LOGINخرج عبد العزيز من بوابة قصره بخطواتٍ متخبطة، يسبقه غضبه وصوت أنفاسه المتهدجة. استقر خلف مقود سيارته والشرر يتطاير من عينيه، عازماً على قلب المدينة رأساً على عقب بحثاً عن ابنته المتمردة. لكن، ما إن اقترب من البوابة الخارجية حتى لجمت المكابح صرخة إطاراتها؛ كانت هناك سيارة سوداء فخمة تقف كالصخرة في عرض الطريق، تحجب عنه ضوء الفجر الصاعد.
ترجل من السيارة رجلٌ فارع الطول، ببدلة سوداء قاتمة زادته هيبةً وغموضاً. تقدم بخطواتٍ رزينة وثابتة، تسبقها نظرة حادة كالنصل. توقف أمام عبد العزيز وقال بنبرةٍ باردة تجمدت لها الدماء في العروق: — "يا سيد عبد العزيز.. أين هي ابنتك؟ وكيف لها أن تفلت من أسوارك بهذه السهولة؟ أم أنك ساعدتها على الاختفاء بعد أن ضمنت الأسهم والقصور في جيبك؟" صُعق عبد العزيز، وتراجع خطوة للخلف وهو يشعر بلسانه يثقل في فمه. ميثم الهاشمي كان يقف أمامه، والأسوأ من حضوره هو "معرفته" بالخبر قبل أن يشيع. أجاب بتلعثمٍ لم يعهده أحد من قبل: — "ميثم.. كيف.. كيف علمت بخبر هروبها؟ أنا.. أنا حقاً في غاية الأسف، لم أكن أتوقع منها هذا الجحود! لطالما كانت فتاةً مهذبة ومطيعة، لكنني أشك في أن أحداً قد ملأ رأسها بالأكاذيب وحرضها على هذا الفعل الشنيع. أعدك.. أعدك بدمي أنني سأعيدها إليك بسرعة البرق!" كان عبد العزيز يرتجف داخلياً؛ فعلى الرغم من مكانته وقوته، إلا أنه يعلم يدان ميثم الهاشمي ليست كأي يد، وأنه رجلٌ يستطيع تدمير إمبراطوريات بكلمة واحدة، ولا يجرؤ أحدٌ على الوقوف في وجهه. ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامةٌ ساخرة، باردة كجليد الشتاء، ثم التفت وغادر دون أن ينبس ببنت شفة، تاركاً عبد العزيز يتجرع مرارة ذله أمام حراسه. وبنبرةٍ حاسمة، أصدر أمره لمساعده الشخصي "حسام": — "أريد ساندي في مكتبي.. الآن." انطلقت السيارة السوداء كالسهم، تختفي من أمام قصر الراوي في ثوانٍ معدودة، مخلفةً وراءها غباراً من الشكوك والاضطراب. في مكتب ميثم الهاشمي: كان الصمت يطبق على المكان، لا يقطعه سوى صرير القلم وهو يوقع الأوراق الرسمية بصرامة. جلس ميثم خلف مكتبه العريض، يحيطه عبق الفخامة والسطوة. طرقاتٌ خفيفة ومرتجفة هزت باب المكتب، ليأتي الرد بصوتٍ رخيم: — "ادخل." دلفت ساندي بخطواتٍ متعثرة، جسدها الضئيل يرتجف بوضوح، وعيناها المحتقنتان بالدماء ترويان قصة ليلةٍ لم تذق فيها طعم النوم. لم يكن من السهل معرفة ما إذا كانت تلك الدموع حزناً على ليندا التي توارت عن الأنظار، أم رعباً من المصير الذي ينتظرها في هذا المكتب الموحش. رفع ميثم نظره عنها سريعاً، ثم أشار لها ببرود أن تتقدم، وقال بصوتٍ أجش يحمل نبرةً معدنية: — "يا آنسة ساندي.. هلا تكرمتِ بإخباري بما حدث بالأمس بدقة؟ لا أريد أن تسقط أي تفصيلة من ذاكرتكِ المجهدة." حاولت ساندي كتم شهقاتها، لكن صدرها كان يعلو ويهبط بعنف، وقالت بصوتٍ متهدج يملؤه الندم: — "كنتُ.. كنتُ فقط أريد مساعدتها.. لم أكن أعلم أبداً أنها ستُخطف بهذه الطريقة! أردتُ لها النجاة فقط." تعالت ضحكة ميثم الساخرة، ضحكة جافة جرحت هدوء الغرفة، ورد بنبرةٍ مفعمة بالاستخفاف: — "تريدين مساعدتها؟ وبماذا يا ترى؟ هل توهمتِ حقاً أن شخصاً ضعيفاً ومكشوفاً مثلكِ يستطيع إخفاء 'ليندا الراوي' بهذه السهولة؟" . . . استيقظت ليندا على خيوط الشمس التي بدأت تتسلل عبر زجاج السيارة، لترسم خطوطاً ذهبية على وجهها الشاحب. شعرت بضيق في صدرها وكأن جدران السيارة تضيق عليها، فسألت بنبرة يغلفها القلق والاضطراب: — "متى سنصل يا ضياء؟ وهل تعتقد أنهم قد يعثرون علينا قبل أن نصل إلى تلك القرية؟" استدار إليها ضياء بخفة، ملقياً نظرة سريعة تحمل طمأنةً هادئة، وقال بصوته الرزين: — "أمامنا نصف ساعة فقط ونصل.. لا تقلقي، لن يستطيعوا الوصول إلينا بسهولة، كل شيء سيكون على ما يرام. بالمناسبة، لقد أحضرتُ لكِ وجبة فطور بينما كنتِ نائمة، تفضلي.. لم تأكلي شيئاً منذ الأمس، وجسدكِ يحتاج للقوة." كانت ليندا تشعر بفقدان تام للشهية، فغصة الخوف كانت تسد حلقها، لكنها لم تشأ إحراجه بعد كل ما فعله لأجلها. أخذت الطعام بيدين مرتعشتين وهمست: — "شكراً لك.. كم الساعة الآن؟" رد ضياء بابتسامة خفيفة وهو يركز بصره على الطريق: — "يا آنسة ليندا، لقد أخبرتكِ من قبل، لا داعي للشكر فهذا واجبي. الساعة الآن السادسة والنصف صباحاً." همهمت ليندا بخفوت، ثم غاصت في مقعدها تراقب الطريق الممتد أمامها، وغرقت في دوامة من الأفكار السوداء.. هل ستكون "قرية الزهور" هي الجنة التي حلمت بها؟ أم أنها مجرد محطة أخرى في رحلة شقائها؟ لم تدرك كم مر من الوقت وهي في شرودها ذاك، حتى شعرت بجسدها يميل للأمام إثر توقف السيارة المفاجئ. التفتت إلى ضياء بذعر، وعيناها متسعتان من المفاجأة: — "لماذا توقفت؟ هل حدث شيء؟" أجابها ضياء بسرعة، محاولاً امتصاص ذعرها بنبرةٍ هادئة: — "لا تخافي، لم يحدث مكروه.. لكننا وصلنا بالفعل إلى وجهتنا." اتسعت عينا ليندا ببريقٍ من الفرح لم تعرفه منذ زمن، وبحركةٍ رشيقة حملت حقيبتها الصغيرة وترجلت من السيارة، تستنشق هواء القرية العليل الذي يفوح برائحة الزهور والتراب المبلل. كان ضياء قد سبقها ببضع خطوات نحو ممرٍ ضيق، فنادته بلطف: — "ضياء.. هل تعرف منزلاً للإيجار في هذه المنطقة؟ أريد مكاناً أستقر فيه بعيداً عن الأنظار." رد عليها ضياء دون أن يلتفت، وصوته يحمل نبرةً غامضة: — "يوجد منزل قريب من هنا يعود لأحد أصدقائي، هو لا يسكن فيه حالياً. يمكنكِ العيش فيه دون قلق بشأن الإيجار، لقد استأذنته مسبقاً وقد رحب بالفكرة كثيراً." قطبت ليندا حاجبيها بإباء، وقالت بكرامةٍ لم تكسرها الغربة: — "هذا كرمٌ كبير، لكنني أريد دفع الإيجار كاملاً.. لا أريد أن أكون عبئاً على أحد، ولا أريد مساعدةً مجانية." التفت إليها ضياء، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ عصية على الفهم، وهز رأسه بالموافقة: — "كما تحبين.. سأتحدث معه وأسأله عن القيمة التي يرضاها إيجاراً لمسكنه." وصلوا إلى المنزل؛ كان بناءً صغيراً متواضعاً، جدرانه تحتضنها اللبلاب الأخضر. نظرت إليه ليندا بدهشة، فقد كان حجم المنزل بأكمله يضاهي حجم غرفتها السابقة في قصر الراوي. لاحظ ضياء صمتها، فقال بأسفٍ مصطنع: — "أعلمُ أنه ليس من مستواكِ العيش في منزلٍ كهذا، هنا لا توجد قصور ولا رفاهية كتلك التي في المدينة، لكنه يفي بالغرض مؤقتاً حتى أجد لكِ سكناً يليق بابنة عائلة الراوي.. أرجو منكِ تحمّل العيش هنا قليلاً." قاطعته ليندا بلهفة، وعيناها تتأملان الحديقة الواسعة والبحيرة القريبة التي تلمع تحت ضوء الصباح: — "بالعكس! إنه جميلٌ جداً.. لطالما تمنيتُ العيش في منزلٍ بسيطٍ هكذا، تحيطه الطبيعة وتجاوره البحيرة، بعيداً عن الجدران العالية والحراس." دلفت ليندا إلى الداخل بقلبٍ مفعم بالأمل، بينما انسحب ضياء ببطء مبتعداً بضع خطوات ليجري مكالمةً هاتفية. فتح الخط بسرعة، وجاءه صوتٌ أجش من الجهة الأخرى، صوتٌ يعرفه ضياء جيداً: — "هل أوصلتها إلى المكان الذي اتفقنا عليه؟"استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ
وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر
بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س
فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ
هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه
وقبل أن تستطيع ليندا لملمة شتات نفسها للرد على ذلك السؤال الصاعق، ظهرت امرأة من خلف الفتاة "تالين" وسحبتها بعنفٍ من ذراعها، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح من الغضب — "تالين! ما هذا الهراء الذي تهذين به؟ أيتها الفتاة العديمة الأخلاق، يبدو أنني لم أحسن تربيتكِ، وسأعيد تأديبكِ من جديد.. هيا أمامي إلى المنزل!" التفتت تالين إلى والدتها بعينين تشتعلان تمرداً وقالت بمرارة: — "أمي! ما خطبكِ؟ أنا فقط أريد الخروج من هذه القرية الخانقة، وقد جاءتني فرصة لا تعوض.. هل تريدين مني أن أضيعها وأنتظر ابن عمي الغبي ليتزوجني واضل عالقه في عالم الفقر؟" ارتعشت الأم من شدة الغضب، وبحركة سريعة صفعت ابنتها صفعةً دوت في أرجاء المكان، وقالت بنبرةٍ يملؤها الخزي: — "يا للعار! كيف تتجرئين على ذكر ابن عمكِ بهذه الطريقة؟ في أحلامكِ فقط ستخرجين من هذه القرية ما دمتُ على قيد الحياة.. هيا إلى المنزل بسرعة!" جرت المرأة ابنتها بقوة وسط ذهول الحاضرين، لكن الغريب أن تالين لم تبكِ ولم تتأثر، بل كانت ملامحها جامدة وكأنها اعتادت هذا النوع من القسوة والتعامل المهين. كانت الصدمة تعلو وجه ليندا ماذا يحدث بحق الجحيم لماذا







