Inicio / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الحادي والأربعون

Compartir

الفصل الحادي والأربعون

last update Fecha de publicación: 2026-06-23 06:41:45

هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟"

التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا:

إدوارد لارج

"لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ."

"أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة.

"بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على الانتهاء، أسابيع تفصلنا عن شهادة المدرسة."

قمت لحظة، توماس لا خوف منه، هو أقرب شيء صنعته للصداقة، استقمت أنظر نحوه:

"جايسون يعتقد أنه روّضني، ويعتقد أن أمواله التي يدفعها للمدير هارينغتون سوف تضمن بقائي بعيدًا عن لندن وعن تلويث القصة المزيفة التي اخترعها عن نفسه، لكنه يجهل تمامًا أنني عدّلتُ خطوطي الفرعية الخاصة؛ غدًا عندما أخرج من هذه البوابة بشكلٍ رسميٍّ، لن أكون ذلك الطفل الخائف، بل سأكون الشابَّ الذي سيزعزع أركان استقراره المصطنع."

ساد الصمت بيننا مجددًا، ونظر إليّ توماس بنوعٍ من الرهبة والارتباك الممتزج بالحيرة؛ فهو يعلم أن خلف هذا الوجه الحادة والجمود الجسديِّ يقبع بركانٌ من الغضب المكبوت جاهزٌ للانفجار في أيِّ لحظةٍ.

التفتُّ ببطءٍ نحو مبنى المدرسة المظلم، وتحركتُ بخطواتٍ ثابتةٍ وضخمةٍ عائدًا إلى الداخل، تاركًا السور الحجريَّ خلفي؛ فالحرية لم تعد مجرد حلم هروبٍ طفوليٍّ، بل أصبحت خطة عملٍ قريبة التنفيذ وسوف يدفع جايسون وعالمه ثمن حبسي وتركي هنا كحيوان عنيف محبوس.

--

أشعة الشمس الخريفية الباردة كانت تخترق أغصان الأشجار العارية في باحة المدرسة الداخلية بضواحي لندن، لتسقط بخفوتٍ على مقعدي الخشبيِّ المنعزل.

كنتُ جالسًا في زاويتي المعتادة كذئبٍ منفردٍ، واضعًا قدمًا فوق أخرى، ومستغرقًا بالكامل في قراءة صفحات رواية كلاسيكية قديمة للكاتب "تشارلز ديكنز"، حيث كانت السطور تتحدث عن الفجوات الطبقية والظلم الذي يبتلع الضعفاء في دهاليز هذه المدينة المظلمة. كانت رواية "آمال عظيمة" تعكس تفاصيل روحي المشتعلة بالندى؛ فالأدب الكلاسيكيُّ لم يكن بالنسبة لي مجرد تزجيةٍ للوقت، بل كان وسيلةً لفهم آليات الصراع الإنسانيِّ التي رمى بي شقيقي جايسون في وسطها منذ أن كنتُ طفلاً في الثانية عشرة من عمري.

خصلات شعري الأسود المتمرد كانت تنسدل على جبهتي مع كل حركٍة، وعيناي البنيتان تتحركان بنظامٍ بين الكلمات، محتفظًا بجمودٍ جسديٍّ صارمٍ يخفي خلف وسامتي الحادة جسدًا عضليًّا نحيلًا، تشكّل بقسوةٍ ليكون آلةً جاهزةً للردع.

قَطَع هدوء القراءة صخب خطواتٍ متعجرفةٍ تقترب من طاقتي الخاصة، رفعتُ عينيّ ببطءٍ وبرودٍ شديدٍ لأجد ثلاثةً من طلاب العائلات الأرستقراطية الغنية يقفون أمامي، يتقدمهم "جوليان"؛ ذلك الفتى المدلل الذي كان يظن أن ثروة والده الإقطاعية تمنحه الحق في امتلاك الفضاء العام بالمدرسة.

كان يرتدي سترته المدرسية الأنيقة المطرزة بخيوط الذهب، وعلى وجهه ابتسامةٌ ساخرةٌ تحمل كل معاني الاستخفاف الطبقيِّ.

"انظروا من يجلس هنا يتظاهر بالثقافة والعمق."

قالها جوليان بنبرةٍ عاليةٍ متعمدًا إثارة انتباه الطلاب المحيطين بالباحة، وهو يشير بيده نحو كتابي: "إدوارد لارج، المشاغب الأعنف في الضواحي، يقرأ فجأةً عن بؤس الفقراء! هل تحاول إيجاد مبررٍ أدبيٍّ لعقدك النفسية وعنفك الهمجيِّ يا إدوارد؟ أم أن شقيقك المدير المالي الذى يسير في ظلال عائلة كوران نسى أن يرسل لك مصروفك هذا الشهر لتبتاع شيئًا مفيدًا؟"

تعالت ضحكات زميليه المستفزة في الفراغ البارد.

أغلقتُ الرواية الكلاسيكية ببطءٍ شديدٍ، ووضعتها على المقعد الخشبيِّ بجانبي بحرصٍ، دون أن تفارق عيني البنيتان حدقتي جوليان.

شعرتُ بتدفق الأدرينالين في عروقي، وتحول ذلك الغضب المكبوت طوال سنوات سجني الست إلى قوةٍ مركزةٍ في قبضتي.

وقفتُ بكامل قامتى الطويلة التي تفوقه ببضع سنتيمترات، فتراجعت الضحكات خطوةً إلى الخلف أمام ضخامة بنيتي الرياضية النحيلة والمشدودة.

"مجددًا جوليان." أجبتُهُ بصوتي الذي أخذ مصاف الشباب، عميق وجاف يقطر برودًا جليديًّا، غير مباليًا: "أنت وعائلتك الغنية تملكون المال والغباء والاستعباد، ولا تملكون أدنى فكرةٍ عن معنى البقاء، ديكنز يتحدث عن أشخاصٍ مثلكم تمامًا، أشخاص دمرتم حياتهم وصنعتم من رمادهم قصور، ولكن هذه أشياء لن تفهمها، لذا أنا أنصحك أن تبتعد عن طريقي الآن؛ لأنني لستُ في مزاجٍ يسمح لي بتحمل تفاهتك الأرستقراطية."

احمرّ وجه جوليان غيظًا من نبرتي المستهزئة التي حطمت كبرياءه أمام زملائه، وتقدم خطوةً إضافيةً للامام يتهكم بوقاحةٍ وهو يمد يده ليدفع كتفي: "أنت مجرد سجينٍ هنا يا لارج! أخوك ألقى بك في هذه المدرسة ليتخلص من عارك وعنفك ومشاكلك، فلا تعش دور البطل أمامي لأنك لا شيء."

لم تكن الكلمات هي التي حركتني، بل كانت تلك اللمسة المستفزة على كتفي.

في أجزاءٍ من الثانية، تفجر العنف المنظم الذي صقلته طوال سنوات التأقلم؛ قبضتي اليمنى تحركت بسرعةٍ خاطفةٍ وعنيفةٍ، لتستقر بقسوةٍ مفرطةٍ في منتصف وجه جوليان مباشرةً.

صدى الضربة الخشنة تردد في أرجاء الباحة، وتطايرت الدماء من أنفه وهو يترنح للخلف بذهولٍ تامٍ، قبل أن يسقط أرضًا على العشب البارد محتضنًا وجهه وبشرته البرونزية المصطنعة شاحبةً من الصدمة والألم الشديد.

تراجع زميلاه بذعرٍ واضحٍ، رافعين أيديهما إلى الأعلى دون أن يجرؤ أيٌّ منهما على التقدم خطوةً واحدةً نحو مواجهتي.

نظرتُ إلى جوليان المستلقي أرضًا بنظرةٍ باردةٍ يملؤها الاحتقار الصرف، ثم انحنيتُ ببطءٍ لألتقط روايتي الكلاسيكية ونفضتُ عنها الغبار الخفيف.

"لقد حذرتك يا جوليان، ولكن تحب أن تضرب كل يوم، ربما يقول هذا شيئا ما عن ميولك."

همهمت بصوتٍ خفيضٍ وقاطعٍ، بينما تصاعدت ضحكات من حولنا، حذرته دون أن أنظر له:

"أنا لستُ مثل أخي جايسون؛ هو يقتل أعداءه بالأرقام والخطوط الفرعية الصامتة، أما أنا فأحب الصفع والضرب مباشرةً في العلن، أخبر المدير هارينغتون بما حدث، ودعه يرسل فاتورة علاجك لأخي مجددًا، فـأنا على مشارف الثامنة عشرة ولم يعد يعنيني أيُّ عقابٍ في قفصكم هذا."

ولكنه كالعادة لن يفعل، لن يصبح الطفل الشاكي الباكي في المدرسة.

التفتُّ ببطءٍ، ومشيتُ بخطواتٍ ثابتةٍ وباردة، تاركًا خلفي همسات الضحك والارتباك تتصاعد بين طلاب المدرسة الأثرياء؛ فاليوم أثبتُّ لهم و لنفسي مجددًا أن أسوارهم الفاخرة لن تنجح أبدًا في ترويض الذئب الذي بداخلي، وأن اسم "لارج" ربما لا يحمل ثقل أسمائهم ولكنه يحمل وراء ما لا يتوقعون.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والأربعون

    سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والأربعون

    سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والأربعون

    سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والأربعون

    سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والأربعون

    الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثلاثين

    سارة تشاغل "سام"بالقيادة فشوارع لندن مساء الجمعة مزدحمة جدًا، خطط نهاية الأسبوع هنا وهناك، كان يقود بسرعة كافية ليتخطى الزحام، ساعدته السيارة المختلفة عن السيارة السابقة التي أوصلني بها في منتصف الأسبوع، أصغر حجمًا و أكثر جموحًا وشبابية أكثر، تناسب من تخطى الستون عامًا وتقاعد عن شركة رأسها مالها

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثلاثين

    سارة لا تصدق رجل يتكلم عن نفسه، لأن ما أن يبدأ الرجل في الحديث عن نفسه، مدحها وتفخيمها وسرد أساطيره الأسطورية يعني أنه كاذب. "سام"لم يتكلم عن نفسه أمامي، لم يعد لي مميزاته ولم يخيفني من عيوبه في بادرة باتت رومانسية مظلمة شهيرة، لكنني لازلت في حيرة تصديقه أو لا في رغبته لمساعدتي دون توقع مني شي

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والثلاثين

    جايسون لارج الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن. الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمام

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والثلاثين

    سام أنا لا أعتقد أن الشراب يناسبني لأعود له، كان جموح الجامعة و بعده فشل اختيار العلاقات والتحطم السيء، ومن ثم جنون العمل الذي من شأنه جعلك لا تلتفت حولك لتصل إلى ما تصبو إليه في وقت قصير، بعد أن تصل تتراجع قليلًا لتكتشف أنك يجب أن تحظى بحياة، كنت محظوظ كفاية لأنني اكتشفت هذا مبكرًا في العشرينات

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status