LOGINمرّت مدة أخرى منذ ذلك اليوم.
وبدأت الحياة في القصر الأسود تستعيد هدوءها تدريجيًا. إليان لم تعد تغرق في حزنها كما في البداية. كانت لا تزال تتذكر أرن، وأحيانًا كانت تقف قرب النافذة وتبتسم عندما تتذكر أحد أحاديثهما، لكنها تعلّمت أن تحمل اشتياقها بهدوء. وكان لوسيان وآريا يلاحظان ذلك. فقد عادت إليان إلى الجلوس مع العائلة، والضحك مع كريس، ومضايقة أليكس كما اعتادت. حتى إن أليكس قال لها ذات مساء: — "أخيرًا عدتِ إلى طبيعتك." نظرت إليه إليان بتعبير مستنكر. — "أنا لم أتغير أصلًا." رفع حاجبه. — "كنتِ تنظرين إلى النافذة نصف اليوم." — "كنت أفكر." — "بأرن." تجمدت. ثم ضربته بوسادة كانت بجانبها. — "اصمت!" ضحك أليكس وهو يبتعد. — "كنت أعرف!" لكن في صباح اليوم التالي… تغير كل شيء. كانت إليان في المكتبة عندما شعرت بشيء غريب حول عنقها. توقفت يدها فوق الكتاب. القلادة. ارتجفت قليلًا. ثم بدأت تضيء. لكن هذه المرة لم يكن ضوؤها أحمر. كان فضيًا. رفعت إليان رأسها بسرعة. شعرت بالهواء من حولها يتغير. ثم سُمعت دقة واحدة عميقة في مكان ما داخل القصر. تبعها صوت آخر. ثم ثالث. خرج أليكس من بين رفوف الكتب. — "إليان؟" لم تجبه. كانت تنظر إلى الممر. قال أليكس: — "ماذا حدث؟" همست: — "الباب." في اللحظة نفسها… ظهر أمامهما ضباب فضي كثيف. تجمعت خيوطه في منتصف الممر، ثم بدأت تتشكل دائرة مضيئة. تجمد أليكس. — "هذا مستحيل." اقتربت إليان ببطء. كان قلبها يخبرها أن هذا ليس مجرد باب عادي. القلادة كانت تسخن فوق صدرها. ثم ظهر الباب كاملًا. والأغرب… أنه لم يكن يؤدي إلى الفاصل المظلم هذه المرة. بل بدا وكأنه يفتح من الجهة الأخرى. قال أليكس: — "لا تقتربي." لكن إليان لم تستطع. خطت خطوة. ثم ثانية. وفجأة… ظهر شخص خلف الباب. توقفت أنفاسها. شعره الأسود. نظراته. كل شيء في داخلها تجمد. همست: — "أرن؟" خرج الأمير من الضباب. كان واقفًا أمامها فعلًا. ليس في حلم. ولا في ذكرى. بل هنا. في القصر الأسود. وفي عالمها. تراجعت إليان خطوة من الصدمة. — "كيف…؟" ابتسم أرن ابتسامة صغيرة. — "أعرف أنني لم أخبرك أنني سأفعل ذلك." لم تستطع إليان أن تتكلم. قال أليكس: — "كيف عبرت الباب؟" نظر أرن خلفه. ثم قال: — "لم أعبر وحدي." ومن خلفه ظهرت ريفانا. اتسعت عينا إليان. — "ريفانا!" اندفعت نحوها وعانقتها بقوة. أغلقت ريفانا عينيها وضحكت وسط دهشتها. — "اشتقت إليكِ أيضًا." ابتعدت إليان عنها بسرعة ونظرت إلى أرن. ثم إلى ريفانا. — "ماذا يحدث؟" قالت ريفانا: — "يبدو أن الباب قرر أن يعطينا فرصة ثانية." قال أليكس: — "هذا لا يفسر شيئًا." ضحك أرن قليلًا. — "أتفق معك." لكن إليان لم تكن تستمع. كانت لا تزال تنظر إليه. كان هنا. في عالمها. بعد أن ظنت أنها تركته إلى الأبد. اقترب أرن منها. قال بصوت هادئ: — "لم أستطع أن أترك الأمر ينتهي هكذا." خفضت إليان رأسها للحظة. — "قلت لك إنني لا أعرف إن كنت سأستطيع العودة." — "وأنا قلت لك إنني لا أعتقد أن هذه النهاية." رفعت عينيها إليه. ابتسم. — "ويبدو أنني كنت محقًا." وقبل أن تتمكن إليان من الرد… توقفت القلادة عن الضوء. ثم… تغير الهواء كله. برد المكان فجأة. تراجع أليكس فورًا. حتى ريفانا تغيّرت ملامحها. قالت بصوت خافت: — "لا…" نظر أرن حوله. — "ماذا؟" بدأ ضباب أسود كثيف ينتشر في القاعة. قال أليكس: — "الجميع ابتعدوا!" اندفع لوسيان وآريا وكريستين وبقية أفراد العائلة إلى القاعة بعدما شعروا بالطاقة الغريبة. وقف لوسيان أمام آريا فورًا. وعيناه أصبحتا حادتين. — "إليان، ابتعدي." لكن إليان لم تتحرك. لأن الضباب الذي ملأ المكان بدأ يتجمع. ثم اتخذ شكل رجل. ظهر أولًا ظل طويل… ثم وجه… ثم عينان تعرفهما إليان جيدًا. تجمدت ريفانا. وسقطت الكلمات من فمها دون وعي: — "أبي…" ساد الصمت. نظر الرجل إليها. ولأول مرة… لم تكن في عينيه تلك القسوة التي عرفتها إليان من قبل. بل كان هناك شيء آخر. ألم. وتعب. وذهول. خرج صوته مكسورًا: — "ابنتي." لم تتحرك ريفانا. بقيت تحدق فيه وكأن الزمن نفسه توقف. — "أبي…؟" هز كاسيان رأسه ببطء. — "نعم." تقدمت ريفانا خطوة. لكنها توقفت. — "كنت أبحث عنك سنوات." انخفض رأس كاسيان. — "وأنا كنت أبحث عنكِ أطول مما تستطيعين تخيله." ارتجف صوتها: — "لماذا لم تجدني؟" رفع عينيه إليها. — "لأنني فقدت الطريق إليكِ." ثم نظر إلى الباب. — "والباب أخذ منكِ أكثر مما أخذ مني." قالت ريفانا: — "أخذ مني طفولتي." أغمض كاسيان عينيه. — "أعرف." كانت تلك الكلمة البسيطة أثقل من أي تبرير. لكن ريفانا لم تنتهِ. — "وأخذ مني أمي." ارتعشت ملامح كاسيان. — "كارولين…" ثم أضاف بصوت خافت: — "كانت كل ما تبقى لي." قالت ريفانا: — "ثم خسرتها بسبب ما فعلته." لم يجب. لأنه لم يجد ما يدافع به عن نفسه. وأخيرًا قال: — "نعم." رفع لوسيان عينيه نحوه. — "إذن أنت يا كاسيان." استدار كاسيان إليه. — "نعم." قال لوسيان بصرامة: — "والذي تسبب في سقوط فالوريان." خفض كاسيان رأسه. — "نعم." ساد الصمت. ثم قالت ريفانا: — "لماذا؟" نظر إليها. — "لأن الباب أخذ ابنتي." تراجعت ريفانا قليلًا. أكمل: — "عندما وُلدتِ… كنتِ مختلفة عن أي طفل عرفته." ثم نظر إلى القلادة حول عنق إليان. — "وفي ذلك الوقت، صنعت لكِ أول هدية." اتجهت عيناه إلى إليان. قال: — "ذلك العقد الذي ترتديه إليان الآن." تجمدت إليان. رفعت يدها إلى القلادة. — "هذا… كان لكِ؟" أومأ. — "كان هدية لكِ." ثم نظر إلى ريفانا. — "أعطيته لوالدتكِ، وكنت أريد أن يبقى معكِ." سألته ريفانا: — "فكيف وصل إلى إليان؟" قال كاسيان: — "لأن الباب أخذكِ قبل أن أتمكن من إعطائكِ إياه." توقف. — "وعندما اختفيتِ… حاولت فعل المستحيل." نظرت إليه ريفانا بصمت. — "بحثت عنكِ في كل مكان." — "وبعدها حاولت استخدام الباب." رفع كاسيان عينيه. — "مرة." ثم: — "ومرة أخرى." ثم: — "ثم مرات لا أستطيع عدّها." قالت كريستين بهدوء: — "وهنا بدأت الكارثة." أومأ كاسيان. — "كنت أعرف أن الباب خطير." ثم نظر إلى ريفانا. — "لكنني كنت أعتقد أنني قادر على السيطرة عليه." قال أليكس: — "ولم تستطع." — "لا." انخفض صوته. — "وفي كل محاولة كنت أكسر جزءًا من سحر فالوريان." نظر إلى الأرض. — "ثم بدأ كل شيء ينهار." قالت ريفانا: — "وأنت كنت تعرف." — "نعم." — "وعلى الرغم من ذلك استمريت." أغمض كاسيان عينيه. — "لأنني كنت والدك." سكتت ريفانا. ثم قال: — "كنت أظن أن استعادتي لكِ أهم من أي شيء." نظر إلى إليان. — "حتى تعلّمت متأخرًا أنني كنت مخطئًا." لكن إليان لم تتكلم. لأنها بدأت تفهم شيئًا آخر. فقد رفعت ريفانا عينيها فجأة وقالت: — "وهذا ليس كل شيء." تغير وجه كاسيان. قال لوسيان: — "تكلم." تنفس كاسيان ببطء. — "بعد أن عرفت النبوءة كاملة…" نظر إلى آريا. تجمدت آريا. — "عرفت أن هناك إنسانة ستصبح محورًا مهمًا في استمرار الدمين." قالت كريستين: — "آريا." أومأ كاسيان. — "كنت أعرف أنها المختارة." قال لوسيان بحدة: — "وماذا كنت تنوي أن تفعل بها؟" خفض كاسيان عينيه. — "في البداية… فكرت بطريقة خاطئة." صمت طويل. ثم قال: — "كنت أظن أنني أستطيع استخدام النبوءة لمصلحتي." نظر إلى آريا. — "ظننت أنني إن أخذتها معي، وجعلتها جزءًا من خطتي، فإن الطفل الذي ستنجبه من دمينا سيحمل القدرة التي أحتاج إليها لفتح باب الزمن بالشكل الذي أريده." تجمدت إليان. أما آريا فبقيت صامتة. قال لوسيان: — "كنت تريد استخدام آريا." أومأ كاسيان. — "نعم." ثم أضاف بسرعة: — "لكنني لم أفعل." رفعت إليان عينيها إليه. — "لماذا؟" أجاب: — "لأنني رأيتكِ." سكتت. — "قبل أن تولدي أنتِ، كنت أظن أن الطفل الثاني للدمين سيكون مجرد وسيلة." ثم نظر إلى ريفانا. — "لكن بعد أن خسرت ابنتي… بدأت أفهم معنى أن ينظر شخص إلى طفله كأنه مجرد مفتاح." تغيرت ملامحه. — "وكنت قد فعلت ذلك بكِ من دون أن أدرك." قالت ريفانا بصوت مرتجف: — "أبي…" — "عندما ولدتِ، كنتِ ابنتي." ثم نظر إلى إليان. — "ولهذا عندما وُلدت إليان… أعطيتها القلادة." اقتربت إليان منه خطوة. — "لماذا لي أنا؟" قال: — "لأنني عرفت أن طفلًا ثانيًا سيأتي." ثم أضاف: — "وكنت أعرف أن القلادة تحتاج إلى ابنة الدمين الثانية عندما تستيقظ." سألته إليان: — "فأعطيتني إياها حتى يصبح الباب مفتوحًا؟" هز رأسه. — "في البداية، كنت أعتقد أن ذلك هو الهدف." ثم نظر إلى ريفانا. — "لكنني لم أفهم أن الباب لم يكن يحتاج إلى أن أتحكم به." صمت. — "كان يحتاج فقط إلى من يختار عبوره." فهمت إليان. القلادة لم تكن سلاحًا. ولم تكن مصدر قوة. كانت مجرد الأثر الذي وصل من الماضي إلى الحاضر. وكانت القصة كلها مرتبطة باختيار البشر لأنفسهم. نظر كاسيان إلى ريفانا. — "كنت أريد أن أعيدكِ إليّ." ثم قال: — "لكنني دمرت مملكة كاملة وأنا أحاول ذلك." اقتربت ريفانا منه. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. — "كنت أريد أن أكرهك." خفض كاسيان رأسه. — "ومن حقكِ." — "لكنني بقيت أبحث عنك." رفع عينيه إليها. — "وأنا لم أتوقف عن البحث عنكِ." ثم، وبعد تردد طويل… اقتربت ريفانا منه. لم تقل شيئًا. فقط وقفت أمامه. رفع كاسيان يده بتردد، ثم وضعها على كتفها. وكأن الرجل الذي واجه قرونًا كاملة من الظلام… لم يعد في تلك اللحظة إلا أبًا وجد ابنته أخيرًا. أغمضت ريفانا عينيها. وهمست: — "تأخرت." أجابها بصوت مكسور: — "أعرف." ثم عانقها. وفي الجهة الأخرى… كانت إليان تنظر إلى القلادة. ثم إلى آريا. ثم إلى لوسيان. وفهمت أخيرًا أن كل تلك السنوات… وكل ذلك الباب… وكل ذلك التاريخ المكسور… لم يكن يقود إلى قوة عظيمة. بل كان يقود إلى شيء أبسط بكثير. عائلة. اختيار. وحب لم يكن يجب أن يتحول يومًا إلى وسيلة.إلى كل من قرأ «عروس القصر الأسود» 🤍 قبل أن أقول أي شيء عن نهاية الرواية، أريد أن أقول شكرًا. شكرًا لكل شخص أعطى هذه الرواية جزءًا من وقته، حتى لو كانت دقائق قليلة. شكرًا لكل من فتح فصلًا، وقرأ سطرًا، أو تابع شخصية، أو انتظر معرفة ماذا سيحدث بعدها. قد لا تكون «عروس القصر الأسود» الرواية المثالية، وربما لم تكن كل أحداثها ممتعة كما كنت أتمنى، وربما كان هناك الكثير من الأشياء التي كان بإمكاني كتابتها بطريقة أفضل. لكن رغم كل ذلك… أنا تعبت فيها. كتبتها، وفكرت بأحداثها، وعشت مع شخصياتها، وفرحت معهم، وحزنت معهم، ووصلت معهم إلى النهاية. ولهذا، يكفيني جدًا أن هناك أشخاصًا قرأوا شيئًا أنا كتبته. يكفيني أن كلماتي وصلت إلى أحدكم، حتى ولو لم تترك الرواية أثرًا كبيرًا. يكفيني أن شخصًا ما قرر أن يعطيها من وقته، لأن وقت الإنسان شيء ثمين، وأنا أقدّر كل دقيقة قضاها أحدكم بين صفحاتها. ولكل شخص قرأها ولم يترك تعليقًا، ولم يضع إعجابًا، ولم يقل شيئًا… شكرًا لك أيضًا. 🤍 وجودك كقارئ لا يحتاج إلى إثبات. مجرد أنك قرأت… يعني أن جزءًا من الوقت الذي كان بإمكانك أن تقضيه في أي مكان آخر، قضيته هنا.
لم تتغير حياة القصر الأسود بعد ولادة كايل. بل تغيّرت أكثر مما توقع الجميع. لم يعد الصمت الذي كان يملأ الممرات طويلًا كما في السابق، ولم تعد الوجوه تستيقظ على هدوء القصر نفسه. فقد أصبح هناك صوت صغير يركض في كل مكان. وضحكة تتردد في الممرات. وبكاء يتحول بعد دقائق إلى ضحك. وفوق كل ذلك… أصبح هناك طفل واحد استطاع أن يجعل جميع أفراد العائلة ينسون أعمارهم ويعودون أطفالًا معه. كايل. منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن هذا الطفل لن يكون هادئًا. كان يحرّك يديه وقدميه باستمرار، ويحدق بكل شيء من حوله بفضول شديد. وكان أكثر شخص يتعلق به… هو لوسيان. في كل مرة كان لوسيان يحمله، كان كايل يهدأ سريعًا. وكأن صوت جده وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بالأمان. وفي إحدى المرات، كان لوسيان جالسًا في القاعة الكبيرة، يحمل كايل بين ذراعيه. كان الطفل قد كبر قليلًا، لكنه ما زال صغيرًا جدًا. نظر إليه لوسيان طويلًا. ثم قال: — "أتعرف من أنا؟" رفع كايل عينيه إليه. ابتسم لوسيان. — "أنا جدك." فتح كايل فمه الصغير وأصدر صوتًا غريبًا. ضحك لوسيان. — "لا، لا تقل شيئًا. فقط استمع." اقترب منه قليلًا. — "أنت ت
منذ اليوم الذي أخبرت فيه إليان عائلتها بخبر حملها، لم تعد حياتها في فالوريان كما كانت. ولا حياة أي شخص في العائلتين. في البداية، حاولت إليان أن تتعامل مع الأمر بهدوء. كانت تجلس في الحديقة مع أرن، تضع يدها على بطنها، وتراقب السماء وهي تبتسم. لكن الهدوء لم يدم طويلًا. لأن لوسيان… كان قد أعلن بطريقة غير مباشرة أنه لن يبتعد عنها طوال فترة الحمل. وعندما قالت له إليان إن الطبيب في فالوريان يتابع حالتها وأنها بخير، أجابها ببساطة: — "وأنا أتابع الطبيب." رفعت إليان حاجبها. — "أبي." — "ماذا؟" — "لا يمكنك مراقبة الطبيب." قال بجدية: — "يمكنني." ضحكت آريا من الطرف الآخر. — "دعه. منذ عرف أنك حامل وهو لا يعرف كيف يتصرف." التفت لوسيان إليها. — "أنا أعرف تمامًا كيف أتصرف." قال ريفين: — "أنت منذ ثلاثة أيام تسأل أرن كل ساعتين إذا كانت إليان قد تناولت الطعام." قال لوسيان: — "هذا طبيعي." وأضاف كريس: — "وسألني أنا أيضًا." نظر إليه لوسيان. — "لأنك كنت معها." قال كريس: — "كنت ألعب!" — "وهذا سبب إضافي لأتأكد." ضحك الجميع. أما إليان… فكانت تنظر إلى عائلتها وتشعر بدفء لم تعرفه من
مرت عدة أشهر منذ أن انتقلت إليان إلى فالوريان برفقة أرن. ورغم أن حياتها الجديدة أصبحت أكثر هدوءًا، فإنها لم تسمح للمسافة بأن تبعدها عن عائلتها. كانت تزور القصر الأسود باستمرار. أحيانًا كانت تقضي أيامًا كاملة مع آريا ولوسيان، وأحيانًا كانت تعود إلى فالوريان بعد ساعات قليلة. وفي كل مرة تدخل فيها القصر، كان كريس أول من يركض نحوها. وكان لوسيان، مهما حاول أن يبدو هادئًا، ينتظر عودتها أكثر مما يعترف به. وفي ذلك الصباح… فُتح باب القصر الأسود. دخلت إليان برفقة أرن. لكن هذه المرة كانت مختلفة قليلًا. كانت تحمل حقيبة صغيرة بيدها، بينما كان أرن يسير إلى جانبها بهدوء. رفع ريفين رأسه فور أن رآهما. — "إليان!" ابتسمت. — "مرحبًا، عمي ريفين." اقترب منها بسرعة. — "أين كنتِ؟ لقد تأخرتِ." ضحكت. — "قلت لك إن الطريق من فالوريان ليس قصيرًا." ظهرت نيكس من خلفه. — "دعها تدخل أولًا، أيها الغراب." ثم احتضنت إليان. — "اشتقت إليكِ." — "وأنا أيضًا." جاء كريس بعدها مباشرة. — "إليان!" واحتضنها بحماس. — "هذه المرة بقيتِ أكثر من أسبوعين!" ضحكت. — "كيف عرفت؟" رفع حاجبه. — "أنا أراقب الجميع
بعد أن انتهت مراسم الزفاف، بقيت القاعة مضاءة بالشموع، بينما كانت أصوات الضحك والتهاني تتردد بين جدران القصر الأسود. وقفت إليان إلى جانب أرن، وما زالت ملامح الفرح واضحة على وجهها، فيما كانت عائلتها تقترب منهما واحدًا تلو الآخر. احتضنتها آريا أولًا. وضعت يديها على كتفي ابنتها، وتأملتها طويلًا، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل وجهها في ذاكرتها. ثم ابتسمت، رغم اللمعة الواضحة في عينيها. — "مبارك يا ابنتي." ابتسمت إليان. — "شكرًا يا أمي." اقترب لوسيان بعد ذلك. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بالنظر إليها. ثم وضع يده فوق رأسها كما كان يفعل منذ أن كانت طفلة. — "لقد كبرتِ." ضحكت إليان وسط دموعها. — "أبي… لقد قلتها كثيرًا." — "وسأكررها أكثر." ثم احتضنها. أغلقت إليان عينيها للحظات. كان حضنه المكان الذي شعرت فيه بالأمان منذ أول يوم في حياتها. اقترب أرن منهما بعد لحظة. فقال لوسيان له بهدوء: — "اعتنِ بها." أجاب أرن دون تردد: — "سأفعل." نظر إليه لوسيان لثوانٍ، ثم أومأ. — "أعرف." رفعت إليان رأسها ونظرت إليهما. للمرة الأولى شعرت أن والدها، رغم حذره الدائم، كان يسلّمها فعلًا إلى شخ
بقيت القاعة صامتة لوقت طويل بعد اعتراف كاسيان. حتى القصر الأسود نفسه بدا وكأنه توقف عن إصدار أصواته المعتادة. لم يكن أحد يعرف ماذا يقول. كانت آريا تنظر إلى ريفانا وكاسيان، وقد بدت متأثرة بالمشهد الذي رأته أمامها. أما إليان… فكانت لا تزال تنظر إلى القلادة حول عنقها. الهدية التي ظنت طوال هذه السنوات أنها مجرد أثر غامض من الماضي… كانت في الحقيقة هدية أب لابنته. قالت آريا أخيرًا بصوت هادئ: — "كم من الأشياء تغيّرت بسبب الخوف." نظر كاسيان إليها. خفض رأسه قليلًا. — "أعرف." اقتربت آريا منه. — "لكنك عدت الآن." رفع كاسيان عينيه إليها. — "لم أعد أطلب شيئًا." ثم نظر إلى ريفانا. — "كل ما أريده هو أن تكون ابنتي بخير." أمسكت ريفانا يده للحظة. لم تقل شيئًا. لكن تلك الحركة الصغيرة جعلت الجميع يدركون أن السنوات الطويلة من الفقد بدأت أخيرًا تنتهي. أما لوسيان، فكان واقفًا على مسافة قريبة. قال: — "أخطأت كثيرًا." نظر إليه كاسيان. — "نعم." — "وتسببت في سقوط مملكة كاملة." — "نعم." توقف لوسيان قليلًا. ثم قال: — "لكنني أرى أنك تحاول إصلاح ما تستطيع." فوجئ الجميع بنبرته. رفع كاس







