로그인الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية.
كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقدماتٍ أو تبادلٍ لغويٍّ تافهٍ، رفعت يدها المرتعشة لتلمس فكي الحاد، وفي أجزاءٍ من الثانية، التقت شفاهنا في قبلاتٍ عنيفةٍ، باردةٍ، وممتلئةٍ برغبة التفريغ الصامتة. لم أكن أرى فيها سوى جسدٍ عابرٍ يساعدني على نسيان كوابيس طفولتي والتحكم في وحش العنف الذي بداخلي. قبلاتنا كانت تخلو من أيِّ مساحٍة للحنان؛ كانت أشبه بالاشتباك الشرس بين شخصين يبحثان عن أيِّ شيءٍ يشعرهما بالحياة داخل هذه الأسوار الميتة. قامتى الطويلة والرياضية سمحت لي بالإحاطة بحركتها تمامًا، مستمتعًا بذلك التلامس الجسديِّ المحسوب الذي أتقنته على مرور مرات لقاءاتي بالفتيات. لكن، بمجرد أن بدأت كلير في الاسترخاء، وحاولت التقرب أكثر عبر إحاطة ذراعيها حول عنقي، والضغط بجسدها على صدري بنوعٍ من التعلق العاطفيِّ المباغت، شعرتُ بجدار الجمود ينتفض بداخلي. تحركت يدي فورًا وبقسوةٍ معتدلةٍ، وقبضتُ على معصميها لأبعدهما عني ببرودٍ جليديٍّ قطع تلك اللحظة فجأةً. تراجعت خطوةً للخلف، ونظرتُ إليها بعينين بنيتين خاويتين تمامًا من أيِّ مسحة تعبيرٍ عاطفيٍّ. "إدوارد، ما بك؟" سألتني كلير بصوتٍ خفيضٍ يرتجف خيبةً وألمًا من صدمة الردع المفاجئة: "لماذا تبتعد دائمًا في اللحظة التي أشعر فيها أننا نقترب حقًّا؟ أنا لستُ مجرد شبحٍ عابرٍ أو عاهرة تدفع لها." أدخلتُ كفيّ في جيوب بنطالي المدرسيِّ، وأجبتُها بصوتي البارد الجاف القاطع الذي حسم الموقف تمامًا: "كلير، أنتِ تعلمين القواعد جيدًا منذ البداية، ليس بيننا أيُّ تقاربٍ، ولن يكون، لا أحب أن يلمسنى أحد، نحن نلتقي هنا لتفريغ هذا الملل الخانق فقط، ومحاولاتك المستمرة لإقحام المشاعر أو التعلق العاطفيِّ في هذه اللقاءات لن تجلب لكِ سوى الخسارة؛ فأنا لا أحب هذا، ليس لدى مشاعر لإعطائها لأحدٍ، وعقلي مشغولٌ بأشياءٍ أكبر بكثيرٍ من قصص الحب المدرسية الساذجة." نظرت إليّ بذهولٍ يمتزج بالدموع المحبوسة، وشعرت برعبٍ حقيقيٍّ من قسوة ملامحي ووسامتي الحادة التي تبدو كقناعٍ من حديدٍ لا يمكن اختراقه. التفتُّ ببطءٍ دون أن أنتظر تعقيبًا منها أو أهتم بمشاعرها المنكسرة، وتحركتُ بخطواتٍ ثابتةٍ وضخمةٍ عائدًا نحو مبنى الفتيان، تاركًا إياها وحيدةً في عتمة الممر البارد؛ فالوقت متأخر، وقد تشوه الجو بشحنة عاطفة سخيفة، لا تفهم، لا تدرك خارج حدود عالمها، وأن في عالم الصراعات المظلم الذي ينتظرني، المشاعر هي أول الثغرات التي يجب سحقها تمامًا لضمان النصر الحتميِّ. -- تسللتُ ببطءٍ وهدوءٍ شديدٍ عبر الباب الخشبيِّ الثقيل لمهجع الفتيان، تاركًا خلفي عتمة الممرات الباردة وتلامس كلير الجسديَّ الخالي من المشاعر. كان المهجع غارقًا في سكونٍ موحشٍ، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المنتظمة والعميقة لزملائي الطلاب المستغرقين في نومهم، أولئك الفتية الأثرياء الذين ينامون بملء جفونهم لأن مصائرهم مضمونةٌ خلف جدران ثروات عائلاتهم رغم متاعبهم. تحركتُ بخطواتٍ خفيفةٍ وحذرةٍ فوق الأرضية الخشبية التي كانت تئن بخفوتٍ تحت ثقل جسدي العضليِّ النحيل، متوجهًا نحو سريري الواقع في الزاوية المعتمة بجوار النافذة الكبيرة المطلة على حدائق الضواحي شرق لندن. نزعتُ سترتي المدرسية المبعثرة وألقيتُ بها فوق المقعد، ثم جلستُ على حافة الفراش، وأنا أشعر بإرهاقٍ نفسيٍّ وجسديٍّ حادٍّ يتدفق في عروقي بعد هذا اليوم الطويل المليء بالشغب العنيف والتصادم الطبقيِّ بالندى. نظرتُ من خلال زجاج النافذة إلى انعكاس ملامح وجهي تحت ضوء القمر الخافت؛ شعري الأسود كان لا يزال متمردًا، وعيناي البنيتان تحملان نظرةً حادةً تشبه نظرات الصقور التي تنتظر لحظة الانقضاض. مررتُ يدي الطويلة على مفاصلي التي لا تزال تؤلمني قليلاً أثر اللكمة العنيفة التي وجهتُها لوجه جوليان في الباحة، وابتسمتُ بسخريةٍ صامتةٍ في الظلام؛ فالعنف لم يكن خياري المفضّل، بل كان لغتي الوحيدة المتبقية للتعبير عن وجودي داخل هذا القفص الأرستقراطيِّ الذي رماني فيه شقيقي جايسون منذ ست سنواتٍ كاملةٍ عندما كنتُ طفلاً خائفًا في الثانية عشرة من عمري. دخلت للحمام الملحق بالغرفة، أخذت حمام بارد سريع للغاية، ارتديت بنطال قطني رمادي وتيشيرت أسود. وخرجت لأتمدد على السرير، وضعتُ ذراعيّ خلف رأسي متطلعًا نحو السقف العالي للمهجع، وشعرتُ بأنفاسي تهدأ ببطءٍ مفسحةً المجال لأفكاري المظلمة والمستقبلية لتأخذ مسارها اليومي. أنا الآن على مشارف الثامنة عشرة، وهذه الجدران التي شهدت تمردي، وغضبي، ومحاولات فراري الفاشلة أوشكت أن تصبح جزءًا من الماضي المنسيِّ. جايسون يعتقد في مكتبه الفاخر بلندن أنه نجح في إبعادي وترويضي وإخفائي بتحكمه، لكنه لا يدرك أن كل ليلةٍ قضيتُها في عتمة هذا المهجع كانت بمثابة شحذٍ لإرادتي الحديدية استعدادًا لليوم الذي سوف أخرج فيه. قبل أن أستسلم للنوم تمامًا، سحبتُ هاتفي المخفيَّ من تحت الوسادة بخفةٍ، وضغطتُ على الرقم المحفور في ذاكرتي والذي أتصل به كل ليلةٍ في نفس الميعاد منذ سنتين. وضعتُ الهاتف على أذني وأنفاسي محبوسةٌ، وانتظرتُ حتى جاء صوت النقرات البعيدة، ثم فُتح الخط وساد صمتٌ متبادلٌ؛ كنتُ أريد فقط سماع نبرة صوتها، هذا كل ما أفعله، كل ما يربطني بشيء لا أدركه. كانت تسكن بجوارنا في الحيِّ القديم قبل انهيار عائلتي في سن الثانية عشرة، دون أن أنطق بكلمةٍ واحدةٍ كالعادة، فقط أنفاي بطيئة. لكن هذه المرة، لم يأتِ صوت أنفاسها الهادئة وحدها؛ بل تداخلت في الخلفية أصواتٌ صاخبةٌ ومباغتةٌ لأهلها داخل البيت. سمعتُ صوت شقيقها الأكبر يصيح ضاحكًا: "لا أريد تناول اسباجيتي وكرات لحم، كنت أريد أرز وشيش طاووق." تبعه صوت والدتها وهي تستنكر: "أحضر طاهيك الخاص أو أفضل أطبخ وجباتك لنفسك." "إذا كنت رَافين كنتِ لتصنعي لي هذا." تدخل والدها بإنزعاج مصنطع: "أجعلي ابنك يصمت." صاحت والدتها: "لن يصمت حتى يمتلئ فمه بالطعام.. راقين العشاء." سمعت صوتها المرتبك: "قادمة ماما." صمتت هينة فوق الهاتف ثم أغلقت، تصلبت عضلات يدي، وشعرتُ بغصةٍ خانقةٍ وأنا أسمع جلبة عائلتها وحياتهم الطبيعية التي حُرمتُ منها، لم أحظى بالخمس دقائق خاصتي اليوم لكنني سمعت صوتها! أتذكره، وعلى هذه الذكرى سحبتُ الغطاء القطنيَّ الخفيف فوق صدري، وأغلقتُ عينيّ مستسلمًا للنوم دون أيِّ شعورٍ سوى ذكرى بعيد لطفلين في المدرسة، ذكرى بعيدة للغاية ولكنها تقريبًا كل ما أملك ليجعلني أنام في كل يوم.سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني
سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش
سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض
سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على
أظن أنني اعتدت الكاميرات والتصوير لدرجة أنه لم يعيني الأمر، جزء من عالمي، أتحرك بثبات أمامهم كأنهم غير موجودين، ولكنها جديدة تمامًا على هذا العالم، وتكره الأضواء، بشرتها وعينيها تنسحب منها الحيوية التي قابلته به وعينيها تتحرك بفزع حول زجاج سيارتي ثم نحو المطعم الذي اخترته، كأنها تحسب المسافة للهرب،
سام في المساء بعد ربحت المعركة الثالث في القضية في ساحة القضاء وقفت أمام المرآة في حجرة نومي أدندن بينما أعقد رابطة عنقي مضطرًا لأنه عشاء عمل في ظاهره، فليس من الجيد أن أذهب بها في أول لقاء لنا إلى مطعم وجبات سريعة على الرغم من رغبتي في ذلك، اخترت حلة كحلية وقميص أزرق و رابطة كحلية، أشعر بنوع من ا
التففت أحدق به متسعة العين، فلا أدري هل قلت أفكاري بصوت مرتفع وفضحت نفسي أم ماذا؟، الموقف محرج جدًا بالنسبة لي، لا يكفي أن يكون حميمًا معي ولطيف لأطرح هكذا سؤال سخيف شخصي جدًا و حساس، ولابد أن وجنتاي اشتعلت احمرارًا لأنني أستشعر السخونة منهما، لكنه استطرد بسرعة: "أستطيع قراءة ما يدور بالعقل، أنها
أنه فقط عشاء، لا يعني شيئا. صحيح؟ لا يعني شيئا. أنتِ غير ملزمة بأي شيء. اهدئي.. كنت متأهبة للغاية حينما فتح باب شقته، وزاد تأهبي حين امتدت يده ليفسح لي المجال لأدلف، تقدمت بخطوات بطيئة نسبيًا و غرقت في الظلام التام إلا من بعض الأضواء المنعكسة على الحائط الأبيض على ما أعتقد والقادمة من الداخل







