LOGIN
كان يوم الاثنين، يوم إجازتي الوحيد.
جمعت أشيائي بصمت، وكأن كل قطعة أضعها في الحقيبة كانت تودّع جزءًا من حياتي القديمة. لم ألتفت كثيرًا حولي، فقط أنهَيْت كل شيء بسرعة، ثم خرجت نحو السيارة. جلست خلف المقود للحظات، أتنفّس بعمق. اليوم لم يكن عاديًا… كان اليوم الذي سأخطو فيه أول خطوة رسمية نحو النهاية. نحو الطلاق. اتجهت إلى المحكمة، والطرقات أمامي كانت أطول من المعتاد، وكأن كل متر يذكّرني بما سأواجهه بعد قليل. أوراق، قاضٍ، وقرار سيغيّر كل شيء. وعندما وصلت، أدركت أن هذا هو اليوم اليوم الذي لن أكون فيه كما كنت من قبل دخلتُ مبنى المحكمة بخطوات بطيئة، كأن الأرض أصبحت أثقل تحت قدمي. كل شيء حولي كان يبدو بارداً؛ الجدران، المقاعد، وحتى نظرات الناس التي تمرّ دون اهتمام. جلست في قاعة الانتظار، أضم حقيبتي بين يديّ وكأنها الشيء الوحيد الذي يثبتني في مكاني. كان قلبي يضرب بسرعة، ليس خوفاً… بل شيء يشبه النهاية التي تأخرت كثيراً كل صوت في القاعة كان يزداد وضوحاً: أوراق تُقلب، أبواب تُفتح وتُغلق، خطوات محامين لا يشعرون بثقل ما أمرّ به الآن. أما أنا… فكنت أنتظر لحظة اسمي. (هتون سليمان ) تقدمتُ نحو القاعة عندما نُودي عليّ. هناك، خلف الباب، كان كل شيء سيُحسم: قاضٍ، أوراق، وقرار لا رجعة فيه. وقفتُ للحظة قبل الدخول. سألت نفسي بصمت: هل أنا مستعدة فعلًا؟ لكن الحقيقة أنني كنت قد وصلت للنهاية منذ وقت طويل… اليوم فقط أوقّعها. دفعت الباب ودخلت. لا أب يقف خلفي، ولا أخ يسندني، ولا يد تمسك بيدي. فقط أنا… وصوت أنفاسي الذي أحاول إخفاء ارتباكه. كان الفراغ حولي أكبر من القاعة نفسها. شعرت وكأن الجميع يملكون جهة، سندًا، أو شخصًا يقف إلى جانبهم… إلا أنا. كنت الوحيدة التي تقف دون ظلّ يحميها. نظرت أمامي، حيث يجلس القاضي، وحيث تُلقى الكلمات التي ستحدد ما سيبقى وما سينتهي. لكن بداخلي، لم أكن أنتظر حكمهم… كنت أنتظر أن أنتهي من هذا الحمل الذي سُحب عليّ لسنوات. سُمِع صوت الأوراق وهي تُقلب، ثم ارتفع صوت رسمي يعلن بدء الجلسة. لكن داخلي كان أبعد من ذلك كله، كأنني لست في القاعة أصلًا، بل في مكان آخر… أراجع كل ما وصلت إليه. كم مرة تمنيت أن يكون لي صوت؟ كم مرة صمتُّ فقط لأن لا أحد كان يسمعني أصلًا؟ اليوم، لأول مرة، أنا هنا وحدي… لكنني واقفة وقفتُ في مكاني، بينما القاضي يقلب الأوراق أمامه بهدوءٍ يسبق الحكم. لم يكن هناك أحدٌ بجانبي… ولا أحدٌ في الجهة المقابلة أيضًا. فقط أنا، وهذا الصمت الثقيل الذي يملأ القاعة. رفع القاضي نظره إليّ، ثم بدأ يقرأ بصوت رسمي ما قُدِّم من طلب. طلب طلاق… من طرف الزوجة، مع الأدلة المرفقة التي تبيّن الأسباب والظروف. كنت أستمع، لكن الكلمات كانت تمرّ وكأنها ليست عني، وكأن هناك امرأة أخرى تقف هنا وتُساق حياتها بين الجمل القانونية. كل ما حولي كان باردًا ومنظمًا… قوانين، مواد، بنود… لكن داخلي كان شيئًا مختلفًا تمامًا؛ فوضى هادئة، وانهيار لا يُرى. سألني القاضي إن كان هذا قراري النهائي. توقفت لحظة. ليس لأنني مترددة… بل لأنني تذكرت كل اللحظات التي أوصلتني إلى هنا كل صمتٍ اضطررت لعيشه، وكل مرة حاولت فيها أن أكون قوية بينما كنت أتشقق من الداخل. رفعت رأسي. “نعم… هذا قراري.” خرجت الكلمة مني ثابتة أكثر مما توقعت. وفي تلك اللحظة، شعرت أن شيئًا بداخلي انكسر… لكنه لم يعد يؤلمني كما كان.مع انتهاء الحفل وهدوء المكان تدريجيًا، بدأ الضيوف بالمغادرة، وبقيت هتون للحظات قليلة قبل أن تستأذن هي الأخرى. وقفت قرب الجدة مرة أخيرة، وأمسكت يدها بلطف: “أرجو أن تكوني بخير دائمًا.” ابتسمت الجدة وربتت على يدها: “وأنتِ أيضًا… لا تغيبي طويلًا.” وودعت هاجر ومازن وبركت لهم . اكتفت هتون بابتسامة صغيرة، ثم التفتت نحو الحضور بإيماءة وداع عامة، دون أن تستثني أحدًا، وكأنها تغلق هذا اليوم بكل تفاصيله بهدوء. مرّت قرب سامر مرة أخيرة. توقف الزمن في تلك اللحظة لثوانٍ، لا حديث، لا نظرات طويلة، فقط لقاء عابر بين مسافتين. اكتفت هتون بإيماءة خفيفة جدًا، أقرب إلى التحية الرسمية، ثم واصلت طريقها دون أن تلتفت. هذه المرة لم يكن هناك ثقل… ولا انتظار… ولا محاولة لفهم ما لم يُقال. في الخارج، كان الهواء ليليًا هادئًا، والمدينة تمضي كعادتها بلا توقف. سارت هتون بخطوات ثابتة، تحمل في داخلها سكونًا مختلفًا عن بدايتها؛ ليس هروبًا، ولا ألمًا، بل فهمًا بسيطًا أن بعض الفصول لا تُعاد، بل تُغلق كما يجب. كانت قد عرفت طريقها، حتى لو لم يكن كله واضحًا بعد. وفي آخر مشهد… اختفت خطواتها تدريجي
بعد لحظات من الفوضى اللطيفة والضحك الذي لم تستطع كبحه، هدأت هتون قليلًا، لكنها ما لبثت أن انفجرت ضاحكة من جديد بكل صدق، كأنها تفرّغ عنها كل ما كان يثقل صدرها منذ أسابيع.جلست على مقعد خشبي قرب الحظيرة، تمسح دموع الضحك من عينيها، بينما العمة منيرة تنظر إليها بابتسامة دافئة، وقد بدا عليها السرور لرؤيتها بهذه الحالة.قالت هتون وهي تلتقط أنفاسها:“لم أكن أظن أنني سأضحك هكذا هنا… كدت أهرب من بقرة ودجاج في يوم واحد!”ضحكت العمة منيرة أيضًا، وربتت على كتفها:“هذه بداية جيدة، إذن أنتِ أصبحتِ واحدة منّا الآن.”مرّ الوقت سريعًا في ذلك اليوم بين حديث وضحك ومساعدة بسيطة لم تعد فيها هتون متوترة كما في البداية.وفي المساء، عندما اجتمع أهل القرية في مساحة صغيرة قرب الكوخ، جلست هتون بينهم بهدوء، تستمع أكثر مما تتكلم، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها.وقبل رحيل العمة منيرة، التفتت إليها هتون وقالت بصدق:“أريد أن أقول شيئًا… سأعود إلى المدينة بعد أيام قليلة، لكنني لن أعتبر هذه الزيارة الأخيرة.”توقفت قليلًا ثم أضافت:“لقد أحببت هذا المكان… الناس، البساطة، وحتى الفوضى التي فيه.”ابتسمت العمة منيرة وقالت:“ا
هتون كانت تحاول أن تبدو عادية، ترد على كلام الجدة بجمل قصيرة، وتجاري لين ب حديثها و طقتها وهي تتحدث عن كل م حدث معها بالمدرسه وتكتفي بالاستماع أكثر من المشاركة. لكنها كانت تشعر بثقل النظرات حولها، خصوصًا نظرة سامر التي كانت تأتيها ثم تنسحب وكأنها تبحث عن إجابة لا يريد طرحه.ساد صمت قصير بعد لحظات العشاء المتوترة، ثم تحركت هتون بهدوء، ورفعت نظرها إلى الجميع دفعة واحدة، دون أن تفرّق بين أحد وآخر.قالت بصوت هادئ وواضح:“أعتذر منكم جميعًا… طرأ أمرٌ ما ويجب أن أغادر الآن.”تبادل الحاضرون النظرات في صمت، بينما بقيت الجدة تراقبها بملامح تجمع بين الاستغراب وعدم الرضا عن استعجالها.اقتربت هتون أولًا من الجدة، وانحنت قليلًا احترامًا، ثم قالت بلطف:“أعتذر منكِ.”فأجابت الجدة بصوت خافت:“كنتِ ستبقين قليلًا على الأقل…”لكن هتون اكتفت بابتسامة مهذبة دون نقاش إضافي.ثم التفتت إلى البقية دفعة واحدة، واكتفت بإيماءة احترام عامة، دون الدخول في توديع مطوّل أو كلمات كثيرة.اقتربت من هاجر وودّعتها باختصار، وكذلك من ومازن، وكل منهما ردّ التحية بهدوء.ثم تحركت مباشرة نحو الباب.وعند مرورها قرب سامر، لم تتوقف
كانت الأيام تمضي، لكن الجوّ في الشركة لم يهدأ كما ينبغي. كلمات الأصدقاء لم تتوقف، ولم تعد مجرد تلميحات عابرة، بل صارت تُقال كلما سنحت الفرصة، وكأنها محاولة متعمّدة لدفع هتون إلى ردّة فعل. وهتون… كانت تصمت. لكن الصمت هذه المرة لم يكن كافيًا ليحميها من الداخل. في أحد الأيام، خرجت هتون من قاعة الاجتماعات بعد انتهاء يومٍ طويل. كانت تحمل بعض الملفات، وخطواتها أبطأ من المعتاد، وملامحها أقل تماسكًا. مرّت قرب مجموعة الأصدقاء.” ضحك مروان بخفة: “أحيانًا الإنسان يقترب من مكان ليس مكانه.” لم ترد هتون. لكن تلك الجملة الأخيرة كانت كفيلة بأن تُسقط ما تبقى من توازنها الداخلي. توقفت للحظة، قبضت على الملفات بقوة، ثم تابعت طريقها دون أن تنظر إليهم. خرجت إلى الممر الخارجي، ثم إلى الساحة الجانبية للمبنى. الهواء البارد اصطدم بوجهها، لكنها لم تشعر به. كانت الكلمات تدور في رأسها بلا توقف… “ليس مكانها…” خفضت نظرها، وشعرت أن صدرها يضيق أكثر من اللازم. حاولت أن تسيطر على نفسها، لكن شيئًا ما كان ينهار بصمت. في تلك اللحظة، كان سامر يخرج من جهة أخرى، وعيناه وقعتا عليها فورًا. لاحظ تغيّرها… خطواتها
امتدّت أجواءُ الفرح في أرجاءِ المكان، وازدادت دفئًا مع توافد العائلة والمقرّبين. كان كمال حاضرًا برفقة زوجته بسمة، وقد بدت على وجهها ابتسامةٌ هادئة تعبّر عن سعادتها، بينما كانت طفلتهما الصغيرة—هتون—تتشبّث بيده بين الحين والآخر، وعيناها تدوران في المكان بفضولٍ بريء. أمّا طفلهما الأصغر، فكان في أحضان والدته، يراقب الأضواء والحركة بدهشةٍ صامتة. اقترب كمال من هتون (الكبيرة)، وقال بودٍّ صادق: “أخيرًا نلتقي في مناسبةٍ سعيدة كهذه.” ابتسمت له، وانحنت قليلًا نحو الصغيرة: مرحبا هتون الصغيرة. اختبأت الطفلة خلف والدها بخجل، فضحك كمال بخفة: “ستعتاد عليكِ سريعًا…” في زاويةٍ أخرى، كانت الجدة قمر تجلس بهدوء، تُراقب المشهد بعينين تحملان حكمة السنين ورضًا عميقًا. إلى جانبها جلست لين، أكثر هدوءًا من المعتاد، لكنها بدت مطمئنة وسط هذا الجمع. قالت الجدة قمر بصوتٍ حانٍ: “الفرح حين يكون صادقًا… ينعكس على الجميع.” أومأت لين برأسها، وعيناها تتبعان تفاصيل الحفل، وكأنها تستوعب تلك اللحظات بطريقتها الخاصة. ولم تكن ريم بعيدة عن المشهد، إذ كانت تتنقّل بخفةٍ بين الحضور، تُساعد هنا وتُمازح هنا
في أحد المساءات، اقترح مازن أن يجتمع الفريق خارج العمل لتناول العشاء معًا، بعيدًا عن ضغط الشركة وأجوائها. كان المكان هادئًا ودافئًا، طاولة مستديرة جمعت هتون وسامر، ومازن وهاجر، وانضم إليهم لاحقًا كمال وزوجته بسمة. الأجواء في البداية كانت رسمية قليلًا، لكن مع الوقت بدأت الضحكات الخفيفة وكسر الجليد بين الجميع. قال كمال بابتسامة وهو ينظر حول الطاولة: “أخيرًا أراكم جميعًا في مكان واحد بعيدًا عن الملفات والاجتماعات.” ضحكت بسمة: “وهذه أول مرة أرى فيها سامر يبتسم خارج العمل.” نظر سامر بخفة: “ربما لأنني لست في اجتماع.” ابتسمت هتون بهدوء دون تعليق، لكنها كانت أكثر ارتياحًا من السابق. بعد قليل، تبادل مازن وهاجر نظرة قصيرة، ثم ساد صمت خفيف قبل أن يتكلم مازن لأول مرة بنبرة مختلفة قليلًا عن المعتاد. “بما أننا جميعًا مجتمعون… هناك خبر أردنا مشاركته.” نظرت إليه هاجر بابتسامة خفيفة، ثم قالت: “يبدو أنك ستسبقني بالكلام هذه المرة.” رفع مازن نظره للجميع وقال بهدوء واضح: “أنا وهاجر… مخطوبان، وسنتزوج قريبًا.” ساد صمت قصير في الطاولة، قبل أن تنفجر الابتسامات والتهاني. ابتسمت هتون بصدق: “م







