LOGIN# الفصل السابع: الحصار
قبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي. استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس. جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا. "سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف." "أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة." ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله." لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء. "لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا." جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه بسرعة لافتة. "أراضٍ منحتني إياها المملكة، جلالتك، مقابل ولاءٍ لم أتراجع عنه يومًا." "أعرف ذلك." أومأ عمران. "ولن أطلب منك التنازل عن كل ما تملك. لكن اسمع أولاً، قبل أن تحكم على القرار." انحنى إلى الأمام قليلاً. "هذا ليس رحمة بأهل الوادي، ولا شعورًا عابرًا بالذنب تجاه ما حدث منذ سنوات. هذا قرارٌ عسكري، يا خالد. سياسي وعسكري معًا." "لم أفهم بعد ما العلاقة." "الخطر لم يعد الوادي." قالها عمران ببطء، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن يُطلقها. "رأيت بنفسي، عند معسكري، ما لا أظن أنك رأيته من قبل. وحوشًا لا تشبه شيئًا نعرفه. لم تعد حكاية حدود بعيدة يُخيف بها العجائز الأطفال. هذا خطر يزحف، يا خالد، وقد لا يبقى محصورًا في تلك الجبال طويلاً." ضاق حاجبا خالد قليلاً، محاولًا أن يقرأ في وجه الملك أكثر مما يقوله لسانه. "وما علاقة هذا بمنح الوادي أرضًا وجيشًا؟" "لأن الخطر الحقيقي، يا خالد، ليس مخلوقًا في غابة." أجاب عمران بهدوء ثقيل. "الخطر الحقيقي شعبٌ محاصر، جائع، لم يعد لديه ما يخسره. لا يوجد أخطر من رجلٍ لا يملك شيئًا يخاف عليه — فما بالك بوادٍ كامل، وجيشٍ يُبنى في الخفاء سواء سمحتُ به أم لا؟" ساد صمت قصير، ثقيل بما يكفي ليشعر خالد بثقل كل كلمة. "إما أن أترك ذلك الغضب يتفجر يومًا يختاره هو، ضدي أو ضدك أو ضد أي أحد، أو أحوّله الآن إلى قوةٍ تخدمني، بشروطي أنا، في وجه عدوٍّ أكبر منا جميعًا." فكّر خالد للحظة طويلة، عيناه على النار المتراقصة في زاوية الخيمة. "منطقٌ لا يخلو من الحكمة، جلالتك." قالها أخيرًا. "لكنه منطقٌ يكلّفني أرضًا حصلت عليها بثمنٍ لم يكن رخيصًا." "ستُعوَّض." قال عمران ببساطة. "ليست الأرض وحدها ما يقلقني." اقترب خالد قليلاً، وخفض صوته حتى صار بالكاد يُسمع. "بشرط." نظر إليه عمران بصمت. اقترب خالد أكثر، وهمس بشيءٍ لم يصل إلى أذن أحدٍ في تلك الخيمة سوى الملك نفسه. تغيرت ملامح عمران ببطء، وطالت النظرة بينهما أكثر مما تحتمله أي مساومةٍ عادية. ثم قال الملك، بعد صمتٍ طويل: "هذا يعقّد الأمور أكثر مما ينبغي." "أو يبسّطها، جلالتك." ابتسم خالد ابتسامة لا تصل إلى عينيه أيضًا. "حسب من ينظر إليها." بقي عمران صامتًا لحظة أخرى، ثم نهض، وأشار لحرسه بالاستعداد للرحيل، دون أن يمنح خالد جوابًا واضحًا. --- بعيدًا عن الجسر، حين حلّ الظلام على قرية العم طه، لم تكن القرية نائمة. أُغلقت الأبواب واحدًا تلو الآخر منذ المغيب، لا بأمرٍ صريح، بل بذلك الإحساس الجمعي الذي يسري بين الناس حين يشعرون أن شيئًا ما تغيّر في الهواء نفسه. أطفأت النساء المصابيح مبكرًا، وأبقى الرجال أسلحتهم إلى جوارهم، وربطت الخيول بإحكامٍ أكبر من المعتاد، وكأنها هي الأخرى تشعر بما لا يستطيع أحد تسميته بعد. وقف أنس عند طرف القرية، عيناه لا تفارقان الطريق الممتد نحو الظلام، بينما توزّع رجاله على المداخل بصمتٍ لم يحتج فيه أحد إلى أوامر مفصّلة؛ فقد فعلوا هذا من قبل، وإن لم يكن الخوف بهذا الثقل من قبل. اقترب منه جابر، ممسكًا بقوسه بقوةٍ أكثر من اللازم. "لا أثر لأسر بعد؟" هزّ أنس رأسه دون أن يبعد نظره عن الطريق. "أرسلت له. سيأتي." "متى؟" لم يجب أنس. كان السؤال نفسه أثقل مما يحتمل جوابًا صادقًا. مرّت دقائق طويلة، لا يقطعها سوى صوت الريح بين الأشجار البعيدة، وأنينٍ خافت لبابٍ خشبي لم يُغلق تمامًا. ظنّ أنس مرتين أنه يرى ظلًّا يتحرك عند منحنى الطريق، فشدّ قبضته على سيفه، ليتضح في المرتين أنه ليس أكثر من غصنٍ يتمايل مع الريح. --- جاء صوت الحوافر فجأة، سريعًا، من عمق الظلام. انتفض الرجال جميعًا، ورفعوا أسلحتهم في حركةٍ واحدة. رفع أنس يده. "انتظروا." اقترب الصوت أكثر، حتى دخل حصانٌ نطاق الضوء الخافت المتسرب من القرية، مسرعًا، عرقه يتصبب، وعيناه جامحتان. لكن لا أحد فوق ظهره. توقف الحصان فجأة على مقربةٍ منهم، يلهث، يرتجف. تقدّم فارس خطوة، وتأمله بعينين ضاقتا فجأة. "هذا حصان عروة." لم يصرخ أحد. لم يتحرك أحد للحظة، وكأن الجملة نفسها احتاجت وقتًا لتصل إلى معناها الكامل. عرف أنس ذلك الحصان جيدًا؛ رآه يُسرج كل صباح، ورأى عروة يمتطيه بثقة الرجل الذي يعرف كل شبرٍ من تلك الغابة. وها هو يعود وحده، دون فارسه، عرقًا وخوفًا لا يخطئهما أحد رآه من قبل هادئًا. "لا أحد يخرج وحده." قالها أنس أخيرًا، بصوتٍ لا يحتمل نقاشًا. "لا أحد، مهما حدث." أشار لرجاله بالانتشار على مداخل القرية كلها، لا الطريق الرئيسي وحده، ووزّع الباقين على الأسوار المنخفضة والأزقة الجانبية. تبعثر الرجال في صمتٍ متوتر، كلٌّ يحمل سؤالًا لا يجرؤ على نطقه: هل عاد عروة سيرًا على الأقدام؟ أم أن شيئًا آخر أعاد الحصان بدلًا منه؟ لم يقدّم أحد جوابًا. --- حين ابتعد الرجال قليلاً لتنفيذ الأوامر، بقي أنس واقفًا وحده عند طرف القرية، يداه على مقبض سيفه، وعيناه على الأشجار البعيدة. حاول أن يقنع نفسه. "لا وجود لمثل هذه الحكايات." همس لنفسه، بصوتٍ لم يكن مقتنعًا به تمامًا حتى وهو ينطقه. "قصص عجائز يُخوَّف بها الأطفال." لكن جسده لم يصدّق ما قاله عقله. شدّ قبضته على السيف حتى آلمت أصابعه، وابتلع ريقه بصعوبة، وعيناه لا تكفّان عن التنقل بين ظلال الأشجار وكأنها تتحرك كلما ابتعد بصره عنها. تذكّر، رغم نفسه، حكايات سمعها صغيرًا عن تلك الغابة، عن أشياء لا اسم لها، لا يذكرها أحد بوضوح، وكأن حتى الكلام عنها يجلبها أقرب. لم يصدّقها يومًا. لم يكن ليصدّقها الآن أيضًا، لو لم يكن قد رأى بعينيه ما تبقى من الدب الأقرن، ولو لم يكن حصان عروة قد عاد فارغًا من الظلام نفسه الذي ابتلع صديقه. --- طال الانتظار. وقف أنس عند الطرف نفسه، لا يتزحزح، بينما الرجال خلفه صامتون في مواقعهم، والقرية بأكملها تحبس أنفاسها في هدوءٍ لا يشبه هدوء الليالي العادية. نظر إلى الطريق مرارًا. مرة ظنّ أنه يرى شكل رجلٍ يقترب، فتيقظ جسده كله، ليتضح أنه ظل شجرة تحرّكه الريح. مرة أخرى سمع حركةً خفيفة من جهة اليمين، فاستدار بسرعة، فلم يجد شيئًا سوى العتمة نفسها. لم يصل أسر. كان أنس يعرف أن كل دقيقةٍ تمر بلا وصوله تعني شيئًا واحدًا: أن القرار، أيًّا كان، سيقع عليه وحده. --- ثم جاء الصفير. بعيدًا في البداية، من جهة الغابة، خافتًا لدرجة أن أنس ظنّ للحظة أنه تخيّله. تجمّد في مكانه. ثم جاء صفيرٌ ثانٍ، من اتجاهٍ مختلف تمامًا، من الجهة المقابلة للقرية. نظر أحد الرجال خلفه إلى الآخر، بصمتٍ يسأل السؤال نفسه الذي لا يجرؤ أحد على نطقه. ثم صفيرٌ ثالث، من ناحية الجبل. ثم رابع، أقرب من الجميع، وكأنه صادرٌ من خلف أسوار القرية نفسها. لم يعد صفيرًا واحدًا يتردد بين الأشجار. أصبح أصواتًا متعددة، تتبادل النداء والرد من كل جهةٍ في آنٍ واحد، كأن الغابة كلها استيقظت فجأة لتتحدث بلغةٍ واحدة. وقف أنس بلا حراك، ويده على سيفه، وقلبه يدق أسرع مما يريد الاعتراف به. لم تكن هذه مصادفة. لم يكن هذا اقترابًا من جهةٍ واحدة يمكن الاستعداد له. القرية، بكل من فيها، لم تعد تنتظر خطرًا قادمًا من الطريق. كانت محاصرة.# الفصل الثامن: النداءبدأ المطر قبل أن يصل الصفير إلى ذروته، كأن السماء نفسها تستجيب لنداءٍ لم تسمعه القرية من قبل. لم يكن مطرًا عاديًا؛ كان ثقيلًا، باردًا، يضرب الأرض بعنفٍ يمحو كل أثرٍ ويُصمّ كل صوتٍ آخر تقريبًا — كل صوتٍ سوى الصفير."إلى مواقعكم!" صرخ أنس، وصوته يكاد يضيع بين هدير المطر. "لا أحد يتحرك من مكانه!"لكن الصفير لم يعد يتردد من بعيد. كان يقترب من جهاتٍ عدة في آنٍ واحد، وكأن دوائر من الظلام تضيق حول القرية ببطءٍ محسوب.ثم جاء الصوت.لم يكن صراخًا بشريًا. كان تمزّقًا — خشب بابٍ يتحطم عند الطرف الشمالي للقرية، يتبعه صوتٌ عميق، رطب، أقرب إلى زفيرٍ من صدرٍ ضخمٍ لا يتنفس كما يتنفس البشر.استدار الجميع نحو الصوت في اللحظة التي أضاء فيها البرق السماء لجزءٍ من ثانية.كفى ذلك الجزء.رأى أنس، ورأى رجاله معه، شبحًا يعبر ما تبقى من الباب المحطم: طويلًا، منتصبًا كإنسان، لكن كل شيءٍ آخر فيه يصرخ بأنه ليس كذلك. جلده رمادي متشقق يلمع تحت المطر كطينٍ جاف، وفكّه ممتدٌّ أكثر مما يحتمله أي وجهٍ بشري، وعيناه — حين أضاء البرق مجددًا — بلا بياضٍ فيهما، سوداوان بالكامل، ثابتتان في اتجاه أول حرك
# الفصل السابع: الحصارقبل ذلك بقليل، عند الجسر العظيم، لم يكن الملك عمران قد أتم بعد نصف الطريق إلى الوادي.استقبله خالد البدر عند مدخل خيمته المؤقتة، منحنيًا الانحناء اللائق بمقام الملك، لا أكثر ولا أقل، ثم أشار بيده نحو الداخل حيث فُرشت السجادات الثقيلة وأُعدّت الكؤوس.جلس عمران أولاً، وجلس خالد بعده، وبينهما تلك المسافة المحسوبة التي يعرفها كل من تعامل مع الملوك: قريبة بما يكفي لتبدو ثقة، بعيدة بما يكفي لتبقى احترامًا."سمعت أنك عدت إلى الجنوب الغربي منذ أسابيع فقط." بدأ عمران، وهو يتأمل الكأس أمامه دون أن يلمسها. "وها أنت هنا مجددًا، تاركًا أراضيك دون إشراف.""أراضٍ لا تُدار بحضوري وحده، جلالتك." أجاب خالد بهدوء. "لكن دعوتك لا تُترك دون إجابة."ابتسم عمران ابتسامة لا تحمل دفئًا. "دائمًا مهذب. حتى حين لا يكون المديح في محله."لم يعلّق خالد. كان يعرف أن الملك لم يستدعه ليتبادلا الثناء."لديّ قرار بشأن وادي العقيق." قال عمران أخيرًا، بنبرةٍ تحوّلت من المجاملة إلى شيء أكثر جدية. "سأعيد إليهم جزءًا من الأراضي الزراعية التي أُخذت منهم قبل 27 عامًا."جمد وجه خالد للحظة، ثم استعاد هدوءه
# الفصل السادس: ثمن الولاءانحنى وليد بالقدر المحسوب نفسه الذي أتقنه على مدى عشرين عامًا. "جلالتك يشرّف أرضنا بحضوره."ابتسم عمران تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه أبدًا. "وليد الرعد. سمعت أن رجالك ما زالوا يستخرجون الحديد بالكفاءة نفسها، رغم كل شيء.""رغم كل شيء، جلالتك، الوادي لا يعرف طريقةً أخرى للبقاء."لم يُعلّق الملك. نظر إلى راكان، ثم إلى أسر الذي وصل قبل لحظاتٍ فقط، أنفاسه أسرع مما ينبغي لرجلٍ لم يفعل شيئًا سوى المشي. توقفت عينا عمران عليه قليلًا أطول من اللازم."وهذان ابناك.""أسر وراكان، جلالتك."أومأ الملك برأسه دون اهتمامٍ ظاهر، لكن أسر لاحظ، كما يلاحظ دائمًا، أن شيئًا في تلك النظرة كان يزن لا يُحيّي."سنتحدث في القصر." قالها عمران، وتحرك دون أن ينتظر ردًّا.جلس الملك في صدر القاعة، ووليد أمامه، وعن يمينه أسر وراكان، وخلفه وقف سيف الضياء صامتًا كعادته."لنبدأ بما هو بسيط." قال عمران، وهو يتأمل كأس الماء أمامه دون أن يشربه. "الحديد. أنتجتم هذا العام أقل مما أنتجتموه في العام الماضي.""المناجم الشرقية انهارت جزئيًا في الشتاء، جلالتك. نعمل على إعادة فتحها.""وكم سيستغرق ذل
# الفصل الخامس: خارج الأسوار## حقول آل البدرفي حقول آل البدر، أو الأراضي المغتصبة كما يُطلق عليها أهل الوادي، جاء وكيل الأراضي أدهم البدر، ابن أخ خالد البدر، ومعه مزارعون — أو عبيدٌ جدد — ليساعدوا في توسعة الحقول.استقبل الخدم الوكيل أدهم بانحناءاتٍ سريعة وترتيبٍ متعجل. فأدهم، الذي بلغ الثامنة والعشرين من عمره، لا يشبه عمّه خالدًا في شيء ظاهر: مهذب اللسان، متعلم، يخاطب أصغر الخدم بالأدب نفسه الذي يخاطب به كبار الضيوف. لا يرفع صوته أبدًا مهما بلغ غضبه. لكن هذا الهدوء نفسه هو ما يخيف العمال أكثر من أي صراخ؛ فكلما اشتدّ غضب أدهم، ازدادت نبرته لينًا لا حدّة، وتباطأت كلماته وكأنه يزن كل حرفٍ قبل أن يُطلقه — وقلّ من رأى ذلك الهدوء يتحول إلى عقابٍ ونجا دون أن يحمل الدرس بقية حياته.استقبله الخادم: "مرحبًا سيدي." واستدار أدهم لينزع عنه الخادم رداءه، ذلك المعطف الأسود الذي لا يرتديه إلا رجلٌ فاحش الثراء.ردّ التحية على خادمه. فُتحت العربة لينزل العمال الجدد، فلفت الأنظار غلامٌ نحيل في السابعة عشرة من عمره نزل من عندها. ثيابه رثة بالكاد تصدّ برد الصباح، وشعره أشعث كأن يدًا لم تلمسه بعناية منذ
# الفصل الرابع: الجسر العظيموصل خالد البدر إلى الجسر العظيم قبل الجميع بيوم كامل.وقف عند الطرف الشرقي، يتأمل الجنود وهم يصطفون على جانبي الطريق، والقوافل المحمّلة تعبر ببطء، وأكوام الحديد القادم من الوادي مكدّسة على الضفة كأنها جبالٌ صغيرة من ظلٍّ معدني.اقترب أحد قادته، ينفض التراب عن درعه."كل شيء جاهز يا سيدي."لم يلتفت خالد إليه فورًا. كان بصره لا يزال على القوافل، يعدّ عرباتها دون أن يبدو عليه أنه يعدّ شيئًا."لا يوجد شيء جاهز." قال أخيرًا. "عندما يكون عمران حاضرًا."نظر القائد إليه مستغربًا، لكنه لم يسأل. تعلّم منذ سنوات أن أسئلة خالد البدر تأتي حين يقرر هو، لا حين يُستفزّ.سار خالد على طول الجسر ببطء، يتفحص كل شيء: عدد الحراس عند كل بوابة، اتجاه الرايات مع الريح، الوجوه المتعبة للجنود الذين قدِموا من معسكر الملك بعد ليلة الوحوش، والصمت الغريب الذي كان يخيّم على الجميع كلما ذُكر ما حدث هناك.توقف عند كومة الحديد، ومدّ يده ليلمس قطعة خام، يقلّبها بين أصابعه."من أين هذا؟""من الوادي، سيدي. آخر شحنة قبل وصول جلالته."هزّ خالد رأسه ببطء، وأعاد القطعة إلى مكانها.لم يقل شيئًا آخر.
# الفصل الثالث: ما لا يُقال## تدريب الصيادينتوقف التدريب حين رفع راكان صوته، محاولاً كسر صمت أرهقه."لا يكفي أن نكون صيادين بعد اليوم." نظر إلى الرجال المصطفين حوله. "يجب أن نتحول إلى جيش."أومأ أنس. "المملكة لن تمنحنا وقتًا لنتردد."استمع أسر دون أن يقاطع، عيناه تنتقلان بين الوجوه المتحمسة من حوله بهدوء لا يشبه حماسهم، كأنه يزن كلامهم قبل أن يسمح لنفسه بالرد."كم رجلاً لدينا؟" سأل أخيرًا."مئة وعشرون." أجاب راكان بثقة، وكأن الرقم بحد ذاته كان إنجازًا.كان العدد قد تضاعف أكثر من مرة منذ أول لقاء في ذلك السهل الصغير؛ كل شهر يصل رجلٌ جديد أعلنت المملكة موته، أو شابٌّ سئم مشاهدة أبيه يعود من المنجم أضعف مما ذهب."وكم رجلاً يملك الملك؟"تردد راكان. "آلاف."صمت أسر لحظة، ثم سأل، بصوتٍ لم يرتفع ولم ينخفض:"إذًا لماذا تريد جيشًا من مئة وعشرين رجلاً؟"لم يجب أحد.نظر أسر إلى الرجال المحيطين به، رجال قضوا سنوات يُظنون أمواتًا، ولم يشعر للحظة أن ثقتهم به عبء أخف مما هي عليه."إذا قاتلنا اليوم، سنموت." قالها ببساطة من اعتاد قول الحقائق المرة دون تجميل. "إذا اختبأنا، سنجوع. وإذا بقينا كما نحن،