Share

ما لا يقال

last update publish date: 2026-08-22 11:43:03

# الفصل الثالث: ما لا يُقال

## تدريب الصيادين

توقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه.

"لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."

أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."

استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد.

"كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا.

"مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.

كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب.

"وكم رجلاً يملك الملك؟"

تردد راكان. "آلاف."

صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:

"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"

لم يجب أحد.

نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه.

"إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن، سنُسحق."

توقف، ثم أضاف بنبرة أثقل:

"وهناك عدو لا يحتاج سيفًا ليقتلنا."

نظر إليه أنس مستفهمًا.

"الجوع." قالها أسر وكأنه ينطق اسم عدو حقيقي. "الوادي لا يملك أرضًا زراعية تكفي نصف من يعيشون فيه. والأرض التي خسرناها منذ سبعة وعشرين عامًا لم تعد أرضنا. والتجار لا يجازفون بالوصول إلى أقصى الغرب، لأنهم يعرفون أن ما يخرج من هذا الوادي لا يعود دائمًا."

جال بنظره بين الرجال.

"وعددنا يكبر كل عام، بينما ما يصلنا من إمدادات لا يكبر معه."

صمت قليلاً، تاركًا الحقيقة تستقر.

"لن يهزمنا الملك بجيشه. سيهزمنا جوعنا، وهو لا يحتاج أن يرفع سيفًا واحدًا ليفعل ذلك."

ساد صمت ثقيل بين الرجال، مختلف عن أي صمتٍ سبقه في تدريباتهم.

"لذلك لن نصنع جيشًا يقاتل الملك وجهًا لوجه." تابع أسر. "سنصنع رجالًا يعرفون الوادي أكثر مما يعرفه أي جيش غازٍ، ويستطيعون فعل ما لا يستطيعه جيشٌ بأكمله."

"وما هو؟" سأل أنس.

"معرفة الجبل."

اقترب خطوة من أقرب صخرة، ووضع يده عليها كأنه يشير إلى شيء لا يراه أحد سواه.

"كل رجل هنا يجب أن يعرف عشرين طريقًا لا يعرفها جنود المملكة. يعرف أين يشرب، وأين يختبئ، وأين ينصب فخًا. يعرف كيف يقتل وحشًا... وكيف يعود حيًا."

ثم قالها، بصوتٍ هادئ لكنه استقر في الرجال كأنه قسم:

"الجيوش تنتصر في السهول. أما الجبال، فلا يحكمها إلا الصيادون."

ساد صمت طويل. لم يكن صمت هزيمة، بل صمت رجالٍ يعيدون ترتيب ما يعرفونه.

حتى راكان، الذي فتح فمه ليجادل، أغلقه دون أن ينطق. لم يكن قد هُزم؛ كان قد أدرك، فجأة، أن أسر لا ينظر فقط إلى معركةٍ محتملة، بل إلى الوادي كله وهو يموت ببطء من الداخل.

ابتسم أنس لأول مرة منذ بداية النقاش.

"لهذا السبب أنت القائد."

"لا." رد أسر مباشرة، دون أن تحمل نبرته أي تردد. "لهذا السبب لا أريد أن أصبح قائدًا."

لم يشرح أكثر. لم يكن يحتاج.

من كان يحمل هذا الوزن كل يوم --- وزن رجالٍ يثقون به أكثر مما يثقون بأنفسهم، ووزن قرارات تعني الفارق بين من يعود ومن لا يعود، ووزن وادٍ بأكمله يجوع بصمت --- لم يكن يطمح إلى مزيد منه. كان يحمله لأن أحدًا غيره لم يكن ليحمله بالقدر نفسه من الحذر.

لكنه، بينما كان يراقب وجوه الرجال أمامه، عرف شيئًا لم يقله بعد: الجوع مشكلة لا يحلها فخٌّ في الجبل، ولا معرفة بطريقٍ سري. الجوع يحتاج حلاً أكبر من كل ما دربوا عليه حتى الآن، حلاً لم يكن مستعدًا بعد أن يشاركهم إياه.

اقترب أحد الفتيان وهو يلهث، قاطعًا الصمت.

"أسر."

التفت الجميع.

"أمك تطلبك."

"الآن؟"

"تقول إن الأمر لا يحتمل التأجيل."

نظر أسر إلى راكان، ثم إلى الرجال من حوله.

"أكملوا التدريب."

التقط قوسه، وغادر بين الأشجار بخطًى لا تكشف عجلة، رغم أن كل من عرفه جيدًا كان يعلم أن هدوءه الظاهري نادرًا ما يعكس ما بداخله.

بقي راكان يراقب ظهره وهو يبتعد، حتى اختفى بين الأشجار.

قال أنس بصوتٍ منخفض، أقرب إلى الاعتراف منه إلى الحديث:

"أتعرف ما يزعجني فيه؟"

لم ينتظر ردًا.

"في كل مرة أظن أنني سبقته بخطوة... أكتشف أنه كان ينظر إلى النهاية منذ البداية."

لم يعقّب راكان فورًا. وقف صامتًا، عيناه على الأثر الذي تركه أسر بين الأعشاب، ثم قال بصوتٍ لا يخلو من إعجاب حقيقي:

"لا أحد هنا يشكّ في ذكائه."

التفت إليه أنس.

"لكن؟"

"لكن ذكاءه نفسه قد يكون ما يُغرقنا." جلس راكان على صخرة قريبة، يديه متشابكتين أمامه. "طرقٌ سرية، وفخاخ، ومعرفة بالجبل... كل هذا يبقينا أحياء لموسمٍ أو موسمين. لكنه لا يغيّر شيئًا. الملك سيبقى ملكًا، والوادي سيبقى يُستنزف، ونحن سنبقى نُدرّب رجالًا لا لشيء سوى أن يعرفوا كيف يهربون بمهارة أكبر."

أخذ أنس نفسًا طويلاً، وجلس بجانبه.

"وأنت ترى الحل في الحرب."

"لا أرى حربًا." صحح راكان بحدة هادئة. "أرى ثورة. هناك فرق."

نظر إليه أنس مستفهمًا.

"الحرب تعني أن نواجه جيش الملك في العراء، وهذا انتحار، حتى أسر يعرف ذلك." تابع راكان. "لكن الثورة لا تحتاج أن تواجه جيشًا. تحتاج أن تجعل حكم الملك على الوادي مستحيلاً. لا تقاتل رجاله في الميدان، بل تجعل كل قافلة تدخل الوادي مهددة، وكل ضريبة يجمعونها مكلفة أكثر مما تستحق، وكل حامية يتركونها هنا محاصرة بشعبٍ لا يعترف بها."

صمت أنس يفكر.

"هذا لا يختلف كثيرًا عما يخطط له أسر."

"يختلف في شيء واحد." رفع راكان إصبعه. "أسر يخطط لننجو. أنا أخطط لننتصر. وهذا فرقٌ لن يقبل أسر أن يعبره، مهما طال الوقت."

ساد صمت قصير بينهما.

"ولمَ لا؟" سأل أنس أخيرًا. "أنت تعرفه منذ الصغر أكثر مني."

تنهد راكان، ونظر نحو الجبال التي بدأت تتوارى خلف الغسق.

"لأنه يخاف أن يخسر مرة أخرى." قالها بصوتٍ أهدأ من المتوقع. "ووالدي علّمه أن الحذر نجاة، وأن كل قرارٍ متسرع ثمنه دمٌ لا يُعاد. وهو محق... إلى حد ما." أطبق قبضته ببطء. "لكن الحذر نفسه، إن طال أكثر مما ينبغي، يتحول إلى نوعٍ آخر من الموت. أبطأ، لكنه أكيد."

نظر أنس إليه طويلاً، وكأنه يزن كلامه بميزانٍ لم يستخدمه من قبل.

"أنت تتحدث كرجل قرر بالفعل."

لم ينكر راكان.

"أنا أتحدث كرجل تعب من مشاهدة الوادي يموت بهدوء، بينما نسمّي هذا الهدوء حكمة."

نهض، ونفض التراب عن ثوبه.

"أسر سيبقيهم أحياء لبعض الوقت." نظر نحو الرجال الذين عادوا إلى تدريبهم في الأفق. "لكن يومًا ما، سيأتي وقتٌ لا يكفي فيه أن نبقى أحياء. وحين يأتي ذلك اليوم... لن أنتظر إذنه."

## بيت راكان

لم يعرف كم مضى من الوقت وهو واقف عند الباب قبل أن يدخل.

فتحت ندى الباب قبل أن تلمسه يده، كأنها اعتادت معرفة وقع خطواته من بعيد.

"تأخرت."

لم يجب. نظر إلى الطفل النائم بين ذراعيها، ثم إليها، وكأنه يحاول أن يترك خارج الباب كل ما حمله معه من ذلك السهل الصغير بين الصخور.

"أنس يتحدث كثيرًا اليوم." قالت وهي تبتسم، محاولة أن تجرّه بلطف إلى الحديث.

"وأنا أستمع كثيرًا." ابتسم بدوره ابتسامة متعبة، ودخل.

جلس بجانبها على حافة السرير، ومدّ إصبعه ليلمس يد وليد الصغير النائمة فوق صدره.

"ما زال نائمًا كل هذا الوقت؟"

"لا يستيقظ إلا حين يشعر أن العالم هادئ بما يكفي." همست ندى. "غريب الأمر، أليس كذلك؟ في هذه الأيام بالذات."

نظر إليها راكان، فوجد في عينيها سؤالًا لم تنطقه.

"لا شيء يستحق القلق." قالها بسرعة أكبر مما ينبغي.

لم تصدقه. لم تحاول أن تظهر ذلك.

"سمّيناه وليد لسبب." قالت أخيرًا، بصوتٍ هادئ لا يخلو من ثقل. "أردته أن يحمل اسم رجلٍ يعرف كيف يحمي من يحب دون أن يخسرهم."

اقترب راكان أكثر، ولمس شعر الطفل الخفيف بحذر من لا يريد أن يوقظ نائمًا.

"سيحمل الاسم." قالها بهدوء. "وسأتأكد أن يحمل معه ما هو أكثر من مجرد اسم."

سكتت ندى لحظة، تراقب وجهه.

"أخبرني بشيء." قالت أخيرًا. "حين تتحدث عن عدم الانتظار... هل تفكر فيه؟" أومأت نحو الطفل. "أم تفكر في نفسك؟"

جمد راكان للحظة.

لم يجب فورًا. نظر إلى وليد الصغير، إلى يده الصغيرة المطبقة على لا شيء، إلى نفَسه الهادئ الذي لا يعرف بعد شيئًا عن الملوك ولا الجبال ولا الحديد.

"أفكر أنني لا أريده أن يكبر في وادٍ يتوارثه الخوف." قالها أخيرًا، بصوتٍ أخفت مما استخدمه طوال ذلك اليوم. "أبي حمى هذا الوادي بصبره. أنا لا أملك ما يكفي من الوقت لأحميه بالطريقة نفسها."

مدّت ندى يدها، وأمسكت بيده فوق الطفل النائم.

"إذن احمه." قالتها ببساطة. "لكن عد إليه بعدها. هذا كل ما أطلبه."

لم يعدها. اكتفى بإطباق يده على يدها، وبقيا صامتين، بينما كان وليد الصغير نائمًا بينهما، لا يعرف بعد أنه وُلد في وادٍ يحمل اسمه، وينتظر عاصفة تحمل الاسم نفسه.

## أم أسر

وجد أسر أمه جالسة عند باب البيت، تنتظره بصمتٍ لم يعتده منها.

"طلبتِني؟"

أومأت، وأشارت له بالجلوس بجانبها. انتظرت حتى استقر، ثم قالت، دون مقدمات:

"أبوك مريض."

توقف قلب أسر لحظة.

"مريض؟ منذ متى؟"

"منذ أشهر." خفضت صوتها، كأن الجدران نفسها قد تسمع. "يخفيه عن الجميع، حتى عن العم طه. لا يريد أن يظهر أمام شعبه ضعيفًا، لا الآن، والملك على الأبواب."

أطرق أسر، يحاول أن يستوعب.

"ولماذا تخبريني أنا؟"

نظرت إليه أمه طويلاً، بعينين حملتا كل السنوات التي راقبت فيها ابنها يكبر أسرع مما ينبغي.

"لأنك الوحيد الذي سيحتاجه هذا الوادي إن غاب أبوك يومًا." قالتها بصوتٍ يرتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك. "أعرف أنك لا تريد أن تكون قائدًا. سمعتك تقولها لأصدقائك أكثر من مرة."

لم يسأل كيف عرفت. لم يكن هذا وقت السؤال.

"لكن القدر لا يسأل عمّا نريد." أكملت. "ادعمه فيما هو قادم، حتى لو لم يطلب منك ذلك. سيحتاج ظهرك، سواء أدرك هو ذلك أم لا."

صمتت لحظة، ثم أمسكت بيده بقوة لم يتوقعها.

"وشيء آخر."

نظر إليها أسر، فوجد في عينيها خوفًا لم يره من قبل.

"احذر من الظلال."

جمد أسر في مكانه.

"لم أفهم."

"لست أفهم أنا أيضًا، لا بالكامل." هزّت رأسها، وكأنها تبعد عن نفسها ذكرى لا تريد الاقتراب منها. "لكن أباك يعرف عنها أكثر مما يقول، وقد رأيت الخوف في عينيه كلما ذُكر اسمها، حتى قبل أن يمرض. اسأله إن استطعت. وإن لم يجب... فاحذر أنت بنفسك."

بقي أسر صامتًا طويلاً، والكلمات تستقر في صدره كحجارة.

ثم نهض ببطء، وقبّل رأس أمه.

"سأدعمه." قالها بثبات، وإن كان صوته يحمل ثقلاً جديدًا لم يكن فيه قبل دقائق. "ولن أدعه يحمل هذا وحده."

غادر البيت، وخطواته أبطأ من المعتاد، وعيناه على الجبال البعيدة التي بدأت تبتلع آخر ضوء النهار.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صفير الجبال    النداء

    # الفصل الثامن: النداءبدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير."إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.ثم جاء الصوت.لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.كفى ذلك الجزء.رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حرك

  • صفير الجبال    الحصار

    # الفصل السابع: الحصارقبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي.استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس.جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا."سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف.""أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة."ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله."لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء."لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا."جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه

  • صفير الجبال    ثمن الولاء

    # الفصل السادس: ثمن الولاءانحنى وليد بالقدر المحسوب نفسه الذي أتقنه على مدى عشرين عامًا. "جلالتك يشرّف أرضنا بحضوره."ابتسم عمران تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبدًا. "وليد الرعد. سمعت أن رجالك ما زالوا يستخرجون الحديد بالكفاءة نفسها، رغم كل شيء.""رغم كل شيء، جلالتك، الوادي لا يعرف طريقةً أخرى للبقاء."لم يُعلّق الملك. نظر إلى راكان، ثم إلى أسر الذي وصل قبل لحظاتٍ فقط، أنفاسه أسرع مما ينبغي لرجلٍ لم يفعل شيئًا سوى المشي. توقفت عينا عمران عليه قليلًا أطول من اللازم."وهذان ابناك.""أسر وراكان، جلالتك."أومأ الملك برأسه دون اهتمامٍ ظاهر، لكن أسر لاحظ، كما يلاحظ دائمًا، أن شيئًا في تلك النظرة كان يزن لا يُحيّي."سنتحدث في القصر." قالها عمران، وتحرك دون أن ينتظر ردًّا.جلس الملك في صدر القاعة، ووليد أمامه، وعن يمينه أسر وراكان، وخلفه وقف سيف الضياء صامتًا كعادته."لنبدأ بما هو بسيط." قال عمران، وهو يتأمل كأس الماء أمامه دون أن يشربه. "الحديد. أنتجتم هذا العام أقل مما أنتجتموه في العام الماضي.""المناجم الشرقية انهارت جزئيًا في الشتاء، جلالتك. نعمل على إعادة فتحها.""وكم سيستغرق ذل

  • صفير الجبال    خارج الاسوار

    # الفصل الخامس: خارج الأسوار## حقول آل البدرفي حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ

  • صفير الجبال    الجسر العظيم

    # الفصل الرابع: الجسر العظيموصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه."كل شيء جاهز يا سيدي."لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا."لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه."من أين هذا؟""من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.لم يقل شيئًا آخر.

  • صفير الجبال    ما لا يقال

    # الفصل الثالث: ما لا يُقال## تدريب الصيادينتوقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه."لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد."كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا."مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب."وكم رجلاً يملك الملك؟"تردد راكان. "آلاف."صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"لم يجب أحد.نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه."إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status