Home / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الثالث والأربعون

Share

الفصل الثالث والأربعون

last update publish date: 2026-06-25 06:17:55

سارة

انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.

شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي الرتيبة. التواجد معه ممتع ومثير للغاية، لكنني في ذات الوقت كنتُ خائفة؛ لن أقدم شيء في مقابل كل ما يعطيني إياه بكرم؛ يمنحني وقت وثدليل وأماكن فاخرة وباهظة الثمن، ولم أكن أملك أي شيء يؤهلني لأعطيه إياه في المقابل، لا ثراء ولا مكانة اجتماعية تماثل عالمه. وأخيرًا، أظلمت القاعة تمامًا معلنة بدء العرض فجفلتُ من المفاجأة وانتبهتُ بكليتي على أحداث الفيلم.

في منتصف الفيلم، كانت رؤوسنا متقاربة بشدة في تلك العتمة، بينما نلتقط حبات الفشار من كيس ورقي واحد مشترك، وتلامست أناملنا أكثر من مرة مما سبب لي قشعريرة دافئة، وكنا نهمهم بلا صوت مرتفع عن لقطات معينة من الفيلم ونتبادل النكات السريعة. وحين انتهى الفيلم الأول كان الجميع من حولنا في حالة خمول واسترخاء تام، وبدا الفيلم جيد فقط في مجمله؛ ورغم مشاهد الأكشن والإثارة المتلاحقة إلا أنه لم يكن مميز أو يخطف الأنفاس بشكل مذهل، لكنه ظل خيارًا جيد لقضاء الوقت.

"أعجبكِ الفيلم؟"

سألني سام وهو يفرك عينيه المتعبتين بأصابعه، فاسترخيتُ أكثر على المقعد المريح مجيبة بابتسامة هادئة:

"لا بأس به.. ماذا عنك؟"

"أخشى أن أقول أنني أحببتُ تعليقاتنا الجانبية وهمساتنا أكثر من الفيلم نفسه، فتشعري أنني أحاصركِ بشيء ما أو أضغط عليكِ."

يميل على مقعدي بجسده الرياضي ويهمهم بها بنبرة خفيضة كادت تذيب تمافصلي. فتحتُ عيني أنظر نحو الأمام مباشرة بينما أسترخي في مقعدي للأسفل أكثر كي أتهرب من نظراته الحارقة، ولوحتُ بذراعي في حركة مسرحية طفولية لأكسر جمود الموقف:

"لقد فعلتَ ذلك للتو وأحرجتني، لكنني يسعدني حقًا أن أكون أكثر متعة وجاذبية من جوني ديب."

"أنتِ كذلك بالفعل و..."

توقف فجأة عن إكمال جملته بينما يخرج هاتف الذكي من جيبه، والذي لم يكف عن الإضاءة والاهتزاز طوال فترة عرض الفيلم كأن هناك أمرًا عاجلًا. نظرة واحدة منه إلى اسم المتصل جعلت وجهه يكفهر وتغادره الابتسامة تمامًا، كتب رسالة نصية صغيرة وسريعة بأصابع مشدودة، ثم أغلقه ووضعه مقلوبًا بعنف فوق مسند المقعد. اعتدلتُ في جلستي قليلًا وأنا أرمقه بقلق:

"هل هناك شيئًا ما؟"

نظر لي نظرة واحدة مبهمة وجافة ليست من عادته اللطيفة معي، التقط حبة فشار يأكلها ببطء شديد كأنه يشتري الوقت مجيبًا ببرود:

"لا شيء مهم يستدعي اهتمامكِ أو قلقكِ."

"لكني بالفعل اهتممت، وملامحك تخبرني بعكس ذلك."

كورتُ قبضتي الصغيرة لأضعها أسفل رأسي مستندة عليها ومنتظرة إجابته الصريحة بفارغ الصبر، لكنه تنهد وقال بنبرة محايدة:

"لا أريد لأي شخص أو شيء تعكري ليلتنا الجميلة هذه."

قالها ضاحكًا في محاولة يائسة لتلطيف الأجواء، لكنها لم تبدو لي مقنعة أبدًا بل حملت نبرة هروب واضحة. تعانق حاجبي بعدم تصديق وإحباط، رفعتُ أناملي المترددة ووضعتها بلطف فوق ذراعه المشدودة لاستشعر مدى توتره الداخلي، وتساءلتُ باهتمام:

"لماذا؟ هل كان أسبوعًا سيئًا لهذه الدرجة؟"

زم شفتيه بتفكير عميق، ينظر لكفي الموضوعة على ذراعه فأرفعها بسرعة خجلًا من جرأتي. همهم بقلق ثم سرد يبرر:

"الكثير من العمل المتراكم في شركة أبي ومكتبي الخاص، كما أنه يوجد أخطاء حسابية وضريبية صمم جايسون أن نعثر عليها معًا وهذا تطلب منا مراجعة الكثير من الملفات القديمة والقديمة جدًا."

"أعتقد أن هذا ليس شيء جديد تمامًا عليك، أنت تعمل لوقت طويل ومن فترة كبيرة وتتحمل هذه الضغوط دائمًا."

نظر حول القاعة الشبه فارغة كأنه يهرب عمدًا من تعليقي ومن مواجهة عيني. لم أكن فضولية بطبعي، لكنني شعرتُ بشيء غريب خلف هذا الصمت، ولم أحب أبدًا فكرة أنه آتي إلى هنا فقط لكي لا يسبب لي حرجًا أو يلغي الموعد، بينما كان يفضل في أعماقه أن يكون في مكان آخر أو ربما مع شخص آخر يحتاجه الآن. لاحظ ضيقي وانكماشي فأجاب بلا مبالاة مصطنعة:

"لا شيء، فقط ... أنه بالفعل موضوع غير مهم ولا يستحق."

"تستطيع أن تقول لي ببساطة أنك لا تريد إخباري وأن الأمر خصوصي، لكن لا تلتف حول الموضوع بهذه الطريقة المراوغة وتجعلني أبدو كالفضولية السخيفة التي تتدخل فيما لا يعنيها."

اعتدلتُ بحدة في مكاني، ثم انتابني الانزعاج الشديد من نبرة حديثي الهجومية فقفزتُ عن المقعد هربًا من التوتر:

"سوف أحرك قدمي قليلًا في الردهة الخارجية حتى موعد العرض التالي."

خرجتُ مسرعة دون أن أنتظر رده أو اعتراضه، حتى وصلت لخارج القاعة حيث الفضاء المفتوح. استندتُ بكل ثقلي على اللوح الحديدي البارد الذي يسبق الجدار الزجاجي الضخم للقاعة، أنظر لأسفل نحو حذائي المطاطي الأبيض وأشعر بالضيق الشديد يطبق على أنفاسي. لا أستطيع التعامل مع المراوغة، التلميحات، والخطوط الرمادية في العلاقات؛ لا أفهمها جيدًا ولا أعرف ما المقصود منها بالضبط، مما يتركني دائمًا صاحبة تساؤلات معلقة وفي حالة انزعاج داخلي لا تهدأ بسهولة.

رحتُ أهز قدمي بعنف نحو الأرض كي أتخلص من تيار التوتر الذي يجتاحني. فكرتُ بجدية أن أرحل تمامًا من المكان بعد أن أرسل له رسالة نصية قصيرة أخبره فيها أنني توعكتُ قليلًا وأصبت بصداع مفاجئ، لكن الفكرة بدت مكشوفة ومبتذلة أكثر من اللازم، ولا أجرؤ في الحقيقة على مواجهته لأخبره صراحة أنني سأرحل وتفسد الأمسية. رحتُ أهز قدمي بعنف أكبر غارقة في أفكاري، ونظري مثبت بالكامل على حذائي المطاطي الأبيض. فجأة، شعرتُ بكف دافئة وضخمة تضغط برفق أعلى كتفي، رفعتُ نظري وأنا أثق في أعماقي أنه هو بالتأكيد، فهمس بنبرة حانية:

"توقفي عن هز قدمكِ."

توقفتُ عن الاهتزاز فورًا، وتعلقتُ بنظراته المستسمحة بينما يقول بصدق:

"أنا آسف.. إنها كارولين التي لا تتوقف عن الاتصال وإرسال الرسائل."

تساءلتُ بآلية وبنبرة جافة:

"من كارولين؟"

من هذه السيدة التي لا تكف عن مراسلته؟! هل سام لديه حبيبة؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والأربعون

    سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والأربعون

    سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والأربعون

    سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والأربعون

    سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والأربعون

    الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامن والعشرين

    سام لا أنكر أنني كنت أعلم أنها لن تستطيع أن تشتري ثوب كالذي آتيت به إليها، لكنني كل ما كنت أفكر فيه هو أنها كم ستبدو جميلة و هي ترتدي هذا الثوب الأبيض، لم أفكر بشيء آخر مما دار في عقلها وأخذت تراسلني به حتى قبل تتويجها بساعات، ولكنني مع كلًا أحببت كونها مستقلة تمامًا، أنها لا تريد أي شيء منه، ويمك

  • عقد وأكاذيب    الفصل السابع والعشرين

    حاولت الهدوء، تجرعت كأس مارتيني لاستعداد لتصوير فيديو. أمام مرآة طاولتي المخصصة للتبرج داخل غرفتي الخاصة بالقصر، كنتُ أضع لمساتٍ خفيفةً من مسحوقٍ يخفي لمعان البشرة تحت إضاءة الكشافات الحديثة الدائرية التي جلبتُها خصيصًا لتصوير مقاطعي المرئية. في الزاوية، كان هاتفي المحمول مثبتًا على الحامل الثل

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والعشرين

    يوم حفل التتويج عجلات سيارتي الفارهة أحدثت صريرًا هادئًا وهي تطأ الحصى الأبيض الممتد في الممر المؤدي إلى قصر عائلتي العريق في ضواحي لندن. القصر، بجدرانه الحجرية الرمادية الضخمة المغطاة بنبات اللبلاب والتماثيل الرخامية لفرسان العصور الوسطى، يقف شامخًا كشاهدٍ على سطوة ونفوذ عائلتنا المقربة من ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والعشرون

    دانيال جيسون قبل ثلاثة أيام الدم الأزرق العائلة المالكة تناسب التلفاز، لكنها لا تناسب صناعة شخصية، لتبني عائلة، لكي تكون أى شيء عدا رمز إعلامي للرفاهية الغير مستحقة والفضائح الجنسية العاطفية، وعدا تحويل حياتهم لبرنامج تليفزيوني وكتاب نصف مشهور لا سبيل لشيء آخر. وأنا واحد منهم. الضوء الخاف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status