Share

ما لا يقال

last update publish date: 2026-08-22 11:43:03

# الفصل الثالث: ما لا يُقال

## تدريب الصيادين

توقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه.

"لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."

أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."

استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد.

"كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا.

"مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.

كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب.

"وكم رجلاً يملك الملك؟"

تردد راكان. "آلاف."

صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:

"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"

لم يجب أحد.

نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه.

"إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن، سنُسحق."

توقف، ثم أضاف بنبرة أثقل:

"وهناك عدو لا يحتاج سيفًا ليقتلنا."

نظر إليه أنس مستفهمًا.

"الجوع." قالها أسر وكأنه ينطق اسم عدو حقيقي. "الوادي لا يملك أرضًا زراعية تكفي نصف من يعيشون فيه. والأرض التي خسرناها منذ سبعة وعشرين عامًا لم تعد أرضنا. والتجار لا يجازفون بالوصول إلى أقصى الغرب، لأنهم يعرفون أن ما يخرج من هذا الوادي لا يعود دائمًا."

جال بنظره بين الرجال.

"وعددنا يكبر كل عام، بينما ما يصلنا من إمدادات لا يكبر معه."

صمت قليلاً، تاركًا الحقيقة تستقر.

"لن يهزمنا الملك بجيشه. سيهزمنا جوعنا، وهو لا يحتاج أن يرفع سيفًا واحدًا ليفعل ذلك."

ساد صمت ثقيل بين الرجال، مختلف عن أي صمتٍ سبقه في تدريباتهم.

"لذلك لن نصنع جيشًا يقاتل الملك وجهًا لوجه." تابع أسر. "سنصنع رجالًا يعرفون الوادي أكثر مما يعرفه أي جيش غازٍ، ويستطيعون فعل ما لا يستطيعه جيشٌ بأكمله."

"وما هو؟" سأل أنس.

"معرفة الجبل."

اقترب خطوة من أقرب صخرة، ووضع يده عليها كأنه يشير إلى شيء لا يراه أحد سواه.

"كل رجل هنا يجب أن يعرف عشرين طريقًا لا يعرفها جنود المملكة. يعرف أين يشرب، وأين يختبئ، وأين ينصب فخًا. يعرف كيف يقتل وحشًا... وكيف يعود حيًا."

ثم قالها، بصوتٍ هادئ لكنه استقر في الرجال كأنه قسم:

"الجيوش تنتصر في السهول. أما الجبال، فلا يحكمها إلا الصيادون."

ساد صمت طويل. لم يكن صمت هزيمة، بل صمت رجالٍ يعيدون ترتيب ما يعرفونه.

حتى راكان، الذي فتح فمه ليجادل، أغلقه دون أن ينطق. لم يكن قد هُزم؛ كان قد أدرك، فجأة، أن أسر لا ينظر فقط إلى معركةٍ محتملة، بل إلى الوادي كله وهو يموت ببطء من الداخل.

ابتسم أنس لأول مرة منذ بداية النقاش.

"لهذا السبب أنت القائد."

"لا." رد أسر مباشرة، دون أن تحمل نبرته أي تردد. "لهذا السبب لا أريد أن أصبح قائدًا."

لم يشرح أكثر. لم يكن يحتاج.

من كان يحمل هذا الوزن كل يوم --- وزن رجالٍ يثقون به أكثر مما يثقون بأنفسهم، ووزن قرارات تعني الفارق بين من يعود ومن لا يعود، ووزن وادٍ بأكمله يجوع بصمت --- لم يكن يطمح إلى مزيد منه. كان يحمله لأن أحدًا غيره لم يكن ليحمله بالقدر نفسه من الحذر.

لكنه، بينما كان يراقب وجوه الرجال أمامه، عرف شيئًا لم يقله بعد: الجوع مشكلة لا يحلها فخٌّ في الجبل، ولا معرفة بطريقٍ سري. الجوع يحتاج حلاً أكبر من كل ما دربوا عليه حتى الآن، حلاً لم يكن مستعدًا بعد أن يشاركهم إياه.

اقترب أحد الفتيان وهو يلهث، قاطعًا الصمت.

"أسر."

التفت الجميع.

"أمك تطلبك."

"الآن؟"

"تقول إن الأمر لا يحتمل التأجيل."

نظر أسر إلى راكان، ثم إلى الرجال من حوله.

"أكملوا التدريب."

التقط قوسه، وغادر بين الأشجار بخطًى لا تكشف عجلة، رغم أن كل من عرفه جيدًا كان يعلم أن هدوءه الظاهري نادرًا ما يعكس ما بداخله.

بقي راكان يراقب ظهره وهو يبتعد، حتى اختفى بين الأشجار.

قال أنس بصوتٍ منخفض، أقرب إلى الاعتراف منه إلى الحديث:

"أتعرف ما يزعجني فيه؟"

لم ينتظر ردًا.

"في كل مرة أظن أنني سبقته بخطوة... أكتشف أنه كان ينظر إلى النهاية منذ البداية."

لم يعقّب راكان فورًا. وقف صامتًا، عيناه على الأثر الذي تركه أسر بين الأعشاب، ثم قال بصوتٍ لا يخلو من إعجاب حقيقي:

"لا أحد هنا يشكّ في ذكائه."

التفت إليه أنس.

"لكن؟"

"لكن ذكاءه نفسه قد يكون ما يُغرقنا." جلس راكان على صخرة قريبة، يديه متشابكتين أمامه. "طرقٌ سرية، وفخاخ، ومعرفة بالجبل... كل هذا يبقينا أحياء لموسمٍ أو موسمين. لكنه لا يغيّر شيئًا. الملك سيبقى ملكًا، والوادي سيبقى يُستنزف، ونحن سنبقى نُدرّب رجالًا لا لشيء سوى أن يعرفوا كيف يهربون بمهارة أكبر."

أخذ أنس نفسًا طويلاً، وجلس بجانبه.

"وأنت ترى الحل في الحرب."

"لا أرى حربًا." صحح راكان بحدة هادئة. "أرى ثورة. هناك فرق."

نظر إليه أنس مستفهمًا.

"الحرب تعني أن نواجه جيش الملك في العراء، وهذا انتحار، حتى أسر يعرف ذلك." تابع راكان. "لكن الثورة لا تحتاج أن تواجه جيشًا. تحتاج أن تجعل حكم الملك على الوادي مستحيلاً. لا تقاتل رجاله في الميدان، بل تجعل كل قافلة تدخل الوادي مهددة، وكل ضريبة يجمعونها مكلفة أكثر مما تستحق، وكل حامية يتركونها هنا محاصرة بشعبٍ لا يعترف بها."

صمت أنس يفكر.

"هذا لا يختلف كثيرًا عما يخطط له أسر."

"يختلف في شيء واحد." رفع راكان إصبعه. "أسر يخطط لننجو. أنا أخطط لننتصر. وهذا فرقٌ لن يقبل أسر أن يعبره، مهما طال الوقت."

ساد صمت قصير بينهما.

"ولمَ لا؟" سأل أنس أخيرًا. "أنت تعرفه منذ الصغر أكثر مني."

تنهد راكان، ونظر نحو الجبال التي بدأت تتوارى خلف الغسق.

"لأنه يخاف أن يخسر مرة أخرى." قالها بصوتٍ أهدأ من المتوقع. "ووالدي علّمه أن الحذر نجاة، وأن كل قرارٍ متسرع ثمنه دمٌ لا يُعاد. وهو محق... إلى حد ما." أطبق قبضته ببطء. "لكن الحذر نفسه، إن طال أكثر مما ينبغي، يتحول إلى نوعٍ آخر من الموت. أبطأ، لكنه أكيد."

نظر أنس إليه طويلاً، وكأنه يزن كلامه بميزانٍ لم يستخدمه من قبل.

"أنت تتحدث كرجل قرر بالفعل."

لم ينكر راكان.

"أنا أتحدث كرجل تعب من مشاهدة الوادي يموت بهدوء، بينما نسمّي هذا الهدوء حكمة."

نهض، ونفض التراب عن ثوبه.

"أسر سيبقيهم أحياء لبعض الوقت." نظر نحو الرجال الذين عادوا إلى تدريبهم في الأفق. "لكن يومًا ما، سيأتي وقتٌ لا يكفي فيه أن نبقى أحياء. وحين يأتي ذلك اليوم... لن أنتظر إذنه."

## بيت راكان

لم يعرف كم مضى من الوقت وهو واقف عند الباب قبل أن يدخل.

فتحت ندى الباب قبل أن تلمسه يده، كأنها اعتادت معرفة وقع خطواته من بعيد.

"تأخرت."

لم يجب. نظر إلى الطفل النائم بين ذراعيها، ثم إليها، وكأنه يحاول أن يترك خارج الباب كل ما حمله معه من ذلك السهل الصغير بين الصخور.

"أنس يتحدث كثيرًا اليوم." قالت وهي تبتسم، محاولة أن تجرّه بلطف إلى الحديث.

"وأنا أستمع كثيرًا." ابتسم بدوره ابتسامة متعبة، ودخل.

جلس بجانبها على حافة السرير، ومدّ إصبعه ليلمس يد وليد الصغير النائمة فوق صدره.

"ما زال نائمًا كل هذا الوقت؟"

"لا يستيقظ إلا حين يشعر أن العالم هادئ بما يكفي." همست ندى. "غريب الأمر، أليس كذلك؟ في هذه الأيام بالذات."

نظر إليها راكان، فوجد في عينيها سؤالًا لم تنطقه.

"لا شيء يستحق القلق." قالها بسرعة أكبر مما ينبغي.

لم تصدقه. لم تحاول أن تظهر ذلك.

"سمّيناه وليد لسبب." قالت أخيرًا، بصوتٍ هادئ لا يخلو من ثقل. "أردته أن يحمل اسم رجلٍ يعرف كيف يحمي من يحب دون أن يخسرهم."

اقترب راكان أكثر، ولمس شعر الطفل الخفيف بحذر من لا يريد أن يوقظ نائمًا.

"سيحمل الاسم." قالها بهدوء. "وسأتأكد أن يحمل معه ما هو أكثر من مجرد اسم."

سكتت ندى لحظة، تراقب وجهه.

"أخبرني بشيء." قالت أخيرًا. "حين تتحدث عن عدم الانتظار... هل تفكر فيه؟" أومأت نحو الطفل. "أم تفكر في نفسك؟"

جمد راكان للحظة.

لم يجب فورًا. نظر إلى وليد الصغير، إلى يده الصغيرة المطبقة على لا شيء، إلى نفَسه الهادئ الذي لا يعرف بعد شيئًا عن الملوك ولا الجبال ولا الحديد.

"أفكر أنني لا أريده أن يكبر في وادٍ يتوارثه الخوف." قالها أخيرًا، بصوتٍ أخفت مما استخدمه طوال ذلك اليوم. "أبي حمى هذا الوادي بصبره. أنا لا أملك ما يكفي من الوقت لأحميه بالطريقة نفسها."

مدّت ندى يدها، وأمسكت بيده فوق الطفل النائم.

"إذن احمه." قالتها ببساطة. "لكن عد إليه بعدها. هذا كل ما أطلبه."

لم يعدها. اكتفى بإطباق يده على يدها، وبقيا صامتين، بينما كان وليد الصغير نائمًا بينهما، لا يعرف بعد أنه وُلد في وادٍ يحمل اسمه، وينتظر عاصفة تحمل الاسم نفسه.

## أم أسر

وجد أسر أمه جالسة عند باب البيت، تنتظره بصمتٍ لم يعتده منها.

"طلبتِني؟"

أومأت، وأشارت له بالجلوس بجانبها. انتظرت حتى استقر، ثم قالت، دون مقدمات:

"أبوك مريض."

توقف قلب أسر لحظة.

"مريض؟ منذ متى؟"

"منذ أشهر." خفضت صوتها، كأن الجدران نفسها قد تسمع. "يخفيه عن الجميع، حتى عن العم طه. لا يريد أن يظهر أمام شعبه ضعيفًا، لا الآن، والملك على الأبواب."

أطرق أسر، يحاول أن يستوعب.

"ولماذا تخبريني أنا؟"

نظرت إليه أمه طويلاً، بعينين حملتا كل السنوات التي راقبت فيها ابنها يكبر أسرع مما ينبغي.

"لأنك الوحيد الذي سيحتاجه هذا الوادي إن غاب أبوك يومًا." قالتها بصوتٍ يرتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك. "أعرف أنك لا تريد أن تكون قائدًا. سمعتك تقولها لأصدقائك أكثر من مرة."

لم يسأل كيف عرفت. لم يكن هذا وقت السؤال.

"لكن القدر لا يسأل عمّا نريد." أكملت. "ادعمه فيما هو قادم، حتى لو لم يطلب منك ذلك. سيحتاج ظهرك، سواء أدرك هو ذلك أم لا."

صمتت لحظة، ثم أمسكت بيده بقوة لم يتوقعها.

"وشيء آخر."

نظر إليها أسر، فوجد في عينيها خوفًا لم يره من قبل.

"احذر من الظلال."

جمد أسر في مكانه.

"لم أفهم."

"لست أفهم أنا أيضًا، لا بالكامل." هزّت رأسها، وكأنها تبعد عن نفسها ذكرى لا تريد الاقتراب منها. "لكن أباك يعرف عنها أكثر مما يقول، وقد رأيت الخوف في عينيه كلما ذُكر اسمها، حتى قبل أن يمرض. اسأله إن استطعت. وإن لم يجب... فاحذر أنت بنفسك."

بقي أسر صامتًا طويلاً، والكلمات تستقر في صدره كحجارة.

ثم نهض ببطء، وقبّل رأس أمه.

"سأدعمه." قالها بثبات، وإن كان صوته يحمل ثقلاً جديدًا لم يكن فيه قبل دقائق. "ولن أدعه يحمل هذا وحده."

غادر البيت، وخطواته أبطأ من المعتاد، وعيناه على الجبال البعيدة التي بدأت تبتلع آخر ضوء النهار.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    دماء الغابة

    الفصل الرابع والعشرون: دماء الغابةفي فجر اليوم التالي، كان الضباب لا يزال معلقاً فوق قرية العم طه حين خرج أنس من خيمته، ومشى بين الرجال النائمين. لم يكن قد نام أكثر من ساعتين، لكن جسده اعتاد على هذا النوع من التعب. توقف عند النار التي كانت قد تحولت إلى رماد، ونظر إلى الغابة البعيدة التي كانت لا تزال مظلمة.كان قد اتخذ قراره قبل أن تشرق الشمس. سيختار عشرة رجال، لا أكثر. لن يأخذ جيشاً، لأن الجيش يجذب الانتباه. سيأخذ من يعرف كيف يصمت، ومن يعرف كيف ينتظر.مرّ بين الخيام، ونظر إلى الوجوه النائمة. كان بعضهم قد جرح في المعركة السابقة، وبعضهم كان لا يزال يحمل آثار الحروق. توقف عند رجل كان جالساً بعيداً عن النار، يصقل سيفه بحجر."لم تنم؟" سأل أنس.رفع الرجل رأسه. كان في الثلاثين، نحيلاً، بعينين هادئتين لا تكشفان شيئاً."لا أحب النوم قبل المعركة." قال الرجل."ما اسمك؟""زيد."جلس أنس بجانبه، ونظر إلى السيف."ستأتي معي."لم يسأل زيد إلى أين، ولا لماذا. فقط أومأ، وأعاد السيف إلى غمده.---في خيمة أخرى، كان أسر قد استيقظ قبل الفجر. خرج، ووجد أنس يقف عند حافة القرية."اخترت الرجال." قال أنس دون أن

  • صفير الجبال    النار والقمح

    الفصل الثاني والعشرون: أثر النار والقمحخرج أسر من قاعة الحكم وهو لا يزال يشعر بثقل كلمات والده في صدره. المشي في أروقة القصر لم يكن يساعد على التخلص من ذلك الإحساس الغريب الذي تركته نظرة وليد الأخيرة، تلك النظرة التي حملت أكثر من اعتذار. كانت تحمل شيئاً لم يستطع تسميته، كأن والده كان ينظر إليه وفي عينيه حزنٌ لشخصٍ لم يعد موجوداً.في الفناء الخلفي، وقف أسر للحظة، ورفع وجهه إلى السماء. كانت غائمة، والهواء بارد، ورائحة التراب المبلل تشي بأن المطر قادم. أغمض عينيه للحظة، وحاول أن يرتب الأفكار التي كانت تتزاحم في رأسه.الجيش في قرية العم طه. أنس وفيصل يقودانه. والده يعتذر من دون سبب واضح. راكان يرسل القمح والتمر من الأراضي المسترجعة. والجبال... الجبال لا تزال صامتة، منتظرة.فتح عينيه، وقراره كان قد تشكل في تلك اللحظة: لن ينتظر. سيذهب إلى قرية العم طه بنفسه. ليس ليقاتل، بل ليرى بأم عينيه ما يحدث. وليرى أنساً، ويتأكد من أنه بخير.لكن قبل أن يتحرك، مرّت بباله فكرة أخرى: أمينة. تذكر البيت الصغير عند طرف السوق، والمرأة التي كانت تنظر إليه من النافذة. لم يعرف لماذا توقف عند بيتها، لكن شيئاً في

  • صفير الجبال    ما وراء الحجر

    الفصل الحادي والعشرون: ما وراء الحجر---لمن يرغب في متابعة رحلة أدهم وعابس بالتفصيل، وما سبق أن حدث لهما قبل دخولهما إلى درب القاطع، وما سيحدث لهما بعد ذلك، يمكنه قراءة أحداثهما كاملة في رواية «الحديد واللحم».---جلس وليد في قاعة الحكم، والضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، يرسم خطوطاً طويلة على أرضية الحجر الباردة. كان وجهه أقل شحوباً مما كان عليه قبل أسابيع، لكن يديه ما زالتا ترتجفان فوق ذراعي الكرسي. جلس أسر أمامه، ينظر إلى والده بعينين تقرآن ما لا يقوله."لقد سمعت أن الجيش وصل إلى قرية العم طه." قال وليد، صوته أضعف مما كان، لكنه واضح."نعم." قال أسر. "أنس وفيصل يقودانهم.""وهل تعتقد أنهم مستعدون؟"فكر أسر قبل أن يجيب. كان يعرف أن والده لا يسأل عن الاستعداد العسكري فقط."مستعدون بقدر ما يستطيعون." قال أسر. "لكن الاستعداد لا يكفي أحياناً."نظر وليد إلى ابنه طويلاً، ثم قال:"أنت تتحدث كأنك تعرف شيئاً لا أعرفه.""لا." قال أسر. "لكنني بدأت أفهم أن ما لا نعرفه قد يكون أخطر مما نعرفه."صمت وليد لحظة، ثم تنهد. نظر بعيداً نحو النافذة التي تطل على طرف السوق، حيث كان البيت الصغير. توقف ن

  • صفير الجبال    ما تبقى منا

    الفصل العشرون: ما تبقى منالم يتحرك أدهم.وقف هناك، يده على مقبض سيفه، وعيناه على قائد قطاع الطرق الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة، وسيفه مسلول، ووجهه يتقلب بين التهديد والتردد. كان الهمس قد خفت، لكن أثره بقي معلقاً في الهواء، كأن الصخور نفسها كانت تتنفس بصعوبة."ألقوا أسلحتكم." كرر قائد قطاع الطرق، لكن صوته لم يعد يحمل الثقة نفسها.نظر أدهم إلى رجاله. رأى الخوف في عيون بعضهم، والترقب في عيون آخرين. رأى عابس واقفاً إلى جانبه، سيفه نصف مسلول، وعيناه ثابتتان على العدو، لا ترتجفان.ثم نظر أدهم إلى الممر الضيق، إلى الصخور التي تحيط بهم، إلى الطريق الذي لا يبدو أن له نهاية."لا." قال أدهم، بصوت هادئ، ثم سحب سيفه في حركة واحدة.لم ينتظر رداً. اندفع نحو قائد قطاع الطرق قبل أن يكمل تفكيره، وسيفه يرسم قوساً في الهواء الضيق. اصطدم النصل بنصل آخر، وارتد الصوت بين الصخور كأنه طلق ناري."الآن!" صرخ أدهم، ورجاله تحركوا كجسد واحد.كان الممر ضيقاً، لا يتسع لأكثر من رجلين أو ثلاثة في آن واحد. هذه الميزة، التي كانت تهديداً في البداية، أصبحت الآن سلاح أدهم. قطاع الطرق لم يستطيعوا التقدم كلهم دفعة واحدة،

  • صفير الجبال    درب القاطع

    الفصل التاسع عشر: درب القاطعكانت آثار النار لا تزال دافئة حين وضع أدهم يده فوق الرماد. انحنى، وفرك بقايا الفحم بين أصابعه، ثم رفع عينيه نحو الممر المظلم أمامهم."منذ كم؟" سأل أحد الرجال."يومين، ربما ثلاثة." قال أدهم، وهو يمسح يديه من السواد. "ليست قديمة."وقف، ونظر حوله. إلى جانب بقايا النار، كانت هناك آثار أقدام متجهة إلى الأمام، وإلى الخلف أيضاً. وكأن من كانوا هنا قد ترددوا قبل أن يختاروا طريقهم."ربما مسافرون مثلنا." قال رجل آخر."مسافرون لا يتركون رماداً دافئاً دون أن يطفئوه." قال أدهم. "هؤلاء كانوا في عجلة، أو لم يهتموا إن عُثر عليهم."صمت الرجال. كان الجو بارداً، والهمس الذي سمعوه عند المدخل لم يعد، لكن شيئاً آخر حل محله: صمت أثقل، كأن الجبال نفسها كانت تنتظر.وقف أحد الرجال، واقترب من كومة صغيرة من الحجارة على جانب الممر. ركلها برفق، فانكشفت تحتها قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة داكنة.رفعها، ونظر إليها، ثم إلى أدهم."دم."اقترب أدهم، وتفحص القطعة. الدم لم يكن قديماً تماماً. مدّ أصابعه على حافة القماش، وشعر بأنها لا تزال رطبة قليلاً من برد الجبال."هم قريبون." قال أحمد، بصوته ال

  • صفير الجبال    ما تخفيه الجبال

    الفصل الثامن عشر: ما تخفيه الجبال استيقظ أدهم على صوت ضحك.لم يكن ضحكاً عالياً، بل خافتاً، كمن يحاول أن يخفي فرحته ولا يستطيع. فتح عينيه فرأى أحمد جالساً على صخرة قريبة، ينظر إلى سنجاب صغير يتسابق مع غصن يتدلى من شجرة، ووجهه — وللمرة الأولى منذ أن عرفه — ليس متجمداً في تلك الكآبة المعتادة."إنه يلعب." قال أحمد، صوته يحمل دهشة طفل. "السنجاب يلعب مع الغصن."نهض أدهم واقترب منه، ووقف إلى جانبه. نظر إلى السنجاب، ثم إلى أحمد."أتعلم؟" قال أدهم، وهو يمسح الغبار عن ثوبه. "ظننت أن الجبال فقط هي التي تجعلك تبتسم.""الجبال لا تجعلني أبتسم." قال أحمد، وعيناه لا تفارقان السنجاب. "لكن هذا... هذا مختلف."وقف أدهم صامتاً لحظة. كان يعرف أن هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو عادية، هي في الحقيقة علامة على شيء أكبر: أن أحمد بدأ يرى العالم ليس فقط كألم، بل كشيء يمكن أن يكون جميلاً أيضاً."هيا." قال أدهم، وربت على كتفه. "الطريق طويل، والسنجاب سيبقى هنا حين نعود."لم يتحرك أحمد. ظل ينظر إلى السنجاب حتى اختفى بين الأغصان، ثم نهض أخيراً، وتبعه إلى حيث كان الرجال يجهزون الخيول.---كان الطريق شمالياً، يمر بين تل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status