LOGINكانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطءٍ قاتل. رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالًا وسط عتمةٍ موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه، بينما يمد يده إليها مستغيثًا بعينين امتلأتا خوفًا وألمًا.
حاولت الركض نحوه، لكن قدميها كانتا ثقيلتين كأن سلاسل من حديد قيدتهما. صرخت باسمه بكل ما أوتيت من قوة، إلا أن صوتها اختنق داخل صدرها ولم يخرج. كانت تراه يبتعد عنها شيئًا فشيئًا، يبتلعه الضباب الأسود كما تبتلع الأمواج جثة غريقٍ وحيد. وفجأة دوّى صوت طلقةٍ أخرى شقّ سكون الكابوس، فارتجف جسده وسقط على ركبتيه. اتسعت عيناها رعبًا وهي ترى بقعة الدم تكبر فوق ثيابه كزهرةٍ قرمزية تتفتح ببطءٍ على جسده الصغير. مدت يديها إليه في يأس، تبكي وتتوسل أن يبقى، لكنه كان يتلاشى أمامها كسرابٍ وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول تهدئتها: — "خير اللهم اجعله خير يا أم حمزة؟" كانت أنفاسها متقطعة وكأنها كانت تركض هربًا من شيء مرعب: — "كا.. كابوس يا جمال.. كابوس وحش أوي، شفت ابني في خطر!" ربت جمال على يدها بحنان: — "استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ، ده مجرد حلم." لكن قلب الأم لم يعرف يومًا معنى "مجرد حلم". أمسكت بيده بتوسل وعيناها تلمعان بخوف موجوع: — " أنا عايزة أكلم ابني دلوقتي، لازم أسمع صوته!" تنهد جمال محاولًا التماسك رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبه هو الآخر: — "نكلمه إزاي دلوقتي بس؟ ابنك في مهمة.. إنتي عارفة إن تليفونه مقفول ومش هينفع." وضعت يدها فوق صدرها وهي تأن بوجع: — "قلبي مش مرتاح ومقبوض، النار اللي في قلبي دي مش نار حلم، دي نغزة بتقولي إن ابني فيه حاجة!" سحبها برفق لتعتدل في جلستها، وقال بصوت هادئ: — "وحدي الله يا أم حمزة، وصلي على النبي. انتي شكلك نمتي قبل ما تصلي الفجر، قومي كده اتوضي وصلي ركعتين لله.. ادعيله يرجع بالسلامة، واستودعيه عند اللي عينه مش بتنام، ." تنفست بعمق وهي تحاول جمع شتات نفسها، : — "عليه الصلاة والسلام.. عندك حق، حاضر هقوم أقف بين إيدين ربنا، هو الوحيد اللي هيحفظهولي." "ساحة المعركة" انشق سكون الليل فجأة بدوي رصاص متواصل، حتى بدا المكان وكأنه تحول إلى جحيم مفتوح. اختلطت الصرخات بأصوات الطلقات، وتصاعدت رائحة البارود والدماء في الهواء، بينما تحولت الرمال إلى ساحة حرب لا تعرف الرحمة. وسط هذا الجنون، انطلقت رصاصة من سلاح حمزة واستقرت في كتف سلطان. ترنح الأخير للخلف متأوهًا، لكنه سرعان ما ضغط على جرحه بقوة وتحامل على ألمه، ثم أعاد تلقيم سلاحه بعينين مشتعلة بالغضب. وما إن ظن حمزة أن المواجهة بدأت تميل لصالحه، حتى ظهر "أبو سليمان" ورجاله من قلب الظلام، لتتبدل الموازين فجأة وتثبت الحياة قاعدتها الأزلية: "الكثرة تغلب الشجاعة." اخترق صوت رامي المرتجف اللاسلكي: — "يا باشا.. وقعوا مننا محمد وعبد البديع!" أغمض حمزة عينيه للحظة بألم، شعر وكأن الرصاص استقر في صدره هو. قبض على اللاسلكي وهتف بغضب ممزوج بالقهر: — "محمد وعبد البديع استشهدوا! معاهم آر بي جي.. وعددهم كبير، أنا محتاج دعم فوراً!" جاءه صوت رامي يائسًا: — "باشا.. السلاح فضي!" رد حمزة بحزم قاتل: — "أمن ضهري يا رامي.." خرج من مخبئه وسلاحه الأخير بين يديه، مستعدًا لمواجهة الموت. وفي اللحظة التي كادت فيها رصاصة تخترق رأسه، سبقتها طلقة رامي لتردي المهاجم أرضًا، فاندفع الاثنان خلف ساتر صخري. ساد صمت ثقيل لبضع ثوانٍ، قبل أن يقطعه صوت سلطان الساخر: — "حمزة باشا الأسيوطي! مش كنت تقول يا راجل إنك مستنيني؟ كنت لبستلك حته من علي الحبل!" اشتعلت عينا حمزة وهو يرد بحدة: — "الحبل ده أنا اللي هلفه حوالين رقبتك.. اطلع وريني وشك لو راجل، بدل ما أنت مستخبي زي الفيران!" تعالت ضحكة سلطان المستفزة: — "مكسل والله يا باشا.. وكمان واخد رصاصة في كتفي مخلية خلقي ضيق.. تعالى أنت." هتف حمزة بغضب: — "نهايتك قربت.. افتكر كلامي كويس." رد سلطان وهو يعيد تجهيز سلاحه بعنف: — "نهاية إيــه يا باشا؟ دي لسه البداية!" وفي غفلة، اخترقت رصاصة ساق حمزة، فترنح متألمًا بينما أمطر سلطان المكان بوابل كثيف من الرصاص. تدخل أبو سليمان بسرعة وهو يجذب سلطان للخلف: — "بكفي هيك! الدعم على وصول.. لازم نتحرك فوراً!" وخلال انسحابهم، لمح رامي سلطان فأطلق نحوه رصاصة كادت تصيبه، لكن سلطان استدار بجنون وضغط الزناد دون تردد. استقرت الرصاصة في رأس رامي مباشرة. تجمد الزمن للحظة. ثم انفجر صوت حمزة بصرخة هزت الصحراء: — "راميييي!" ركض إليه رغم إصابته، يجر قدمه المصابة فوق الرمال الملطخة بالدماء. ارتمى فوق جسده وهزه بعنف: — "رامي! رامي افتح عينك .. رااامي رد عليا!" راح يحركه بجنون وكأنه قادر على إعادة روحه الهاربة: — "قوم.. قوم عشان فرحك.. وخطيبتك اللي مستنية رجوعك؟!" لكن الصمت وحده كان يجيب. شعر ببرودة جسد رامي تتسلل إلى يديه، فعرف الحقيقة أخيرًا. رفع رأسه نحو السماء، وانفجر غضبه في صرخة وحشية مزقت الليل: — "يا ولاد الكلب يا ولاد الكااااااالب!" على الجانب الآخر من العالم، كانت درة تعيش شيئًا يشبه الحلم. استنشقت هواءً نقيًا لم تلوثه رائحة الخمر أو دخان السجائر، وسارت في الشوارع بنظرات جائعة للحياة. كانت تتأمل كل شيء حولها بدهشة طفلة خرجت لتوها إلى الدنيا؛ الباعة، المحلات، أصوات السيارات، ضحكات الناس، وحتى القطط التي تمر بجوارها. تارة تركض بخفة، وتارة تتوقف لتغمض عينيها وتتنفس بعمق وكأنها تخزن الحرية داخل صدرها. أخيرًا خرجت من جحيم الكباريه… أو هكذا ظنت. "صحراء سيناء" جلس سلطان داخل الخيمة البدوية ينفث دخان سيجارته ببطء، وكأن الدماء التي أريقت منذ قليل لا تعنيه بشيء. قال أبو سليمان بقلق واضح: — "اللي صار مش راح يمرق يا سلطان، الظابط مش راح يتركنا في حالنا!" رد سلطان ببرود: — "مشافش وشي.. وخلينا في المهم يا أبو سليمان، سلمني البضاعة عشان أتكل." — "الطريق خطر الآن، والدوريات في كل مكان.. خليك لحد ما الدنيا تهدي." نهض سلطان بضيق: — "مينفعش أطول هنا أكتر من كدة، لازم أرجع." أوقفه أبو سليمان بحزم: — "اسمع الحكي يا طبال، هادا لمصلحتك.. خليك يومين، يكون جرحك طاب." زفر سلطان بغضب، ثم قال فجأة: — "مش عايز أكل.. هو في نسوان هنا؟" تسمر أبو سليمان مكانه بذهول: — "إيش؟!" رد سلطان بملل: — "واحدة تفكلي عضم رقبتي اللي شادة دي." ظل أبو سليمان يحدق فيه بصدمة: — "سلطان.. أنت متصاوب!" هز سلطان كتفه بلا مبالاة: — "وأنا مالي هو انا اللي هعمل ده هي ؟" تركه الرجل ورحل وهو يتمتم بكلمات مستنكرة، بينما تمدد سلطان في مكانه وأغمض عينيه هامسًا: — "يا ترى بتعملي إيه دلوقتي يا درة؟.. وحشتيني يا بت." وفي نفس اللحظة، كانت درة عيش عالمًا آخر تمامًا. كانت تمشي بالشوارع كأنها وُلدت من جديد، حتى جذب سمعها صوت الأذان. توقفت تلقائيًا، وانسابت القشعريرة في جسدها وهي تقترب من المسجد بخطوات مترددة. وضعت قدمها فوق أول درجة، لكنها فجأة تراجعت برعب. شعرت أنها لا تنتمي لهذا المكان الطاهر، وأنها ملوثة أكثر من أن تدخل بيتًا من بيوت الله. استدارت بسرعة، لكن صوت المؤذن ارتفع خلفها: "حي على الصلاة.. الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله" ارتجف قلبها دون أن تفهم السبب. تحسست النقود القليلة التي بقيت معها، ثم لمست سلسلتها الذهبية على هيئة غزالة. ابتسمت بحزن وهي تتذكر سلطان يوم أهداها إياها في عيد ميلادها الثاني عشر، حين كان يراها "غزالته الشريدة". تنهدت بألم، ثم دخلت محل المجوهرات ومدت السلسلة للصائغ: — "لو سمحت.. كنت عايزة أبيع دي." لكن الرجل طلب الفاتورة، وحين أخبرته أنها لا تملكها، رفض شراءها ببرود. خرجت بخيبة أمل، قبل أن تستوقفها فتاة محجبة بابتسامة هادئة: — "أنا ممكن أشتريها منك." التفتت إليها درة بدهشة، بينما سألتها الفتاة بلطف: — "مش السلسلة دي بتاعتك فعلًا؟" أجابت درة بسرعة ولهفة: — "أيوة والله العظيم بتاعتي.. أخويا جابهالي وأنا صغيرة." ابتسمت الفتاة مطمئنة: — "خلاص مصدقاكي.. الحقيقة شكل الغزالة جميل أوي." شعرت درة براحة غريبة وهي تسلمها السلسلة وتأخذ المال. ثم سألتها الفتاة بابتسامة رقيقة: — "أنتي اسمك إيه؟" — "اسمي دُرة." اتسعت ابتسامة الفتاة وهي تمد يدها لتصافحها: — "اسمك حلو أوي يا درة.. ولايق عليكي جدًا." ثم قالت بهدوء — "وأنا اسمي شيرين."ساد الصمت الشامل أرجاء تلك القاعة الكبيرة.. صمتٌ كان في ثقله وأثره أقوى وأقسى من الرصاصة ذاتها التي اخترقت السكون قبل قليل.وقف حمزة في مكانه بثباتٍ صلب، يلمع العرق على جبينه تحت الضوء الخافت. لم يهرب، ولم يتقدم خطوة واحدة نحو الجثة الممددة على الأرض، ولم يحاول حتى أن ينطق بكلمة تبرير واحدة لفعلته أمام العيون الشاخصة نحوه. كان يعرف يقيناً، وبعقلية عسكرية باردة وحاسمة، أن ما حدث داخل هذه الصالة لن يُقرأ ولن يُكتب في التقارير إلا من زاوية واحدة رسمية فقط: خطرٌ داكن يهدد الأرواح، سلاحٌ موجهٌ نحو الصدور، ورصاصة واحدة مشروعة انطلقت لتوقف التهديد، وتحسم المعركة، وتطوي صفحة "سلطان" إلى الأبد.في تلك اللحظة بالذات، انفجر عويل "حورية".. لم يكن مجرد بكاء، بل كان إعصاراً مدمراً يضرب سكون المكان، صرخةً كونية تقطع نياط القلوب وتزلزل الجدران. ارتمت على الأرض، وجذبت جسد ابنها إلى أحضانها، بدأت تهز كتفيه بعنفٍ وحرقة شديدين، كأنها بتلك القوة تحاول انتزاعه من براثن الموت والعدم، وتبث في عروقه الباردة الحياة من جديد. كانت صرخاتها تمزق صمت المكان والقلوب، تختنق بالدموع والذهول:— "سلطان؟! رد عليا يا
— "غلطان يا حمزة باشا.. أنا اللي بدأتها ، وأنا برضه اللي هنهيها وبإيدي دلوقتي."وقبل أن تخرج الرصاصة الغادرة لتكتب نهاية أحدهما وتخترق الجسد، زلزلت المكان صرخة رهيبة شقت عنان السماء، خرجت من حنجرة حورية المذبوحة وهي تدخل الصالة وترى أمام عينيها مشهداً يفوق كل قدرة بشرية على الاحتمال: فلذتا كبدها، وابناها، أحدهما قابض على الزناد بشر، والآخر ملقى على الأرض ينتظر الموت!— "ســــــــــــــــــــلطان! أوعى يا ابني!"توقفت أنفاس سلطان تماماً، وتصلبت أصابعه فوق الزناد وتجمدت حركته.. هذا الصوت ليس غريباً على سمعه، إنه الصوت الدافئ الذي يسكن أعماق سراديب ذاكرته الطفولية، الصوت الذي كان يهمس له بالقصص والحكايات والقرآن قبل أن يغفو في طفولته البعيدة قبل الفراق.رفع نظراته ببطء شديد ليرى طيفاً يقف خلف القوات.. كانت حورية تقف بجسدٍ يرتعش بالكامل، والدموع تحفر مجاريها فوق وجنتيها التي غزتها تجاعيد الزمن والقهر. رغم مر السنين وتغير الملامح، ظل وجهها هو الملاذ الوحيد الذي لم ينسه سلطان قط.. وجه أمه.انفجرت حورية بنحيبٍ وعويل مزق سكون المكان الصاخب:— "أنا أمــك يا سلــطان.. أنا أمــك يا ابني ! أ
في تلك اللحظة الدقيقة، كانت "درة" تنهي رقصتها بحركة استعراضية مثيرة، ثم التفت لتنظر لسلطان نظرة ولاول مره يحصل منها عليها كانت نظرة مختلفه احيت قلبه الميت منذ سنوات ....!! وبينما كانت القاعة تضج بالتصفيق الحار والهتاف، اخترق صوت الرصاص الكثيف الأجواء من الخارج والداخل، تلاه صراخ هستيري حاد حوّل المكان في ثوانٍ معدودة من قاعة طرب إلى ساحة حرب من الهرج والمرج والدمار.انتفض سلطان ذعراً، ألقى طبلته جانباً بقوة وجذب "درة" من يدها بحماية وخوف حقيقي عليها، دفعها نحو الكواليس الداخل وهو يصرخ بحدة وصوت جهوري:— "درة .. انزلي تحت.. استخبي وإياكي تطلعي مهما حصل وسمعتي! فاهمة اوعي تطلعي ؟"في هذه الأثناء، ومن الجانب الآخر، كان ضاحي يركض برعب باتجاه مكتبه السري ليحتمي به ويجمع أمواله، تاركاً خلفه الفوضى والناس تلتهم المكان . وفجأة، تم اقتحام ابواب الغرفع عليه ليهتفوا : اثبت مكانك وارمي سلاحك ليجس ضاحي عليه ركبتيه في استسلام ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~تم اقتحام الأبواب الرئيسية بقوة وسقطت أرضاً. التفت سلطان سريعاً ليجد غريمه حمزة على رأس القوة الضاربة، فانفجر غضباً وتملكته ث
دق "أبو حسن" باب منزله وتنحنح بصوتٍ عالٍ جهوري لينبّه زوجته وأهل بيته بوجود غرباء ورجال برفقته:— "يا رب.. يا ساتر.. طريق يا أهل البيت عشان معايا ضيوف ."فتحت "أم حسن" الباب وهي تعدل حجابها بحذر وسرعة، وسألت بتعجب واستغراب من ملامح زوجها المستعجلة:— "ايه يا ابو حسن معاك حد يا أخويا؟ اهلا وسهلا مين دول؟"أجابها "أبو حسن" بجدية وهو يفسح الطريق ليدخل الضيوف:— "أيوه معايا ضيوف.. هتعرفي دلوقتي يا ام حسن .. بس اندهي الست أم سلطان بسرعة يا أم حسن وخليها تيجي .. اتفضل يا دكتور جمال، اتفضلي يا آنسة شيرين، خطوة عزيزة اتفضلوا ."دلفت "أم حسن" للداخل مسرعة، وبعد لحظات قليلة خرجت وهي توجّه وتصطحب "حورية" التي كانت تبدو عليها آثار التعب. ما إن وقع بصر حورية على "جمال" الواقف في منتصف الصالة ، حتى تجمدت الدماء في عروقها، وشحب وجهها تماماً. ثم سرعان ما تحولت صدمتها إلى ملامح تفيض بالكراهية، والألم، والوجع ، وقالت بصوتٍ مختنق حاد:— "إنت؟! انت إيه اللي جابك هنا وعرفت مكاني إزاي؟ عايز مني إيه تاني يا جمال..؟ مش كفاية اللي عملته فيا وفي ولادي مكفكش لسه في ايه فاضل تعملوا فيا انا وعيالي حرام عليك
كانت "شيرين" تقود سيارتها بحذر شديد وتوتر في شوارع ضيقة متعرجة، تملؤها الحفر وتكاد تخلو من الإضاءة في أطراف المدينة. التفتت لـ "جمال" الجالس بجوارها، مشيرة لزقاق جانبي مظلم ومتفرع:— "ها هو ده الشارع يا عمو؟ إحنا كدا ماشيين صح؟"أمسك "جمال" بالورقة القديمة بيدي مرتعشة قليلاً من كبر سنه وقلقه، وهو يتلفت حوله بحيرة تامة:— "مش عارف يا بنتي.. شكلنا دخلنا شارع غلط وتُهنا، المباني والبيوت شكلها اتغير خالص عن زمان، وحتى المداخل مش هي دي اللي فاكرها من سنين طويلة لا ... مظنش يا شيرين اننا كده ماشيين صح ؟."سألته "شيرين" وهي تحاول المناورة بعجلة القيادة وسط الزحام وضيق الشارع :— "طيب والعمل دلوقتي؟ نلف ونرجع ندور في شارع غيره من الشوارع الرئيسية ولا نعمل إيه؟"أجابها بتردد شديد وهو ينظر خلفه عبر النافذة:— "أنا حاسس إن الشارع اللي فات كان هو، اللي كان على اليمين.. غالباً دخلنا حارة قبله بشوية."قالت شيرين وهي تحاول السيطرة على حيرتها وإحباطها:— "مفيش قدامنا حل ولا وقت نضيعه غير إننا نقف وننزل نسأل في السوبر ماركت الصغير اللي هناك ده، أكيد أهل المنطقة أدرى ."أوقفت السيارة بهدوء أمام المحل،
داخل أروقة النيابة العامة، وفي تلك المكاتب ذات الجدران الصامتة التي شهدت خلف أبوابها المغلقة تفاصيل أدق الأسرار سُدلت الستار أخيراً على واحدة من أخطر وأعقد قضايا الفساد التي هزت الرأي العام. لم يكن الأمر مجرد قضية عابرة، بل كان معركة كسر عظام بين القانون وشبكة عنكبوتية تغلغلت في عمق المؤسسات. وأخيراً، دوت الكلمات الفصل في المحاضر الرسمية، وصدر القرار الذي زلزل الأرض تحت أقدام الطغاة: "ضبط وإحضار اللواء (شاكر) للتحقيق معه في تهم ترويج المواد المخدرة، والتربح من الوظيفة العامة، والخيانة العظمى للوطن".لم تكن ساعات التحقيق التي خضع لها (شاكر) هينة أو عابرة؛ فقد حاول بكل ما أوتي من نفوذ وخبرة قانونية الالتفاف والمناورة، والتمسك بقشور الإنكار. ولكن، أمام سيل الأدلة الدامغة، والتقارير الموثقة، والتسجيلات الصوتية التي حاصرته من كل جانب، تهاوت قلاعه الحصينة. وفي لحظة انكسار تامة، انهار (شاكر) ليعترف بكل تفاصيل شبكته، مرشداً عن كل من عاونه، وباع ضميره معه.وبناءً على هذه الاعترافات المزلزلة، سارعت النيابة العامة بإصدار حزمة من القرارات الحاسمة؛ كان على رأسها عودة النقيب (حمزة) لممارسة مهام
"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان.""بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا.""حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي م
جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخ
— "خلاص بقى يا سلطان.. كفاية كدا، نمرتي قربت هتف بخشونة وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفريغ غضبه: — "إيه يا روح أمك؟ مش أنتِ اللي كنتي هتموتي عليا وتتحايلي؟ متبقيش فصيلة بقى.. وبعد دقائق ابتعد عنها وأخرج علبة سجائره ليشعل واحدة، ينفث دخانها في سقف الغرفة، بينما وقفت هي أمام المرآة تعدل من هندام
يجلس علي البار "عشري"؛ رئيس الفرقة لم يكن صاحب ماضي بائس أو دراما معقدة، هو ابن الأحياء الشعبية البسيطه الذي لم تزد علّامه عن الشهادة الإعدادية، قبل أن يسحبه خاله إلى عالم "الصالة" ليتعلم أصول الصنعة. بدأ من الصفر، يمسح الغبار عن الطاولات والأرضيات بجدية صبيٍ يريد إثبات ذاته، حتى ورث "دف" خاله ومكان







