Se connecterكانت الأرقام الحمراء المشتعلة على شاشات البورصة تنبض كقلب يوشك على التوقف.
كانت محاولة الاستحواذ العدائي التي يشنها لؤي تتصاعد بضراوة؛ يضخ الملايين كل دقيقة لابتلاع أسهم "أورورا"، في حركة انتحارية استثمارياً، لكنها محسبة بدقة لإجبار ياسمين على الانحناء. أمير كان يذرع المكتب جيئة وذهاباً، والهاتف لا يفارق أذنه وهو يصيح في المدراء الماليين: — "اشتروا كل ما يطرح في السوق! لا تدعوا نسبة أسهمه تتجاوز 49%!" ثم التفت إلى ياسمين بملامح يكسوها الهلع: — "ياسمين! إنه يضحي بسيولته كاملة! هو لا يفكر كرجل أعمال الآن، هو يتصرف كالمجنون! إذا استمر هذا الضغط لثلاثين دقيقة أخرى، سيمتلك الحصة الحاكمة وسيحول 'أورورا' إلى فرع من مجموعته!" كانت ياسمين تقف في منتصف المكتب، عيناها مثبتتان على الهاتف، تحدق في رسالة لؤي الاستفزازية. لم يبدُ على وجهها الشحوب الذي انتظره لؤي، بل خيمت عليه برودة مطلقة، تلتها ابتسامة صغيرة، حادة كالمشرط. أغلقت هاتفها بهدوء، والتفتت إلى أمير قائلة بصوت خفيض وثابت: — "أمير... أوقف عمليات الشراء فوراً." صُدم أمير واتسعت عيناه: — "ماذا؟! هل جننتِ يا ياسمين؟ إذا أوقفنا الشراء الآن، سيسيطر على الشركة في دقائق!" اقتربت ياسمين من شاشة البورصة، وقالت بنبرة تفيض بالدهاء والسيطرة: — "لؤي ظن أنه يمسكني من عنقي... ظن أنني سأرتعد وأهرع إلى مكتبه لتوسله. هو يلعب على ورقة اندفاعه وثروته... ولكنه نسي شيئاً واحداً: أنا من رسمت هذه الهيكلية المالية لـ 'أورورا'!" ضيق أمير عينيه متسائلاً: — "ماذا تقصدين؟" أخرجت ياسمين مفتاح ذاكرة تخزين (USB) من حقيبتها، ووضعته أمامه على الطاولة: — "تفعيل 'حبوب السم' (Poison Pill)... الفقر القانونية التي وضعناها في عقد التأسيس لحماية الشركة من الاستحواذ العدائي. عندما تتجاوز حصة أي مستثمر خارجي 40% بدون موافقة مجلس الإدارة، يتم تلقائياً طرح طوفان من الأسهم الجديدة بقيمة اسمية رخيصة جداً للمساهمين القدامى فقط." اتسعت عينا أمير وهو يدرك الخطة القاتلة! تابعت ياسمين وهي تبتسم بنصر وشراسة: — "بمعنى آخر... كلما اشترى لؤي أسهماً أكثر ليحاصرنا، كلما تضاعفت الأسهم في أيدينا وانخفضت قيمة الأسهم التي اشتراها هو بالمليارات! سيبتلع الطعم، وسيجد نفسه يغرق في ديون هائلة مقابل أسهم تائهة القيمة!" أخذ أمير الذاكرة بسرعة وابتسم بفرح عارم: — "أنتِ عبقرية يا ياسمين! سأنفذ الأمر فوراً!" قالت ياسمين وهي ترتدي معطفها الأنيق: — "نفذ الأمر... وأنا سأذهب بنفسي لأحضر العرض الأخير لهذه المسرحية في مكتبه!" في الطابق الخمسين من برج "مجموعات لؤي"، كان لؤي يجلس خلف مكتبه، يتابع الشاشات بعيون حمراء مجهدة. يمسك بكأس القهوة، وابتسامة النصر تعلو وجهه وهو يرى أسهم "أورورا" تتساقط في قبضته سهمًا تلو الآخر. قال لسامر الواقف بجانبه بقلق: — "أرأيت يا سامر؟ لم تصمد حتى ساعة واحدة. النساء يظنن أن الكبرياء يكفي في عالم المال... ولكن المليارات هي التي تحسم المعارك." وفجأة... انفتحت أبواب المكتب الضخمة دون استئذان. دلت ياسمين... كانت تسير بخطوات واثقة، تتألق ببدلة حمراء أنيقة تجعلها تشبه الشعلة في وسط المكتب المظلم. خصلات شعرها تتطاير بثبات، وعلى وجهها ابتسامة هادئة قاتلة. وقف لؤي ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غرور واثقة، وظن أنها جاءت للاستسلام: — "أهلاً بالسيدة ياسمين... كنت أعلم أنكِ امرأة ذكية وتعرفين متى تعترفين بالخسارة. هل أتيتِ لتوقيع عقد الاندماج بشروطي؟" وقفت ياسمين أمام مكتبه مباشرة، وألقت حقيبتها على الكرسي بهدوء، ثم نظرت إلى شاشة حاسوبه الكبيرة وقالت بصوت ناعم: — "بالعكس يا لؤي بك... أتيت لأشاهد كيف تحرق المليارات بيدك." تجلت الريبة في عيني لؤي: "ماذا تقصدين؟" في تلك اللحظة بالذات... صرخ سامر وهو ينظر إلى الشاشة بذهول ورعب: — "لؤي بك! انظر إلى الشاشة! هناك هبوط حاد ومريع في قيمة الأسهم التي اشتريناها! سهم 'أورورا' ينشطر ويطرح ملايين الأسهم الجديدة!" تجهّم وجه لؤي، واقترب من الشاشة بذهول. كانت الأرقام تتهاوى بسرعة مرعبة! المليار دولار التي ضخها ليلة أمس واليوم أصبحت تفقد قيمتها كل ثانية، بينما نسبته في الشركة تتضاءل رغماً عن كل الشراء! التفت لؤي نحو ياسمين بصدمة شلت لسانه: — "ما هذا؟! ماذا فعلتِ؟!" اقتربت ياسمين منه بخطوات بطيئة، واستندت بيديها على طاولته الخشبية، متجهة بنظرها القاسي مباشرة نحو عينيه المصدومتين: — "فعلتُ ما كان يجب عليّ فعله منذ زمن يا لؤي... استخدمتُ جشعك وغرورك لدمارك! لقد دخلتَ في فخ 'حبوب السم' القانونية. المليار دولار التي ضخيتها أصبحت الآن سيولة مجانية دخلت إلى خزينة شركتي، بينما أنت خسرت نصف ثروتك الصافية في أقل من ساعة!" سقط لؤي على كرسيه بذهول. كان يشعر وكأن أرضية البرج تهتز تحت قدميه. الرجل الذي لم يخسر صفقة واحدة في حياته، الملياردير الذي كان يتحكم في أسواق المدينة، جُرد من نصف ثروته وكبريائه على يد المرأة ذاتها التي طردها يوماً ما! نظر إليها بذهول وأنفاس متسارعة، بينما كانت ياسمين تنحني قليلاً نحو أذنه وتهامسه بنبرة دافئة لكنها أشد من سم الأفاعي: — "ألم تقل لي بالأمس إنك تصنع الفرص؟ شكراً لك على هذه السيولة الفاخرة التي أهديتها لشركتي." ثم أخذت حقيبتها واستدارت لترحل بنصر ساحق. لكن لؤي، وفي لحظة جنون وانكسار هائل، قفز من كرسيه، وامسك بكتفيها بحدة وأدارها إليه، وعيناه تفيضان بمزيج مدمر من الغضب، الانكسار، والشغف القاتل! صاح بصوت بح فيه الشوق والألم: — "خذي أموالي! خذي الشركة! خذي كل ما أملك يا ياسمين... ولكنكِ لن تأخذي قلبكِ مني! أنا أعلم أنكِ ما زلتِ تحبينني، ولهذا الانتقام كل هذا الهوس!" وقبل أن تستوعب ياسمين أو تدفعه بعيداً... اقترب منها لؤي بتهور، وطبع قبـلة خاطفة وقاسية على شفتيها، قـبلة مشحونة بكبرياء مكسور ورغبة مجنونة في استعادتها! اتسعت عينا ياسمين بصدمة عارمة، وتجمدت حواسها لثانية... قبل أن ترفع يدها وتوجه له صفعة مدوية أطاحت بوجهه جانباً وتردد صداها في أرجاء المكتب الفارغ! وقفت ياسمين تتنفس بصعوبة، وعيناها تطيران شراراً وغضباً، بينما كان لؤي يمسك بوجنته المصدومة ويرقبها بنظرات لا تصدق... وفجأة! فُتح باب المكتب ليقف عند البوابة رئيس مجلس إدارة كبار المستثمرين ومعه حراس الأمن، وينظرون إلى المشهد بصدمة!رن صوت الهاتف في تلك الساعة المتأخرة من الليل أشبه بصفارة إنذار حادة تمزق سكون شقة لؤي المنشاوي الفاخرة، لتوقظ الظلام الدامس المخيم على الصالة المترامية الأطراف. رفع السماعة بقلق تلقائي ونبضات قلبه تتسارع، ليصله صوت ضابط الشرطة عبر الأثير جافاً، مقتضباً ومحكاباً لبرودة الليل:— "سيد لؤي المنشاوي؟ نتصل بكِ بخصوص شقيقتكم الآنسة ميرنا المنشاوي... لقد تعرضت لحادث سير خطير جداً على الطريق السريع، وهي الآن في حالة حرجة بالمستشفى المركزي."سقطت السماعة من يده للحظة لتصطدم بالأرضية المرمرية، وتوقفت أنفاسه قبل أن يستعيد رباطة جأشه بجهد جهيد. ارتدى معطفه الأسود بحركات مرتبكة ويدين ترتجفان، وطلب من مساعده الشخصي إحضار السيارة فوراً إلى أسفل المبنى، بينما راح يطلب بحدقيتين متسعتين رقم والدته ناهد المنشاوي، التي كانت حينها في جولة سياحية استجمامية خارج البلاد.جاء صوت ناهد عبر الخط متعباً وبطيئاً من فرق التوقيت، لكن نبرتها تحولت في ثوانٍ معدودة إلى صراخ مذعور وفزع جارف حين سمعت الخبر الكارثي من ولدها:— "ميرنا؟! حادث سير؟! كيف حدث هذا... ومتى؟! سآخذ أول طائرة متجهة إلى العاصمة فوراً يا لؤي! إياك أ
تجلس ياسمين الهاشمي في جناحها المكتبي الهادئ بعيد انقضاء المؤتمر الصحفي العالمي، تُحدق في أضواء المدينة المتلألئة عبر الزجاج الشفاف الشاهق. بين يديها كوب من القهوة الدافئة يتصاعد منه البخار، بينما يتسلل هدوء عميق ونادر إلى صدرها لأول مرة منذ سنوات طويلة من الصراع والترقب. لقد انتهت المعركة الأولى، وصوت الحق الذي صمت طويلاً أخذ يتردد في كل أرجاء البورصة وسائل الإعلام.ينفتح الباب الزجاجي بخفة، وتدخل سيدة أنيقة تتوهج عيناها بالدفء والبهجة الصادقة. إنها هناء، صديقة ياسمين المقربة ورفيقة دربها المحببة منذ أيام الدراسة الجامعية الأولى. تطأ أقدامها القاعة بخطوات واثقة، لتغمر المكان بطاقة إيجابية واحتضان دافئ.تضم هناء ياسمين بطف ودعم صادق، ثم تبتعد قليلاً لتنظر إلى عينيها بقخر:— "ياسمين! أخيراً رأيتكِ تأخذين حقكِ كاملاً وأمام العالم كله! لم أشك لحظة واحدة منذ كنا نجلس على مقاعد الجامعة الخشبية ونحلم بالمستقبل أنكِ ستعودين يوماً لتلجمي كل من حاول التقليل منكِ أو كسر كبرياءكِ."ترتسم ابتسامة هادئة ودافئة على شفتي ياسمين، وتجيبها بنبرة ممتنة يمتزج فيها الشجن بالارتياح:— "هناء... وجودكِ بجانب
الساعة تشير إلى 6:30 مساءً...تكتظ القاعة الكبرى للمؤتمرات الصحفية بالصحفيين، وعدسات الكاميرات التي تومض بلا توقف، وممثلي كبرى الشبكات الاقتصادية العالمية. الهواء داخل القاعة مشحون بالترقب والتوتر، فالجميع بانتظار المؤتمر الطارئ الذي دعت إليه ياسمين الهاشمي، عقب تصدي مؤسستها لأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة.خلف الكواليس، تقف ياسمين أمام المرأة الكبيرة. ترتدي فستاناً أزرق داكناً بقَصة حادة وأنيقة، تضع مساحيق تجميل خفيفة تُبرز حدة ملامحها وثباتها، بينما يستقر الملف الأزرق في يد دانيال الذي يقف بجانبها.ينظر دانيال إلى الشاشة المعلقة في الغرفة، والتي تنقل بثاً مباشراً للشارع الرئيسي، ويقول بنبرة جادة:— "لؤي المنشاوي وصل إلى المبنى يا ياسمين... إنه يدخل القاعة الآن برفقة حراسه. ويبدو أنه علم بالملف الذي تنوين طرحه."ترتسم على شفتي ياسمين ابتسامة باردة، وتعدل ياقة فستانها بثبات دون أن ترتبك:— "ممتاز... كنت أريده أن يجلس في الصف الأمامي. أراده أن يشهد التهاوي بنفسه، بدلاً من أن يصله الخبر عبر شاشات التلفاز."داخل القاعة...يدخل لؤي المنشاوي بخطوات ثقيلة ومحسوبة. بزيّه الأسود الفاخر وم
تجلس ياسمين الهاشمي خلف مكتبها الأبنوسي الفاخر، وتضع الصورة القديمة الملونة أمامها على السطح المصقول. تلك الصورة الفوتوغرافية الواحدة كانت كفيلة بأسرها، حيث أطاحت بجليد حاضرها الشامخ لتجرها قسراً إلى القاع... إلى ذلك الماضي السحيق الذي أقسمت بذاتها على دفنه تحت أقدام نجاحها الاستثماري.يقف دانيال قبالتها بثبات، يتابع بتركيز تحركات عينيها اللوزيتين والدقيقة، ويرصد هدوءها المريب الذي يسبق العواصف عادة، ثم ينطق بصوت خفيض محمل بالحرص والتوجس:— "تتبعنا الاتصال والتسريب الرقمي الذي وصل إلى السيرفر الداخلي قبل قليل... ميرنا لم تكتفِ بالتواري في الظل طوار السنوات الثلاث الماضية يا ياسمين. إنها تحاول استغلال حالة التوتر الشديدة والشرخ القائم حالياً بينكِ وبين لؤي المنشاوي لتنسج مؤامرة جديدة وتستعمل ذات الطعم القديم."ترتفع يد ياسمين ببطء شديد، وتلمس بأطراف أصابعها الدقيقة ملامح وجهها في الصورة المغبرة. الفتاة التي كانت ترتدي ثياباً واسعة وبسيطة، تخبئ أحلامها وطموحاتها الكبيرة خلف خجلها المفرط وسذاجتها الفطرية، وتنظر إلى لؤي المنشاوي في الكادر بعينين تفيضان شغفاً، كأنه كان يمثل لها المجرة بأكم
الساعة تشير إلى 5:12 فجراً...المطر الغزير ما زال يضرب زجاج نوافذ شقة "البنتهاوس" الفاخرة في الطابق الخمسين بقسوة متواصلة، محولاً أضواء المدينة الخارجيّة إلى بقع ضبابية متلاطمة. كان كل شيء داخل الصالة المترامية الأطراف غارقاً في ظلام دامس وسكون شتوي حاد، إلا من التوهج الأزرق البارد الصادر عن شاشة التلفاز التفاعلية المعلقة على الجدار الرئيسي.ينساب صوت مذيع الأخبار الاقتصادية بنبرة رسمية ومكتومة:"...وفي تطور دراماتيكي مفاجئ شهدته أسواق المال قبيل بزوغ الفجر، نجحت مجموعة 'أورورا' الاستثمارية في التصدي لأكبر وأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة الحديثة، وذلك تحت القيادة المباشرة للرئيسة التنفيذية ياسمين الهاشمي. ومصادرنا التكنولوجية تؤكد أن الهجوم العنيف تم احتواؤه وتفكيك شفراته بالكامل خلال 13 دقيقة فقط..."ضغطة حادة وصوت ارتطام جاف!تحطم جهاز التحكم عن بُعد على الحائط المرمري وتناثر إلى شظايا بلاستيكية صغيرة.يقف لؤي المنشاوي في منتصف الصالة كالشبح المظلم. قميصه الأبيض العريض مبلل بالكامل بماء المطر، قطرات الماء تقطر من أطراف شعره الأسود وتتساقط على السجاد الثمين، وعيناه... لأول مرة في
الساعة تشير إلى 2:47 فجراً...مكتب مجموعة "أورورا" غارق في ظلام الليل الدامس، لا يقطعه سوى التوهج الأرقش الصادر من الشاشات الزجاجية التفاعلية. تجلس ياسمين خلف مكتبها، مستندة بظهرها، لم تذق طعم النوم منذ الأمس. منذ تلك اللحظة التي اختفت فيها سيارة لؤي المنشاوي في الشارع، وحدسها الاستثماري يطلق إنذارات مكتومة بأن شيئاً كارثياً على وشك الحدوث. ذلك الحدس التجاري والذكاء الفطري الذي بنت به إمبراطوريتها لا يخطئ أبداً.يقف دانيال بجانب الطاولة القريبة، يرتشف القهوة السوداء الشديدة السواد من كوبه الفخاري، وعيناه لا تفارقان جدران الحماية الرقمية للسيرفرات الرئيسية. يلقي نظرة حانية على وجهها المجهد، ثم يقول بصوت هادئ وممتلئ بالحرص:— "اذهبي إلى المنزل يا ياسمين... ارتادي فراشكِ وخذي قسطاً من الراحة. أنا هنا، وسأتولى مراقبة النظم والأنشطة المالية بنفسي."تضحك ياسمين بمرارة خفيفة دون أن ترفع عينيها الحادتين عن شاشة العرض:— "المنزل؟... المنزل يا دانيال كان معناه وسقفه مع ذلك الرجل قديماً. والآن، لم يعد هناك منزل ولا مأوى، بل توجد عرش وإمبراطورية عليّ حمايتها."وفي تلك اللحظة بالذات... يشتعل المكا







