Share

الفصل الثاني

Author: نادين
last update publish date: 2026-05-17 03:35:02

في الصالة، كان "عشري" يجلس فوق البار يراقب الزبائن بعينيه المعتادتين على الفوضى. لم يكن صاحب حكاية مأساوية؛ مجرد شاب بسيط سحبته الحياة إلى عالم الكباريه مبكرًا، حتى صار رئيس الفرقة وضابط إيقاعها. وبرغم ضجيج المكان، كان الوحيد القادر على فهم ما يدور داخل سلطان، خاصةً حين يتعلق الأمر بـ "درة".

دق عشري على البار ضاحكًا:

— "الله ينور يا عم حكيم يا عسل !"

ابتسم حكيم لذلك الشاب الذي تربى أمامه وقال:

— "إيه يا عشري ؟ خلصت نمرتك علي المسرح وجاي تعملي نمرة هنا وتصدعني ؟"

ضحك عشري:

— "صداع إيه بس يا عمنا ؟ ده إحنا عايشين جوه الصداع نفسه ."

تنهد حكيم وهو يلمع كوبًا زجاجيًا:

— " علي رأيك اللي زينا اتعود يدفن اللي جواه وسط الدق والطبل بنداري علي الدوشة اللي جوانا بالدوشة اللي حاولينا ."

هز عشري رأسه بإعجاب ومزح :

— "تصدق إنك طلعت حكيم فعلًا يا عم حكيم."

رمقه الرجل بنظرة ساخرة:

—انت "بتتريق يا واد انت ؟

قهقه عشري ثم قال:

— "مقدرش يا عمنا ده انت عمدت المكان كله ومافيش زيك يلا بقى، هروح أجهز لنمرة شادية."

تبدلت ملامح حكيم تمامًا فور ذكر اسم زوجتة .

في غرفة درة الصغيرة، كانت بدلات الرقص المليئة بالترتر متناثرة في كل مكان. جلست أمام مرآتها تمسح الكحل عن عينيها بإرهاق، ثم وقفت خلف ساتر الملابس محاولة فك رباط فستانها بصعوبة.

في تلك اللحظة، فتح سلطان الباب ودخل بهدوء.

انتشرت رائحة عطرها داخل صدره، فرأى ظلها خلف الساتر، وسمعها تهتف بضيق:

— "زيزي.. يا زيزي تعالي فكي البتاع ده مش راضي يتفك ."

اقترب بخفة، وحين لامست أصابعه ظهرها انتفضت بعنف واستدارت شهقة قوية تفلت من بين شفتيها:

— " يلهوي أنت! بتعمل إيه هنا اخرج ؟"

همس قرب أذنها:

— "ايه بفكهولِك.. مالك مش كنتي عايزه تفكي ؟"

قالت بارتباك وغضب:

— "ابعد يا سلطان واطلع برا ."

لكنه لم يبتعد، بل شد طرف الفستان بين أصابعه وهمس بخبث:

— " يا بت مش أنا أحسن من زيزي؟"

دفعته محاولة الابتعاد:

— " اخرج برا يا سلطان .إيه اللي دخلك هنا؟"

تنهد وهو يحدق بها:

— "الشوق .. الشوق اللي جابني.. كل ما أبعد رجلي ترجعني ليكي انتي عاملة زي النداهه يا درة ."

صرخت بحدة:

— "وأنا مش عايزاك! ترجعلي عايزاك تسيبني في حالي وتحل عن سمايا ."

لمعت عيناه بقسوة:

— "ما أنا حالِك يا بت وانا اللي ليا فيكي ."

نجحت في الإفلات منه وتراجعت تضم القماش إلى جسدها:

— "لاااا أنت سجاني! أنت وأمي حبستوني هنا وسط القرف ده وحكمتوا عليا مخرجش منه "

اقترب أكثر حتى التصق ظهرها بالحائط:

— "وانتي بقا عايزه تخرجي لمين ؟ و تروحي فين؟ ده مكانِك، ومفيش غيره."

انفجرت بغضب دفين:

— " وانا بكره المكان ده وبكرهك أنت كمان! مش عايزة أفضل رقاصة طول عمري مش عايزه افضل في المخروبه دي زهقت ."

صاح بعصبية:

— "أمال عايزة إيه .. انطــقي يا بت ايه شيفالك شوفه صح ده بموتك ؟"

رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مرتعش:

— "بقولك عايزة أنضف.. تعرف النضافه يا سلطان جربت احساسها .. نفسي أعيش بكرامة، أتعلم وأشتغل بالحلال. نفسي عيني تشوف حاجة غير القمار والخمرة ومناخيري تشم غير الدخان وعرق النسوان اللي بيجروا طول النهار في الصاله و اسمع صوت غير صوت طبلتك اللي خرمت نافوخي ."

سكتت الكلمات، لكن صداها ظل يتردد في أركان الغرفة الضيقة. وقف سلطان أمامها صامتاً، لا لأنه اقتنع، بل لأنه لا يعرف. لم يستوعب حرفاً مما قالت؛ فمشاعر "النظافة" التي تتحدث عنها هي لغة غريبة عليه، شعورٌ نسيه منذ زمن بعيد.

لم يذق سلطان من النقاء في حياته سوى ذرات قليلة تلاشت حين أتم عامه السابع؛ بعدها، مُحي كل أثر للجمال من ذاكرته، ولم يتبقَّ فيها سوى قانون واحد تشربه حتى النخاع: قانون القذارة.

قطع هذا الطوفان من الكلمات دخول "زيزي" المساعدة، التي توقفت عند الباب بارتباك.

نظر سلطان نحو بطلتنا نظرة غامضة، ليرد "

انــسي انك تخرجي من هنا يا درة؟!

أما هي فكانت نظرتها له ثابتة لا تتغير؛ نظرة تقطر اشمئزازاً وبغضاً. انسحب من الغرفة وصدره يغلي كمرجل، ففي كل مرة يواجهها، لا تفوت هي الفرصة لتشعره بمدى "قذارته"، ولتؤكد له أنها ليست من ثوبه ولا تشبه عالمه.

كانت كلماتها تتردد في رأسه كصوت طبلة مزعجة: "عايزة أنضف".

عن أي نظافة تتحدث؟ حقاً هو لا يعرف. لقد غاص في الوحل حتى أذنيه لدرجة أنه لم يعد يرى الطين قذارة، بل صار هو جلده الذي يعيش فيه. رحل وهو يشعر بضياعٍ لا يفهمه، تائهٌ في وحلِ حياته، يطارد طيف امرأة تريد غسل أثر وجوده عن حياتها تماماً.

اندفع نحو غرفة "شادية" ودفع الباب بعنف. انتفضت شادية، بينما أشار للفتاة التي معها:

— "اخرجي."

غادرت الفتاة سريعًا، فتقدم سلطان من شادية بعينين مشتعلتين:

— "عايزك."

وفي عالم آخر بعيد عن صخب الكباريه، كانت الطمأنينة تغلف منزل الدكتور "جمال". دخلت زوجته تحمل فنجان القهوة وقالت برقة:

— "القهوة يا دكتور."

ابتسم لها "تسلم إيدك يا أم حمزة."

تنهدت بقلق — "حمزة واحشني أوي.. أول مرة يغيب كده دي شيرين خطيبته هتتجنن عليه ."

قال جمال بهدوء:

— "شغله صعب يا أم حمزة ربنا يكون في عونه ."

لكن القلق لم يغادرها:

— "ليه وافقته يروح سينا؟"

أجابها بفخر:

— "لو كل ظابط خاف، مين هيحمي البلد؟"

همست بحزن:

— "قلبي وكلني عليه مبنامش من القلق ."

ابتسم مطمئنًا:

— "ابنك راجل وبيؤدي واجبه ادعيله يا ام حمزة يطهر البلد من اصحاب الفساد ."

في الجهة الأخرى، كانت شادية تلهث داخل غرفتها:

— "خلاص بقى يا سلطان.. نمرتي قربت."

هتف بخشونة:

— " ايه يا روح امك مش انتي اللي كنتي هتموتي عليا متبقيش فصيله بقا تعالي "

وبعد دقائق، ابتعد عنها يشعل سيجارته، بينما قالت وهي ترتب فستانها:

— " انت .. ده يا ويلها اللي تقع تحت إيدك."

هتف سلطان بسخرية : "انتي اللي بقيتي خرعة."

ثم أطلق ضحكة عالية وهتف:

— " أخرك حكيم."

تمتمت بضيق: — " متجبش سيرته .. بكره نظرته ليا.. بتحسسني إني ست وحشة وخاينه ."

رد باستهزاء: — "وانتي ان جيتي للحق ست كمل اوي يا شوشو"

قالت بمرارة:

"أنا اخترت أعيش مع حكيم عشانك يا سلطان مرضتش ابقي من الشمال اللي في الصاله اتجوزته عشان ابقي جمبك وليك لوحدك واستحملت سجنه ."

لكن صوته جاء باردًا:

— "بطلي الشغل ده يا شاديه هو كل واحده هتقولي سجن ولا ايه ... اخلصي مش عايزين نتأخر علي العالم برا ."

خرج يرتب ملابسه، ليصطدم بحكيم في الممر. كان الرجل يحمل صينيته القديمة بعينين مطفأتين. قضى عمره كله داخل هذا المكان حتى صار قطعة منه.

شادية نفسها جاءت من ملجأ أيتام إلى الشارع، ثم سحبها سلطان إلى الكباريه. وحين شعرت أنها تغرق، ظهر حكيم وعرض عليها الزواج. وافقت هربًا لا حبًا.

لكن السنوات صنعت بينهما فجوة مؤلمة؛ حكيم أحبها بصدق، بينما ظلت هي تشعره دائمًا بأنه رجل عجوز لا يناسبها.

وقف حكيم أمامها للحظات، يقرأ الخيانة داخل عينيها دون أن يتكلم. ثم قال بصوت مكسور قبل أن يغادر:

— "الناس عايزينك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على إيقاع الدم    الفصل السادس

    ​"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان."​"بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا."​"حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي مش عايزاك تبقى عريس الجنة.ا."​صوت حمزة بحدة: "أمن ضهري يا رامي!"​"يلا يا سُلــــطان.. مفيش وقت!""سلـطان" !!فتح حمزة عينيه بفزع، أنفاسه متلاحقة واللون الأبيض يحيط به من كل جانب. نظر إلى قدمه الملفوفة بضمادات طبية كثيفة، فداهمه ألم الرصاصة التي اخترقت جسده.​من خلف الباب، تسرّبت أصوات مألوفة.. كان والده ووالدته يتحدثان مع الطبيب بنبرة قلقة.الطبيب: "الحمد لله يا دكتور جمال، الرصاصة خرجت . المهم دلوقتي الراحة التامة، ممنوع يضغط على رجله نهائي عشان نتجنب أي مضاعفات."والد حمزة: "الحمد لله.. كتر خيرك يا دكتور، تعبناك معانا."​رحل الطبيب، فغلب البكاء والدة حمزة. طبطب جمال على كتفها بحنان: "اهدي يا أم حمزة، الدكتور طمننا، عدت و الحمد لله."​دخلوا الغرفة، ليروا حمزة مستيقظاً لكن بملامح تائهة.ال

  • على إيقاع الدم    الفصل الخامس

    كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطء قاتل رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالاً وسط عتمة موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول تهدئتها: — "خير اللهم اجعله خير يا أم حمزة؟" كانت أنفاسها متقطعة وكأنها كانت تركض هربًا من شيء مرعب: — "كا.. كابوس يا جمال.. كابوس وحش أوي، شفت ابني في خطر!" ربت جمال على يدها بحنان: — "استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ، ده مجرد حلم." لكن قلب الأم لم يعرف يومًا معنى "مجرد حلم". أمسكت بيده بتوسل وعيناها تلمعان بخوف موجوع: — " أنا عايزة أكلم ابني دلوقتي، لازم أسمع صوته!" تنهد جمال محاولًا التماسك رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبه هو الآخر: — "نكلمه إزاي دلوقتي بس؟ ابنك في مهمة.. إنتي عارفة إن تليفونه مقفول ومش هينفع."

  • على إيقاع الدم    الفصل الرابع

    جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخالها المدرسة، ومنحها حنان الأب الذي حُرمت منه. رد بحنان : — "يا اهلا يا اهلا الصالة نورت بالفنانة!" تنهدت بضيق: — "والنبي يا عم حكيم بلاش فنانة دي الله يخليك .." رفع حاجبه مداعبًا : — "هنكدب يعني ولا ايه ؟ أنتي موهوبة وبتحبي الرقص، ولولا حبك ليه مكنتيش بقيتي شاطرة كدة.. بس عنادك مع سلطان هو اللي كرهك في كل حاجة." انقبض وجهها وقالت : — "سلطان كرهني في الدنيا كلها.. صحيح عرفت إنه سافر ومش راجع غير بعد بكرة." سألها بحذر: — "ناوية على إيه؟" اقتربت منه أكثر وهمست: — " عايزه اطلب منك طلب صغير .. عايزاك تخرجني من هنا." اتسعت عيناه بصدمة: — "أنتي اتجننتي؟! تروحي فين؟ من التيران اللي علي الباب وبعدين سلطان؟ ده ممكن يقلب المكان فوق دماغنا !" امتلأت عيناها بالدموع: — "ت

  • على إيقاع الدم    الفصل الثالث

    دلف سلطان إلى مكتب "ضاحي" دون استئذان، وعن أي استئذانٍ نتحدث في عالمٍ استباح كل شيء؟ وجد والده خلف المكتب مع "فتاة" في وضعٍ لا يترك مجالًا للشك. انتفضت الفتاة من فوق ساقي ضاحي تعدل فستانها القصير بارتباك: — "لا مؤاخذة يا سي سلطان." ابتسم سلطان بسخرية مقرفة: — "لا لا مؤاخذتك معاكي يا نوسة." ثم مال هامسًا قرب أذنها: — "ها.. الموتور لسه شغال ولا اتحرق؟" ضحكت بتهكم : — "ده اتحرق خالص وأنا كنت بانعشه ." وقبل أن ينفجر ضاحي فيهما، هربت للخارج وهي تكتم ضحكتها. صاح ضاحي بغضب: — "بتتوشوشوا في إيه؟ غوري يا بت!" ظل سلطان واقفًا ببرود يرمق والده باحتقار، ثم قال: — "إنت لسه فيك حيل تعُط؟" رد ضاحي وهو يعدل قميصه: — "وإنت مالك يا روح أمك؟ احترم نفسك ياض ." ضحك سلطان بوقاحة: — "يا راجل ارحم نفسك ده إنت قطعت مية ونور من زمان." استشاط ضاحي: — "إنت عيل وسخ.. تربية شوارع." هز سلطان كتفيه : — "بفضلك ... اصلاحية و شوارع وكباريهات ميكس جميل " رد ضاحي بامتعاض: — "الحق عليا إني لميتك ." ابتسم سلطان بسخرية: — "كتر خيرك.. أهو بقيت ظابط قد الدنيا." لوى ضاحي

  • على إيقاع الدم    الفصل الثاني

    في الصالة، كان "عشري" يجلس فوق البار يراقب الزبائن بعينيه المعتادتين على الفوضى. لم يكن صاحب حكاية مأساوية؛ مجرد شاب بسيط سحبته الحياة إلى عالم الكباريه مبكرًا، حتى صار رئيس الفرقة وضابط إيقاعها. وبرغم ضجيج المكان، كان الوحيد القادر على فهم ما يدور داخل سلطان، خاصةً حين يتعلق الأمر بـ "درة". دق عشري على البار ضاحكًا: — "الله ينور يا عم حكيم يا عسل !" ابتسم حكيم لذلك الشاب الذي تربى أمامه وقال: — "إيه يا عشري ؟ خلصت نمرتك علي المسرح وجاي تعملي نمرة هنا وتصدعني ؟" ضحك عشري: — "صداع إيه بس يا عمنا ؟ ده إحنا عايشين جوه الصداع نفسه ." تنهد حكيم وهو يلمع كوبًا زجاجيًا: — " علي رأيك اللي زينا اتعود يدفن اللي جواه وسط الدق والطبل بنداري علي الدوشة اللي جوانا بالدوشة اللي حاولينا ." هز عشري رأسه بإعجاب ومزح : — "تصدق إنك طلعت حكيم فعلًا يا عم حكيم." رمقه الرجل بنظرة ساخرة: —انت "بتتريق يا واد انت ؟ قهقه عشري ثم قال: — "مقدرش يا عمنا ده انت عمدت المكان كله ومافيش زيك يلا بقى، هروح أجهز لنمرة شادية." تبدلت ملامح حكيم تمامًا فور ذكر اسم زوجتة . في غرفة درة الصغير

  • على إيقاع الدم    الفصل الأول

    تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي، يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته".أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد.وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status