LOGIN
كانت الأضواء الكريستالية المعلقة في سقف القاعة الكبرى لفندق "الكريستال" تعكس بريقاً يطغى على كل شيء، وكأنها تُعلن للجميع أن هذا المكان خصيصاً لصفوة المجتمع. الخدم يتنقلون بخفة بين الحضور محملين بالكؤوس الفاخرة، والموسيقى الكلاسيكية تنساب بنعومة في الخلفية لتغطي على همسات التجار وأصحاب الملايين الذين يتداولون أحدث صفقات السوق.
في منتصف هذه الهالة الفخمة، كان يقف لؤي كالملك الذي يمتلك كل شبر في هذا الفضاء. بدلته السوداء المصممة خصيصاً له من أشهر دور الأزياء في إيطاليا كانت تبرز جسده الرياضي العريض، وملامحه الحادة الواثقة تتسم ببرود لا يرحم. كان يمسك كأسه بيده اليمنى، وعيناه النافذتان تتابعان التحركات من حوله بنصف اهتمام. كان يستمع بنصف أذن إلى حديث ثلاثة من كبار المستثمرين الذين يحاولون بشتى الطرق نيل رضائه للحصول على حصة في صفقة "مستقبل التكنولوجيا" الضخمة التي يستعد لاحتكارها مع بداية الأسبوع القادم. ابتسم لؤي ابتسامة غرور جانبية، تعدل في ياقة قميصه الأبيض الناصع وهو يقول بصوت هادئ يحمل نبرة سيطرة المطلقة: — "رجال الأعمال الناجحون لا ينتظرون الفرص يا سادة، بل يصنعونها... وهذه الصفقة أصبحت بالفعل في قبضة شركتي، والمسألة مجرد وقت قبل التوقيع النهائي." قهقه المستثمرون تملقاً له، مؤكدين على كلامه. كان يعلم تماماً قوته؛ فهو "لؤي"، الملياردير الشاب الذي لا يُقهر، الرجل الذي ترتعد أمامه الأسواق ولا تتجرأ امرأة على رفض طلب له. بالنسبة له، كل شيء في هذه الحياة يُشترى بالمال، وكل القلوب يمكن السيطرة عليها بالكبرياء. وفجأة... حدث شيء غير متوقع على الإطلاق. ساد صمت مفاجئ وغريب في أرجاء القاعة الفسيحة. انقطعت أحاديث رجال الأعمال فجأة، وتوقفت ضحكات النساء اللاتي كنّ يلتفن حول الطاولات. كانت الأعناق كلها تتجه نحو البوابة الرئيسية للقاعة وكأن زلزالاً قد ضرب المكان دون أن يصدر صوتاً. تحرك لؤي بفضول لا يعتاده. التفت ببطء متسائلاً في نفسه بريبة: ما الذي يمكن أن يقطع حديثاً أكون أنا طرفاً فيه؟ ما الذي يجعل قاعة تضم عمالقة المال تصمت بهذا الشكل المريب؟ ودلفت هي... كانت امرأة تنبض بالحياة والرقي، تسير بتمهل وكأن الأرض قُدّت لتكون ممشى لخطواتها الواثقة. كانت ترتدي فستاناً أحمر نبيذياً مكشوف الكتفين، ينساب على جسدها الممشوق ببراعة تامة، وشعرها المموج الغامق ينسدل على ظهرها بتدرجات ساحرة. كانت بشرتها صافية كالمرمر، وعيناها اللوزيتان تطالعان الحضور بنظرة ثاقبة وباردة، كأنها تحيط نفسها بهالة من العظمة والأناقة التي تتحدى الجميع. ارتجف شيء ما في أعماق صدر لؤي. خطوة... فخطوتان... لم يستطع إبعاد عينيه عنها. تجمّدت حدقتاه وهو يتابع حركتها. انقبض قلبه بشدة متسائلة؛ كان هناك شيء غامض ومألوف بشكل مرعب في تلك الملامح، شيء يوقظ ذكريات قديمة مدفونة تحت طبقات من الجليد والنسيان، لكن غروره منعه من الاسترسال في التفكير. تخطته تلك الفاتنة ببرود تام، دون أن تمنحه حتى نظرة خاطفة أو تعيره أي اهتمام، وتوجهت مباشرة نحو الطاولة التي يجلس عليها "طارق"، أكبر منافسيه في السوق التجاري والشخص الوحيد الذي يتمنى هزيمة لؤي. سارت المرأة بخطوات موزونة، ومدت يدها المليئة بالأناقة لتصافح طارق بابتسامة ساحرة، جعلت طارق يبتسم بفخر وهو يتنحى جانباً ليفسح لها المجال. في تلك اللحظة، شعر لؤي بشرارة غضب مجهولة تغلي في عروقه! كيف لامرأة أن تتجاهل وجود "لؤي" في قاعة هو سيدها؟ كيف تمر بجانبه دون أن يرف لها جفن، بل وتتجه نحو خصمه المباشر وتمنحه تلك الابتسامة؟ أعاد لؤي كأسه إلى أقرب طاولة بحدة مكتومة. تزاحمت الأفكار في رأسه، ولم يستطع غروره الجريح أن يتحمل هذا المشهد. قرر أن ينهي هذه المهزلة فوراً. تحرك بخطوات واثقة، هادئة، وحاسمة عبر الجموع التي كانت تشاهد الموقف بذهول. وقف أمامها مباشرة ليقطع طريقها بينما كانت تتحدث مع طارق. نظر إليها من أعلى إلى أسفل، محاولاً فرض هيبته المعتادة، واعتلت وجهه ابتسامته الشهيرة التي اعتاد أن يطيح بها بعقول الجميع. عدّل لؤي ساعة يده الثمينة، وقال بصوت عميق وواثق يفيض بالكبرياء والغرور: — "يبدو أنكِ جديدة في هذه المدينة يا سيدتي... ولعلكِ لم تتعرفي بعد على قواعد المكان، أو ربما لا تعرفين مع من تتعاملين بالأساس. أنا لؤي." مرت ثوانٍ من الصمت الثقيل. كانت القاعة كلها تتطلع إليهما بأنفاس مكتومة. نظرت إليه المرأة بتمهل... بدأت من حذائه اللامع، مروراً ببدلته الفاخرة، وصولاً إلى عينيه الواثقتين. لم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الإعجاب أو الانبهار التي اعتاد رؤيتها. بل على العكس، ارتسمت على شفتيها التوتيتين ابتسامة باردة تحمل كمية لا بأس بها من السخرية والازدراء. اقتربت منه خطوة واحدة، فقط خطوة واحدة جعلت عبق عطرها الفواح المليء برائحة الياسمين النادرة يغزو حواسه. رفعت رأسها بثبات، وههمست بصوت ناعم كالحرير، لكنه كان أشبه بضربة صاعقة هزت القاعة بأكملها وفي أذنيه خصوصاً: — "أعرف تماماً من تكون يا لؤي... كما أعرف تماماً من أكون أنا. أنا 'ياسمين'... الفتاة التافهة والبدينة التي طردتها من مكتبك منذ سنوات وسخرت من مشاعرها أمام الجميع. هل تذكرها أم تريدني أن أذكّرك كيف دهست كبرياءها؟" اتسعت عينا لؤي بصدمة زلزلت كيانه. شُلّت حركته، وتجمّد الدم في أطرافه. سقطت هيبته وغروره في لحظة واحدة وكأنه بناء من زجاج تحطم على أرض ساطعة. تداعت إلى ذهنه فوراً صور قديمة... صور لفتاة خجولة، طيبة، كانت ترتدي ملابس بسيطة وتختبئ خلف نظارتها، فتاة سكب عليها كلماته القاسية وضحك عليها مع أصدقائه قبل أن يطلب من أمن الشركة سحبها إلى الخارج لأنها "لا تناسب مستواه". نظر إلى المرأة الواقفة أمامه الآن... الجسد الممشوق، الأناقة الباذخة، الشموخ القاتل... هل هذه هي نفسها ياسمين؟ وقبل أن يستوعب عداوة الصدمة، أو ينطق بحرف واحد لتكذيب ما يسمعه، أدارت ياسمين ظهرها له ببرود قاتل، وسارت متخطية إياه، تاركة إياه واقفاً كالصنم في منتصف القاعة، وصوت كعبها العالي يرن في أذنيه كأنه أجراس تعلن بداية حرب جديدة... حرب عادت هي فيها خصيصاً لتكسر كبرياءه!الساعة تشير إلى 5:12 فجراً...المطر الغزير ما زال يضرب زجاج نوافذ شقة "البنتهاوس" الفاخرة في الطابق الخمسين بقسوة متواصلة، محولاً أضواء المدينة الخارجيّة إلى بقع ضبابية متلاطمة. كان كل شيء داخل الصالة المترامية الأطراف غارقاً في ظلام دامس وسكون شتوي حاد، إلا من التوهج الأزرق البارد الصادر عن شاشة التلفاز التفاعلية المعلقة على الجدار الرئيسي.ينساب صوت مذيع الأخبار الاقتصادية بنبرة رسمية ومكتومة:"...وفي تطور دراماتيكي مفاجئ شهدته أسواق المال قبيل بزوغ الفجر، نجحت مجموعة 'أورورا' الاستثمارية في التصدي لأكبر وأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة الحديثة، وذلك تحت القيادة المباشرة للرئيسة التنفيذية ياسمين الهاشمي. ومصادرنا التكنولوجية تؤكد أن الهجوم العنيف تم احتواؤه وتفكيك شفراته بالكامل خلال 13 دقيقة فقط..."ضغطة حادة وصوت ارتطام جاف!تحطم جهاز التحكم عن بُعد على الحائط المرمري وتناثر إلى شظايا بلاستيكية صغيرة.يقف لؤي المنشاوي في منتصف الصالة كالشبح المظلم. قميصه الأبيض العريض مبلل بالكامل بماء المطر، قطرات الماء تقطر من أطراف شعره الأسود وتتساقط على السجاد الثمين، وعيناه... لأول مرة في
الساعة تشير إلى 2:47 فجراً...مكتب مجموعة "أورورا" غارق في ظلام الليل الدامس، لا يقطعه سوى التوهج الأرقش الصادر من الشاشات الزجاجية التفاعلية. تجلس ياسمين خلف مكتبها، مستندة بظهرها، لم تذق طعم النوم منذ الأمس. منذ تلك اللحظة التي اختفت فيها سيارة لؤي المنشاوي في الشارع، وحدسها الاستثماري يطلق إنذارات مكتومة بأن شيئاً كارثياً على وشك الحدوث. ذلك الحدس التجاري والذكاء الفطري الذي بنت به إمبراطوريتها لا يخطئ أبداً.يقف دانيال بجانب الطاولة القريبة، يرتشف القهوة السوداء الشديدة السواد من كوبه الفخاري، وعيناه لا تفارقان جدران الحماية الرقمية للسيرفرات الرئيسية. يلقي نظرة حانية على وجهها المجهد، ثم يقول بصوت هادئ وممتلئ بالحرص:— "اذهبي إلى المنزل يا ياسمين... ارتادي فراشكِ وخذي قسطاً من الراحة. أنا هنا، وسأتولى مراقبة النظم والأنشطة المالية بنفسي."تضحك ياسمين بمرارة خفيفة دون أن ترفع عينيها الحادتين عن شاشة العرض:— "المنزل؟... المنزل يا دانيال كان معناه وسقفه مع ذلك الرجل قديماً. والآن، لم يعد هناك منزل ولا مأوى، بل توجد عرش وإمبراطورية عليّ حمايتها."وفي تلك اللحظة بالذات... يشتعل المكا
لم تكد سيارة ياسمين تختفي بين أمواج الزحام المتلاطمة في الشارع الرئيسي حتى يغمر لؤي المنشاوي إحساس جارف بأن شيئاً ما في أعماقه قد تحطم للابد."تحت قدمي..."تتردد الجملة في ذهنه كأنها صدى جرس جنائزي. ثلاث سنوات كاملة قضاها في الغربة والبحث، يأكله الندم وتطحنه محاولات كفارة ذنب لم ينتهِ، محاولاً التكفير عما أفسدته عائلته ورعونة ماضيه... وها هي تختزل كل تلك السنوات في جملة واحدة باردة، كأنها نصبت مقصلة لكبرياء المنشاوي في منتصف الشارع.يضرب لؤي بقبضته الحديدية على مقود السيارة الرياضية بقوة وهستيرية، فيرتج الزجاج الأمامي وتتأوه المحركات تحت قدمه. الغضب يغلي في عروقه كالبركان، لكن ما يحرقه ويأكل أحشاءه حقاً هو تلك الصورة الصامتة التي حُفرت في ذاكرته قبل دقائق: دانيال وهو يقف بثبات أمامها، كأنه الحارس الأمين والدرع الصلب الذي فشل لؤي دائماً في أن يكونه لياسمين يوم كانت تحتاجه.يهتز الهاتف في جيبه دون توقف، مكرراً نغمة الإشعار الحادة. يلمح الاسم على الشاشة: "هادي العزام". يتجاهله ببرود قاتل. في هذه اللحظة، تتهاوى أمامه كل الحسابات؛ لا تهمه تهديدات هادي، ولا ابتزاز البورصة، ولا انهيار أسهم ا
تقف ياسمين أمام الشاشة الزجاجية التفاعلية في مكتبها الفخم، تُتابع بقلق حركة المؤشرات المالية. برغم النجاح الباهر في قطع عقود التوريد عن مجموعة "فانغارد" وإلغاء الشراكة مع عائلة الهاشمي بسلام، إلا أن حدسها الاستثماري يخبرها بأن الهدوء الحالي ليس سوى العاصفة التي تسبق الانفجار.ينفتح الباب ببطء، ويدخل دانيال حاملاً جهازه المحمول. يضع الجهاز على الطاولة ويقول بنبرة حذرة:— "ياسمين، هناك تحركات غير عادية في أسواق الأسهم الأوروبية منذ الصباح. مجموعة 'فانغارد' لا تتراجع كما توقعنا بعد انسحابنا... بل على العكس، إنهم يضخون سيولة ضخمة ومجهولة المصدر لتثبيت أسهم مشروع المرفأ."تضيّق ياسمين عينيها اللوزيتين باهتمام، وتقترب من الشاشة قائلة:— "سيولة ضخمة؟ من أين لـ 'آدم' بهذه المبالغ وهو يواجه تجميداً جزئياً في أصوله؟ إلا إذا كان هناك طرف آخر يموله من الخلف..."يهز دانيال رأسه ويضيف بصوت خفيض:— "أو أن هناك من يبتزه ويدفعه إلى الزاوية. أياً كان السبب، لؤي لن يستسلم بسهولة، وهو يراقب كل تحركاتكِ. عليكِ الحذر يا ياسمين، الغضب والهوس عندما يجتمعان في رجل مثل لؤي المنشاوي يخلقان وحشاً لا يسعى للربح،
تندفع سيارة دانيال السوداء عبر الشوارع الماطرة بتناغم صامت، يقطع هدوءها فقط صوت قطرات المطر التي تضرب الزجاج الجانبي بانتظام. تجلس ياسمين في المقعد المجاور له، تسند رأسها على الزجاج البارد وتغلق عينيها بتعب شديد، بينما تتزاحم في ذهنها صور المواجهة الأخيرة وركام الماضي الذي يرفض أن يندثر.يلقي دانيال نظرة خاطفة عليها عبر المرآة، ثم يقلل من سرعة السيارة ويهز رأسه بأسى نافذ، قبل أن يكسر الصمت بصوته الدافئ المحمل بنبرة عتاب لا تخفى:— "ياسمين... ألم نتفق في المصحة الإيطالية أن تلك النظرة المكسورة لن تعود إلى عينيكِ أبداً؟ ألم نعد أنفسنا بتجاوز كل هذا الجحيم يوم أعدنا بناء حياتكِ من الصفر؟"تفتح ياسمين عينيها ببطء، وتنظر إلى كفيها الشاحبتين اللتين تشدان على حزام الأمان. تعود بها الذاكرة لسنوات خلت؛ إلى اللحظة التي التقت فيها بـ دانيال وهي مجرد جسد منهك تحاصره السمنة المرضية والانهيار النفسي الكامل. تفتكر كيف صمم لها برنامج العلاج البيولوجي المتقدم المدمج بالذكاء الاصطناعي، وكيف وقف معها خطوة بخطوة حتى ولدت من جديد بهذه الهيئة الرشيقة والصلابة الاستثمارية التي يخشاها الجميع.تنطق ياسمين بصو
تخرج ياسمين من قاعة الاجتماعات الزجاجية بخطوات متسارعة وواهنة، وكأن جدران المكان تضيق على أنفاسها وتكتم الهواء في رئتيها. تضغط بأسنانها على شفتيها لتمنع شهقات البكاء، بينما يسري في رأسها صدى الكلمات المسربة في الوثيقة: (والدة لؤي المنشاوي هي من قامت بتمويل وتسهيل عملية تنمر واضطهاد ياسمين الهاشمي...).في نهاية الممر الفسيح، يقف دانيال بانتظارها حاملاً بعض الملفات. ما إن يراها تخرج بتلك الحالة والشحوب يكسو وجهها، حتى يلقي الملفات جانباً ويسارع إليها بقلق بالغة:— "ياسمين! ما الذي يحدث بالداخل؟ هل أنتِ بخير؟"لا تستطيع ياسمين الإجابة، بل يهتز جسدها بالكامل وتمسك بذراعه لتسند نفسها قبل أن تتهاوى على الأرض. يسحبها دانيال برفق نحو المقاعد الجانبية البعيدة عن أعين الموظفين، ويقول بنبرة دافئة وصارمة:— "خذي نفساً عميقاً... لا شيء في هذا العالم يستحق أن يكسر روحكِ مجدداً بعد كل ما تجاوزتِه. أنا معكِ، ولن أسمح لأي أحد بأن يؤذيكِ."تمسح ياسمين دمعة خائنة تهرب من عينها، وتقول بصوت خفيض ومكسور:— "دانيال... انتهى كل شيء. لا أستطيع الاستمرار في أي شراكة أو وجود في هذا المكان اللعين. أريد إغلاق ملف







