ابنه طويلاً، بين الغضب من أن يُفاجَأ في مجلسه، والفخر بأن ابنه رأى ما لم يره هو، حتى استقرت ملامحه أخيرًا على شيء أقرب إلى القبول الحذر.

"كان يجب أن تخبرني قبل هذه اللحظة." قالها بصوتٍ منخفض.

"أعرف." لم يعتذر أسر أكثر من ذلك. "لكنني أخبرك الآن، حين يكون لهذه المعلومة قيمة تُستخدم، لا حين تكون مجرد سرٍّ يُثقل كاهلك أكثر مما يحمل بالفعل."

نظر العم طه بينهما، ثم قال أخيرًا، بصوتٍ فيه مزيج من القلق والإعجاب:

"يبدو أن هذا المجلس لديه الآن ورقة لم يكن يعرف أنه يملكها."

"نعم، لدينا ما نضغط به على أنفسنا." قال وليد أخيرًا، بصوتٍ لا يخلو من ثقلٍ لم يُخفِه. "لكن انسوا هذا الأمر الآن، حتى نرى ماذا يريد الملك أولاً. بعدها... نسوّي هذا الأمر، يا أمير الحرب."

نظر إلى أسر وهو ينطق اللقب الأخير، ولم تحمل نبرته سخرية واضحة، لكنها لم تحمل رضا أيضًا.

بعد المجلس

انفضّ المجلس بعد نقاشٍ لم يُرضِ وليد، وغادر الجميع واحدًا تلو الآخر، حتى بقي أسر وحده في القاعة، يراقب أباه الجالس صامتًا أمام النافذة.

"منذ متى يا أبي؟" اقترب منه بصوتٍ خافت. "لماذا لم تخبرنا؟" جلس بجواره. "نحن عائلتك."

لم يرد وليد.

مدّ أسر يده، وأمسك بيد أبيه الجافة، الخشنة من سنوات لا تُحصى من العمل والقلق.

سحب وليد يده بعنف.

ثم، دون سابق إنذار، ضرب أسر بكفٍّ على وجهه.

نظر أسر إلى الأرض، والصمت الذي أعقب الصفعة كان أثقل منها.

"الآن تخبرني، بين مجلسي؟" ارتفع صوت وليد أخيرًا، مشحونًا بغضبٍ حبسه طويلاً. "أنت تبني جيشًا... تريد التمرد على والدك؟ يا لفخري بك. يا لفخري بك."

"ليس الأمر كما تظن يا أبي." حاول أسر أن يشرح. "ليس وكأني..."

"اخرس." قطع وليد كلامه. "بلغ بك الأمر إلى هذا الحد؟"

"أبي، أنت مريض. يجب أن ترتاح."

جمد وليد للحظة، وكأن السؤال أصابه في مكانٍ لم يتوقعه، ثم اشتد غضبه أكثر.

"اغرب عن وجهي أيها العاق." نهض وليد، وقد ارتجفت يده من الغضب أكثر من المرض. "ألهذا اقترحت على الملك أن يسمح لنا بإنشاء فرق صيد؟ لتحوّلها إلى جيشك الخاص، أيها الماكر البذيء؟"

"أنت تلومني على رحيل مالك؟"

اشتدّ النقاش بين الأب وابنه، كل جملة تُلقى أثقل من سابقتها.

"دعني أخبرك شيئًا." قال أسر، وقد بدأت السخرية تتسلل إلى صوته. "أيها الملك المحب لرعاياه."

نظر إليه وليد بذهول، لكن أسر لم يتوقف.

"هل تعلم كم أنقذت فرق الصيد الناس من الجوع والوحوش؟ ألا ترى أنه لم يعد أحد يطرق بابك يطلب خبزًا؟"

"على الأقل مالك لم يمت." صرخ أسر، وضرب يده على الطاولة بقوة اهتزت لها الأكواب. "كما حصل مع معظم عائلات الوادي! الجميع هنا لديه من فارقته الحياة، وأنت ما زلت تلومني!"

توقف للحظة، أنفاسه ثقيلة، ثم واصل بصوتٍ أشد قسوة مما سبق.

"ماذا كنت ستقول للملك؟ \'نعمل لك اثنتي عشرة ساعة يوميًا ونحن قابلون بذلك\'؟" هزّ رأسه بمرارة. "لقد أضعفت هذا الوادي بهذه العشرين عامًا. جدي شداد أراد المجد على حساب الوادي. وأنت أردت الوادي على حساب كل شيء آخر. لكنك، يا أبي، على وشك أن تُذيب الصخر نفسه."

انفتح الباب فجأة.

"ما بك يا أسر؟" دخل راكان مسرعًا، الصدمة بادية على وجهه. "تجاوزت حدودك."

أمسك بذراع أسر، وجرّه نحو الخارج.

"ما بك؟ صوتك كان عاليًا جدًا." همس راكان بحدة وهما يبتعدان عن القاعة. "ماذا حصل؟"

لم يجب أسر بعد. كان لا يزال يلهث من ثقل ما قاله، ومن ثقل الصفعة التي لم تغادر وجهه بعد، حين اندفع نحوهما أحد الحراس، وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة من الركض.

"أين السيد وليد؟" سأل الحارس بصوتٍ يكاد ينكسر.

توقف راكان. "في الداخل. ماذا هناك؟"

"الملك..." ابتلع الحارس ريقه. "الملك على مشارف الوادي."

جمد الاثنين في مكانهما.

"الآن؟" نظر راكان إليه بذهول لم يحاول إخفاءه. "أليس من المفترض أن يصل بعد ثلاثة أيام؟"

لم يجب الحارس. اكتفى بالإشارة نحو التلال الشرقية، حيث بدأت الرايات تلوح من بعيد، أقرب بكثير مما كان يجب أن تكون.

نظر أسر إلى راكان، ونظر راكان إليه، وللحظة نسي الاثنان كل ما قيل في تلك القاعة قبل دقائق، إذ حلّت محله صدمة واحدة، ثقيلة، تشبه سكون ما قبل الانهيار:

الملك لم يعد قادمًا.

الملك وصل.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    النداء

    # الفصل الثامن: النداءبدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير."إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.ثم جاء الصوت.لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.كفى ذلك الجزء.رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حرك

  • صفير الجبال    الحصار

    # الفصل السابع: الحصارقبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي.استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس.جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا."سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف.""أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة."ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله."لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء."لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا."جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه

  • صفير الجبال    ثمن الولاء

    # الفصل السادس: ثمن الولاءانحنى وليد بالقدر المحسوب نفسه الذي أتقنه على مدى عشرين عامًا. "جلالتك يشرّف أرضنا بحضوره."ابتسم عمران تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبدًا. "وليد الرعد. سمعت أن رجالك ما زالوا يستخرجون الحديد بالكفاءة نفسها، رغم كل شيء.""رغم كل شيء، جلالتك، الوادي لا يعرف طريقةً أخرى للبقاء."لم يُعلّق الملك. نظر إلى راكان، ثم إلى أسر الذي وصل قبل لحظاتٍ فقط، أنفاسه أسرع مما ينبغي لرجلٍ لم يفعل شيئًا سوى المشي. توقفت عينا عمران عليه قليلًا أطول من اللازم."وهذان ابناك.""أسر وراكان، جلالتك."أومأ الملك برأسه دون اهتمامٍ ظاهر، لكن أسر لاحظ، كما يلاحظ دائمًا، أن شيئًا في تلك النظرة كان يزن لا يُحيّي."سنتحدث في القصر." قالها عمران، وتحرك دون أن ينتظر ردًّا.جلس الملك في صدر القاعة، ووليد أمامه، وعن يمينه أسر وراكان، وخلفه وقف سيف الضياء صامتًا كعادته."لنبدأ بما هو بسيط." قال عمران، وهو يتأمل كأس الماء أمامه دون أن يشربه. "الحديد. أنتجتم هذا العام أقل مما أنتجتموه في العام الماضي.""المناجم الشرقية انهارت جزئيًا في الشتاء، جلالتك. نعمل على إعادة فتحها.""وكم سيستغرق ذل

  • صفير الجبال    خارج الاسوار

    # الفصل الخامس: خارج الأسوار## حقول آل البدرفي حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ

  • صفير الجبال    الجسر العظيم

    # الفصل الرابع: الجسر العظيموصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه."كل شيء جاهز يا سيدي."لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا."لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه."من أين هذا؟""من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.لم يقل شيئًا آخر.

  • صفير الجبال    ما لا يقال

    # الفصل الثالث: ما لا يُقال## تدريب الصيادينتوقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه."لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد."كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا."مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب."وكم رجلاً يملك الملك؟"تردد راكان. "آلاف."صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"لم يجب أحد.نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه."إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status