Share

part 54

last update publish date: 2026-07-22 01:28:35

انشق فجر اليوم التالي عن ضباب كثيف يلف أطراف المدينة البعيدة، حاملاً معه برودة صباحية سرعان ما تبددت مع الشروق الخاطف للشمس الحارقة. لم يكن هناك مجال للكسل أو التردد؛

فالساعة لم تكد تتجاوز الخامسة والنصف صباحاً حتى كان المنبه يطلق صفيراً متواصلاً على الطاولة المجاورة للسرير.

فتحت ليلى عينيها بصعوبة بالغة،

وشعرت بجسدها يئن تحت ثقل إجهاد تراكم على مدار أسابيع متصلة. التفتت بجانبها لتجد ياسر قد سبقها بالاستيقاظ؛ كان يجلس على طرف السرير، يدلك ركبتيه ببطء ويحاول أن يطرد أثر التعب والنعاس عن وجهه ا
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 60

    في الغرفة المظلمة التي تحرسها الستائر الثقيلة، بدأ وعي ياسر يعود إليه ببطء شديد، كغواص يرتفع تدريجياً من أعماق بحر دافئ وساكن. كانت أنفاسه الممتدة والعميقة تتناسق مع هدوء الشقة وكان جسده يستشعر، لأول مرة منذ شهور طويلة، معنى الاسترخاء الكامل؛ زال ذلك النبض المزعج الذي كان يسكن ركبتيه وأسفل ظهره، وتلاشى ذلك الصداع النصفي الذي أثقل رأسه طوال مواجهات البنوك والموردين.فتح ياسر عينيه ببطء، وتطلع إلى عتمة السقف اللطيفة. مرر يده بحركة تلقائية نحو الجانب الآخر من السرير، يبحث عن الدفء الذي اعتاده، لكن كفه صادفت الفراغ فوق الغطاء المطوي. اعتدل قليلًا، واستند بظهره إلى وسادته الثقيلة، واستنشق الهواء؛ كانت رائحة القهوة المغلية وشيء من العبير الهادئ تتسلل من تحت باب الغرفة الموارب، تعلن أن ليلى قد سبقت النهار باستيقاظها.ابتسم ياسر ابتسامة هادئة ودافئة، وامتدت يده لتمسح وجهه ولحيته الخفيفة، بينما تحركت عيناده تتأملان أرجاء الغرفة التي شهدت انحسار أشد العواصف قسوة في حياته. وفي هذا السكون النادر، خلت رأسه من أرقام الميزانيات وكشوف التوريد، لتتفتح أفكاره على مساحة أعمق، ويغرق في تأمل رحلته مع ا

  • عاشقان المدينه    part 59

    انشق صباح ذلك اليوم ناعماً وساكناً، يلفّه هدوء نادر شابه الاسترخاء، وكأن الزمن قرر أن يتباطأ احتراماً للجهد الخارق الذي بذله الزوجان طوال الأسابيع الماضية. كان هذا الصباح بمثابة هدية مستحقة ومكافأة اقتطعاها من قلب الزحام... حيز استراحة أتاحه لهما ذلك الإنجاز العظيم الذي حققاه في أرض الموقع، ليرتاح الجسد المنهك، وتلتقط الأرواح أنفاسها بعد رحلة شاقة ممتدة بين غبار الخرسانة وشمس الصحراء الحارقة.في المطبخ الهادئ، كانت ليلى تقف وحدها، يحيط بها شعاع الشمس الدافئ الذي يتسلل من النافذة الكبيرة، ليلقي بظلال ذهبية على الأرضية الرخامية. كان الهواء محملاً برائحة القهوة المغلية ونظافة السكون التي سادت المكان، غير أن ليلى لم تكن حاضرة بجسدها فقط في ذلك الفضاء الضيق...بل كانت روحها تسافر عبر أزمنة طويلة من الذكريات، وتغوص في طبقات عميقة ومعقدة من المشاعر التي تراكمت في وجدانها تجاه ذلك الرجل القابع في الغرفة المجاورة.حرصت ليلى كل الحرص على ألا تصدر أي صوت قد يزعج ياسر. تركته يغرق في نومه العميق داخل الغرفة الداكنة؛ نوم حقيقي ومستحق بعد أرق طويل استنزف قواه وطاقته على مدار شهور متواصلة...تذكرت

  • عاشقان المدينه    part 58

    انشق صباح جديد على المدينة البعيدة، محملاً بذات السخونة التي اعتادها الزوجان، لكن إيقاع العمل في الموقع كان يزداد سرعة وتناغماً يوماً بعد يوم. لم تعد الشاحنات المكتظة بالمواد والعمال المترنحون تحت لهيب الشمس يشكلون مصدراً للرهبة...بل تحولت الساحة الترابية الواسعة إلى ساحة معركة مألوفة، يعرف ليلى وياسر كل شبر فيها، ويحفظان حركات العمال ومواعيد وصول الموردين عن ظهر قلبفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، كانت أرض الموقع تضج بالحركة؛ صخير مضخات الخرسانة الممتدة إلى الدور الثامن يملأ الجو، والمحركات الضخمة تعزف معزوفتها المعتادة، بينما تحلّق عشرات العمال والمهندسين حول منطقة الاستلام الرئيسية. كان الجو مشحوناً بالتركيز...فالمهندس الاستشاري الحازم كان يجري جولة تفقدية رفقة رئيس العمال والمعلم عبد الستار ومجموعة من المساعدين لتقييم صبة الأعمدة الأخيرة.كان ياسر يقف في المنتصف، يرتدي خوذته البيضاء وقميصه الميداني الملطخ ببعض غبار الأسمنت، يحمل في يده دفتر المخططات الهندسية ومخطط التمديدات، ويوضح للاستشاري بعض التعديلات الدقيقة بصوت حازم ورجولي يفرض الاحترام على الجميع. كان العمال يقفون في حل

  • عاشقان المدينه    part 57

    انشق نسيج العتمة تدريجياً ليفسح المجال لضوء الصباح الذهبي الخافت، وهو يتسلل من بين طيات الستائر الخفيفة، ليلقي بظلال دافئة على أرجاء الغرفة الهادئة. كان الهواء محملاً برائحة المسك ونظافة السكون التي عقبت ليلة عاصفة بالمشاعر، ليلة انمحت فيها كل المسافات وذاب فيها شقاء الأشهر الماضية في عناق واحد أزلي.فتحت ليلى عينيها ببطء شديد، وكأنها تستيقظ من حلم جميل تخشى أن يتبدد لو تحركت. كانت رأسها تستريح تماماً فوق صدر ياسر العريض، ويدها الدقيقة مستقرة فوق خافقه الذي كان ينبض بإيقاع منتظم، دافئ وهادئ كأنه معزوفة للأمان. شعرت بذراعه القوية وهي تحيط بخصرها بثبات، تحميها وتشدها إليه كأنما يريد احتجازها داخل حضنه إلى الأبد.تطلعت ليلى إلى وجهه المستغرق في النوم؛ كان يبدو مختلفاً تماماً عن ذلك الرجل المنهك بضغوط الموردين وأوراق البنوك وسط غبار النهار. كانت ملامحه حنونة، ووديعة، ومرتاحة لأول مرة منذ وقت طويل. شعرت بموجة عارمة من الخجل والمشاعر الجارفة تجتاح قلبها، فتوردت وجنتاها فوراً برغبة رقيقة في عدم الابتعاد عن هذا الدفء.تحركت ليلى بحذر مفرط، محاولة أن ترفع رأسها قليلاً دون أن توقظه، لكن نظرا

  • عاشقان المدينه    part 56

    انشق نسيج العتمة تدريجياً ليفسح المجال لضوء الصباح الذهبي الخافت، وهو يتسلل من بين طيات الستائر الخفيفة، ليلقي بظلال دافئة على أرجاء الغرفة الهادئة. كان الهواء محملاً برائحة المسك ونظافة السكون التي عقبت ليلة عاصفة بالمشاعر، ليلة انمحت فيها كل المسافات وذاب فيها شقاء الأشهر الماضية في عناق واحد أزلي.فتحت ليلى عينيها ببطء شديد، وكأنها تستيقظ من حلم جميـل تخشى أن يتبدد لو تحركت. كانت رأسها تستريح تماماً فوق صدر ياسر العريض، ويدها الدقيقة مستقرة فوق خافقه الذي كان ينبض بإيقاع منتظم، دافئ وهادئ كأنه معزوفة للأمان. شعرت بذراعه القوية وهي تحيط بخصرها بثبات، تحميها وتشدها إليه كأنما يريد احتجازها داخل حضنه إلى الأبد.تطلعت ليلى إلى وجهه المستغرق في النوم؛ كان يبدو مختلفاً تماماً عن ذلك الرجل المنهك بضغوط الموردين وأوراق البنوك وسط غبار النهار. كانت ملامحه حنونة، ووديعة، ومرتاحة لأول مرة منذ وقت طويل. شعرت بموجة عارمة من الخجل والمشاعر الجارفة تجتاح قلبها، فتوردت وجنتاها فوراً برغبة رقيقة في عدم الابتعاد عن هذا الدفء.تحركت ليلى بحذر مفرط، محاولة أن ترفع رأسها قليلاً دون أن توقظه، لكن نظ

  • عاشقان المدينه    part 55

    انشق فجر اليوم التالي عن سماء رمادية ثقيلة، يلفها ضباب كثيف يحجب أطراف المدينة البعيدة، وكأن الطبيعة تتهيأ لملحمة جديدة من الجهد الشاق. لم تكد العقارب تتجاوز الرابعة والنصف صباحاً حتى انطلق صوت المنبه المزعج، ليقطع السكون المطبق الذي كان يلف الغرفة الداكنة.فتحت ليلى عينيها بصعوبة بالغة، وشعرت بكل ملليمتر في جسدها يئن تحت وطأة تعب تراكمي. كان الألم ينبض في أسفل ظهرها وفي قدميها نتيجة الوقوف المتواصل بالأمس فوق شبكات الحديد، ورغم ذلك، لم تمنح نفسها رفاهية التردد لثانية واحدة. التفتت بجانبها لتجد ياسر قد سبقها بالاعتدال على طرف السرير؛ كان يجلس مطأطأ الرأس، يدلك ركبتيه المجهدتين ببطء، ويحاول طرد كوابيس البنوك والإنذارات القضائية عن رأسه عبر أنفاس عميقة ومجهدة.التفت ياسر نحوها، وكانت عيناه حمراوين من أثر السهر وقلة النوم، لكن ابتسامة دافئة رقيقة ارتسمت على شفتيه فور أن التقت نظراتهما. انحنى نحوها وطبع قبلة خفيفة على جبهتها، وقال بصوت مبحوح يحمل حناناً يصارع الإرهاق"صباح الخير يا ليلى.. معلش يا حبيبتي، عارف إن جسمك مدشدش، بس اليوم النهاردة أصعب من إمبارح. الموردين باعتين شحنات الأسمنت

  • عاشقان المدينه    part 6

    لم تستيقظ ليلى في الصباح وهي تشعر أن شيئًا قد تغيّر بشكل واضح، لكن هناك شعورًا خفيفًا كان يرافقها منذ الليلة السابقة، شيء يشبه التردد، أو ربما الفضول، أو ذلك الفراغ الذي يتركه الكلام غير المكتمل بين شخصين لا يعرفان كيف يقتربان ولا كيف يبتعدان. خرجت من غرفتها بهدوء، وكان البيت قد بدأ يستعيد حركت

  • عاشقان المدينه    part 5

    وفي اللحظه التي همسات بها بذلك، لم تكن تعرف إن كانت تتحدّث عنه هو ياسر !! أم عن حياتهما الجديدة، والتي كانت غريبه بالفعل وغير متوقعه لكنها أدركت شيئًا واحدًا فقط أن ما بدأ بينهما… لم يكن كما توقّعت. ولا كما أرادت يوما ولا حتي كما تخيلت أن يصل الأمر بينهم ل هنا زواج !يبدو كشئ لم تكن تت

  • عاشقان المدينه    part 4

    مرّ شهرٌ كامل شهرٌ لم يكن عاديًا، ولا يمكن وصفه بسهولة. لم يكن زمنًا يُقاس بالأيام، بل بما تراكم فيه من صمتٍ، احتكاكٍ، وتجاهلٍ متعمّد. تحوّل البيت تدريجيًا… من هيكلٍ مهجور إلى مكانٍ قابلٍ للحياة. الجدران التي كانت باهتة، استعادت لونها. النوافذ فُتحت، ودخل الضوء أخيرًا. والأرض المحيطة…

  • عاشقان المدينه    part 3

    لم يبتسم أحد لهذه الموافقه.،لم يهنّئ أحد وكأن هذا المفروض عليهم بالفعل او ممكن لأن الجميع كان يعلم… أن ما بدأ الآن، ليس زواجًا رومانسيا بل معركة جديدة، لكن هذه المرة، معركه تحت سقفٍ واحد. وبين جدران مدينةٍ بعيده، لا مكان فيها للهروبفي اليوم التالي لم يكن الطريق قصيرًا ولا الرحلة مريحة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status