LOGINعاد أيمن من الخارج يخطو فوق درج السلم بخطواتٍ خفيفة، واثقة، كأن الأرض تحته قد تخلّت عن جاذبيتها وأطلقت سراحه. ملامحه التي طالما كساها التجهّم من قرف المشاكل انفرجت تمامًا؛ وعيناه تلمعان ببريقٍ دافئ، مشع، وشفتاه تحملان بقايا ابتسامة عذبة مخمورة بطعم النصر الأنثوي والخبر الهائل الذي زُفَّ إليه في الشقة؛ إنه ينتظر طفلاً من معشوقته ليلى.
قبل أن يطأ الطابق الأول، وجد شقيقته سمر تقف في الممر عند باب البوابة في انتظاره. التقطت سمر التغيير الجذري في حالته من النظرة الأولى؛ فلم تحتج لأكثر من ثانية واحدة لتقرأ ملامح الغنج والراحة المرتسمة على وجه أخيها، وعلمت أنه دخل في غيبوبة العشق مجددًا. بادرتها نبرته خفيفة، صافية، وتفيض بالسخاء - إزيك يا سمر، عاملة إيه؟ وأخبار الولاد؟ ابتسمت سمر بمكر، وهي تحاول أن تلتقط أول خيوط اللعبة لامتصاص هذا المزاج الرائق - الحمد لله يا خويا… إنت اللي عامل إيه وشك منور أهو؟ ما تيجي تدخل تشرب حاجة؟ تعلّقت عيناه بصدر البوابة الداخلي للحظة عابرة، مرتجفة، كأن غريزة البنوة تشده وجرح غضب أمه يصدّه، ثم قال بحرجٍ لطيف - معلش يا سمر… خليها مرة تانية، عاوز ارتاح شوية خفّضت سمر نبرتها، متصنعة حنان الأخت الكبرى واستدرار عطفه - ما تيجي يا أيمن… ماما جوه، والصلح خير، تعالى أصالحك على أمك حكّ مؤخرة رأسه بتردد بدا واضحًا للعيان؛ فالرغبة في برّ أمه تشدّه، لكن حرارة جسد ليلى وعطرها الفواح الملتصق بثيابه وذكرى قلم حميهِ تردّه خطوة للخلف. تنفّس بعمق ثم قال معتذرًا - شوية يا سمر… لما الدنيا تهدى والنفوس تصفى. همّ بالصعود، لكن سمر قطعت عليه خلوته سريعًا بورقتها الرابحة - بقولك… خالد كلمني، ونازل من السفر الأسبوع اللي جاي توقّف أيمن في مكانه، والتفت إليها مبتسمًا ابتسامة حقيقية؛ فخالد جوز أخته كان دائمًا صديقًا وجسرًا لتهدئة الأزمات. - ييجي بالسلامة يا رب… قوليله بقى يروق علينا وما ينسناش في الهدية المعتبرة. ضحكت سمر ضحكة صفراء - وهو خالد يقدر ينسى نسيبه الغالي ولا يزن حبيب قلبه؟ صمتت لثانية، وعيناها تدوران بجشع، ثم تظاهرت بالخجل والانكسار المتعمّد - أنا… بس كنت عاوزه منك طلب صغير يا أيمن، واعتبره خدمة لأختك في زنقتها. اقترب منها فورًا، مدفوعًا بنشوته العارمة وسخائه - تؤمري يا سمر… أختي وعيوني ليكي، عاوزة إيه؟ تلجلجت الكلمات فوق شفتيها بتمثيل مدروس - كنت… كنت عاوزة دهب ليلى ألبسه وأتشيك بيه قدام أهل خالد… بس الأسبوع الأولاني من نزوله، عشان منظري ما يبقاش وحش قدامهم وإنت عارف الستات. مرّ طيف الحرج والارتباك فوق وجه أيمن، تذكر الكالون الجديد وتمرد ليلى، لكنه لم يقو على الرفض التام أمام سطوة الشغف التي تسكنه، فقال محاولاً المواربة - عيونِ يا أختي… بس إنتِ عارفة إن الدهب بتاع ليلى ثم أضاف بثقة العاشق الذي يظن أنه ملك زمام امرأته - هطلع أقولها… وليلى بتحبك، وأكيد مش هتكسر بخاطرك وتقول لأ. ضغطت سمر على أسنانها بغلّ مكتوم وهي تحدّث نفسها بسخط - هي وصلت لكده؟ بقيت تاخد الإذن من الحرباية الأول؟ وقبل أن تنبس بحرف، انفتح باب البوابة الحديدي بعنف، ودلفت ليلى كالإعصار الأنثوي، تحمل الصغير يزن بين ذراعيها بقوامها الممشوق الذي يتثنى دلالاً. ما إن وقعت عينا أيمن عليها وعلى تفاصيل ثوبها الملتصق بخصرها حتى تبدّل كيانه؛ انفرجت أساريره، وتقدم نحوها بلهفة عاشق جائع، التقط يزن منها وعيناه تلتهمان وجهها الكحيل بنهم - برضه رُحتي عند امك قبل ما آجي؟ وكمان شايلة الواد كده غلط التقطت ليلى أنفاسها المتهدجة بتعمد، وأرسلت نظرة حادة، ثاقبة كالسهم نحو سمر؛ كانت تعلم تمامًا أنها قطعت عليهما الخلوة في التوقيت المثالي. قالت ببرود ممزوج بالشماتة - إزيك يا سمر، عاملة إيه؟ ولم تنتظر حتى سماع الرد، بل التفتت بكامل جسدها المثير نحو أيمن، وتعلقت بذراعه متنهدة بغنج - رُحت وديت يزن عند ماما على ما خلّصت مشواري و رجعت بسرعة عشان متأخرش عليك يا حبيبي. فتحت حقيبتها ببطء قاتل، وأخرجت مغلفًا أبيض، ناولت أيمن منه عدة صور إشعاعية، وقالت بابتسامة تفيض بالدهاء والنصر - صور السونار... صور البيبي بتاعنا يا أيموني. اختطف أيمن الصور منها بشغف طفل يرى معجزة إلهية للمرة الأولى. تجمعت عيناه فوق التفاصيل الصغيرة المطبوعة، واتسعت ابتسامته ببلادة العاشق، ناسيًا سمر والمطبخ والدهب والدنيا بأسرها تحت نظرات سمر المتهكمة، التي راحت ملامحها تتقلص بتشوه من فرط الصدمة والغيرة. - عن إذنك بقى يا سمر… تعبانة شوية ومش قادرة أقف. قالتها ليلى بدلالٍ ناعم، حارق، ومررت يدها بنعومة على ظهر أيمن وهي تبدأ بصعود الدرج بتمهّل يبرز مفاتن جسدها المحموم. صعد أيمن خلفها كالمسحور، وبقيت سمر واقفة مكانها في الممر، تفرك كفيها بقهر، ومن شدة الذهول وسرعة سيطرة ليلى على المشهد، نسيت تمامًا لماذا أوقفت شقيقها من الأساس. في شقتهما، أغلقت ليلى الباب، وجلست فوق المقعد الوثير القريب من الشرفة. جسدها كان يبدو مسترخيًا، لكن عينيها كانتا تشتعلان بذكاء متقد. كانت تراقب أيمن الذي ينزع قميصه بحركات مبعثرة، غير مستقرة، ونظراته تتهرب منها وعقله مشتت بطلب أخته. مدت يدها وجذبت يزن إلى حجرها، تداعبه بأناملها ببطء، مستمتعة بإرباكه. كانت قد سمعت كل كلمة دارت في الممر؛ فلم يكن الأمر مفاجأة لها ولأمها سعاد. رفعت عينيها الكحيلتين إليه فجأة، وبنبرة هادئة، ناعمة ومخيفة في آن واحد - سمر أختك كانت عاوزة منك حاجة تحت يا حبيبي؟ تجمّد أيمن في مكانه لثوانٍ، وارتجف جسده العاري من الأعلى؛ فارتباكه كان صريحًا ومفضوحًا. حكّ رأسه بخفة وقال مبتسمًا بتوتر يحاول تلطيف الأجواء - آه… أصلها كانت بتقول إن خالد جاي الأسبوع اللي جاي… و… يعني كانت بتقول تستلف منك الدهب تلبسه الأسبوع الأولاني بس قدام أهل جوزها. إنتِ عارفة بقى… الستات وحركاتهم دي مع بعض. اقترب منها خطوة، محاولاً استجداء رضاها بعد أن لمح تلك القسوة الفولاذية الخفية تلمع في حدقتيها، مكملاً بسرعة - بس أنا طبعاً قولت لها إن الدهب ملكك وإنتِ صاحبة التصرف، وتقولك إنتِ الأول. ارتسمت على شفتي ليلى ابتسامة بطيئة، غامضة، تحمل لذة الانتصار المطلق. وضعت يزن برفق على الأريكة، ثم نهضت بخطوات لينة كالحية، واقتربت من أيمن حتى التصق صدرها المرتفع بصدره العاري. رفعت يدها ذات الأظافر المطلية باللون الأحمر القاني، وراحت تمررها بنعومة قاتلة على كتفه وعضلات صدره، صاعدة بها إلى عنقه، وهي تهمس بصوت دافئ، مبحوح يقطر إغراءً ورومانسية ساخنة تذيب أعتى الحصون - شاطر يا أيموني… كده إنت حبيبي ونور عيني اللي بيفهم الأصول. أمالت رأسها المخملي على عنقه، ونفثت أنفاسها الحارة في أذنه، مما جعل جسده ينتفض برغبة مستعرة، وتابعت بنعومة مسمومة - بص يا قلب ليلى… هي أختك وعلى عيني وراسي، ما اختلفناش، والصلة طيبة... بس إنت شايف يزن كبر ومصاريفه كترت وربنا يخليهولنا يا رب. توقفت لحظة، وألصقت جسدها به أكثر حتى شعر بنبضات قلبها المتلاحقة، وأضافت بصوت متهدج، مغموس بالإغراء والإصرار - وكمان… في حتة عيل في بطني جاي في الطريق، ومستقبل عيالنا أهم من بهرجة سمر قدام أهل جوزها. لازم نعمل حساب بكرة يا أيمن، والدهب ده أمان عيالي. شعر أيمن بسحر جسدها وعطرها يضربان عقله، وكلماتها تحقنه بمزيج مهلك من الشغف والمسؤولية الأبوية، فخرج صوته مبحوحًا مترددًا بين أحضانها - أيوه يا حبيبة قلبي… بس دي هتلبيسهم أسبوع واحد وترجعهم تاني تحت إيدك... أسبوع واحد بس عشان شكلها. لم تترك له ليلى فرصة ليستجمع شتات رجولته المنهارة أمام غوايتها؛ التفتت إليه بسرعة، ورفعت وجهها لتقابل وجهه مباشرة، وعيناها حادتان كالنصل خلف ابتسامتها الفاتنة، وقالت بقطع حاسم التقت فيه الشفاه تقريبًا - ولا ساعة واحدة يا حبيبي… دهبي مش هيخرج من الشقة دي. ثم أتبعت ببرود لاذع مستهزئ، وهي تبتعد عنه خطوة لتتركه معلقًا بشغفه - وبعدين طالما هي عاوزة تمنظر قدام أهل جوزها، ما تنزل العتبة تجيب لها طقمين دهب صيني تلمع بيهم؟ محدش بيفهم في الحاجات دي دلوقتي ولوّحت بخصرها في دلال بلا مبالاة - بص... ما تتعبش نفسك ولا تشغل بالك بالستات... سيب موضوع سمر ده ليا أنا، وأنا هعرف أرد عليها بالطريقة اللي تليق بمقامنا. سكتت فجأة، وحدّقت في الفراغ أمامها، وعيناها تلمعان بوميض شيطاني جديد؛ فكرة خبيثة تبلورت في عقلها الداهية، فكرة تعرف تمامًا كيف تحوّلها إلى ضربة قاضية تكسر بها رأس حماتها وأخت زوجها معًا. بينما كان أيمن يراقب جسدها المتثني بنهم وعجز دون أن يفهم ما يدور في عقلها، كانت ليلى قد بدأت بالفعل… اللعب مع هذه العائلة من مستوى آخر تمامًا، مستوى لا يرحم.كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف
يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق
كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.
جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر
في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق







