LOGINميلا فيليت عدتُ إلى مكتبي بخطوات هادئة وحذرة، أحمل في صدري غضباً مكتوماً يوشك أن يلتهم كل شيء حولي. لم أعد أرى الممر ولا الأوراق المتراكمة ولا حتى الشاشات المضاءة، كان عقلي يعمل بكامل طاقته كمحرك نفاث. بيتر أهانني، ونزع مني مشروع حياتي ليمنحه لـ روسيل هاند، ثم جاءت هذه المراهقة رافين كونر لتهز عرشي بقلمها وتجعلني أبدو كمحررة عاجزة في نظر الإدارة.لكن وسط هذه الفوضى، بزغت في عقلي فكرة جهنمية. إن كانت القوانين تمنع بيتر من التعاقد المباشر مع فتاة قاصر، وإن كان عقل هذه الفتاة هو الوحيد القادر على إنتاج نصوص بهذه العبقرية والسخرية السوداء، فلماذا لا أستغلها لحسابي الشخصي؟ أستدرجها، أستغل شغفها المراهق بالنشر والشهرة، وأجعلها تكتب لي من خلف الكواليس ككاتبة ظل، بهذه الطريقة، أستعيد كبريائي، وأضمن نصوص مبهرة تحت إشرافي، وأثبت لبيتر أنني المحررة الأذكى في هذه المؤسسة!جلستُ على مقعدي، وأطلقتُ تنهيدة حارة. التفتت إليّ كريستين، وعلى وجهها علامات القلق والفضول في آنٍ واحد. طوت أوراقها جانباً وسألتني بنبرة خفيضة:"ميلا... ماذا حدث في مكتب بيتر؟ رأيتُ وجهكِ عندما خرجتِ، هل ضغط عليكِ بسبب المق
ميلا فيليت تزايدت ضربات قلبي، واشتعلت في صدري نار الفضول والغضب معًا، كيف يمكن لموقع مجهول أن يمتلك خامة إبداعية بهذه القوة دون أن نعلم عنها شيئاً؟ ومن هو الكاتب صاحب الاسم الذي لم اقرأه من قبل في نهاية المقال؟تصفحتُ أسفل الصفحة بسرعة، لكن لم يكن هناك سوى رمز غامض وصورة تعبيرية صغيرة. لم أستطع كبح جماح رغبتي في المعرفة. أردتُ أن أعرف هوية هذا الغريم الذي استطاع هز عرش شبكات التواصل بحاسوب.التفتُّ حولي أراقبهم، كان الجميع مشغولين، سحبتُ هاتفي المحمول بنعومة، وقمتُ بتشغيل تطبيق الرسائل الفورية الخاص بالدار، ثم أرسلتُ رسالة نصية مباشرة إلى مسؤول الدعم التقني والأرشيف الإلكتروني في الطابق السفلي. لم أجرؤ على الاتصال به هاتفيًا حتى لا يلاحظ أحد في المكتب خفوق صوتي أو ارتباكي.كتبتُ له بحروف سريعة وحذرة: "مرحباً كريس، هل يمكنك أن تفحص لي هذا الرابط فورًا؟ أريد معرفة صاحب الحساب الذي نشر القصة، أو على الأقل أصل عنوان البروتوكول والموقع الجغرافي للكاتب، الموضوع بطلب خاص وعاجل جدًا، ولا تتحدث عنه أمام أحد."مرت دقائق الانتظار كأنها دهور. كنتُ أختلس النظر إلى كريستين التي عادت لكتابة نصوصها
خرجتُ من مكتب بيتر وأنا أجرّ أقدامي فوق سجاد الممر الفاخر، صامتة كمن تترجل من على منصة إعدام لم تُستكمل إجراءاتها بعد. كانت قبضتي تعتصر زوايا الحقيبة الجلدية بحنقٍ مكتوم، والدماء تغلي في عروقي بمرارة لا تطاق.سلبني الملف بدم بارد! جردني من أثمن قطعة في مشروعي ومنحها لـ روسيل هاند على طبق من ذهب دون أن يطرف له جفن. لم أكن أعرف -ولا أستطيع أن أفهم حتى هذه اللحظة- سر هذا التشبث المريب بملف سارة كولن.عدتُ إلى مكتبي والمزدحم في نهاية الممر. كان المكتب يعجّ برائحة الأوراق المطبوعة حراريًا والقهوة الرخيصة، بينما الصوت الوحيد السائد هو طقطقة أزرار لوحات المفاتيح الصادرة عن كريستين والزميلين الآخرين. جلستُ في مقعدي الثابت، وألقت كريستين عليَّ نظرة خاطفة ممتلئة بتساؤل صامت، لكنني سارعتُ بفتح جهازي اللوحي وسحب الملفات أمامي بحدة، أرسل لها إشارة صريحة وقاطعة بأنني لستُ في مزاج يسمح بأي ثرثرة.تراجعتُ بجسدي إلى الخلف، وأسندتُ رأسي على مسند المقعد، وأغلقتُ عينيَّ لأفكر بتمعن.ما الذي تجده روسيل -أو حتى بيتر- في قصة سارة كولن تحديداً؟المنطق المهني والتجاري يقول إن سارة هي المرشحة الأقل إثارة للش
سارة يبدو كل شيء اعتيادي لدرجة أنني لم أستوعب ما حولي إلا عندما كنت في مكتبي، جلست أعبث بقلمي الأسود أمام الملف، كنت أفكر في المناطق المحتملة للانتقال بالمواصفات التي أريدها ولا تكون باهظة، لكن لا شيء يأتي بسهولة على أي حال. عاودت النظر إلى مجموعة الأوراق من الملف الذي أمامي، كانت مليئة بالأخطاء الكتابية والقانونية أيضًا، مذكرة الحديث مع والدة والد الأطفال كانت أقرب لجلسة نسائية لتناول الشاي مع الكيك الإنجليزي، تقرير المراقبة على سلوك والدتهم والذي من المفترض أنه غير قانوني ويساعد في حصولها على مساعدة المؤسسة بشكل أسرع كان ضدها، وتقييم حالات الثلاثة أطفال غير دقيق، وربما إن لم أكن قابلت الأم والأطفال وبحثت خلف الموضوع لكنت كتبت رفضي بالحبر الأحمر على طول غلاف الملف لأنه يشبه أي ملف زائف يتم تقديمه للحصول على المساعدة المالية. رتبت كل الأوراق داخل الملف وسحبته وأنا أنهض من خلف مكتبي في اتجاه الباب للخارج حيث الرواق الطويل متجاهلة سؤال زميلتي عن مكان توجهي. كانت فضولية بشأني منذ اشتراكي في مسابقة ملكة الجمال لأنني حظيت بالاهتمام بعدما كنت الفتاة التي تعمل وترتدي سراويل الجينز
سارة زفرت وعاودت السير للداخل، رفعت الحقيبة على الدرج بخطوات سريعة، وقبل أن أدخل غرفتي كانت أيما تصرخ من ورائي: "أهلًا بعودتكِ، هل قضيتِ وقتًا ممتعًا مع سام؟" "أجل فعلت، شكرًا إيما." همهمت مجيبة بينما أضع حقائبي بجانب باب حجرتي من الداخل، التفت إليها متابعة: "علىَّ الذهاب الآن، لدي اجتماع." تركت المجلة التي كانت تتصفحها، واقتربت مني، ابتسمت ابتسامة مرتبكة قليلًا: "أود التحدث معك حول شيء." "لكنني متأخرة بالفعل، علىَّ تغير ثيابي والذهاب الآن." قاطعتني وهي تقترب مني في رجاء: "خمسة دقائق لا أكثر." هززت رأسي بأسف لعدم قدرتي على المجادلة حول شيء، لكنني رفعت رأسي مردفة: "يمكنكِ أخذ عشرون لكن بعد عودتي من اجتماع لجنة المسابقة." هزت رأسها باستسلام وعادت لمجلتها عن الأثاث المنزلي، هل تنوي تغير الأثاث وتريد المال؟ هذاما كان ينقصني الآن، اتجهت إلى الحمام بعدما آخذت منامتي الخضراء القطنية معي، وقفت تحت المرش الدافئ وشعرت بالرغبة القوية في النوم وركل العالم كله خلفي، أنهيت حمامي سريعًا، وركضت نحو الغرفة، ارتديت ثياب آخري وغادرت البيت. كان الاجتماع صاخب قليلًا ومضطر
سارة وضعتُ أناملي على باب السيارة ففتح للأعلى ورغم أنها المرة الثالثة التي أركبها فيها إلا أنني لم أتوقف عن الانبهار بآليتها، جلست على المقعد وأغلقه "سام" الباب خلفي بعنف غير مبرر. لماذا؟ لم أكن مَنْ تفوهت بقول ذكي للغاية في الداخل، كما أنني لم ألزمه بأي شيء تجاهي ليحمل على عاتقه الفكاك منه أو يرغب في أن يكون بطلي الخارق، ومن جديد تجاهلت أفكاري وتجاهلت وجوده في حيز السيارة بجانبي، وضعت سماعات الأذن بعد أن أوصلتها بهاتفي وآخذت أستمتع للموسيقي، ظللت أستمع قائمة حزن طوال ساعات النهار، تنتهي وأكررها من جديد مغمضة العين مكتفة ذراعي أمام صدري مائلة للخلف. ربما أيضًا لم أخلق لهذه الأشياء، لم أخلق لأحظى بعائلة أو حب أو نجاح باهر، ربما أنا خلقت لأعلق في المنتصف. ابتسمت بسخرية وتجاهلت عقلي للمرة الثالثة، تجاهلت كل فكرة من حياتي تمر في عقلي، ظللت أفكر في كل الأفلام والمسلسلات التي شاهدتها والكتب التي قرأتها عن بطلة تماثل حظي والذي بالمناسبة لن يتغير، أشعر وكأنني أجبرت على التفكير من جديد في أشياء لا تحتاج حلول أو إجابات، أشياء سرمدية بلا نهاية و بلا طريق، و كل ما كنت أحاول فعله هو التج
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعة
إدوار لارجرائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة. كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف
ميلا فيليت في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، اس
ميلا فيليتبسطت كتفيها ببطء لتثبت دحضها لتبريري دون أن ترفع صوتها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام لتستند بمرفقيها فوق الطاولة المستطيلة الفاصلة بيننا، وقالت وعيناها تثقبان عيني:"هذا النوع من القصص لا يتعلق بالحقائق أبدًا يا عزيزتي؛ أنتِ وكاتبتكِ المبتدئة سوف تقوم بلَى كل حقيقة تصادف بحثكن، وسوف تضيفان