LOGINسام
عصرت عينيها بقوة كأنها تحاول طرد وتجفيف دموع البكاء الوشيك بعيدًا عن جفونها، وتسرب منها همس ضعيف خفيض لم أفهم كلماته بدقة؛ صمتت بعده تمامًا، وانعقد لساني أنا الآخر عن الكلام، وأنا أراها تقف أمامي شاحبة، خائفة، ومكسورة، ولا أعرف حقًا كيف أزيل عنها هذا الألم الجاثم. همست لها بصوت صادق نابع من عمق روحي: "لقد كدت أجن بالأمس حينما علمت بالأمر وفقدت الاتصال بكِ." نظرت نحو أصابعها المتشابكة، وهربت عيناها من عيني مجددًا وقالت بصوت مبحوح: "أردت محادثتكِ والاتصال بك بشدة.. لكنني لم أعرف ماذا أقول، وشعرت بالخزي." قاطعتها فورًا بلهفة: "جل ما أريد وأتمناه في هذا العالم هو الاطمئنان عليكِ فقط؛ لا أريد معرفة أي شيء آخر، ولا تهمني تفاصيل الماضي." صمتت لبرهة طويلة، ثم رفعت عينيها العسليتين نحوي وقالت بإرهاق شديد: "لا زلت أقاتل بقوة أشخاصًا قساة مثل جيسون لكي أثبت وجودي.. لكنني في حاجة ماسة وحقيقية للراحة الآن." نطقت بلا وعي: "إذن.. ابقِ معي الليلة، دعيني أحميكِ." هتفت بشيء من الحدة الرافضة: "لا." ثم تابعت بنبرة يكسوها التعب والإنهاك: "دعني أكون وحدي أرجوك؛ سأكون بخير وجيدة أكثر هكذا." علمت أنه لن يكون من الحكمة مجادلتها الآن، فقد أخسر أي نقطة تقدم أحرزتها في كسب ثقتها؛ هززت رأسي موافقًا على رغبتها، لكنني استطردت قائلًا: "على الأقل.. دعيني أقوم بإيصالك بسيارتي إلى المكان الذي ترغبين الذهاب إليه، وهذا فقط لأنني أريد الشفاء لقلبي والاطمئنان أنكِ ستكونين بخير وسلام." أظنها لم تعد تقوى على مجادلتي أو رفض عرضي لفرط تعبها؛ فهزت رأسها موافقة بصمت صاخب. سرت معها جنبًا إلى جنب خارج أروقة المؤسسة حتى وصلنا إلى سيارتي المستقرة في المرآب؛ قدت بها طوال الطريق في صمت ثقيل ومطبق، وكنت أراقبها من حين لآخر وهي تنزلق في مقعدها وتحدق بشرود بعيدًا نحو ليل المدينة السريع خارج نافذة السيارة. كان عقلها يجنح بعيدًا إلى تساؤلات مظلمة، وكنت أجنح معها محاولاً استيعاب حجم المأساة والاضطراب الذي تمر به؛ فتاة واهنة من الداخل لكنها تقاتل بشراسة النمور في العلن، ترغب في الراحة المطلقة والصمت لكن العالم القاسي يجبرها في كل مرة على الدفاع والحديث العنيف. كيف يمكن لإنسان أن يحمل هذا العبء الثقيل طوال سنوات عمره؟ أن تنشأ وتكبر على معرفة أن أمها قد تخلت عنها منذ لحظة ولادتها الأولى، وأنها نتاج غلطة عابرة وتسمي نفسها كذلك في لحظات جلد الذات. كنت في تلك اللحظات بالذات قد بدأت أستوعب تمامًا ما أنا مقدم عليه في استمراري ومضيي مع سارة؛ إنها كتلة متحركة من الاضطراب، المشاكل، والتعقيد النفسي بالنسبة لي، وأنا في المقابل مجرد شخص بسيط، عقلاني، يعيش حياة مرتبة لم يختبر هذا الجانب المظلم والملتوي من الحياة قط، سوى من خلف منصات القضاء وبين أوراق المحاكم الباردة. لكنني، ورغم كل شيء، أدركت أنني لا أستطيع العودة للوراء أبدًا. -- جايسون غادرتُ قاعة الاجتماعات وخطواتي الثقيلة تكاد تحرق السجّاد الفاخر لمؤسسة كوران. كنتُ أتقدم بعنف، وعضلات صدري الضخمة مشدودة بالكامل، بينما يداي مقبوضتان داخل جيبي سترتي. دخلتُ مكتبي الخاص وأغلقتُ الباب خلفي بقوة كادت تقتلع مفاصله الحديديّة. جلستُ خلف مكتبي الرخاميّ الأسود، وجسدي الضخم العضليّ يتنفس بحدة غريبة. صككتُ على أسنانّي بقوة حتى شعرتُ بآلام مبرحة في فكّي. ملامحي الجامدة والبرونزيّة التي اعتاد البشر الخوف من برودها، كانت الآن تتشنج تمامًا من شدة الغيظ والإهانة الكاسرة التي تلقيتها للتو. "حشرة حقيرة.. نتاج ليلة عابرة، تتجرأ على إحراجي علنًا؟" تمتمتُ في عقلي بغضب أسود مكتوم وأنا أضرب سطح المكتب بقبضتي. بالنسبة لي، كرجل حاد وصارم، كانت الإهانة مضاعفة. أنا لا أرى سارة كولن مجرد فتاة عادية بعد الآن؛ إنها فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، مرشحة لمسابقة جمال سخيفة، ومع ذلك، وقفت أمامي وأمام كبار الموظفين بكل شجاعة وجرأة ساخرة لتتحداني وتخرجني من قاعة الاجتماعات بحجة عدم وجود ضرورة لوجودي. الأكثر إزعاجًا وطعنًا لكبريائي النرجسيّ لم يكن وقاحتها، بل إمارات ذكائها الحاد الجليّ. أنا أكره دائمًا، وبشكلٍ قاطع، أن أشعر بأنَّ هناك من يقف في نفس رتبتي الذهنية، أوالأسوأ من ذلك أن يتفوق عليّ في قراءة الموقف وإدارته. قطع حبل أفكاري المشحونة بالرماد المشتعل دقات هادئة ومنتظمة على الباب. أخذتُ نفسًا عميقاً، وحاولتُ استعادة قناعي الجليديّ المعتاد قبل أن أصيح بنبرة جافة: "ادخل." انفتح الباب ودخل توماس المحاسب الصغير الذي يتولى إدارة الحسابات الفرعية لمتجر تيا كوران. توماس لم يكن مجرد موظف عاديّ؛ إنه شاب نحيل، هادئ بشكلٍ مريب، وعيناه ترصدان كل شيء دون أن تنطقا بحرف. لقد جاء إلينا بترشيح خاص من صديق قديم لي من أيام الجامعة؛ صديق يعمل في دوائر معقدة وخلفيات مشبوهة، أشبه بعصابة منظمة تدير عمليات غسيل أموال ولكن بشكلٍ شيك وأنيق للغاية تحت غطاء الاستثمارات الفاخرة. توماس يعرف حجمه تمامًا، ويعرف أنَّ أيّ زلة لسان خارج هذه الجدران تعني نهايته ونهاية عائلته، لذلك كان الصندوق الأسود المثاليّ لي. تقدم توماس بخطوات مدروسة، ووضع ملفًا جلديًّا صغيرًا على مكتبي، متحدثًا بنبرة منخفضة ومحايدة تمامًا: "هذا تقرير الربع الأخير لمتجر الآنسة تيا كوران، مستر لارج. الأرقام تتراجع كليًّا كما توقعتَ تمامًا." تطلعتُ إلى الملف بنظرة حادة، لكنني لم أفتحه. بدلاً من ذلك، استندتُ بظهري إلى مقعدي الجلديّ الضخم، وعيناي السوداوان تشتعلان بحنق لم أستطع إخفاءه كليًّا هذه المرة. "اترك المتجر الآن يا توماس." قلتُ له بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة: "أخبرني.. هل تابعتَ ما حدث في قاعة الاجتماعات قبل قليل؟" تحركت ملامح توماس بحذر، وربط يديه أمامه: "سمعتُ، الموظفين تتحدث، ورأيتُ الآنسة كولن وهي تغادر برفقة مستر سام لاحقًا، يبدو أنَّ الأجواء كانت مشحونة جدًّا." صككتُ على أسنانّي مجددًا، وخرجت ضحكة ساخرة من بين شفتيّ: "مشحونة؟ تلك الحشرة الحقيرة تظن أنها تملك جهاز تحكم العالم لمجرد أنَّ سام كوران أعمى تقوده عواطفه البلهاء نحو حتفه العاطفيّ والمهنيّ، دافع عنها كمن يحمي شرفه، متناسيًا أنَّ الشائعات حول نسبها غير الشرعيّ يمكن أن تسحق سمعة مؤسسة كوران الخيرية كاملة في ثوانٍ." وقفتُ خلف مكتبي، وطولي الضخم يلقي بظلاله المرعبة في الغرفة: "ما يثير غيظي فعليًّا ليس وقاحتها، بل الطريقة التي رتبت بها خطتها الاستراتيجية، إنها ذكية، ذكية بشكلٍ مستفز ومقلق، ولا يمكنني أبدًا احتمال وجود شخص يحاول اللعب بذكاء يفوقني، أنا لا أحب أن يكون أحد أذكى مني ،لا أحد أذكى مني." أومأ توماس برأسه ببطء، دون أن يبدي أيّ تعبير أو رأي شخصيّ؛ فهو يعلم أنني لا أحتاج نصيحة، بل أحتاج إلى جدار أصم يستمع لغلياني الصامت: "مستر سام يعيش في عالم أوراق المحاكم المستقيمة، هو لا يرى الأبعاد الملتوية للقصة كما تراها." "سام مغفل." قطعتُ حديثه بحدة. "لكنني لن أترك هذه الفتاة تدير اللعبة دائمًا، سأبدأ من الآن بنبش الدفاتر القديمة والبحث عن كل ثغرة تخص عائلتها في مصر أو ماضي والدتها، إذا كانت تريد حرب عقول، فسأجعلها حربًا لا تخرج منها حية، أتصل بالمحقق الذي نتعامل معه." أخذ توماس الملف الفارغ، وانحنى بخفة تظهر طاعته المطلقة وخوفه المكتوم لي: "حالًا مستر لارج.. سوف أترك ملفات المتجر والمؤسسة." استدار توماس وغادر مكتبي بهدوء أفعى، تاركًا إياي أواجه شياطيني الخاصة، وعقلي يدور في حلقة مفرغة من الانتقام؛ أخطط لكيفية سحق سارة كولن بمباركة آدم كوران.سام تحاشيت النظر للفراش وذهبت للجهة اليمنى وفتحت الخزانة، لم أجد شيئا عدا السراويل القصيرة وبعض الكنزات القطنية، لعنت من بين أسناني ورحت أفتش عن سروال يصلح لأن يراه الطبيب صامويل وزوجته والأهم أن ترتديه سارة ، ابتسمت بجانب بفمي على ما سوف يحدث، العلاقة بين ثيابي وبينها تتطور أكثر من علاقتي بها.سحبت السروال الأزرق الغامق وكنزة بيضاء قطنية، قدمتهم للطبيبة التي كانت تقف في المنتصف، أما هي تحت أغطية الفراش كليًا، خرجت مسرعًا للخارج وأغلقت الباب خلفي، اتجهت لحافة المطبخ وجلست على المقعد العالي موجهًا نظري للممر حيث الغرفة. الآن فهمت سبب نظرات الطبيب في الصيدلية، ابتسمت بسخرية لغبائي بينما أغلق عيني وأضغط صدغي بأصابعي."ليست العطلة التي رغبت بها ها؟"فتحت عيني أنظر للطبيب الجالس على الأريكة أمامي، ابتسمت ساخرًا من تعليقه، الآن فهمت سبب كونه فضل أن تأتي زوجته فهي سوف تتعامل أفضل منه في تلك الأمور. "لا."همهمت بنفي غير مفهوم، مطي جسده على الأريكة واسترخي قليلًا، ابتسم بينما يعلق:"فقط لا تثيرها أو تغضبها، وافق على كل شيء تقوله بلا اعترض وسوف يمر الأمر جيدًا."همهمت موافقًا بسخرية، أليس هذ
سامفي لحظات السعادة والراحة تشعر أن كل شيء بخير تمامًا، لن يحدث أي شيء يعكر صفو السعادة.تلك واحدة من الحقائق التي لا تقبل المجادلة، ولحظات السعادة أكثر الأشياء فانية، في لحظة كنت سعيد بما حدث بيني وبين سارة رغم تشتتها الذي أقدمها على هذا، لكنها تجاوبت معي بكل حواسها، ولم أحاول أن أفكر في السبب أو النتيجة لكل ذلك، لكن فجأة العشاء العائلي اللذيذ أصبح من جهة والدي تقييم ومن جهة والدتي أسئلة بلا توقف. والدتي مهتمة بأخبار المجتمع ورغبت في معرفة المزيد عنها، بفضول ظلت تحفر بعمق في حياة سارة الشخصية والتي أنا نفسي لم أعرف عنها تقريبًا شيء ذات أهمية، وانتهى العشاء بردها القاطع لكل سؤال قادم لن تستطيع أن تراوغ إجابته، قالت جملة مختصرة كافية ليصمت كل من على الطاولة، أنها لا تستطيع المراوغة، وليست من هواة الكذب فماذا أستطيع أن أقول لها وأمي هي التي فتحت أشياء ما يجب عليها أن تخوض فيها، أنا لا أنكر كوني أكثر من راغب في معرفة كل شيء عنها لكن ليس وسط كل هذا الحشد من الناس، كنت أخوض تلك العلاقة، إن كان يصح تسميتها بذلك، ببطء وحذر، كان على أن لا أثير حفيظتها الدافعية التي تسبق أي شيء فيها، كان
سارة كانت همهمات الموافقة على حديثي واضحة حول الطاولة، لكن صوت السيد كوران كان الأطغى والأعلى: "عظيم! عظيم جدًا! لدي رغبة شديدة في الجلوس والتحدث معكِ حول هذا المشروع بتفصيل أكبر." تدخل سام فورًا بصوت حاسم يذود عني: "ليس اليوم يا أبي، لقد كنا على الطريق لمدة عشر ساعات كاملة وسارة منهكة تمامًا." رد والده: "ولكنني سأعود اليوم ليلاً إلى لندن." علقتُ بنبرة هادئة على كليُهما: "سأكون متواجدة دائمًا لمناقشة العمل." فتدخلت والدته سوزان، محاولةً بأدب أرستقراطيّ حثي على المكوث في قصرهم طوال العطلة، وحظيت بابتسامة موافقة من زوجها، بينما كانت ابنتها تيا تشجع الأمر باندفاع محرج. حاول سام التملص بذكاء؛ فهو يعرف تمامًا أنني سأضطر للمكوث في فندق هنا اليوم على الأقل، وما كنتُ قادرة ذهنياً ولا جسدياً على العودة فورًا إلى لندن. وحين أعلنتُ رغبتي الواضحة والقاطعة في الجلوس في فندق قريب، لم يحاولوا ثنيي بإصرار مجددًا، ومضت بقية العشاء في أحاديث جانبية متعددة بينهم، أما أنا فكنتُ أتنفس الصعداء بصعوبة كمن نجا من مقصلة استجواب عائليّ محكم. بعد العشاء، كنا نجلس جميعًا في الحديقة الخارجية، حول طا
سارة تقدمتُ وجلستُ على الطاولة، وقبل أن تجلس تيا بجانبي لتستأنف حصارها، احتل شقيقها سام المقعد المجاور لي فورًا. لم أستطع إخفاء زفرة الارتياح التي خرجت من صدري بصوت مسموع. لكن تيا جلست قبالتي تمامًا، وظلت تثرثر بنرجسية لا تنتهي عن الثياب والقصات الملائمة لجسدي. بدا وكأن كل من على الطاولة يعتاد تركها لدائرتها المغلقة وتجاهل شطحاتها، وكم شعرتُ بالكره والاشمئزاز تجاه ذلك التصرف! لقد جربتُ هذا الإحساس مرارًا وهو سخيف للغاية؛ ألا تهتموا بأحد، هذا شأنكم، لكن لا تتظاهروا بالاهتمام بصمت مزيف! التفتُّ نحو تيا، وابتسمتُ بهدوء مشحون بالتلميح والذكاء الحاد، معلقة قبالة الجميع: "تعرفين يا تيا.. أظنني كنتُ سأحب جدًا أن أجرب تلك المجموعة من تصميماتكِ، وربما ترتدينني إياها وتأخذين لي الصور.. ولكنكِ تتذكرين حتمًا المكالمة الهاتفية التي جرت بيننا منذ فترة قريبة، أليس كذلك؟ حين طلبتِ مني ذلك تحديدًا، ورجوتِني أن أرتدي فساتينكِ وأتصور بها للتسويق لمجموعتكِ، ولكنني رفضتُ طلبكِ بشكل حاد وقاطع، وحذرتُكِ من استغلال اسمي في تلك الظروف!" تجمّدت ملامح تيا على الطاولة، وسقطت ابتسامتها النرجسية ف
سارة استدار تحت أنظاري ناحية البيت، فركضتُ محاولةً اللحاق بخطواته الواسعة السريعة. غمغمتُ باللعنات في سري لأنه كان سيتسبب حتمًا في كسر ساقي بسباقات سرعته المجنونة. حين وصلنا أخيرًا أمام الباب الرئيسيّ، تجاهل وجودي تمامًا خلفه كعادته الجافة. ثوانٍ معدودة حتى فتحت الباب خادمة جميلة ترتدي ثوب عمل كحليًّا أنيقًا. عبر سام مسرعًا وتركني خلفه أعالج دهشتي، فعبستُ وغمغمتُ بمزيد من اللعنات المحشوة بغضب مكتوم. إنه يبدو كمريض نفسي مستعصي العلاج؛ كيف يتركني عند مدخل بيتهم دون دعوة أو كلمة ترحيب؟ أشارت لي الخادمة بابتسامة لطيفة للداخل، فعلقتُ بتهكم وأنا أعبر العتبة: "لم يفعلها مالك المنزل الأحمق ذاك." نظرت لي الخادمة بطرف عينها باندهاش خاطف، وهرب بؤبؤ عينها سريعًا نحو اتجاه معين في البهو. نظرتُ لنفس المكان بسرعة لأستكشف ما أفزعها، فوجدتُ رجلًا أشيبَ لم أره من قبل قط. لكن من عساه أن يكون ذلك الرجل الذي يقارب الستين من عمره، ويجلس على مقعد وثير منتظرًا أن تنتهي امرأة راقية من تقبيل وجنتي ابنها الأحمق الذي تركني عند الباب.. سوى والده؟ نظرتُ بسرعة إلى الخادمة بابتسامة عصبية محاولةً ترقيع
سارة لقبعة فوق رأسي لكنه أوقفني وجذبه مني: "لا، أتركِ شعرك هكذا، هذا الشعر الجميل لا يجب أن يحرم من الشمس." الحرارة صعدت لوجنتي الوردية، الآن كانت حمراء وما كنت أستطيع الإجابة، ابتسم ورفع القبعة الرياضية فوق رأسه، سار أمامي قليلًا، كان اللون الأحمر على رأسه جذاب ويجعله أصغر مما هو علىه، مستمتع بتوردي وصمتي. فتح باب السيارة الخلفي لكنني تجاهلته و صعدت نحو الأمام، قهقه و هو يغلق الباب خلفي ويلتف ليدلف إليها، جلس وأشعل الموتور لكنه لم يتوقف عن الضحك فزمجرت مقتضبة: "توقف عن الضحك الآن، ولا تنظر إلى إلا حينما نصل." قهقهته لم تتوقف، قضم شفتاه وعيناه تشملني: “رسميًا أنا واقع في غرام توردكِ وارتباككِ." ارتفع حاجبي صارخ والخجل يتآكلني: "سام." هز حاجبيه بإغاظة واختر أغنية هادئة لم أعرفها، مبتسم وسعيد ومنتشي، تحرك بالسيارة يديدن اللحن، بينما أنا متوردة مشوشة ولا أعرف بالضبط ما الذي أفعله بنفسي بحق السماء؟ لكنني كنتُ سعيدة للحظة هناك، قدمي لا تلامس الأرض، عقلي خاوي وروحي خفيفة، لم أكن أعرف السعادة لكن هذا لا يمكن ألا أن يكون سعادة. لكن مجددًا؛ ما الذي أفعله بنفسي وإلى أين سوف يأخذني
جايسون لارج الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن. الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمام
سام أنا لا أعتقد أن الشراب يناسبني لأعود له، كان جموح الجامعة و بعده فشل اختيار العلاقات والتحطم السيء، ومن ثم جنون العمل الذي من شأنه جعلك لا تلتفت حولك لتصل إلى ما تصبو إليه في وقت قصير، بعد أن تصل تتراجع قليلًا لتكتشف أنك يجب أن تحظى بحياة، كنت محظوظ كفاية لأنني اكتشفت هذا مبكرًا في العشرينات
سام قاطعتني بحدة : "لا تفعل؛ إذا لم أعثر أنا على هذا العمل المثالي الذي يوفر لي كل المال الذي أحتاجه وساعات طويلة من الراحة، على الأرجح لن أعمل به." كانت متمسكة باستقلالها بشدة، ولن تتزحزح عنه أبدًا، وتزداد شراسة حينما يقترب الحديث من هذه الدائرة، كان علىَّ أن أحترم استقلالها لكن كيف لا أحاول
سام ضحكت بينما نسير تجاه الباب الخشبي الذي يمثل نصف قوس، فتحته وتركتها لتمر مبتسمة، كانت تتابع تأمل المكان حيث إضاءته الخافتة وطقسه الفاتر نوعًا، طاولاته الموضوعة على طول صفان وهناك مسافة بين كل طاولة وأخرى، وفي آخره نافذة العرض الزجاجية الموضوع داخلها أصناف من الحلوى، وضعت يدي على كتفيها ثم أشرت







