LOGINطلع الصباح بهدوء فوق القصر الأسود.
كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ العالية للمكتبة، فتسقط على رفوف الكتب القديمة، وتكشف طبقة خفيفة من الغبار فوق بعض المجلدات التي لم يفتحها أحد منذ سنوات طويلة. في منتصف الغرفة... كان الصندوق الأسود موضوعًا فوق الطاولة. لم يلمسه أحد. ولم يجرؤ أيٌّ منهم حتى على الاقتراب منه أكثر مما ينبغي. وكان كرسي ابن نيكس وريفن موجودًا إلى جانب النافذة، وقد وُضع عليه غطاء صغير، كأن أحدًا حرص على إبقائه في مكانه المعتاد. كانت آريا جالسة إلى جانب لوسيان، بينما وقفت كريستين أمام الطاولة، وعيناها مثبتتان على الرمز المنقوش على الصندوق. قالت آريا: "لا أشعر بالارتياح." نظر إليها لوسيان. "أبسبب إليان؟" أومأت. "تركتها مع ريفن ونيكس ووالدي." ثم أضافت بسرعة: "أعلم أنها بأمان، لكن..." ابتسم لوسيان. "أعلم." ووضع يده فوق يدها. "والدك معها، ونيكس وريفن لن يتركاها وحدها." تنهدت آريا. "لم أعتد الابتعاد عنها." قالت كريستين: "هذا طبيعي." ثم نظرت إلى لوسيان. "ولا سيما بعد ما حدث الليلة الماضية." خفض لوسيان عينيه للحظة. كان لا يزال يتذكر عيني إليان القرمزيتين. وتلك الأنياب الصغيرة. والخوف الذي ظهر على وجه آريا. وفي مكان ما داخل ذاكرته، ظل عالقًا ذلك الإحساس الغريب الذي انتابه حين اقترب الصندوق من إليان؛ كأن خشبه البارد التقط رائحتها قبل أن يراها، وكأن الصمت المحيط به كان ينتظر صوتها. قال: "علينا أن نعرف ماهية هذا الصندوق." اقترب من الطاولة. لكن كريستين رفعت يدها فورًا. "انتظر." توقف. "ماذا؟" قالت: "لا تلمسه." أعاد يده إلى جانبه. "لماذا؟" أجابت: "لأنني لا أعرف إن كان مغلقًا بسحر عادي، أم بسحر مرتبط بالسلالة." نظرت آريا إلى الصندوق. وللحظة، خُيّل إليها أن الخطوط الثلاثة على الرمز تحركت مع أنفاسها، ثم عادت ساكنة. "وماذا إن كان مرتبطًا بإليان؟" لم تجب كريستين مباشرة. ثم قالت: "هذا ما سنحاول معرفته." --- بدأت كريستين تبحث بين الرفوف. كانت تخرج كتابًا، وتفتحه، وتقلب صفحاته، ثم تعيده إلى مكانه. ثم انتقلت إلى رف آخر. قال لوسيان: "هل تتذكرين أين رأيتِ الرمز؟" توقفت. "في مكان قديم جدًا." "أين؟" نظرت إليه. "لا أتذكر اسمه." ثم أضافت: "لكنني أتذكر الباب." اقتربت آريا. "الباب الذي قلتِ إنه كان تحت أنقاض المملكة؟" أومأت. "نعم." سألت آريا: "وماذا كان خلفه؟" سكتت كريستين. ثم قالت: "لم أدخل." تغيرت ملامح لوسيان. "لم تدخلي؟" هزت رأسها. "لم يكن مسموحًا لأحد بالاقتراب منه." "ومن وضع الباب؟" أجابت: "لا أعرف." ثم نظرت إلى الصندوق، ومررت أصابعها في الهواء بالقرب منه دون أن تلمسه. "لكنني أتذكر أن المكان كان يحمل الرائحة نفسها." سأل لوسيان: "أي رائحة؟" قالت بعد تردد: "رائحة معدن بارد... ممزوجة بشيء يشبه زهور الليل." ثم نظرت إلى الصندوق. "وهذا هو ما يقلقني." --- في الجهة الأخرى من القصر... كانت إليان في غرفة الجلوس مع ريفن ونيكس ووالد آريا. وكان كرسي ابن نيكس وريفن موجودًا قرب المدفأة، وقد وُضع فوقه غطاؤه الصغير، بينما جلست نيكس وهي تحمل إليان، ووقف ريفن إلى جوارها. قال ريفن: "أعتقد أنها تنظر إليّ." قالت نيكس: "لأنك تقف فوق رأسها منذ عشر دقائق." اقترب ريفن أكثر. "إنني أتأكد فقط من أنها بخير." ضحك والد آريا. "لقد أصبحت أبًا مبالغًا في حمايته." رفع ريفن حاجبه. "وماذا كنت ستفعل لو كانت ابنتك في الموقف نفسه؟" ابتسم والد آريا. "كنت سأفعل ما تفعله الآن." ضحكت نيكس. أما إليان... فأطلقت صوتًا صغيرًا. فالتفت الثلاثة إليها. قال ريفن: "هل سمعتم؟" ابتسمت نيكس. "أظن أنها تريد شيئًا." اقترب والد آريا. "ربما تريد النوم." لكن إليان فتحت عينيها. كانتا سوداويين هادئين. حدقت فيهم للحظات، ثم أغلقت عينيها من جديد. قال ريفن: "إنها تشبه لوسيان حين يتجاهل سؤالًا." ضحكت نيكس. "لا تقل هذا أمامه." وفي اللحظة التي أغلقت فيها إليان عينيها، ارتجفت أصابعها الصغيرة قليلًا، كأنها لمست في نومها شيئًا بعيدًا لا يراه أحد. --- في المكتبة... كانت كريستين قد عثرت أخيرًا على كتاب ضخم مغطى بجلد أسود. وضعته على الطاولة. ثم قلبت صفحاته بحذر. وتوقفت فجأة. "وجدته." اقترب لوسيان وآريا. وأشارت إلى رسم قديم. كان الرمز نفسه. الدائرة... والخطوط الثلاثة. لكن إلى جانبه كان هناك رسم لامرأة تحمل طفلة صغيرة. قالت آريا: "هذه... طفلة؟" أومأت كريستين. "نعم." لاحظ لوسيان أن حواف الصفحة كانت تحمل أثرًا باهتًا يشبه بصمات أصابع صغيرة، وأن الرمز المرسوم عليها بدا أغمق كلما اقتربت آريا من الصندوق. نظر إلى الصفحة. "ما علاقتها بالرمز؟" قرأت كريستين الكلمات القديمة ببطء. ثم تغير وجهها. لاحظ لوسيان ذلك. "ماذا تقول؟" أغلقت الكتاب للحظة. "تقول إن الرمز كان يوضع على الأشياء التي تُترك للوريث الهجين." شهقت آريا. "الوريث الهجين؟" نظرت إلى الصندوق. ثم إلى الكتاب. ثم إلى لوسيان. "إليان..." أكملت كريستين: "لكن السجلات لا تذكر ما كان داخل الصندوق." سأل لوسيان: "ومن كان ذلك الوريث؟" خفضت كريستين عينيها. "لا أعرف." قالت آريا: "لكن..." توقفت. ثم نظرت إلى الصندوق. "إذا كان الرمز مرتبطًا بوريث هجين قديم..." وضعت يدها على صدرها. "فكاسيان كان يعرف شيئًا عن إليان." قال لوسيان ببرود: "وهذا يعني أنه لم يترك الصندوق مصادفة." في تلك اللحظة... اهتز الصندوق. شهقت آريا. وتراجع لوسيان خطوة واحدة أمامها. وأغلقت كريستين الكتاب بسرعة. ثم توقف كل شيء. عاد الصندوق ساكنًا. لكن هذه المرة... انتشرت من داخله رائحة خافتة تشبه زهور الليل، وهي الرائحة نفسها التي علقت بثوب إليان منذ ولادتها. ظهر خط أحمر صغير فوق الرمز. ثم اختفى. نظر الثلاثة إلى بعضهم. قالت كريستين بصوت منخفض: "أعتقد..." سألها لوسيان: "ماذا؟" أجابت: "إنه يعرف أننا نتحدث عنه." ساد الصمت. وبعيدًا عن المكتبة، كانت إليان نائمة بهدوء بين ذراعي نيكس، بينما ظل كرسي ابن نيكس وريفن قريبًا منها، ثابتًا في مكانه كأنه جزء من المشهد. لكن فجأة... فتحت عينيها السوداوين. وانقبضت أصابعها الصغيرة حول الهواء، كأنها تمسكت بخيط غير مرئي يصلها بشيء بعيد. وفي اللحظة نفسها... توهج الرمز على الصندوق مرة أخرى.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







