Masukجايسون لارج
بعد أن أغلق توماس الباب خلفه بهدوء أفعى، عدتُ بجسدي إلى الخلف واستندتُ على مقعدي الجلديّ المريح، واضعًـا يديّ المتشنجتين خلف رأسي ومحاولاً طرد ملامح تلك الحشرة المدعوة سارة كولن من مخيلتي. لم يكن من السهل عليّ نسيان الإهانة، لكن لغة الأرقام كانت دائمًـا طريقتي المثالية لاستعادة السيطرة على نبضات قلبي المرتفعة وضبط كبريائي الجريح. تطلعتُ إلى الملف الجلديّ البنيّ الصغير الذي تركه توماس على طرف مكتب الرخام الأسود؛ ملف الميزانية الفرعية لمتجر الآنسة تيا كوران لتصميم الثياب الفاخرة. سحبتُ الملف ببرود، وفتحته بأصابعي الضخمة. قلبتُ الصفحات الأولى، ولم أكن بحاجة إلى أكثر من دقيقتين لأدرك حجم الكارثة الإدارية التي تعيشها شقيقة سام الصغرى. تيا تعيش في عالم مفرغ من المسؤولية؛ تظن أنَّ الماركات التجارية تُبنى بالوقوف أمام عدسات المصورين والحديث عن "الشغف والألوان الخريفية المستوحاة من الطبيعة"، بينما الحقيقة الراسخة في دفتري هي أنَّ الأرقام تتراجع كليًّا، والسيولة النقدية تقترب من الخط الأحمر. لكن، وسط جداول المصاريف التشغيلية الروتينية وأسعار الأقمشة المستوردة من إيطاليا، استوقفتني خانة معينة. قطبتُ جبيني وأنا أمرر سبابتي فوق سطر متكرر في فواتير الصرف النثريّة والتمويلات الطارئة. لم تكن المصاريف تخص المتجر، ولا عروض الأزياء، بل كانت دفعات مالية باهظة ومستمرة تحت بند "دعم ورعاية لوجستية لمعرض تشكيليّ حداثي" وبجانب الخانة، كُتب الاسم المستفيد. "دانيال جيسون..." تمتمتُ بالاسم بصوت منخفض، وعيناي تتفحصان المبالغ التي سُحبت مباشرةً من الحساب البنكيّ للمتجر طوال الأشهر الثلاثة الماضية. المبالغ لم تكن هينة أبدًـا، بل كانت كافية لإنقاذ المتجر من عثرته الحالية لو وُجهت في مكانها الصحيح. شعرتُ بابتسامة ساخرة ومريرة ترتسم على شفتيّ؛ فمن الواضح تمامًـا أنَّ شقيقة سام الساذجة قد وقعت في فخ أحد الصيادين المحترفين الذين يقتاتون على عقد النقص لدى فتيات العائلات الثرية. وفي تلك اللحظة بالذات، وكأنَّ القدر أراد أن يمنحني تجسيدًـا حيًّـا لشكوك ومخاوفي، تحركت حركة خارج مكتبي. رفعتُ رأسي ببطء، وتطلعتُ عبر الجدار الزجاجيّ الضخم الذي يفصل مكتبي عن الممر الخارجيّ للمؤسسة. كانت تيا تمر من هناك. لم تكن بمفردها؛ كان يرافقها شاب ممتلئ بالنرجسية والغطرسة الواضحة في مشيته، يرتدي وشاحًـا صوفيًّـا طويلاً لا يناسب طقس العمل، ويحرك يديه بهواء مبالغ فيه وهو يتحدث إليها بثقة زائفة تفوح من ملامحه. كانت تيا تسير بجانبه مبعثرة كالعادة، تبدو متغيرة المشاعر، وعيناها معلقتان بكلماته وكأنها تستمع إلى نبيّ منقذ، بينما هو لا يبدو مهتمًـا بها بقدر اهتمامه بانعكاس صورته على زجاج المكاتب. فجأة، وبتلقائية، التفتت تيا نحو مكتبي. التقت عيناها القلقتان بعينيّ الحادتين خلف الزجاج. ثبتُّ نظرتي الباردة والشرسة عليها، ولم أحرك ساكنًـا. كانت نظرة عقلانية جافة من رجل يعرف حقيقتها وحقيقة الهدر الذي ترتكبه. رأيتُ ارتباكًـا جليًّـا يمر على وجهها، وتوترًا غير منطوق جعلها تسرع خطوتها وتسحب مرافقها دانيال بعيدًـا عن مدى رؤيتي لتكمل طريقها إلى الخارج. أغلقتُ الملف بعنف أحدث دويًّـا خفيفًـا في الغرفة. لم أكن لأسمح لأيّ طفيليّ أن يتلاعب بأموال عائلة كوران التي أديرها، ليس حباً فيهم، بل لأنَّ أيّ نقص أو اضطراب في ميزانياتهم الفرعية قد يؤثر على ثبات موقعي الماليّ وعلى التدفقات التي أحتاجها لإبقاء شقيقي إدوارد في مكانه الآمن بعيدًـا عن الأنظار. مددتُ يدي نحو الهاتف الأرضيّ المشفر على مكتبي. ضربتُ الأزرار بسرعة، متصلًـا برقم شخص لا يظهر في السجلات الرسمية؛ نيكولاس، الرجل الذي يملك أعينًـا وآذانًـا في كل زاوية مظلمة من مجتمع النبلاء والطبقات المخملية، والشخص الذي يربطني بعلاقة مصالح جافة منذ سنوات الجامعة. رن الهاتف مرتين قبل أن يأتيني صوته الأجش والبارد: "جايسون؟ لم أتوقع اتصالك في هذا الوقت من اليوم. هل هناك خطب ما في حسابات مؤسسة كوران؟" "مؤسسة كوران بخير يا نيكولاس." أجبتُه بنبرة حازمة وخالية من المقدمات، "لكنني أحتاج إلى معلومات فورية ودقيقة عن اسم سقط أمامي للتو في دفاتر عائلة كوران الفرعية. دانيال جيسون. أريد كل شيء عنه كليًّا." سمعتُ حفيف أوراق عبر الهاتف، متبوعًـا بضحكة خافتة وساخرة من نيكولاس، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ زمن: "آه.. دانيال جيسون. لقد بدأت الخيوط تتشابك إذن في مكتبك. اسمعني جيدًا يا جايسون، هذا الرجل ينحدر من عائلة نبيلة وعريقة جدًّا، اسم عائلته كان يملك وزنًـا وثقلاً ذهبيًّـا في الماضي، لكن هذا الماضي انتهى تمامًـا." "ماذا تعني بانتهى؟" سألتُه وأنا أمسك بقلم رصاص وأضغط عليه بقوة بين أصابعي. تابع نيكولاس بنبرة غارقة في الخبث: "الفتى عبارة عن واجهة مفرغة، لقد ورث ثروة طائلة وضخمة بعد وفاة والديه، وبدلاً من استثمارها أو الحفاظ عليها، اندفع بكامل جهله ونرجسيته نحو مجتمعات الفن الحداثي والمعارض الفاخرة، ضيع كل ماله تمامًـا، وتبددت معظم الثروة التي ورثها من عائلته النبيلة على نزواته، وعلى تمويل لوحات وتماثيل لا تشحن سوى غروره الشخصيّ. والآن؟ هو مفلس كليًّا." ضيقتُ عينيّ وتساءلتُ ببرود: "إذا كان مفلسًـا، فكيف يمارس دور الفنان الأنيق الذي يدعم المعارض حتى الآن؟" "هنا تكمن موهبته الحقيقية." أجاب نيكولاس، وصوت رشفة قهوته يصلني عبر الأثير، "معروف عنه في الأوساط المغلقة أنه يعتمد على أسلوب ثابت؛ يتعرف كل فترة على فتاة جديدة من عائلة ثرية للغاية، فتاة تعاني من التهميش أو تبحث عن الاهتمام والتميز الثقافيّ، يوقعها في حبائله باسم الفن والعمق، ثم يبدأ في امتصاص أموالها وحساباتها البنكية تدريجيًّـا ليصرف على مشاريعه الفنية ومعارضه البائسة التي لا يزورها أحد، وبمجرد أن يجف البئر أو تكاد عائلتها تكتشف الأمر، ينسحب بهدوء ليبحث عن ضحية أخرى." ضحكتُ بسخرية، وشعرتُ بغثيان حقيقيّ من سطحية هؤلاء البشر: "والآن، ضحيته الجديدة هي تيا كوران. إنه يسحب المال مباشرةً من حساب متجرها تحت غطاء 'الرعاية اللوجستية." "بالتأكيد." قال نيكولاس: "وتيا كوران صيد ثريّ وسهل للغاية بالنسبة لشخص بمكره. هل تريد مني التدخل أو إرسال تقرير مفصل لسام كوران؟" "أبدًا،" قطعتُ حديثه بقسوة وصرامة. "لا تفعل شيئًا، ولا تخبر أحدًـا بهذا الاتصال، اترك التقرير الكامل عندي، وأرسل لي كافة المستندات والوصولات القديمة التي تثبت قضاياه وديونه السابقة إلى بريدي الخاص فورًا." "كما تشاء يا صديقي، لكن احذر.. اللعب مع عائلة كوران في هذه الأوقات يشبه المشي وسط حقل ألغام،" قال نيكولاس قبل أن يغلق الخط. وضعتُ سماعة الهاتف مكانه ببطء، وتراجعتُ برأسي إلى الخلف مجددًا، وعقلي يعمل بأقصى طاقته التحليلية. الغضب الأسود الذي خلّفته سارة كولن في قلبي بدأ يتحول الآن إلى وقود لخطط موازية. تيا كوران وضعت بين دون أن تدري ورقة ضغط ذهبية. دانيال جيسون ليس مجرد طفيليّ، بل هو الثغرة التي يمكنني استخدامها في الوقت المناسب لترويض هذه العائلة وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعيّ لو حاول سام أو غيره تهميش دوري أو مساندة سارة كولن ضدي. الأرقام لا تكذب أبدًا، والبشر دائمًا ما يتركون خلفهم مسودات مشوهة مليئة بالأخطاء الكارثية بسبب عواطفهم البلهاء. نظرتُ إلى الغرفة الهادئة، وشعرتُ ببرودي المعتاد يعود ليتملكني بالكامل. سأنتظر بضع الوقت، وأراقب المشهد من بعيد، تاركًـا دانيال يستنزف ما تبقى من كبرياء تيا الماليّ، حتى يحين الوقت الذي أقرر فيه سحق الجميع تحت حذائي، وإعادة ترتيب رقعة الشطرنج وفقًـا لقواعدي الخاصة.سام تحاشيت النظر للفراش وذهبت للجهة اليمنى وفتحت الخزانة، لم أجد شيئا عدا السراويل القصيرة وبعض الكنزات القطنية، لعنت من بين أسناني ورحت أفتش عن سروال يصلح لأن يراه الطبيب صامويل وزوجته والأهم أن ترتديه سارة ، ابتسمت بجانب بفمي على ما سوف يحدث، العلاقة بين ثيابي وبينها تتطور أكثر من علاقتي بها.سحبت السروال الأزرق الغامق وكنزة بيضاء قطنية، قدمتهم للطبيبة التي كانت تقف في المنتصف، أما هي تحت أغطية الفراش كليًا، خرجت مسرعًا للخارج وأغلقت الباب خلفي، اتجهت لحافة المطبخ وجلست على المقعد العالي موجهًا نظري للممر حيث الغرفة. الآن فهمت سبب نظرات الطبيب في الصيدلية، ابتسمت بسخرية لغبائي بينما أغلق عيني وأضغط صدغي بأصابعي."ليست العطلة التي رغبت بها ها؟"فتحت عيني أنظر للطبيب الجالس على الأريكة أمامي، ابتسمت ساخرًا من تعليقه، الآن فهمت سبب كونه فضل أن تأتي زوجته فهي سوف تتعامل أفضل منه في تلك الأمور. "لا."همهمت بنفي غير مفهوم، مطي جسده على الأريكة واسترخي قليلًا، ابتسم بينما يعلق:"فقط لا تثيرها أو تغضبها، وافق على كل شيء تقوله بلا اعترض وسوف يمر الأمر جيدًا."همهمت موافقًا بسخرية، أليس هذ
سامفي لحظات السعادة والراحة تشعر أن كل شيء بخير تمامًا، لن يحدث أي شيء يعكر صفو السعادة.تلك واحدة من الحقائق التي لا تقبل المجادلة، ولحظات السعادة أكثر الأشياء فانية، في لحظة كنت سعيد بما حدث بيني وبين سارة رغم تشتتها الذي أقدمها على هذا، لكنها تجاوبت معي بكل حواسها، ولم أحاول أن أفكر في السبب أو النتيجة لكل ذلك، لكن فجأة العشاء العائلي اللذيذ أصبح من جهة والدي تقييم ومن جهة والدتي أسئلة بلا توقف. والدتي مهتمة بأخبار المجتمع ورغبت في معرفة المزيد عنها، بفضول ظلت تحفر بعمق في حياة سارة الشخصية والتي أنا نفسي لم أعرف عنها تقريبًا شيء ذات أهمية، وانتهى العشاء بردها القاطع لكل سؤال قادم لن تستطيع أن تراوغ إجابته، قالت جملة مختصرة كافية ليصمت كل من على الطاولة، أنها لا تستطيع المراوغة، وليست من هواة الكذب فماذا أستطيع أن أقول لها وأمي هي التي فتحت أشياء ما يجب عليها أن تخوض فيها، أنا لا أنكر كوني أكثر من راغب في معرفة كل شيء عنها لكن ليس وسط كل هذا الحشد من الناس، كنت أخوض تلك العلاقة، إن كان يصح تسميتها بذلك، ببطء وحذر، كان على أن لا أثير حفيظتها الدافعية التي تسبق أي شيء فيها، كان
سارة كانت همهمات الموافقة على حديثي واضحة حول الطاولة، لكن صوت السيد كوران كان الأطغى والأعلى: "عظيم! عظيم جدًا! لدي رغبة شديدة في الجلوس والتحدث معكِ حول هذا المشروع بتفصيل أكبر." تدخل سام فورًا بصوت حاسم يذود عني: "ليس اليوم يا أبي، لقد كنا على الطريق لمدة عشر ساعات كاملة وسارة منهكة تمامًا." رد والده: "ولكنني سأعود اليوم ليلاً إلى لندن." علقتُ بنبرة هادئة على كليُهما: "سأكون متواجدة دائمًا لمناقشة العمل." فتدخلت والدته سوزان، محاولةً بأدب أرستقراطيّ حثي على المكوث في قصرهم طوال العطلة، وحظيت بابتسامة موافقة من زوجها، بينما كانت ابنتها تيا تشجع الأمر باندفاع محرج. حاول سام التملص بذكاء؛ فهو يعرف تمامًا أنني سأضطر للمكوث في فندق هنا اليوم على الأقل، وما كنتُ قادرة ذهنياً ولا جسدياً على العودة فورًا إلى لندن. وحين أعلنتُ رغبتي الواضحة والقاطعة في الجلوس في فندق قريب، لم يحاولوا ثنيي بإصرار مجددًا، ومضت بقية العشاء في أحاديث جانبية متعددة بينهم، أما أنا فكنتُ أتنفس الصعداء بصعوبة كمن نجا من مقصلة استجواب عائليّ محكم. بعد العشاء، كنا نجلس جميعًا في الحديقة الخارجية، حول طا
سارة تقدمتُ وجلستُ على الطاولة، وقبل أن تجلس تيا بجانبي لتستأنف حصارها، احتل شقيقها سام المقعد المجاور لي فورًا. لم أستطع إخفاء زفرة الارتياح التي خرجت من صدري بصوت مسموع. لكن تيا جلست قبالتي تمامًا، وظلت تثرثر بنرجسية لا تنتهي عن الثياب والقصات الملائمة لجسدي. بدا وكأن كل من على الطاولة يعتاد تركها لدائرتها المغلقة وتجاهل شطحاتها، وكم شعرتُ بالكره والاشمئزاز تجاه ذلك التصرف! لقد جربتُ هذا الإحساس مرارًا وهو سخيف للغاية؛ ألا تهتموا بأحد، هذا شأنكم، لكن لا تتظاهروا بالاهتمام بصمت مزيف! التفتُّ نحو تيا، وابتسمتُ بهدوء مشحون بالتلميح والذكاء الحاد، معلقة قبالة الجميع: "تعرفين يا تيا.. أظنني كنتُ سأحب جدًا أن أجرب تلك المجموعة من تصميماتكِ، وربما ترتدينني إياها وتأخذين لي الصور.. ولكنكِ تتذكرين حتمًا المكالمة الهاتفية التي جرت بيننا منذ فترة قريبة، أليس كذلك؟ حين طلبتِ مني ذلك تحديدًا، ورجوتِني أن أرتدي فساتينكِ وأتصور بها للتسويق لمجموعتكِ، ولكنني رفضتُ طلبكِ بشكل حاد وقاطع، وحذرتُكِ من استغلال اسمي في تلك الظروف!" تجمّدت ملامح تيا على الطاولة، وسقطت ابتسامتها النرجسية ف
سارة استدار تحت أنظاري ناحية البيت، فركضتُ محاولةً اللحاق بخطواته الواسعة السريعة. غمغمتُ باللعنات في سري لأنه كان سيتسبب حتمًا في كسر ساقي بسباقات سرعته المجنونة. حين وصلنا أخيرًا أمام الباب الرئيسيّ، تجاهل وجودي تمامًا خلفه كعادته الجافة. ثوانٍ معدودة حتى فتحت الباب خادمة جميلة ترتدي ثوب عمل كحليًّا أنيقًا. عبر سام مسرعًا وتركني خلفه أعالج دهشتي، فعبستُ وغمغمتُ بمزيد من اللعنات المحشوة بغضب مكتوم. إنه يبدو كمريض نفسي مستعصي العلاج؛ كيف يتركني عند مدخل بيتهم دون دعوة أو كلمة ترحيب؟ أشارت لي الخادمة بابتسامة لطيفة للداخل، فعلقتُ بتهكم وأنا أعبر العتبة: "لم يفعلها مالك المنزل الأحمق ذاك." نظرت لي الخادمة بطرف عينها باندهاش خاطف، وهرب بؤبؤ عينها سريعًا نحو اتجاه معين في البهو. نظرتُ لنفس المكان بسرعة لأستكشف ما أفزعها، فوجدتُ رجلًا أشيبَ لم أره من قبل قط. لكن من عساه أن يكون ذلك الرجل الذي يقارب الستين من عمره، ويجلس على مقعد وثير منتظرًا أن تنتهي امرأة راقية من تقبيل وجنتي ابنها الأحمق الذي تركني عند الباب.. سوى والده؟ نظرتُ بسرعة إلى الخادمة بابتسامة عصبية محاولةً ترقيع
سارة لقبعة فوق رأسي لكنه أوقفني وجذبه مني: "لا، أتركِ شعرك هكذا، هذا الشعر الجميل لا يجب أن يحرم من الشمس." الحرارة صعدت لوجنتي الوردية، الآن كانت حمراء وما كنت أستطيع الإجابة، ابتسم ورفع القبعة الرياضية فوق رأسه، سار أمامي قليلًا، كان اللون الأحمر على رأسه جذاب ويجعله أصغر مما هو علىه، مستمتع بتوردي وصمتي. فتح باب السيارة الخلفي لكنني تجاهلته و صعدت نحو الأمام، قهقه و هو يغلق الباب خلفي ويلتف ليدلف إليها، جلس وأشعل الموتور لكنه لم يتوقف عن الضحك فزمجرت مقتضبة: "توقف عن الضحك الآن، ولا تنظر إلى إلا حينما نصل." قهقهته لم تتوقف، قضم شفتاه وعيناه تشملني: “رسميًا أنا واقع في غرام توردكِ وارتباككِ." ارتفع حاجبي صارخ والخجل يتآكلني: "سام." هز حاجبيه بإغاظة واختر أغنية هادئة لم أعرفها، مبتسم وسعيد ومنتشي، تحرك بالسيارة يديدن اللحن، بينما أنا متوردة مشوشة ولا أعرف بالضبط ما الذي أفعله بنفسي بحق السماء؟ لكنني كنتُ سعيدة للحظة هناك، قدمي لا تلامس الأرض، عقلي خاوي وروحي خفيفة، لم أكن أعرف السعادة لكن هذا لا يمكن ألا أن يكون سعادة. لكن مجددًا؛ ما الذي أفعله بنفسي وإلى أين سوف يأخذني
ميلا فيليتتمثلت رغباتي كلها في النجاح، لم أكن أريد أي شيء في هذه الحياة إلا أن أكون الأفضل، الأقوى، والأكثر نجاحًا. كانت الفكرة تلازمني كظلي، تنمو في عقلي كالنبتة الشيطانية التي لا ترويها إلا أضواء الإنجازات البراقة. ما كنت أحلم به منذُ أن كنتُ فتاة صغيرة في المدرسة العليا، أراقب المجلات العالمية
سارة لم يهتم أحد بما أريد ولم يسألني شخصٌ عن رغبتي في شيء قبلًا، لم أذهب إلى السينما مع أحد قبلًا، لا أحبذ قول هذه المعلومة كثيرًا، لا أرغب بظهوري كمجرد بائسة مثلًا وإن كنت لا أشعر بالبؤس من فعل الأشياء بمفردي فعلًا، لا تستطيع أن تستمتع مع أشخاص لا يربطك بهم خيط تفاهم واحد. الحقيقة أنني اعتدتُ ال
سارة تشاغل "سام"بالقيادة فشوارع لندن مساء الجمعة مزدحمة جدًا، خطط نهاية الأسبوع هنا وهناك، كان يقود بسرعة كافية ليتخطى الزحام، ساعدته السيارة المختلفة عن السيارة السابقة التي أوصلني بها في منتصف الأسبوع، أصغر حجمًا و أكثر جموحًا وشبابية أكثر، تناسب من تخطى الستون عامًا وتقاعد عن شركة رأسها مالها
سارة لا تصدق رجل يتكلم عن نفسه، لأن ما أن يبدأ الرجل في الحديث عن نفسه، مدحها وتفخيمها وسرد أساطيره الأسطورية يعني أنه كاذب. "سام"لم يتكلم عن نفسه أمامي، لم يعد لي مميزاته ولم يخيفني من عيوبه في بادرة باتت رومانسية مظلمة شهيرة، لكنني لازلت في حيرة تصديقه أو لا في رغبته لمساعدتي دون توقع مني شي







