LOGINكانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطء قاتل رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالاً وسط عتمة موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه
وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول تهدئتها: — "خير اللهم اجعله خير يا أم حمزة؟" كانت أنفاسها متقطعة وكأنها كانت تركض هربًا من شيء مرعب: — "كا.. كابوس يا جمال.. كابوس وحش أوي، شفت ابني في خطر!" ربت جمال على يدها بحنان: — "استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ، ده مجرد حلم." لكن قلب الأم لم يعرف يومًا معنى "مجرد حلم". أمسكت بيده بتوسل وعيناها تلمعان بخوف موجوع: — " أنا عايزة أكلم ابني دلوقتي، لازم أسمع صوته!" تنهد جمال محاولًا التماسك رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبه هو الآخر: — "نكلمه إزاي دلوقتي بس؟ ابنك في مهمة.. إنتي عارفة إن تليفونه مقفول ومش هينفع." وضعت يدها فوق صدرها وهي تأن بوجع: — "قلبي مش مرتاح ومقبوض، النار اللي في قلبي دي مش نار حلم، دي نغزة بتقولي إن ابني فيه حاجة!" سحبها برفق لتعتدل في جلستها، وقال بصوت هادئ: — "وحدي الله يا أم حمزة، وصلي على النبي. انتي شكلك نمتي قبل ما تصلي الفجر، قومي كده اتوضي وصلي ركعتين لله.. ادعيله يرجع بالسلامة، واستودعيه عند اللي عينه مش بتنام، ." تنفست بعمق وهي تحاول جمع شتات نفسها، : — "عليه الصلاة والسلام.. عندك حق، حاضر هقوم أقف بين إيدين ربنا، هو الوحيد اللي هيحفظهولي." "ساحة المعركة" انشق سكون الليل فجأة بدوي رصاص متواصل، حتى بدا المكان وكأنه تحول إلى جحيم مفتوح. اختلطت الصرخات بأصوات الطلقات، وتصاعدت رائحة البارود والدماء في الهواء، بينما تحولت الرمال إلى ساحة حرب لا تعرف الرحمة. وسط هذا الجنون، انطلقت رصاصة من سلاح حمزة واستقرت في كتف سلطان. ترنح الأخير للخلف متأوهًا، لكنه سرعان ما ضغط على جرحه بقوة وتحامل على ألمه، ثم أعاد تلقيم سلاحه بعينين مشتعلة بالغضب. وما إن ظن حمزة أن المواجهة بدأت تميل لصالحه، حتى ظهر "أبو سليمان" ورجاله من قلب الظلام، لتتبدل الموازين فجأة وتثبت الحياة قاعدتها الأزلية: "الكثرة تغلب الشجاعة." اخترق صوت رامي المرتجف اللاسلكي: — "يا باشا.. وقعوا مننا محمد وعبد البديع!" أغمض حمزة عينيه للحظة بألم، شعر وكأن الرصاص استقر في صدره هو. قبض على اللاسلكي وهتف بغضب ممزوج بالقهر: — "محمد وعبد البديع استشهدوا! معاهم آر بي جي.. وعددهم كبير، أنا محتاج دعم فوراً!" جاءه صوت رامي يائسًا: — "باشا.. السلاح فضي!" رد حمزة بحزم قاتل: — "أمن ضهري يا رامي.." خرج من مخبئه وسلاحه الأخير بين يديه، مستعدًا لمواجهة الموت. وفي اللحظة التي كادت فيها رصاصة تخترق رأسه، سبقتها طلقة رامي لتردي المهاجم أرضًا، فاندفع الاثنان خلف ساتر صخري. ساد صمت ثقيل لبضع ثوانٍ، قبل أن يقطعه صوت سلطان الساخر: — "حمزة باشا الأسيوطي! مش كنت تقول يا راجل إنك مستنيني؟ كنت لبستلك حته من علي الحبل!" اشتعلت عينا حمزة وهو يرد بحدة: — "الحبل ده أنا اللي هلفه حوالين رقبتك.. اطلع وريني وشك لو راجل، بدل ما أنت مستخبي زي الفيران!" تعالت ضحكة سلطان المستفزة: — "مكسل والله يا باشا.. وكمان واخد رصاصة في كتفي مخلية خلقي ضيق.. تعالى أنت." هتف حمزة بغضب: — "نهايتك قربت.. افتكر كلامي كويس." رد سلطان وهو يعيد تجهيز سلاحه بعنف: — "نهاية إيــه يا باشا؟ دي لسه البداية!" وفي غفلة، اخترقت رصاصة ساق حمزة، فترنح متألمًا بينما أمطر سلطان المكان بوابل كثيف من الرصاص. تدخل أبو سليمان بسرعة وهو يجذب سلطان للخلف: — "بكفي هيك! الدعم على وصول.. لازم نتحرك فوراً!" وخلال انسحابهم، لمح رامي سلطان فأطلق نحوه رصاصة كادت تصيبه، لكن سلطان استدار بجنون وضغط الزناد دون تردد. استقرت الرصاصة في رأس رامي مباشرة. تجمد الزمن للحظة. ثم انفجر صوت حمزة بصرخة هزت الصحراء: — "راميييي!" ركض إليه رغم إصابته، يجر قدمه المصابة فوق الرمال الملطخة بالدماء. ارتمى فوق جسده وهزه بعنف: — "رامي! رامي افتح عينك .. رااامي رد عليا!" راح يحركه بجنون وكأنه قادر على إعادة روحه الهاربة: — "قوم.. قوم عشان فرحك.. وخطيبتك اللي مستنية رجوعك؟!" لكن الصمت وحده كان يجيب. شعر ببرودة جسد رامي تتسلل إلى يديه، فعرف الحقيقة أخيرًا. رفع رأسه نحو السماء، وانفجر غضبه في صرخة وحشية مزقت الليل: — "يا ولاد الكلب يا ولاد الكااااااالب!" على الجانب الآخر من العالم، كانت درة تعيش شيئًا يشبه الحلم. استنشقت هواءً نقيًا لم تلوثه رائحة الخمر أو دخان السجائر، وسارت في الشوارع بنظرات جائعة للحياة. كانت تتأمل كل شيء حولها بدهشة طفلة خرجت لتوها إلى الدنيا؛ الباعة، المحلات، أصوات السيارات، ضحكات الناس، وحتى القطط التي تمر بجوارها. تارة تركض بخفة، وتارة تتوقف لتغمض عينيها وتتنفس بعمق وكأنها تخزن الحرية داخل صدرها. أخيرًا خرجت من جحيم الكباريه… أو هكذا ظنت. "صحراء سيناء" جلس سلطان داخل الخيمة البدوية ينفث دخان سيجارته ببطء، وكأن الدماء التي أريقت منذ قليل لا تعنيه بشيء. قال أبو سليمان بقلق واضح: — "اللي صار مش راح يمرق يا سلطان، الظابط مش راح يتركنا في حالنا!" رد سلطان ببرود: — "مشافش وشي.. وخلينا في المهم يا أبو سليمان، سلمني البضاعة عشان أتكل." — "الطريق خطر الآن، والدوريات في كل مكان.. خليك لحد ما الدنيا تهدي." نهض سلطان بضيق: — "مينفعش أطول هنا أكتر من كدة، لازم أرجع." أوقفه أبو سليمان بحزم: — "اسمع الحكي يا طبال، هادا لمصلحتك.. خليك يومين، يكون جرحك طاب." زفر سلطان بغضب، ثم قال فجأة: — "مش عايز أكل.. هو في نسوان هنا؟" تسمر أبو سليمان مكانه بذهول: — "إيش؟!" رد سلطان بملل: — "واحدة تفكلي عضم رقبتي اللي شادة دي." ظل أبو سليمان يحدق فيه بصدمة: — "سلطان.. أنت متصاوب!" هز سلطان كتفه بلا مبالاة: — "وأنا مالي هو انا اللي هعمل ده هي ؟" تركه الرجل ورحل وهو يتمتم بكلمات مستنكرة، بينما تمدد سلطان في مكانه وأغمض عينيه هامسًا: — "يا ترى بتعملي إيه دلوقتي يا درة؟.. وحشتيني يا بت." وفي نفس اللحظة، كانت درة عيش عالمًا آخر تمامًا. كانت تمشي بالشوارع كأنها وُلدت من جديد، حتى جذب سمعها صوت الأذان. توقفت تلقائيًا، وانسابت القشعريرة في جسدها وهي تقترب من المسجد بخطوات مترددة. وضعت قدمها فوق أول درجة، لكنها فجأة تراجعت برعب. شعرت أنها لا تنتمي لهذا المكان الطاهر، وأنها ملوثة أكثر من أن تدخل بيتًا من بيوت الله. استدارت بسرعة، لكن صوت المؤذن ارتفع خلفها: "حي على الصلاة.. الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله" ارتجف قلبها دون أن تفهم السبب. تحسست النقود القليلة التي بقيت معها، ثم لمست سلسلتها الذهبية على هيئة غزالة. ابتسمت بحزن وهي تتذكر سلطان يوم أهداها إياها في عيد ميلادها الثاني عشر، حين كان يراها "غزالته الشريدة". تنهدت بألم، ثم دخلت محل المجوهرات ومدت السلسلة للصائغ: — "لو سمحت.. كنت عايزة أبيع دي." لكن الرجل طلب الفاتورة، وحين أخبرته أنها لا تملكها، رفض شراءها ببرود. خرجت بخيبة أمل، قبل أن تستوقفها فتاة محجبة بابتسامة هادئة: — "أنا ممكن أشتريها منك." التفتت إليها درة بدهشة، بينما سألتها الفتاة بلطف: — "مش السلسلة دي بتاعتك فعلًا؟" أجابت درة بسرعة ولهفة: — "أيوة والله العظيم بتاعتي.. أخويا جابهالي وأنا صغيرة." ابتسمت الفتاة مطمئنة: — "خلاص مصدقاكي.. الحقيقة شكل الغزالة جميل أوي." شعرت درة براحة غريبة وهي تسلمها السلسلة وتأخذ المال. ثم سألتها الفتاة بابتسامة رقيقة: — "أنتي اسمك إيه؟" — "اسمي دُرة." اتسعت ابتسامة الفتاة وهي تمد يدها لتصافحها: — "اسمك حلو أوي يا درة.. ولايق عليكي جدًا." ثم قالت بهدوء — "وأنا اسمي شيرين.""هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان.""بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا.""حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي مش عايزاك تبقى عريس الجنة.ا."صوت حمزة بحدة: "أمن ضهري يا رامي!""يلا يا سُلــــطان.. مفيش وقت!""سلـطان" !!فتح حمزة عينيه بفزع، أنفاسه متلاحقة واللون الأبيض يحيط به من كل جانب. نظر إلى قدمه الملفوفة بضمادات طبية كثيفة، فداهمه ألم الرصاصة التي اخترقت جسده.من خلف الباب، تسرّبت أصوات مألوفة.. كان والده ووالدته يتحدثان مع الطبيب بنبرة قلقة.الطبيب: "الحمد لله يا دكتور جمال، الرصاصة خرجت . المهم دلوقتي الراحة التامة، ممنوع يضغط على رجله نهائي عشان نتجنب أي مضاعفات."والد حمزة: "الحمد لله.. كتر خيرك يا دكتور، تعبناك معانا."رحل الطبيب، فغلب البكاء والدة حمزة. طبطب جمال على كتفها بحنان: "اهدي يا أم حمزة، الدكتور طمننا، عدت و الحمد لله."دخلوا الغرفة، ليروا حمزة مستيقظاً لكن بملامح تائهة.ال
كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطء قاتل رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالاً وسط عتمة موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول تهدئتها: — "خير اللهم اجعله خير يا أم حمزة؟" كانت أنفاسها متقطعة وكأنها كانت تركض هربًا من شيء مرعب: — "كا.. كابوس يا جمال.. كابوس وحش أوي، شفت ابني في خطر!" ربت جمال على يدها بحنان: — "استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ، ده مجرد حلم." لكن قلب الأم لم يعرف يومًا معنى "مجرد حلم". أمسكت بيده بتوسل وعيناها تلمعان بخوف موجوع: — " أنا عايزة أكلم ابني دلوقتي، لازم أسمع صوته!" تنهد جمال محاولًا التماسك رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبه هو الآخر: — "نكلمه إزاي دلوقتي بس؟ ابنك في مهمة.. إنتي عارفة إن تليفونه مقفول ومش هينفع."
جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخالها المدرسة، ومنحها حنان الأب الذي حُرمت منه. رد بحنان : — "يا اهلا يا اهلا الصالة نورت بالفنانة!" تنهدت بضيق: — "والنبي يا عم حكيم بلاش فنانة دي الله يخليك .." رفع حاجبه مداعبًا : — "هنكدب يعني ولا ايه ؟ أنتي موهوبة وبتحبي الرقص، ولولا حبك ليه مكنتيش بقيتي شاطرة كدة.. بس عنادك مع سلطان هو اللي كرهك في كل حاجة." انقبض وجهها وقالت : — "سلطان كرهني في الدنيا كلها.. صحيح عرفت إنه سافر ومش راجع غير بعد بكرة." سألها بحذر: — "ناوية على إيه؟" اقتربت منه أكثر وهمست: — " عايزه اطلب منك طلب صغير .. عايزاك تخرجني من هنا." اتسعت عيناه بصدمة: — "أنتي اتجننتي؟! تروحي فين؟ من التيران اللي علي الباب وبعدين سلطان؟ ده ممكن يقلب المكان فوق دماغنا !" امتلأت عيناها بالدموع: — "ت
دلف سلطان إلى مكتب "ضاحي" دون استئذان، وعن أي استئذانٍ نتحدث في عالمٍ استباح كل شيء؟ وجد والده خلف المكتب مع "فتاة" في وضعٍ لا يترك مجالًا للشك. انتفضت الفتاة من فوق ساقي ضاحي تعدل فستانها القصير بارتباك: — "لا مؤاخذة يا سي سلطان." ابتسم سلطان بسخرية مقرفة: — "لا لا مؤاخذتك معاكي يا نوسة." ثم مال هامسًا قرب أذنها: — "ها.. الموتور لسه شغال ولا اتحرق؟" ضحكت بتهكم : — "ده اتحرق خالص وأنا كنت بانعشه ." وقبل أن ينفجر ضاحي فيهما، هربت للخارج وهي تكتم ضحكتها. صاح ضاحي بغضب: — "بتتوشوشوا في إيه؟ غوري يا بت!" ظل سلطان واقفًا ببرود يرمق والده باحتقار، ثم قال: — "إنت لسه فيك حيل تعُط؟" رد ضاحي وهو يعدل قميصه: — "وإنت مالك يا روح أمك؟ احترم نفسك ياض ." ضحك سلطان بوقاحة: — "يا راجل ارحم نفسك ده إنت قطعت مية ونور من زمان." استشاط ضاحي: — "إنت عيل وسخ.. تربية شوارع." هز سلطان كتفيه : — "بفضلك ... اصلاحية و شوارع وكباريهات ميكس جميل " رد ضاحي بامتعاض: — "الحق عليا إني لميتك ." ابتسم سلطان بسخرية: — "كتر خيرك.. أهو بقيت ظابط قد الدنيا." لوى ضاحي
في الصالة، كان "عشري" يجلس فوق البار يراقب الزبائن بعينيه المعتادتين على الفوضى. لم يكن صاحب حكاية مأساوية؛ مجرد شاب بسيط سحبته الحياة إلى عالم الكباريه مبكرًا، حتى صار رئيس الفرقة وضابط إيقاعها. وبرغم ضجيج المكان، كان الوحيد القادر على فهم ما يدور داخل سلطان، خاصةً حين يتعلق الأمر بـ "درة". دق عشري على البار ضاحكًا: — "الله ينور يا عم حكيم يا عسل !" ابتسم حكيم لذلك الشاب الذي تربى أمامه وقال: — "إيه يا عشري ؟ خلصت نمرتك علي المسرح وجاي تعملي نمرة هنا وتصدعني ؟" ضحك عشري: — "صداع إيه بس يا عمنا ؟ ده إحنا عايشين جوه الصداع نفسه ." تنهد حكيم وهو يلمع كوبًا زجاجيًا: — " علي رأيك اللي زينا اتعود يدفن اللي جواه وسط الدق والطبل بنداري علي الدوشة اللي جوانا بالدوشة اللي حاولينا ." هز عشري رأسه بإعجاب ومزح : — "تصدق إنك طلعت حكيم فعلًا يا عم حكيم." رمقه الرجل بنظرة ساخرة: —انت "بتتريق يا واد انت ؟ قهقه عشري ثم قال: — "مقدرش يا عمنا ده انت عمدت المكان كله ومافيش زيك يلا بقى، هروح أجهز لنمرة شادية." تبدلت ملامح حكيم تمامًا فور ذكر اسم زوجتة . في غرفة درة الصغير
تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي، يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته".أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد.وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبه







