LOGINتسمّرت سمر في مكانها كالوتد بعد أن أنهى أيمن كلماته الملتوية؛ لم تتحرك خطوة واحدة، ولم تقو على الرد الفوري بعدما أخرسها منطقه الجديد. ابتسامتها الصفراء ظلّت معلّقة على شفتيها كقناع بائس وثقيل، بينما كانت كلماته في الداخل تهوي على كبريائها كصفعات متتالية تدمي عروقها.
تطلبه من ليلى؟! الكلمة وحدها كانت كافية لتشعل حريقاً في صدرها، وتدك ما بقي من وقار الأخوة في عينها. حاولت أن تطلق ضحكة قصيرة، متكلّفة ومجروحة، لتداري بها خزيتها - طبعًا… ما أنا أكيد هطلبه منها يا خويا... بس أنا مش هطلبه، أنا هاخده منها قوة وعافية... ده إحنا أصحاب البيت يا أيمن، ومش حتت العيلة اللي لسه جاية إمبارح دي هي اللي هتمشي كلمتها وتتحكم فينا فى بيتنا لكن صوتها خانها في المنتصف، وخرج مبحوحًا، مشحونًا بغلٍّ أعمق مما ينبغي له أن يظهر. راقبت أيمن وهو يتحرك أمامها بخفة لم تعهدها فيه، طريقته الغريبة في الحديث عن زوجته، ولهفته الطفولية عليها، وذلك البريق الفاضح الذي ينبعث من حدقتيه كلما نُطق اسم ليلى… كان عشقًا معيبًا، فاضحًا، وعشقًا أعمى جردّه من هيبته كرجل العائلة. شعرت سمر بالغيظ يتصاعد في أحشائها ببطء حارق، غيظ لم يكن منشؤه الذهب وحده، بل من تلك السيطرة الأنثوية الخفية التي تمارسها ليلى بهدوء الأفاعي؛ دون أن ترفع صوتها، ودون أن تصيح في ممرات البناية... كيف انقلبت الآيات ووصلت الأمور إلى هذا الحد من المهانة؟ متى أصبحت هي، ابنة الدار، من تستأذن الغرباء؟ ومتى صار أخوها الأوحد، الذي طالما دارت الدنيا والنساء حول رغبته، يدور هو مأخوذاً مغلوباً على أمره في فلك امرأة؟ ضغطت على أسنانها بقوة حتى آلمها فكها وكادت عظام وجهها تنطق بالشر المكتوم؛ لقد باتت ليلى تتحكم فيه كلياً... في كلمته، في نظرته، وفي أعمق قراراته. والأسوأ من كل ذلك... أن أيمن يبدو سعيداً، مستسلماً ومغرماً بعبوديته الجديدة تلك لمحت في عينيه شيئًا لم تره فيه طوال سنوات زواجه الأولى من الراحلة؛ ذلك الاستسلام الطوعي اللذيذ، وذلك الرضا التام الذي يشبه الخضوع المغلّف بالشهوة والحب. لقد أحبها… بل هو يعشقها حد الهلاك الضائع. ارتفعت حرارة الغيرة القاتلة في صدر سمر؛ ليست غيرة امرأة من امرأة تنافسها في الجمال والأنوثة فحسب، بل غيرة أخت فقدت مكانتها وسطوتها على أخيها دون إنذار سابق. عادت ذاكرتها قسراً إلى الماضي لتترحم على الضعف - ندى الله يرحمها كانت بت طيبة، بتسمع الكلام ماشية جنب الحيط… كانت غلبانه أما هذه ليلى… فهذه حية رقطاء تعرف جيدًا أين تضع قدمها وأين تضغط لتسلب الرجل إرادته. أدارت سمر وجهها عنه بسرعة حتى لا يقرأ أيمن ملامح الحقد والتشوه التي ارتسمت على وجهها، ثم قالت بنبرة هادئة، مصطنعة ومغسولة بالمكر - ماشي يا أيمن، خليك مع مراتك وطاوعها... وأنا هطلع أكلمها وأشوف آخرتها معاها إيه. وحين استدارت لتغادر الممر صاعدة للأعلى، كان القرار الفولاذي قد اكتملت خيوطه في رأسها؛ لن تنتظر غدًا، ولن تستأذن طويلًا، ولن تُظهر ضعفًا أو انكسارًا أمام أخيها بعد الآن. ستصعد إليها بنفسها في عقر دارها... ستطلب الذهب بعين قوية، وبكلمات حاسمة لا تقبل المواربة، وسترى بعينها... هل ستعطيها ليلى الذهب صاغرة خوفًا من المشاكل؟ أم ستُكمل ليلى لعبتها وتكشر عن أنيابها حتى النهاية؟ شدّت سمر ظهرها، ورفعت ذقنها بعناد، ومشت تخبط بقدميها فوق درجات السلم المؤدي إلى شقة الطابق الأعلى. وفي كل درجة كانت تصعدها، كان الغيظ المتراكم يتحوّل إلى طاقة تحدٍّ صامت وشرير - انا وانتى والزمن طويل ياليلى… ومش هسيبك تاكلي عقله وتكوشى على كل حاجة قالتها في سرّها والغل يملأ صدرها، وهي تتقدم نحو الباب وتدقه بكفها... بقوة وعنف زلزلا ردهة الشقة. ✨✨✨✨✨✨✨✨ طارت سمر فوق الدرج تلتهم درجات السلم التهاما، واليقين الأعمى يعمي بصيرتها بأنها صاحبة الحق المطلق؛ الحق في تلك القطع الذهبية البرّاقة، بل في فرض كلمتها على كل شبرٍ يخص هذا البيت. كانت كتفاها مشدودتين كقوسٍ يتأهب للإطلاق، وذقنها مرفوعًا بكبرياء زائف، ونظرتها المشحونة تقطر بمزيج من الغلّ المكتوم والاستحقاق المتعالي. - ده دهب ندى … وندى كانت ماشية تحت طوعنا حتت البت دي تدخل حياتنا وتقلب أخويا علينا هكذا غسلت عقلها، وهكذا شحنت روحها وهي تصعد. طرقت الباب طرقات قوية، متتابعة، رنّت في أرجاء الصالة رنين التحدي الحاسم. انفتح الباب ببطء، وظهرت ليلى بكامل ثباتها، وهدوئها القاتل، مرتدية ابتسامة خفيفة، غامضة، لا تفصح أبدًا عن النوايا الجحيمية الرابضة خلف أسوار عينيها الكحيلتين. - أهلاً يا سمر… خطوة عزيزة، اتفضلي. دلفت سمر إلى الداخل بخطى عريضة، وأغلقت الباب خلفها بعناية، كمن يغلق ساحة حرب. قررت في ثوانيها الأولى أن تسلك طريق اللين والمكر؛ فارتسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة، وخرج صوتها ناعمًا، مغسولاً بالود الزائف على غير ما يعتمل في أحشائها من بركان - معلش يا حبيبتي، مش هعطلك.. مستعجلة وورايا حاجات كتير وتوضيب للشقة عشان خالد. أنا بس كنت جاية أستأذنك في الذهب كام يوم كده، ألبسه قدام أهل جوزي أول ما ينزل، وهردهولك علطول هما بس كام يوم كده لم ترد ليلى فورًا. وقعت عيناها على علبة القطيفة وجيوب سمر، واستفزها هذا الإلحاح على الذهب، فشعرت وكأن مملكتها تُنتزع منها عنوة لا تُطلب رجاءً. رفعت بصرها ببطء شديد، وصوّبت نحو سمر نظرة حادة كالنصل، وخرج صوتها مختصرًا، حاسمًا وقاطعًا كحكم الإعدام - دهبي... كلمة واحدة، لكنها سقطت فوق رأس سمر كالصخرة. ثم أتبعتها ليلى بنبرة أعلى قليلًا، غُلّفت بتعالٍ بارد يقطر قسوة - وإنتِ لو عاوزة تتمنظرى قدام أهل جوزك، انزلي اشتري لك طقمين إكسسوارات من أى محل... مش لازم يعني تلبسي ذهب حقيقي، محدش هياخد باله. تجمّدت الابتسامة اللزجة على شفتي سمر، وتبدلت ملامحها في كسر من الثانية إلى التشوه والغل. ارتفع صوتها فجأة ليشق صمت الشقة، وضربت كفًا بكف بعصبية، وتخصّرت بوقاحة كمن تستعد لمعركة شوارع - جرى إيه يا بت سعاد؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ ذهب إيه اللي عاملاه قضية وبتعايريني بالإكسسوار؟ كام يوم وهيرجع، مش هناخده ونطير يعني جلست ليلى على حافة الأريكة ببرود أسطوري، وعقدت ذراعيها فوق صدرها بلا اكتراث، وقالت بنبرة مستفزة تثير الجنون - قولتلك حاجتي … وأنا حرّة فيها، ومفيش جرام هيطلع بره كانت تلك الجملة بمثابة عود الثقاب الذي أُلقي في برميل بارود. انفجرت سمر بالكامل، وفقدت كل ذرة عقل أو حذر، وتقدمت خطوة هجومية وعيناها تتطاير منهما الشرارات، وعلا صوتها بالصياح - إنتي شكلِك نسيتي إنتِ بتكلمي مين في بيتنا... ده دهب أخويا..... ده حقنا، وإنتِ مالكيش فيه أصلاً يا جربوعة وفي لحظة درامية لم تكن متوقعة أبدًا، لم ترفع ليلى صوتها لترد الشتيمة بالشتيمة… بل رفعت جسدها كله بمرونة فهد يتأهب للافتراس! اندفعت فجأة كالمقذوف، وقبضت بأصابعها ذات الأظافر الحادة على شعر سمر بقوة غاشمة، وجذبت رأسها إلى الخلف بعنف أليم، ثم سددت لها ضربة مباغتة وحرة في وجهها أفقدتها توازنها وجعلتها تترنح. صرخت سمر صرخة مكتومة من فرط المفاجأة والوجع، وحاولت الإفلات بكل قوتها، وردت بلكمة عشوائية طاشت في الهواء. وفي ثوانٍ، تشابكت الأجساد المحمومة، وتطايرت الأيدي، وتمزق الشعر، وارتفع صراخ الأنفاس المكتومة. كانت سمر تدافع بغشم وذهول، بينما ليلى تهاجم بشراسة مغلولة، والعنف بينهما يتصاعد بلا عقل ولا رادع. وفجأة… وفي ذروة الاشتباك، غيّرت ليلى الداهية قواعد اللعبة بالكامل أطلقت صرخة مدوية، شقّت عنان السماء واخترقت الجدران والأسقف، صرخة خرجت مشحونة بالهلع والرعب المصطنع، هزت البناية بأكملها - اِلحقونيييي... اِلحقني يا أيمن... هتموتنيييي...بطنى ااااااه صرخة ضحية مستسلمة تُذبح… لا صرخة معتدية شرسة تضرب. وفي اللحظة ذاتها التي ارتبكت فيها سمر وشلّتها المفاجأة، وتوقفت يدها معلقة في الهواء من فرط الصدمة، كانت ليلى قد ألقت بجسدها أرضًا بتعمد شديد وبراعة درامية؛ فتكورت على السجادة واضعة يديها فوق رأسها، وأنفاسها تتصاعد متقطعة ومتهدجة، وصوتها يواصل العويل والصراخ المستغيث. تحولت المعركة في ثانية واحدة… من اشتباك ومستنقع ضرب متبادل، إلى جريمة اعتداء كاملة الأركان واتهام باطل بالقتل... وكان الدور القادم والمصير كله معلقًا… على خطى من سيصل ويفتح الباب أولاً ليصدق عينيه!كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف
يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق
كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.
جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر
في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق







