LOGINالفصل السادس عشر :
توقفت السيارة أمام المحطة القديمة. ولثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد. كانت البناية تقف وسط الظلام كأنها شبح من الماضي. نوافذها المحطمة. وجدرانها المتآكلة. وهدوءها المخيف. كل شيء فيها كان يبعث على القلق. شعرت ليان بأن قلبها يخفق بعنف. وقالت بصوت خافت: “هل أنت متأكد أنها هنا؟” أخرج فارس المفتاح من جيبه. ونظر إليه طويلًا. ثم أومأ برأسه. “يوسف لم يكن ليخفيه في مكان آخر.” دخل الثلاثة إلى المحطة بحذر. كانت خطواتهم تتردد في الممرات الفارغة. أما ليان فكانت تشعر بأن كل شيء حولها يراقبها. تقدمت خلف فارس. حتى وصلوا إلى ممر ضيق في آخر المبنى. وهناك… ظهرت الخزائن المعدنية القديمة. صف طويل من الأبواب الصدئة. بعضها مفتوح. وبعضها محطم. لكن واحدة فقط بقيت مغلقة. رقمها: ٢٧ توقفت أنفاس ليان. أما فارس فتقدم ببطء. وأدخل المفتاح في القفل. دار المفتاح بسهولة. ثم صدر صوت خافت. وكأن الخزانة كانت تنتظرهم منذ سنوات. فتح ريان الباب أولًا. ثم تجمد مكانه. شعرت ليان بأن الخوف يزحف إلى قلبها. وقالت بسرعة: “ماذا يوجد؟” لكن ريان لم يجب. بل ظل يحدق في الداخل. اقتربت منه. ثم نظرت هي الأخرى. وفي اللحظة التالية… شعرت بأن الأرض اختفت من تحت قدميها. لم تكن الخزانة مليئة بالأموال. ولا بالمجوهرات. ولا حتى بالوثائق. بل احتوت على ملف واحد فقط. ملف أسود سميك. وعليه عبارة مكتوبة بخط اليد: “إذا وصلتم إلى هنا… فقد فشلت في حمايتها.” ارتجفت أنامل ليان. لأنها تعرف صاحب الخط. كان خط يوسف. رفعت الملف ببطء. ثم فتحته. وكانت أول صفحة تحتوي على صورة قديمة. صورة لوالدتها. لكنها لم تكن وحدها. وقف بجانبها رجل تعرفه جيدًا. سامي. شهقت ليان بقوة. أما ريان فانتزع الصورة من يدها. وأعاد النظر فيها أكثر من مرة. ثم قال: “هذا مستحيل.” لأن الصورة بدت قديمة جدًا. أقدم بكثير من علاقة ليان بسامي. وأقدم حتى من لقائهما الأول. تابعت ليان تقليب الصفحات. وكانت الصدمة تزداد مع كل ورقة. تقارير. صور. ملاحظات. وأسماء كثيرة. لكن اسمًا واحدًا تكرر أكثر من أي اسم آخر. سامي المنصور. مرة. مرتين. عشر مرات. عشرين مرة. وكأن كل الخيوط كانت تنتهي عنده. ثم توقفت فجأة عند صفحة مختلفة. صفحة كُتب في أعلاها: “الحقيقة التي أخفيتها عن ليان.” شعرت بأن أنفاسها اختنقت. أما فارس فتغير وجهه فور رؤيتها. وقال بسرعة: “لا.” التفتت إليه. “ماذا؟” اقترب خطوة. وبدت عليه علامات توتر حقيقية لأول مرة. ثم قال: “لا تقرئيها هنا.” عقد ريان حاجبيه. “ولماذا؟” لكن فارس لم يجب. بل نظر حوله بقلق. وكأنه يخشى شيئًا ما. أو شخصًا ما. وفي تلك اللحظة بالذات… صدر صوت خافت خلفهم. صوت باب يُغلق في مكان قريب. تجمد الثلاثة. ثم تبع الصوت… خطوات بطيئة. منتظمة. تقترب منهم شيئًا فشيئًا. وشعرت ليان بأن قلبها توقف عن النبض. لأنها أدركت شيئًا واحدًا. لم يكونوا وحدهم داخل المحطة . بطيئة. منتظمة. وكأن صاحبها لا يحاول الاختباء. بل يريدهم أن يعرفوا أنه قادم. تبادل ريان وفارس النظرات. أما ليان فشدت الملف إلى صدرها بقوة. ثم توقفت الخطوات فجأة. على بعد أمتار قليلة منهم. وساد صمت مرعب في المكان . ساد صمت مرعب في المكان. حتى أن ليان أصبحت تسمع دقات قلبها بوضوح. أما ريان فتقدم خطوة إلى الأمام. ووضع نفسه بينها وبين مصدر الصوت. بينما ظل فارس يراقب الممر المظلم بعينين متوترتين. مرت ثوانٍ طويلة. بدت وكأنها دقائق. ثم ظهر ظل رجل عند نهاية الممر. شعرت ليان بأن أنفاسها انحبست. لكن الظلام كان كثيفًا لدرجة تمنعها من رؤية ملامحه. قال ريان بحدة: “من هناك؟” لم يصدر أي رد. بل استمر الرجل في الاقتراب. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. إلى أن دخل جزء من وجهه في دائرة الضوء الخافت. واتسعت عينا ليان بصدمة. لأنها تعرف ذلك الوجه. تعرفه جيدًا. همست دون وعي: “يوسف…” تجمد ريان في مكانه. أما فارس فشحب وجهه بالكامل. لكن الرجل لم يبدُ متفاجئًا برؤيتهم. بل نظر إليهم بهدوء غريب. ثم قال: “أخيرًا وجدتم الملف.” شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. كانت هذه أول مرة ترى يوسف المنصور أمامها. بعد كل الصور. والرسائل. والأسرار. كان يقف أمامها الآن. حيًا. وحقيقيًا. قال ريان بسرعة: “أين كنت طوال هذه السنوات؟” لكن يوسف لم يجب. بل وقعت عيناه مباشرة على الملف الموجود في يد ليان. وتغيرت ملامحه فورًا. وقال: “لا تفتحي الصفحة الأخيرة.” عقدت ليان حاجبيها. “لماذا؟” اقترب يوسف خطوة. ثم قال بصوت منخفض: “لأنك إذا قرأتِ ما فيها الآن…” توقف للحظة. وأكمل: “فلن تعودي تنظرين إلى سامي بالطريقة نفسها أبدًا.” ساد الصمت. أما ليان فشعرت بأن قلبها بدأ يخفق بعنف. كل شيء كان يقود إلى سامي. دائمًا سامي. قالت بإصرار: “أريد الحقيقة.” رفع يوسف عينيه إليها. وكان الحزن واضحًا في ملامحه. ثم قال: “الحقيقة هي أن سامي لم يختر الاقتراب منك.” شعرت ليان بأن الأرض اهتزت تحت قدميها. لكن يوسف لم يتوقف. بل أكمل: “لقد أُمر بذلك.” اتسعت عيناها. أما ريان فبدا مصدومًا. وقال: “ماذا تقصد؟” لكن قبل أن يجيب يوسف… دوى صوت إطلاق نار في المحطة. وتحطم الزجاج القريب منهم. فانحنى الجميع غريزيًا. وصاح يوسف فورًا: “لقد وصلوا!” وفي اللحظة نفسها… انطفأت الأنوار بالكامل. وغرق المكان في ظلام دامس . ولا حتى الأشخاص الواقفين إلى جانبها. ثم دوى صوت إطلاق نار آخر في الجهة المقابلة. تلاه صوت صراخ. وصوت ارتطام قوي بالأرض. شعرت ليان بأن أحدهم أمسك بذراعها فجأة. فشهقت بخوف. لكن الصوت الذي وصلها كان مألوفًا. “ليان… لا تتحركي.” كان صوت ريان. إلا أن صوتًا آخر خرج من الظلام بعد ثوانٍ. صوت رجل لم تتعرف عليه. قال بهدوء: “أخيرًا التقينا"الفصل التاسع عشر :أدركت أن الحقيقة لم تكن قريبة كما ظنت.بل كانت أكثر تعقيدًا مما تخيل الجميع.بقيت ليان تحدق في نادر.تحاول قراءة ملامحه.تحاول أن تجد فيه شيئًا يثبت أنه يكذب.لكنها لم تجد.كان يقف بهدوء.هادئًا أكثر مما ينبغي.وكأن الاتهامات التي تحاصره ليست جديدة عليه.انخفضت يد ليان ببطء.ولا تزال الرسالة بين أصابعها.ثم قالت:“لماذا حذرتني أمي منك؟”ساد الصمت.أما نادر فلم يجب فورًا.بل نظر إلى يوسف.ثم إلى سامي.وكأنهما يعرفان الإجابة مسبقًا.وأخيرًا قال:“لأنني خذلتها.”شعرت ليان بأن قلبها انقبض.لكنها لم تقاطعه.وأكمل:“في ذلك الوقت كنت أظن أنني أفعل الصواب.”“لكنني كنت مخطئًا.”عقد ريان حاجبيه.وقال:“تكلم بوضوح.”تنهد نادر.ثم جلس على أحد الصناديق القديمة.وقال:“قبل سنوات…”“كانت والدتك تملك شيئًا يبحث عنه كثير من الناس.”ارتجفت أنامل يوسف فورًا.أما سامي فخفض نظره نحو الأرض.وكأن الذكرى ما زالت تؤلمه.لاحظت ليان ذلك.فازداد قلقها أكثر.وقالت:“ماذا كانت تملك؟”رفع نادر عينيه إليها.وقال:“دليلًا.”“دليلًا كان قادرًا على تدمير أشخاص نافذين.”ساد الصمت داخل الممر.ولم يعد ي
الفصل الثامن عشر : اتسعت عينا ليان بصدمة.أما يوسف فبقي يحدق في نهاية الممر وكأنه رأى شبحًا.توقفت الخطوات.ثم ظهر ظل رجل وسط الظلام.شعرت ليان بأن أنفاسها اختنقت.ولثوانٍ طويلة…لم تستطع التحرك.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.وهي تقترب من الانفجار.ثم تقدم الرجل خطوة إلى الأمام.وسقط ضوء المصباح على وجهه.شهقت ليان بقوة.كان هو.سامي.كما تتذكره تمامًا.نفس الملامح.نفس العينين.ونفس النظرة التي كانت تجعلها تشعر بالأمان يومًا ما.لكن شيئًا فيه كان مختلفًا.بدا أكثر تعبًا.وأكثر قسوة.وكأن السنوات الماضية سرقت جزءًا من روحه.لم يتحدث أحد.أما سامي فكانت عيناه مثبتتين على ليان.وكأنه نسي وجود الجميع.قالت بصوت مرتجف:“أنت حي…”ارتجفت شفتاها وهي تنطق الكلمات.لأن جزءًا منها لم يصدق ما تراه حتى الآن.أما سامي فاكتفى بالنظر إليها.ثم قال بهدوء:“كنت أعلم أنك ستصلين إلى هنا.”شعرت ليان بصدمة جديدة.لم يكن متفاجئًا.لم يكن مرتبكًا.بل وكأنه كان ينتظرها منذ البداية.اقتربت منه خطوة.ثم أخرى.حتى أصبحت على بعد أمتار قليلة منه.وقالت:“لماذا؟”عقد حاجبيه.لكنها أكملت قبل أن يجيب:“لماذا اختف
الفصل السادس عشر :توقفت السيارة أمام المحطة القديمة.ولثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.كانت البناية تقف وسط الظلام كأنها شبح من الماضي.نوافذها المحطمة.وجدرانها المتآكلة.وهدوءها المخيف.كل شيء فيها كان يبعث على القلق.شعرت ليان بأن قلبها يخفق بعنف.وقالت بصوت خافت:“هل أنت متأكد أنها هنا؟”أخرج فارس المفتاح من جيبه.ونظر إليه طويلًا.ثم أومأ برأسه.“يوسف لم يكن ليخفيه في مكان آخر.”دخل الثلاثة إلى المحطة بحذر.كانت خطواتهم تتردد في الممرات الفارغة.أما ليان فكانت تشعر بأن كل شيء حولها يراقبها.تقدمت خلف فارس.حتى وصلوا إلى ممر ضيق في آخر المبنى.وهناك…ظهرت الخزائن المعدنية القديمة.صف طويل من الأبواب الصدئة.بعضها مفتوح.وبعضها محطم.لكن واحدة فقط بقيت مغلقة.رقمها:٢٧توقفت أنفاس ليان.أما فارس فتقدم ببطء.وأدخل المفتاح في القفل.دار المفتاح بسهولة.ثم صدر صوت خافت.وكأن الخزانة كانت تنتظرهم منذ سنوات.فتح ريان الباب أولًا.ثم تجمد مكانه.شعرت ليان بأن الخوف يزحف إلى قلبها.وقالت بسرعة:“ماذا يوجد؟”لكن ريان لم يجب.بل ظل يحدق في الداخل.اقتربت منه.ثم نظرت هي الأخرى.وفي اللحظة التالي
الفصل الخامس عشر :أسرعت ليان نحو النافذة .ورأت بنفسها الرجال الذين كانوا يقتربون من المبنى.لم يكونوا يركضون.بل كانوا يتحركون بثقة.وكأنهم يعرفون تمامًا ما يبحثون عنه.قال فارس بصوت حاد:“يجب أن نغادر حالًا.”لكن ريان لم يتحرك.بل ظل يراقب الخارج.ثم قال:“فات الأوان.”في تلك اللحظة دوى صوت ارتطام قوي في الطابق السفلي.تلاه صوت زجاج يتحطم.ثم خطوات متعددة داخل المبنى.شعرت ليان بأن قلبها يكاد يتوقف.أما فارس فأمسك بالمفتاح بسرعة.ودسه في جيبه.ثم التفت إليهما وقال :" هناك مخرج خلفي " أمسك ريان بيد ليان بسرعة.ثم اندفع الثلاثة نحو الممر الخلفي.كانت أصوات الخطوات تقترب أكثر فأكثر.وأصبح واضحًا أن الرجال دخلوا المبنى بالفعل.شعرت ليان بأن أنفاسها تتسارع.ولم تعد تسمع سوى دقات قلبها.وفجأة…دوى صوت رجل من الطابق السفلي.“فتشوا المكان كله!”تجمدت للحظة.لكن فارس دفعها للأمام.وقال بصوت منخفض:“لا تتوقفي.”وصلوا إلى باب حديدي قديم في نهاية الممر.حاول ريان فتحه.لكنه كان عالقًا.قالت ليان بقلق:“لا يفتح!”وفي تلك اللحظة بالذات…سمعوا صوت خطوات تقترب من الدرج.كانت قريبة جدًا.قريبة لد
الفصل الرابع عشر : تجمدت ليان في مكانها. كانت عيناها معلقتين على الصندوق الخشبي الصغير. أما ريان فاقترب منه ببطء. بينما وقف فارس صامتًا وكأنه يعرف ما يوجد بداخله. لكن حتى هو لم يبدُ مستعدًا لهذه اللحظة. ابتلعت ليان ريقها. ثم مدت يدها المرتجفة نحو الصندوق. كان اسمها محفورًا على الغطاء بوضوح. “ليان.” وكأن أحدهم أعده خصيصًا لها منذ سنوات. رفعت الغطاء ببطء. فانبعثت رائحة الخشب القديم والغبار. ثم نظرت إلى الداخل. توقفت أنفاسها. لم يكن الصندوق مليئًا بالأوراق كما توقعت. بل احتوى على ثلاثة أشياء فقط. رسالة قديمة. مفتاح معدني صغير. وصورة ممزقة. ساد الصمت داخل الغرفة. أما ليان فأخذت الرسالة أولًا. كانت الورقة صفراء وقديمة. وعليها كلمات كُتبت بخط أنثوي جميل. ارتجفت يدها عندما قرأت السطر الأول. “إلى ابنتي ليان…” شعرت وكأن قلبها توقف عن النبض. لأنها عرفت صاحب الخط فورًا. كان خط والدتها. رفعت يدها إلى فمها محاولة كتم شهقتها. أما ريان فاقترب منها ببطء. وقال: “هل أنتِ بخير؟” لكنها لم تستطع الإجابة. كل ما كانت تراه أمامها هو اسم والدتها. المرأة التي ظنت أنها رحلت د
الفصل الثالث عشر :تجمدت ليان في مكانها.أما ريان فبقي يحدق في فارس وكأنه ينتظر منه أن يقول إنه يمزح.لكن ملامح فارس لم تتغير.كان جادًا.هادئًا.وواثقًا من كل كلمة قالها.شعرت ليان بأن قلبها يخفق بعنف.وقالت بصوت مرتجف:“ماذا تقصد؟”لم يجب فارس مباشرة.بل أخذ الصورة القديمة من يدها.ونظر إليها طويلًا.ثم قال:“كم مرة أخبرك سامي قصة لقائكما الأول؟”عقدت حاجبيها.“كثيرًا.”ابتسم فارس ابتسامة قصيرة.ثم قال:“وماذا كان يقول؟”أغمضت ليان عينيها للحظة.كانت تحفظ القصة عن ظهر قلب.قالت:“قال إنه رآني في مكتبة الجامعة.”“وأن كتابًا سقط من يدي.”“ثم ساعدني.”“وبدأنا الحديث.”رفع فارس نظره إليها.وقال بهدوء:“كذب.”ساد الصمت.صمت ثقيل.حتى الهواء بدا وكأنه توقف للحظة.أما ليان فشعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.“لا.”قالتها فورًا.لكن صوتها كان أضعف مما أرادت.أشار فارس إلى الصورة.ثم قال:“هذه الصورة التُقطت قبل ذلك اللقاء بعامين.”اتسعت عيناها.وأكمل:“وكان سامي موجودًا فيها.”جلست ليان على أقرب مقعد.شعرت أن رأسها بدأ يؤلمها.كل ذكرى جميلة جمعتها بسامي بدأت تتشقق أمامها.سألت بصوت خافت:“لم







