로그인تيا كوران
إنه بارد للغاية تلاقت عيناه السوداوان الحادتان بعينيّ الزرقاوين لثوانٍ معدودة، شعرتُ حينها بحالة غريبة تجتاحني؛ جمود نظراته لم يكن يعني أنه لا يراني، بل كان يعكس عقلانية ميتة تجردني من كوني أنثى وتحولني إلى مجرد معادلة حسابية فاشلة بحاجة للتصحيح. سحب يده ببرود تام قبل أن تلمسها يدي، والتفت نحو المحاسب الصغير قائلًا بإملاء صارم. "دون هذا في التقرير النهائي كي تعرضه بوضوح، المتجر يعيش على التنفس الاصطناعي ماليًّا، والإدارة تفتقد لأبسط معايير الكفاءة الروتينية، توقيع الشيك القادم سوف يكون مشروطًا بتقليص الخسائر والنفقات إلى النصف وإلا وقع تحت التحقق التجاري." نهض جايسون فجأة بكامل ضخامته العضلية، وقام بتعديل سترة بذلته ببطءٍ، حاسمًا الجلسة الطويلة التي استمرت لساعة دون أن يمنحني خلالها ابتسامة واحدة أو نظرة رضا، تاركًا خلفه سحابة صامتة من الجمود والجفاء هزت كبريائي تمامًا. جمع المحاسب الصغير الأوراق على عجل وهو يعتذر بارتباكٍ، بينما ظللتُ أنا في مقعدي، أتأمل المساحة الفارغة التي كان يشغلها جايسون، غارقة في هوس غريب برجل يرفض الاعتراف بوجودي، ومستعدة لفعل أي شيء كي أنجح، كي أجعله يرى نجاحي. أنا لا أعرف ماذا أريد، ولكنني أريد أن أنجح، أن أشعر بأنني ناجحة ومرغوبة وذكية، لماذا تفضل تصميماتي وحملاتي الدعائية على مواقع التواصل الاجتماعي، لماذا لا أستطيع أن أكون مثل سام أو سارة، بضع فيديوهات وأصبحت مشهورة، لماذا أفشل فيما يحصل عليه الآخرون بسهولة. -- تلاشى صدى خطوات جايسون لارج الثقيلة في الرواق الخارجي للمتجر، وتبعه صوت انغلاق الباب الزجاجي الرئيسي ببطءٍ، ليعود الصمت الثقيل ويفرد أجنحته فوق المكان مجددًا. وقفتُ خلف طاولة العرض، أنظر إلى الفراغ الذي كان يشغله قبل دقائق بكامل ضخامته العضلية وجموده المرعب. لم يترك وراءه سوى سحابةٍ غير مرئيةٍ من التوتر والجفاء الحاد، وتقريرًا ماليًّا يقطر قسوةً وخطوطًا حمراء رسمها بقلمه الصارم فوق أحلامي وتصاميمي. شعرتُ برغبةٍ عارمةٍ في البكاء، ليس بسبب الأرقام الخاسرة التي ألقاها في وجهي ببرودٍ، بل بسبب ذلك العجز الخفي الذي يجتاحني في كل مرةٍ أتواجد فيها معه؛ عجز فتاةٍ اعتادت على نفاق الآخرين ودلال عائلتها، لتجد نفسها أمام جدارٍ خرسانيٍّ من التجاهل الصامت لا يمكن اختراقه. دَلَفَت "كلير"، المساعدة الشخصية للمتجر، وهي تحمل في يدها كوبًا من الشاي الدافئ، ونظرت نحوي بعينين مليئتين بالقلق والشفقة بعدما استمعت بالتأكيد إلى أجزاءٍ من الحوار الحاد الذي دار في المكتب الداخلي. وضعت الكوب برفقٍ على الطاولة وقالت بنبرةٍ خافتةٍ محاوِلةً التخفيف عني. "آنستي تيا، لا تهتمي كثيرًا بما قاله السيد لارج، إنه رجل حاسبات ولا يملك أي ذوقٍ فنيٍّ لتقدير هذه الأقمشة الإيطالية الفاخرة، بالتأكيد سوف ننجح بمزيد من الدعاية وربما تصاميم جديد، هذه موسم مناسب الموضة مع الدعم المالي سوف يكون كل شيء بخير." التفتُّ نحوها، وسحبتُ نفسًا حارًا محاوِلةً السيطرة على نبرة صوتي المرتجفة. "الأمر لا يتعلق بالدعم المالي يا كلير، بل بالطريقة التي ينظر بها إلينا، جايسون لا يرى هنا سوى أرقامٍ خاسرةٍ وهدرٍ ماليٍّ، هو الوحيد في هذه المؤسسة الذي يجرؤ على إخباري بأنني فاشلة في إدارة العمل، دون أن يضع أي اعتبارٍ لاسم عائلتي أو لنفوذ أبي." حركت كلير رأسها بأسىً وهي ترتب الأقمشة المبعثرة على الرف. "لكنه قاسٍ ومبالغ في جموده يا آنستي، اللورد دانيال جيسون زارنا الأسبوع الماضي وتحدث عن تصاميمكِ بكثيرٍ من النبل والإعجاب، ووعد بأن يتحدث مع معارفه من العائلة المالكة لدعم الماركة بشكلٍ رسميٍّ، شتان بين رقة اللورد دانيال وجفاء السيد لارج." ساد صمت قصير، جلستُ خلاله على المقعد الخشبي وأمسكتُ بكوب الشاي الدافئ بين يديّ المرتجفتين. كلمات كلير عن دانيال جيسون فتحت في عقلي مسارًا جديدًا للتفكير. دانيال، ذلك الرجل الذي ينبض بالدم الملكي، والوسيم بطريقةٍ أرستقراطيةٍ كلاسيكيةٍ، يمثل تمامًا نوعية الرجال الذين كنتُ ألتقي بهم طوال حياتي؛ رجال يفرطون في المديح والمجاملات لنيل رضاي أو للتقرب من دائرة أخي سام. تذكرتُ كيف كان دانيال ينظر إليّ بنظراتٍ مليئةٍ بالإعجاب المفتعل، ويمتدح حتى التفاصيل العادية في قميصي أو شعري، محاولًا بكل الطرق أن يظهر بمظهر الفارس النبيل، ولكن به شيء مختلف، دانيال مختلف عن كل ما عرفتهم، به شيء حقيقي، أو هكذا أمل. لكن المفارقة الغريبة التي صدمت كبريائي الليلة هي أنني لم أعد أشعر بأي قيمةٍ لمديح دانيال. إن هذا التدليل والنفاق الأرستقراطي بات يبدو لي باهتًا ومزيفًا مقارنةً بالواقعية الجافة والصادمة التي يواجهني بها جايسون لارج. جايسون لم يكن يملك دماءً ملكيةً، بل إنه كان فقير تمامًا في الجامعة، ولم يكن يحاول استرضائي؛ بل كان يجرّدني من كوني أخت ابنة كوران، ويجبرني على مواجهة فشلي وتشتتي وجهاً لوجهٍ. شعرتُ داخلي بحاجةٍ غريبةٍ ومبهمةٍ لم أفهما بعد؛ حاولةً مستميتةً لإيجاد هويةٍ مستقلةٍ تخصني، رغبةً في أن يلتفت إليّ جايسون وينظر نحو تيا العادية بنظرة تقديرٍ حقيقيةٍ ومبنيةٍ على كفاءةٍ فعليةٍ، وليس مجرد عطفٍ أو مجاملةٍ لأجل عائلتي. "كلير،" ناديتُها فجأة بنبرةٍ حازمةٍ غابت عنها مظاهر التردد المعتادة في تصرفاتي. "أريدكِ أن تجمعي لي كل مجلات الموضة وكل الأشياء التي حظت بشهرة للستة أشهر الماضية، لن أسمح بنفاذ خطة جايسون لارج لتقليص النفقات والعمالة، ولن أترك هذا المتجر يعيش كبندٍ ماليٍّ مثيرٍ للشفقة تحت رحمة شيكات المؤسسة." نظرت إليّ كلير بذهولٍ واستغرابٍ من هذا التحول المفاجئ. "ولكنكِ كنتِ تكرهين فعل ذلك دائمًا يا آنستي وتصفينها بالملل، لا شيء مبتكر فيها!" ابتسمتُ ابتسامةً غامضةً خلت من أي فرحٍ، ونظرتُ نحو الشارع من خلف الزجاج حيث كان المطر اللندني يهطل ببطءٍ. "المرء يتغير عندما يستيقظ على حقيقته العارية يا كلير، سوف أقابل دانيال جيسون غدًا مجددًا، وسوف أستغل نفوذه وعلاقاته الملكية لفتح أسواقٍ جديدةٍ للماركة هنا وفي أوروبا. سأجعل هذه الأرقام الخاسرة تتحول إلى أرباحٍ حقيقيةٍ رغماً عن تقارير جايسون الصارمة. أريد عندما يأتي في الشهر القادم لمراجعة الحسابات، ألا يجد ثغرةً واحدةً ينتقدني فيها. أريد أن يجلس هنا ويغلق ملفاته دون أن يملك خيارًا سوى الاعتراف بوجودي وجدارتي." أومأت كلير بطاعةٍ وبدأت في تجميع الملفات المطلوبة، بينما بقيتُ أنا غارقةً في عنادٍ جديدٍ يسري في عروقي؛ عناد نابع من عقدتي القديمة في المدرسة، وممزوج برغبةٍ خفيةٍ في اختراق ذلك الجمود الجليدي الذي يفرضه جايسون على عالمي. سأبدأ من غدٍ التخطيط مع دانيال، وسأثبت للجميع، ولنفسي أولًا، أن تيا كوران ليست مجرد امتدادٍ باهتٍ لقراء أبيها أخيها سام، بل إنسانة تملك القدرة على إدارة لعبتها الخاصة وفق شروطها.سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني
سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش
سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض
سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على
ميلا فيليتبسطت كتفيها ببطء لتثبت دحضها لتبريري دون أن ترفع صوتها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام لتستند بمرفقيها فوق الطاولة المستطيلة الفاصلة بيننا، وقالت وعيناها تثقبان عيني:"هذا النوع من القصص لا يتعلق بالحقائق أبدًا يا عزيزتي؛ أنتِ وكاتبتكِ المبتدئة سوف تقوم بلَى كل حقيقة تصادف بحثكن، وسوف تضيفان
ميلا فيليت في تلك اللحظة، دق الهاتف الداخلي الموضوع على مكتب الاستقبال، ليعلمني موظف الأمن بقدوم الأستاذة الجامعية المتخصصة التي تم استدعاؤها للإشراف على الجانب التوثيقي للمشروع. شعرتُ بقفزة في قلبي، فحملتُ الملف السميك وجهازي اللوحي بسرعة، وغادرتُ المكتب بخطوات واسعة وواثقة نحو غرفة الاجتماعات ال
ميلا فيليتتمثلت رغباتي كلها في النجاح، لم أكن أريد أي شيء في هذه الحياة إلا أن أكون الأفضل، الأقوى، والأكثر نجاحًا. كانت الفكرة تلازمني كظلي، تنمو في عقلي كالنبتة الشيطانية التي لا ترويها إلا أضواء الإنجازات البراقة. ما كنت أحلم به منذُ أن كنتُ فتاة صغيرة في المدرسة العليا، أراقب المجلات العالمية
سارة لم يهتم أحد بما أريد ولم يسألني شخصٌ عن رغبتي في شيء قبلًا، لم أذهب إلى السينما مع أحد قبلًا، لا أحبذ قول هذه المعلومة كثيرًا، لا أرغب بظهوري كمجرد بائسة مثلًا وإن كنت لا أشعر بالبؤس من فعل الأشياء بمفردي فعلًا، لا تستطيع أن تستمتع مع أشخاص لا يربطك بهم خيط تفاهم واحد. الحقيقة أنني اعتدتُ ال







