로그인ميلا فيليت
في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، استدارت بكامل جسدها ورمقتني بابتسامة غامضة تحمل الكثير من المعاني: "أرى في عينيكِ أنكِ فتاة طموحة وجريئة للغاية، لتختاري هذا المشروع الفاضح كبداية لمسيرتكِ، وتتخلي طواعية عن كل الأنواع الأدبية والرائجة الأخرى التي تبدأ بها الفتيات عادة." ابتسمتُ بحبور وفخر لقولها ومدحها المبطن لطموحي، لكنني لم أفهم تمامًا مغزى جملتها الأخيرة؛ لماذا عليَّ التخلي عن الأنواع الأخرى؟ نهضتُ بدوري من مقعدي ألملم أشيائي وأوراقي المتناثرة، وسألتها ببساطة تشبه خاصتها: "ولماذا عليَّ التخلي عنهم؟ بعد نجاح هذا المشروع يمكنني ببساطة أن أتبنى بعض الأعمال الروائية والكتب الأدبية الاعتيادية كأي محررة أخرى في الدار." طيف ضحكة مستهزئة وباردة ظهر بوضوح فوق وجهها الفاتن، لكنها سارعت بإخفائها وراء نظرة ساخرة تملؤها الخبرة، وقالت ونصف جسدها أصبح خلف الباب: "أنتِ تذكرينني بنفسي قليلًا في بداياتي الأولى قبل سنوات." كأن هذه الجملة قد انفلتت من بين شفتيها رغمًا عنها وندمت عليها، إذ هزت رأسها سريعًا وأشاحت بيدها في الهواء وكأنها تطرد الفكرة: "على أي حال؛ سأخبركِ بالسبب.. لأنه حينما يصبح هذا المشروع علامة فارقة وينجح، سيكون هذا النوع من قصص الفضائح هو تخصصكِ الوحيد والملتصق باسمكِ في السوق؛ إذ ما من كاتب حقيقي، أو روائي اعتيادي يحترم قلمه، سيتعامل معكِ أو يأتمنكِ على مخطوطته أبدًا.. لأنهم سيعرفون أنكِ المحررة التي تحضر للكتاب الشهرة الخاطئة والقائمة على الأنقاض." وتحت نظرات عيني المتسعة من أثر ردها الصادم والواقعي، الرد الذي لم يخطر ببالي الصغير أبدًا ولم أتحسب لعواقبه، ودعتني بإشارة خفيفة من أصبعها وبنبرة متهكمة من سذاجتي الطفولية: "إلى المرة القادمة يا عزيزتي.. فكري في الأمر جيدًا." غادرت وأغلقت الباب وراءها بهدوء، تاركة إياي في قاعة الاجتماعات الباردة. لم أكن أعرف حتى تلك اللحظة من هي هذه المرأة تحديدًا، ولكن شيئًا في داخلي كان يهمس يقيناً بأنها تعرف جيدًا وبدقة مرعبة ما الذي تتحدث عنه. وفي أعمق نقطة من أعماقي، كنتُ أعرف وأعترف لنفسي بأن طموحي وجريي وراء النجاح ليس مجانيًا وله ثمن باهظ، وأيضًا كنتُ أعرف، بلا أدنى شك، أنني مستعدة تمامًا للتخلي عن أي شيء، وكل شيء، كي أصل إلى القمة التي أريدها. انغلق الباب خلفها تاركًا في فضاء الغرفة عطرًا باريسيًا ثقيلًا، وشعورًا غريبًا بالهزيمة الممزوجة بالتحدي والانتشاء. بقيتُ وحدي في تلك الغرفة الصامتة، وتكات الساعة المعلقة على الجدار باتت تبدو الآن كأنها دقات طبول تسخر من براءتي السابقة وسذاجتي. سحبتُ جهازي اللوحي بأصابع مرتعشة قليلًا، وضغطتُ على الإشعار الوامض الذي أرسلته تلك المرأة التي قلبت كياني ونظرتي للأمور في دقائق معدودة. كان الملف المرسل يحمل عنوانًا جافًا ومستفزًا: "نموذج تفكيك القناع الأخلاقي." فتحتُه وعيناي تتسعان مع كل سطر ألتهمه بشغف. لم تكن قصة عادية أو مقالًا نقديًا اعتياديًا، بل كانت تشريحًا باردًا وجراحيًا لفضيحة انتحار زوجة أحد السياسيين البارزين في العاصمة قبل عامين. الكاتبة المجهولة -والتي أثق الآن أنها هي -لم ترحم جثة المرأة الراحلة، ولم تحترم حرمة الموت أبدًا؛ بل تتبعت خيوط رسائلها السرية وعلاقتها المحرمة بطبيبها النفسي، وحولتها من مأساة إنسانية تثير الشفقة إلى نص مثير ومخيف يحبس الأنفاس لشدة واقعيته وقذارته الممتعة. كانت السطور تخلو تمامًا من أي تعاطف إنساني، ومصاغة بذكاء خبيث يجعل القارئ شريكًا رغمًا عنه في التلصص على غرف النوم المغلقة. كان النص يلقنني درسًا واحدًا وقاسيًا: لكي تبيع الفضيحة وتصنع اسمًا، عليك أولًا أن تذبح ضميرك وتتخلص من جثته دون ذرة ندم. "إذن.. هذا هو اللعب الحقيقي بلا معايير أخلاقية." تمتمتُ بها لنفسي بصوت خافت، وشعرتُ بقشعريرة باردة تسري في عمق جسدي، تليها فجأة موجة عارمة من الحماس الشرير. وضعتُ الملف جانبًا، وفتحتُ صفحة بيضاء جديدة على جهازي اللوحي. قررتُ ألا أنتظر حتى أعود إلى مكتبي العام المشترك، وأتحمل نظرات كريستين المتشككة أو نصائحها البائسة حول التريث؛ بل سأبدأ الآن، هنا فورًا، في هذه الغرفة المقفلة، صياغة معالجة قصة "كاندس" التي تحدتني فيها تلك الفاتنة الغامضة. كتبتُ في أعلى الصفحة بخط عريض: "كاندس: من مصحة التخسيس المجانية إلى أسرّة المليونيرات" نقرتُ على لوحة المفاتيح بملامح جامدة وعقل يغلي بالأفكار، وبدأتُ أصيغ الحقائق الجافة التي جمعتُها سابقًا بطريقة جديدة تمامًا، طريقة مسرحية، درامية وصادمة: "لم تكن كاندس مجرد فتاة محظوظة التقت بالملياردير في حفلة يخت صيفية صاخبة كما زعمت المجلات الفنية؛ الحقيقة تقبع خلف الجدران الإسمنتية لمصحة (سانت جود) لإعادة التأهيل ومكافحة السمنة المفرطة. هناك، حيث كانت كاندس تبكي عجزها ووزنها الزائد الذي جعلها منبوذة، التقت بالطبيب المسؤول، وهو رجل سادي اشترى صمتها لاحقًا ببطاقة ائتمانية مفتوحة مقابل إخضاعها لتجارب طبية وهرمونية غير مرخصة لشفط الدهون بشكل سريع ومميت. تلك الندوب المخفية بدقة أسفل فستان السهرة الفاخر العاري الظهر الذي ترتديه الآن كملكة جمال على منصات العرض، ليست نتاج رياضة اليوجا أو نمط الحياة الصحي، بل هي خريطة طريق مرعبة من الجراحات السرية التي مولها رجل كان يرى فيها مجرد حقل تجارب لشهواته وجنونه، قبل أن تقرر هي بذكاء أنثوي حاقد استخدام جسدها المعدل لتصطاد سمكة أكبر، وتلقي بشباكها حول عنق الملياردير العجوز، مستغلة خرفه وثروته لِتضمن لنفسها مكانًا في النعيم..." توقفتُ عن النقر فجأة، وتأملتُ ما خطت يداي برعب خفي تحول سريعًا إلى نشوة غامضة. النص كان قاسيًا، قبيحًا، ويجرد كاندس من كل إنسانية ليحولها في نظر القارئ إلى وحش متسلق ووصولي. هل شعرتُ بالذنب تجاه تلك الفتاة التي لا أعرفها؟ لا.. على العكس تمامًا، شعرتُ بنشوة مفرطة بالسيطرة والقدرة على هدم حيوات الآخرين بكلمات أصيغها على جهازي اللوحي. لقد كانت المرأة الغامضة محقة تمامًا؛ الجمهور المعاصر لا يبحث عن حقائق جافة أو قصص كفاح ملهمة ومملة، الجمهور يطالب بالدماء، والفضائح، والمؤامرات المغلفة بالتشويق والإثارة الفاضحة. تراجعتُ في مقعدي، وضغطتُ على زر الحفظ وأنا أبتسم بانتصار خفي. لم أعد تلك المساعدة الثانية التي تنسخ الأوراق وتعد الشاي؛ لقد صرتُ الآن المحررة التي تصنع العاصفة، والكاتبة المبتدئة التي ستتعامل معي في هذا المشروع ستنفذ ما أمليه عليها بحذافيره لتصعد بي إلى القمة. وضعت جهازي في حقيبتي، ونهضت بخطوات واثقة مستعدة لمواجهة مكتبي القديم بوجه جديد لا يعرف الرحمة في طريق النجاح.سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش
سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض
سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على
إدوار لارجرائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة. كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف نظارته الطبية السميكة. ألقيتُ نظرةً سريعةً على انعكاس صورتي في لوح الزجاج الكبير المؤطر بالفضة المعلق على الجدار؛ خصلات شعري الأسود الفاحم كانت مبعثرةً ومتمردةً فوق جبهتي، وعيناي البنيتان تشعان بنورٍ غاضبٍ ومكتومٍ لم تفلح سنوات العزل الست في إطفائه.طولي البالغ مئةً وخمسةً وسبعين سنتمترًا وجسدي العضليُّ النحيل المشدود، اللذان تشكلا بفعل سنواتٍ من الشغب، والمشاجرات، وتفريغ الطاقة العنيفة في ساحات المدرسة الخلفية، جعلا بوقفتي هذه أبدو أكبر من سني التي تقترب الآن من مشارف الثامنة عشرة، محتفظًا بوسامةٍ حادةٍ وجاذبةٍ يفسدها فقط ذلك البرود القاسي الشبيه بملامح شقيقي الأكبر جايسون."إدوارد، هل تدرك فداحة ما فعلته اليوم في مختبر الكيمياء؟" هكذا قطع صوت المدير الأجش حبل أفكاري المظلمة، وهو يضرب بي
ميلا فيليتبسطت كتفيها ببطء لتثبت دحضها لتبريري دون أن ترفع صوتها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام لتستند بمرفقيها فوق الطاولة المستطيلة الفاصلة بيننا، وقالت وعيناها تثقبان عيني:"هذا النوع من القصص لا يتعلق بالحقائق أبدًا يا عزيزتي؛ أنتِ وكاتبتكِ المبتدئة سوف تقوم بلَى كل حقيقة تصادف بحثكن، وسوف تضيفان
ميلا فيليت في تلك اللحظة، دق الهاتف الداخلي الموضوع على مكتب الاستقبال، ليعلمني موظف الأمن بقدوم الأستاذة الجامعية المتخصصة التي تم استدعاؤها للإشراف على الجانب التوثيقي للمشروع. شعرتُ بقفزة في قلبي، فحملتُ الملف السميك وجهازي اللوحي بسرعة، وغادرتُ المكتب بخطوات واسعة وواثقة نحو غرفة الاجتماعات ال
ميلا فيليتتمثلت رغباتي كلها في النجاح، لم أكن أريد أي شيء في هذه الحياة إلا أن أكون الأفضل، الأقوى، والأكثر نجاحًا. كانت الفكرة تلازمني كظلي، تنمو في عقلي كالنبتة الشيطانية التي لا ترويها إلا أضواء الإنجازات البراقة. ما كنت أحلم به منذُ أن كنتُ فتاة صغيرة في المدرسة العليا، أراقب المجلات العالمية
سارة لم يهتم أحد بما أريد ولم يسألني شخصٌ عن رغبتي في شيء قبلًا، لم أذهب إلى السينما مع أحد قبلًا، لا أحبذ قول هذه المعلومة كثيرًا، لا أرغب بظهوري كمجرد بائسة مثلًا وإن كنت لا أشعر بالبؤس من فعل الأشياء بمفردي فعلًا، لا تستطيع أن تستمتع مع أشخاص لا يربطك بهم خيط تفاهم واحد. الحقيقة أنني اعتدتُ ال







