بيت / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الحادى والأربعون

مشاركة

الفصل الحادى والأربعون

last update تاريخ النشر: 2026-06-22 06:48:49

إدوار لارج

رائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة.

كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف نظارته الطبية السميكة.

ألقيتُ نظرةً سريعةً على انعكاس صورتي في لوح الزجاج الكبير المؤطر بالفضة المعلق على الجدار؛ خصلات شعري الأسود الفاحم كانت مبعثرةً ومتمردةً فوق جبهتي، وعيناي البنيتان تشعان بنورٍ غاضبٍ ومكتومٍ لم تفلح سنوات العزل الست في إطفائه.

طولي البالغ مئةً وخمسةً وسبعين سنتمترًا وجسدي العضليُّ النحيل المشدود، اللذان تشكلا بفعل سنواتٍ من الشغب، والمشاجرات، وتفريغ الطاقة العنيفة في ساحات المدرسة الخلفية، جعلا بوقفتي هذه أبدو أكبر من سني التي تقترب الآن من مشارف الثامنة عشرة، محتفظًا بوسامةٍ حادةٍ وجاذبةٍ يفسدها فقط ذلك البرود القاسي الشبيه بملامح شقيقي الأكبر جايسون.

"إدوارد، هل تدرك فداحة ما فعلته اليوم في مختبر الكيمياء؟"

هكذا قطع صوت المدير الأجش حبل أفكاري المظلمة، وهو يضرب بيده على ملفي الدراسيِّ المنتفخ بالمخالفات:

"لقد حطمتَ أجهزةً تبلغ قيمتها آلاف الجنيهات، واعتديتَ بالضرب المبرح على أحد زملائك لمجرد أنه استفزك بكلمةٍ عابرةٍ، العنف والشغب لستما غريبين عليك، لكننا وصلنا إلى نقطة النهاية."

التفتُّ إليه ببطءٍ، ولم تتحرك في وجهي عضلةٌ واحدةٌ، وأجبتُهُ بصوتي الذي بات يحمل بحةً رجوليةً جافةً:

"هو لم يستفزني بكلمةٍ عابرةٍ يا سيادة المدير؛ لقد كان يتحدث بوقاحةٍ عن أشياءٍ لا يملك أدنى فكرةٍ عنها، أما بالنسبة للأجهزة المحطمة، فيمكنك ببساطةٍ إرسال الفاتورة إلى أخي جايسون لارج، فهو يعشق تسوية الحسابات بالأرقام، أليس كذلك؟"

تحرك السيد هارينغتون في مقعده بضيقٍ، وظهرت معالم الحنق على وجهه المتغضن وقال بنبرةٍ حاسمةٍ:

"أخوك جايسون هو الرجل الوحيد الذي يبقيك في هذه المدرسة بنفوذه وأمواله منذ أن وضعك هنا وأنت طفلٌ في الثانية عشرة من عمرك، لقد كان يأمل أن تقوّم هذه المدرسة سلوكك العنيف والمضطرب نتيجة أيا ما عشته في ماضيك، لكنك لا تزال تتصرف كوحشٍ كاسرٍ لا يعرف القوانين."

ابتسمتُ بسخريةٍ مريرةٍ، وشعرتُ بغصةٍ تخنق حنجرتي عندما ذكر عمر الثانية عشرة؛ ذلك التاريخ الملعون الذي شهد انهيار عالمي وتشتت أركانه، اليوم الذي ألقى بي فيه جايسون هنا كقطعة أثاثٍ قديمةٍ يتخلص من عبئها ليتفرغ هو لإدارة خططه المالية المظلمة في لندن. وضعتُ كفيّ في جيوب بنطالي المدرسيِّ، وتقدمتُ خطوةً نحو مكتبه قائلًا ببرودٍ استفزازيٍّ:

"جايسون لم يضعني هنا ليقوّم سلوكي يا سيد هارينغتون، بل وضعني هنا ليشتري صمتي، ويبعدني عن طريقه وعن عالم المال والسطوة الخاص به، لقد اختار هو الجمود والبرود ليعبر عن حقده، بينما اخترتُ أنا القبضة والعنف والضرب، نحن وجهان لعملةٍ واحدةٍ، والفرق الوحيد أنني لا أختبئ خلف مكتبٍ فاخرٍ."

تنهد المدير بعمقٍ، وفتح درج مكتبه ليخرج ورقةً رسميةً، ونظر إليّ بعينين تحملان مزيجًا من الشفقة والتهديد:

"أنت على مشارف الثامنة عشرة يا إدوارد، مما يعني أنك سوق تصبح مسؤولاً عن أفعالك أمام القانون قريبًا، هذه المرة الأخيرة التي سوف أتغاضى فيها عن فصلك نهائيًّا كرمى لأخيك؛ وإذا تكرر هذا الشغب العنيف مجددًا، ستجد نفسك مطرودًا في الشارع، ولن يحميك اسم لارج أو أموال شقيقك من مواجهة مصيرك الأسود."

"الشارع لا يخيفني، بل ربما يكون المكان الوحيد الذي أشعر فيه بالحرية بعيدًا عن أسواركم الأرستقراطية المزيفة."

كدت أخرج لأنها سوف تنتهى مثل كل مرة، سوف يرسل فاتورة مضاعفة لأخى، ويتناسى الأمر، وددت استفزازه:

"وكيف سوف تساعدني أنت أو أي شخص هنا إذ لم يكلف أحدهم نفسه عناء سؤالي عن سبب هذا، بل تصرون على إسكاتي وإنكار أى محاولة للكلام."

"ليس مجددًا إدوارد." زمجر في وجهي بحدة. "هذه مدرسة للانضباط وتقويم السلوك وليست مصحة نفسية، إذا أردت أن تصبح جيدًا سوف تصير ولكنك تصر على العنف."

كنت أعرف إجابته، استهزأت بها:

"كنت أعرف ذلك، لدى علامات جيدة للغاية، أنا من أوائل صفوفي، وتوقفت عن مجالات الهرب، وأي شىء آخر يتكفل به السيد لارج الأكبر.. ألعب معكم حتى خط النهاية، لن يتكرر ذلك سيدى."

قلتها بنبرةٍ حادةٍ قاطعةٍ حسمت الحوار تمامًا، ثم التفتُّ ببطءٍ وخرجتُ من المكتب دون أن أنتظر إذنًا منه بالانصراف، تاركًا خلفي صدى خطواتي الثقيلة المليئة بالوعيد والتمرد في أروقة المدرسة الباردة بالندى.

--

الهواء البارد المنبعث من ضواحي لندن كان يلسع وجهي وأنا أستند بظهري على السور الحجريِّ القديم للمدرسة الداخلية، متطلعًا نحو الأفق المظلم بعيدًا عن رقابة المشرفين.

بعد أن أنهيت روتيني في الركض، حيث أركض كل مساء لساعة و أحيانا لساعة ونصف، أخرجتُ علبة السجائر من جيبي الداخليِّ، مضادان كأنني أربك جسدي، ولكن هذا أنا، مئات الأشياء وعكسها.

أشعلتُ واحدةً ببطءٍ، مراقبًا الدخان وهو يتلاشى في العتمة تمامًا كما تلاشت سنوات طفولتي داخل هذه الجدران الخانقة. هنا، خلف هذا السياج الأرستقراطيِّ، قضيتُ ست سنواتٍ كاملةً؛ منذ أن ألقى بي شقيقي جايسون في هذا القفص الفاخر وأنا طفلٌ مرعوبٌ ومشتتٌ في الثانية عشرة من عمري، طفلٌ يحمل في ذاكرته دماء وانهيار عائلةٍ تلوثت سمعتها فجأةً، لم تكن جيدة ولكنها أصبحت مدار عامة الناس بين ليلة وضحاها.

"كنتُ أعلم أنني سأجدك هنا كالعادة."

قَطَع الصوت المألوف لزميل في المدرسة توماس سكون المكان. التفتُّ ببطءٍ برأسي، وشعرتُ بخصلات شعري الأسود المتمرد تتحرك مع نسمات الرياح، بينما استمرت عيناي البنيتان الحادتان في مراقبته وهو يتقدم نحوي مبعثر الثياب مثلي، ممتزجًا بقامة متوسطة نسبة لقامتي التي تبلغ مئةً وخمسة وسبعون سنتمترًا وجسدٍ عضليٍّ نحيلٍ بدأ يتخذ سمات الرجال مع اقترابي من مشارف الثامنة عشرة.

وقف توماس بجانبي، ونظر إلى السور العالي مازحًت بنبرةٍ ساخرةٍ: "هل تفكر في الهروب مجددًا؟ لقد كانت محاولات فرارك جزءًا من فولكلور هذه المدرسة يا إدوارد."

ابتسمتُ بسخريةٍ مريرةٍ، وأخذتُ نفسًا عميقًا من سيجارتي قبل أن أرد بصوتي الجاف:

"الهروب لم يعد يستهويني يا توماس، في الماضي، عندما كنتُ في الثانية عشرة والثالثة عشرة، كنتُ أحمقًا أظن أن الشوارع الخلفية للندن ستمنحني ملاذًا آمنًا من كوابيسي، كنتُ أهرب في منتصف الليل، أسير لأميالٍ تحت المطر، فقط لأجد جايسون ينتظرني عند محطة القطار التالية بملامحه الجامدة وسيارته السوداء الفاخرة، ليعيدني إلى هنا كالبضاعة المستردة دون أن ينطق بكلمة عتابٍ واحدةٍ، بروده كان يقتلني أكثر من أسوار المدرسة."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والأربعون

    سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والأربعون

    سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والأربعون

    سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والأربعون

    سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والأربعون

    الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثلاثين

    سام ضحكت بينما نسير تجاه الباب الخشبي الذي يمثل نصف قوس، فتحته وتركتها لتمر مبتسمة، كانت تتابع تأمل المكان حيث إضاءته الخافتة وطقسه الفاتر نوعًا، طاولاته الموضوعة على طول صفان وهناك مسافة بين كل طاولة وأخرى، وفي آخره نافذة العرض الزجاجية الموضوع داخلها أصناف من الحلوى، وضعت يدي على كتفيها ثم أشرت

  • عقد وأكاذيب    الفصل التاسع والعشرين

    سام ضحكت بينما أهز رأسي في محاولة للتماسك قليلًا، بعض النساء الآن ينظرون إليَّ، لكنني لم أقصد أبدًا ذلك و لست من محبي التفاخر أو المغازلة بتلك الطريقة، لكن يبدو أن الفتيات هنا يبحثن عن أي رجل ثري و إن كان وسيم وصغير فهذا يجعل المزاد مشتعلًا أكثر، انتبهت على زمجرتها من بين أسنانها، و لاحظت اقتراب

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامن والعشرين

    سام لا أنكر أنني كنت أعلم أنها لن تستطيع أن تشتري ثوب كالذي آتيت به إليها، لكنني كل ما كنت أفكر فيه هو أنها كم ستبدو جميلة و هي ترتدي هذا الثوب الأبيض، لم أفكر بشيء آخر مما دار في عقلها وأخذت تراسلني به حتى قبل تتويجها بساعات، ولكنني مع كلًا أحببت كونها مستقلة تمامًا، أنها لا تريد أي شيء منه، ويمك

  • عقد وأكاذيب    الفصل السابع والعشرين

    حاولت الهدوء، تجرعت كأس مارتيني لاستعداد لتصوير فيديو. أمام مرآة طاولتي المخصصة للتبرج داخل غرفتي الخاصة بالقصر، كنتُ أضع لمساتٍ خفيفةً من مسحوقٍ يخفي لمعان البشرة تحت إضاءة الكشافات الحديثة الدائرية التي جلبتُها خصيصًا لتصوير مقاطعي المرئية. في الزاوية، كان هاتفي المحمول مثبتًا على الحامل الثل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status