LOGINانطلقت السيارة السوداء (التي كانت تنهب الأرض نهباً) مبتعدةً عن أسوار قصر الراوي. ساد صمتٌ ثقيل داخل المقصورة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ليندا المتلاحقة. فجأة، كسر السائق الصمت بنبرة محذرة وهو يراقب الطريق عبر المرآة:
— "آنسة ليندا.. إن كنتِ تحملين هاتفاً أو أي جهاز إلكتروني، تخلصي منه فوراً! ميثم الهاشمي يملك تقنيات تتبع يمكنها تحديد موقعكِ حتى تحت الأرض." أخذت ليندا نفساً عميقاً، وشعرت بقليل من الطمأنينة لأنها كانت قد استبقت هذا الاحتمال بذكاء فطري. ردت بنبرة واثقة رغم ارتجاف صوتها: — "لقد فكرتُ في ذلك.. تخلصتُ من هاتفي قبل أن أعبر السور، وتركتُ القلادة الأثرية التي أهدتني إياها والدتي فوق السرير، لم أرد أن يكون هناك خيطٌ واحد يربطهم بمكاني." ثم نظرت بحزنٍ وغيظ إلى يدها اليمنى، حيث كان خاتم الخطوبة الملعون يلمع ببرودٍ مستفز تحت إضاءة السيارة الخافتة. حاولت سحبه مراراً وتكراراً حتى احمرّ جلد إصبعها، لكنه كان ملتصقاً بها وكأنه جزءٌ من جسدها. همست بيأس: — "لقد تخلصتُ من كل شيء.. سوى هذا الخاتم! لم أستطع انتزاعه من يدي مهما حاولت، وكأن له مخالب تنغرس في جلدي." استدار السائق إليها لنصف ثانية، ألقى نظرة سريعة على الخاتم المرصع بالياقوت والألماس، ثم عاد ليركز بصره على الطريق المظلم وقال بصوتٍ غامض: — "لا تقلقي.. في محطة الاستراحة القادمة، سأتخلص منه بنفسي. لدي الأدوات اللازمة لقطعه إن لزم الأمر، فميثم لا يضع خواتم عادية، بل يضع أصفاداً بأسماء فخمة." خيم الصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مليئاً بالترقب. كانت ليندا تنظر إلى الخاتم وتشعر بنبضات قلبها تتسارع مع كل كيلومتر تقطعه السيارة. هل ستنجح فعلاً في نزع "قيد الهاشمي"؟ أم أن محطة الاستراحة تخبئ لها مفاجأة لم تكن في الحسبان؟ بعد دقائق، بدأت أضواء محطة استراحة مهجورة تلوح في الأفق. خفف السائق من سرعته، ودخل إلى منطقة مظلمة خلف المبنى الرئيسي. توقفت السيارة تماماً، وأطفأ المحرك، ليعمّ سكونٌ مرعب لا تسمع فيه إلا طنين أذني ليندا. التفت السائق نحوها، وأخرج من جيب الباب أداة معدنية حادة، وقال وهو يمد يده نحو يدها المرتجفة: — "أعطني يدكِ يا آنسة.. لننهِ هذا الأمر الآن." مدت ليندا يدها بتوترٍ جليّ، كانت ترتجف بخفة كغصنٍ في مهب الريح، لكنها استجمعت شتات كبريائها وحاولت إخفاء ذلك الذعر الذي ينهش أعماقها. وبحركةٍ مباغتة وماهرة، بدأ السائق في فك الخاتم من يدها، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى انتزعه بسهولةٍ أثارت ريبتها للحظة، وكأن القيد الذي ظنت أنه أبديّ لم يكن سوى وهمٍ انقشع بلمسة. ألقى السائق نظرةً خاطفة على المحطة المقفرة وقال بنبرة هادئة: — "إن كنتِ تحتاجين لدخول الحمام أو شراء شيءٍ من هذا السوبر ماركت الصغير، فهذه فرصتكِ الأخيرة قبل أن ننطلق في رحلة لا توقف فيها." أجابت ليندا بسرعة، وعيناها تراقبان الطريق المظلم خلفهما: — "لا أحتاج لشيء سوى الابتعاد عن هذا المكان.. هيا لننطلق قبل أن يصلوا إلينا، أشعر بأنفاس ميثم تلاحقنا في كل زاوية!" همَّ السائق بالصعود خلف المقود، وأدار المحرك الذي زأر في سكون الليل، ثم سأل وهو يوجه السيارة نحو الطريق السريع: — "يا آنسة ليندا، لم تخبريني بعد.. هل حددتِ الوجهة التي تريدين الاستقرار فيها؟" تنهدت ليندا بعمق وأسندت رأسها على الزجاج البارد: — "لم أحدد بعد، كل ما أعرفه هو أنني أريد الخروج من هذه المدينة الملعونة، أريد مكاناً لا يُنطق فيه اسم 'الهاشمي'." همهم السائق بتفهم، وارتسمت على وجهه ملامح الجدية وهو يقترح عليها ملاذاً لم يكن في حسبانها: — "لقد وعدتُ الآنسة ساندي بأن آخذكِ إلى مكانٍ آمن حقاً.. هناك قرية صغيرة منسية في 'مدينة الزهور'؛ مكانٌ معزول تماماً عن صخب التكنولوجيا ومواقع التواصل، حيث لا يمكنهم تتبع أثركِ بسهولة. تلك القرية يا آنسة كأنها خرجت من طيات القصص الخيالية، بأنهارها العذبة وجبالها الخضراء، هناك يمكنكِ العيش بحرية تامة.. فما قولكِ؟ هل نتوجه إلى هناك؟" أمالت ليندا رأسها قليلاً، ونظرت إلى انعكاس السائق في المرآة بنبرةٍ غلب عليها الامتنان واللطف: — "شكراً لكَ كثيراً يا صديق ساندي.. حقاً لقد أتعبتكَ معي في مغامرتي الخطرة هذه." ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، هادئة كهدوء الليل من حولهما، ورد بنبرةٍ مطمئنة: — "لا شكر على واجبٍ تفرضه الصداقة والشهامة يا آنسة.. وبالمناسبة، اسمي هو 'ضياء'." شعرت ليندا بأن ثقلاً قد انزاح عن كاهلها بفضل هدوئه، فابتسمت له بصدقٍ لأول مرة منذ بدأت هذه الليلة الطويلة، وقالت برقة: — "تشرفتُ بمعرفتكَ يا ضياء." انطلقت السيارة تشق طريقها نحو "مدينة الزهور"، وبينما كانت ليندا تراقب أضواء المدينة التي تتلاشى في الأفق، بدأت جفونها تثقل تحت وطأة الإرهاق، غافلةً عن أن رحلتها مع "ضياء" قد تكون بدايةً لقصةٍ لم تخطر لها على بال. . . . في قصر الراوي في تمام الساعة الخامسة فجراً، حين كان العالم يغط في سباتٍ عميق، شقَّ سكون قصر الراوي دويُّ أجراس الإنذار التي انطلقت كصرخات ذعرٍ متواصلة. تعالت الجلبة في الممرات بعد أن عثر أحد كلاب الحراسة على هاتف ليندا مُلقىً وسط الأعشاب في الحديقة الخلفية. اندفع الحراس نحو غرفة المراقبة، وبأيدٍ مرتعشة فتحوا التسجيلات، ليجدوا الفراغ القاتل؛ عشر دقائق من العتمة التامة كانت كفيلة بحدوث الكارثة. أدرك كبير الحراس أن رؤوسهم جميعاً باتت على المحك، فأسرع لإيقاظ السيد عبد العزيز ليزفَّ إليه خبر "الهروب الكبير". استيقظت سماح مذعورة على صوت زوجها الذي كان يزمجر في الردهة كعاصفةٍ مدمرة: — "كيف يمكن أن يحدث هذا تحت أنوفكم؟! أيها الأغبياء، لن تفلتوا من عقابي.. إن لم أجدها سأشرب من دمائكم! اقلبوا الأرض خارج القصر، ابحثوا في كل شبر، لا يمكن لفتاة بمفردها أن تختفي هكذا!" شحب وجه سماح، ونهضت من فراشها وهي تشعر ببرودة الموت تجتاح أطرافها، تمتمت بصوتٍ مرتعش: — "ماذا حصل يا عبد العزيز؟ هل.. هل هربت ليندا حقاً؟!" لم تنتظر رداً، بل ركضت حافية القدمين نحو غرفة ابنتها. فتحت الباب بعنف وهي تصرخ بقلبٍ مفطور: — "ليندا! أجيبيني يا ابنتي.. هل أنتِ في الحمام؟ ليندا.. لا تمزحي معي!" لكن الغرفة لم ترد عليها إلا بصمتٍ جنائي موحش. تطلعت سماح حولها بذعر، لتجد "قلادة العائلة" موضوعة بعناية فوق السرير، وبجانبها ورقة صغيرة تحمل كلماتٍ كانت أثقل من الجبال: «حين تقرأون هذه الرسالة، سأكون قد رحلتُ إلى مكانٍ بعيد.. أعذروني، لكنني لم أعد أحتمل أن تروني مجرد سلعة تُباع وتُشترى في سوق صفقاتكم.» انهارت سماح على الأرض، وجثت تبكي بحرقة وهي تبلل الرسالة بدموع الندم. في تلك اللحظة، اقتحم عبد العزيز الغرفة، والشرار يتطاير من عينيه الجاحظتين. انتزع الرسالة من يد زوجته بعنف، وما إن قرأ محتواها حتى رمى بها أرضاً وهو يصرخ بغلّ: — "يالها من فتاةٍ لينة! ضحت بعائلتها ولطخت اسمنا في الوحل من أجل أنانيتها ومصلحتها الشخصية! أقسم أنني سأعيدها ولو من قعر الجحيم!" خرج من الغرفة بخطواتٍ غاضبة، تاركاً خلفه أماً محطمة وأحلاماً تحولت إلى رماد، متوجهاً بفكره إلى شيء واحد فقط: كيف سيواجه ميثم الهاشمي بهذا الخبر؟استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ
وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر
بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س
فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ
هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه
وقبل أن تستطيع ليندا لملمة شتات نفسها للرد على ذلك السؤال الصاعق، ظهرت امرأة من خلف الفتاة "تالين" وسحبتها بعنفٍ من ذراعها، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح من الغضب — "تالين! ما هذا الهراء الذي تهذين به؟ أيتها الفتاة العديمة الأخلاق، يبدو أنني لم أحسن تربيتكِ، وسأعيد تأديبكِ من جديد.. هيا أمامي إلى المنزل!" التفتت تالين إلى والدتها بعينين تشتعلان تمرداً وقالت بمرارة: — "أمي! ما خطبكِ؟ أنا فقط أريد الخروج من هذه القرية الخانقة، وقد جاءتني فرصة لا تعوض.. هل تريدين مني أن أضيعها وأنتظر ابن عمي الغبي ليتزوجني واضل عالقه في عالم الفقر؟" ارتعشت الأم من شدة الغضب، وبحركة سريعة صفعت ابنتها صفعةً دوت في أرجاء المكان، وقالت بنبرةٍ يملؤها الخزي: — "يا للعار! كيف تتجرئين على ذكر ابن عمكِ بهذه الطريقة؟ في أحلامكِ فقط ستخرجين من هذه القرية ما دمتُ على قيد الحياة.. هيا إلى المنزل بسرعة!" جرت المرأة ابنتها بقوة وسط ذهول الحاضرين، لكن الغريب أن تالين لم تبكِ ولم تتأثر، بل كانت ملامحها جامدة وكأنها اعتادت هذا النوع من القسوة والتعامل المهين. كانت الصدمة تعلو وجه ليندا ماذا يحدث بحق الجحيم لماذا







