로그인يجلس علي البار "عشري"؛ رئيس الفرقة لم يكن صاحب ماضي بائس أو دراما معقدة، هو ابن الأحياء الشعبية البسيطه الذي لم تزد علّامه عن الشهادة الإعدادية، قبل أن يسحبه خاله إلى عالم "الصالة" ليتعلم أصول الصنعة. بدأ من الصفر، يمسح الغبار عن الطاولات والأرضيات بجدية صبيٍ يريد إثبات ذاته، حتى ورث "دف" خاله ومكانه في الفرقة، ليصبح مع الوقت ضابط إيقاع لم يكن "عشري" مجرد رئيس فرقة بالنسبة لـ "سلطان" و"درة"، بل كانت تربطه بيهما صداقة أخوية . وهو الوحيد الذي كان يملك "العين" التي تخترق جدار الصمت؛ فبينما ينشغل الجميع بالرقص والمال، كان هو يلمح نظرات سلطان المكتومة تجاه "درة" تلك الفتاة العنيدة، يقرأ مشاعر صديقه التي يحاول إخفاءها عن العالم، ويحرس هذا السر بوفاء
دق عشري علي طوله البار بمزاح دائما ما يتسم بي: الله ينور يا عم حكيــــــــــم ليرد حكيم ببتسامه لهذه الشاب المشاكس عليك يا عشري ايه خلصت نمرتك علي المسرح ونازل تعملي نمره وتصدعني هنا ليضحك عشري : يا عمنا صداع ايه انت واقف في قلب الصداع نفسه علي رأيك هو اللي زينا بيصدع انا خدنا علي الدوشه والدق والطبل اهو بنغلوش علي اللي جوانا بالدوشه اللي حاولينا تصدق انك طلعت حكيم فعلا وبتقول حكك وفلسفه يا عم حكيم بتتريق يا واد مقدرش يا عمنا ده انت عمدت المكان كله يلا انا ههجز عشان النمره الجايه ل شاديه وفجأة، تبدلت ملامح حكيم تماماً فور ذكر اسم زوجته ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ كانت غرفة "درة" الصغيرة تعج بالفوضى. بدلات الرقص الملونة والمطرزة بالترتر والخرز متناثرة في كل مكان، على المقاعد والأرضية، كأنها جلود مستعارة تلقيها بعد كل معركة. جلست أمام مرآتها الكبيرة، تمسح الكحل الأسود السائل عن عينيها بقطعة قطن وإرهاق شديد يبدو على تقاطيع وجهها. وقفت بتثاقل وتحركت خلف ساتر الملابس الخشبي، محاولة فك رباط بدلتها الضيق من الخلف، لكن الخيوط تعقدت وعجزت أصابعها المرتعشة عن فكها. انفتح الباب دون استئذان. دخل "سلطان" بخطوات هادئة ك انتشرت رائحة عطرها الأنثوي النفاذ فتغلغلت داخل صدره وأشعلت حواسه. رأى ظلها المتماوج خلف الساتر، وسمع صوتها ينطلق بضيق وتذمر وهي تظن أن القادم هي مساعدتها: يا زيزي! تعالي فكي البتاع ده مش راضي يتفك، اقترب سلطان وامتدت أصابعه الخشنة لتلامس بشرة ظهرها العارية. في تلك اللحظة، انتفضت درة بعنف كمن أصابها صعق كهربائي، واستدارت بسرعة وهي تضم بدلتها إلى صدرها — "يلهوي أنت؟! بتعمل إيه هنا؟ لم يتراجع سلطان بل تقدم خطوة، وهمس قرب أذنها بنبرة ذات فحيح: — "إيه.. بفكهولِك.. مالك ؟" قالت بارتباك واضح وغضب يحرق عينيها: — "ابعد عني يا سلطان، اطلع برا !" لكنه لم يكترث، بل شد طرف الرباط برفق مستفز بين أصابعه، وهمس بخبث وتهكم: — "يا بت مش أنا أولى؟ وأحسن من زيزي ؟" دفعته بكفها في صدره محاولة الابتعاد وإيجاد مسافة آمنة: — "اخرج برا يا سلطان.. إيه اللي دخلك هنا أصلاً ومن غير ما تخبط؟" تنهد سلطان بعمق، وهو يحدق في تفاصيل وجهها بامتلاك وشغف حارق: — "الشوق.. الشوق اللي جابني .. كل ما أقول هبعد رجلي تخونني وترجعني ليكي تاني.. أنتِ عاملة زي النداهة يا درة، بتسحبيني صرخت بحدة وصوت مكتوم خوفاً من الفضيحة: — "وأنا مش عايزاك ترجعلي! مش عايزة شوقك ولا عايزة أشوف وشك اصلاً! عايزاك تسيبني في حالي وتحل عن سمايا !" لمعت عيناه بقسوة فجائية — "ما أنا حالِك يا بت.. وأنا اللي ليا فيكي ومحدش غيري يقدر يقرب منك." نجحت في الإفلات من حصاره وتراجعت إلى الخلف — "لاااا.. أنت سجاني! أنت وأمي حبستوني هنا وسط القرف ده، ، وحكمتوا عليا مخرجش منه وعايزين تموتوني بالحيا!" اقترب أكثر بخطوات بطيئة ومرعبة حتى التزق ظهرها بالحائط تماماً، ولم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسه الحارة: — "وأنتِ بقا لما تخرجي.. عايزة تخرجي لمين؟ وتروحي فين؟ فوقي يا درة.. ده مكانِك ، ومفيش غيره هيقبلك." انفجرت بغضب دفين كبركان ثار بعد سنوات من الكتمان، والدموع تحرق جفونها: — "وأنا بكره المكان ده، وبكرهك أنت كمان معاه! مش عايزة أفضل رقاصة طول عمري، مش عايزة أفضل في المخروبة دي وسط نظرات الناس الوسخة.. زهقت وقرفت " صاح بعصبية وصوت جهوري، وعروق عنقه بارزة: — "أمال عايزة إيه؟ انطــقي يا بت! إيه، شايفالك شوفة تانية برة؟؟ ده أنا بموتك !" رفعت عينيها المتحدية إليه، وقالت بصوت مرتعش لكنه يحمل قوة الحق: — "بقولك عايزة أنضف! تعرف النضافة يا سلطان؟ جربت في حياتك إحساسها؟ نفسي أعيش بكرامة، أتعلم وأشتغل بالحلال وآكل لقمة مش مغمسة بذل وإهانة. نفسي عيني تشوف حاجة تانية غير ترابيزات القمار وكاسات الخمرة، ومناخيري تشم هوا نضيف غير الدخان وعرق النسوان والرجالة اللي بيجروا طول النهار والليل في الصالة.. نفسي ودني تسمع صوت غير صوت طبلتك اللي خرمت نافوخي !" سكتت الكلمات فجأة، لكن صداها القاسي ظل يتردد كالسياط في أركان الغرفة الضيقة. وقف سلطان أمامها صامتاً، مشدوهاً، لا لأنه اقتنع بكلامها، بل لأنه ببساطة لا يعرف ما تتحدث عنه. لم يستوعب حرفاً واحداً من مشاعر "النظافة" و"الكرامة"؛ فهي بالنسبة له لغة غريبة، لوغاريتمات لم يدرسها، وشعورٌ طمسه ونسيه منذ زمن بعيد. لم يذق سلطان من النقاء في حياته سوى ذرات قليلة تلاشت من روحه حين أتم عامه السابع؛ بعدها، رُمي في أتون الشارع والقسوة، فمُحي كل أثر للجمال والبراءة من ذاكرته، ولم يتبقَّ فيها سوى قانون واحد تشربه حتى النخاع وصار دينه: قانون القذارة والسيطرة. قطع هذا الطوفان من الصمت والكلمات الحارقة دخول "زيزي" المساعدة فجأة، والتي توقفت عند الباب بارتباك شديد حين رأت سلطان يقف ملاصقاً لدرة: — "أنا.. أنا آسفة يا سي سلطان . مكنتش أعرف إنك هنا." نظر سلطان نحو درة نظرة غامضة، تحمل مزيجاً من التحدي والانكسار المستتر، وقال بنبرة حاسمة كأنه يصدر حكماً أبدياً: — "انــسي إنك تخرجي من هنا يا درة.. أما هي، فكانت نظرتها له ثابتة كالصخر، لا تتزحزح؛ نظرة تقطر اشمئزازاً وبغضاً لو وزع على العالم لكفاه. انسحب من الغرفة بخطوات واسعة، وصدره يغلي كمرجل من النار، ففي كل مرة يواجهها، لا تفوت هي الفرصة لتشعره بمدى "قذارته"، ولتؤكد له بفخر واعتلاء أنها ليست من ثوبه ولا تشبه عالمه كانت كلماتها تتردد في رأسه كصوت طبلة مشروخة تزعج عقله: "عايزة أنضف.. عن أي نظافة تتحدث؟ حقاً هو لا يعرف. لقد غاص في الوحل حتى أذنيه لدرجة أنه لم يعد يرى الطين قذارة، بل صار الطين هو جلده تائهٌ في وحلِ حياته، خطواته الغاضبة قادته مباشرة نحو غرفة "شادية". دفع الباب بعنف . انتفضت شادية من أمام طاولة زينتها، بينما التفت سلطان إلى الفتاة المساعدة التي كانت تصفف شعرها وأشار لها بإصبع غليظ ونبرة آمرة: — برا. غادرت الفتاة سريعًا ، فتقدم سلطان من شادية بعينين مشتعلتين برغبة الانتقام من كبريائه الجريح، وعقله لا يرى سوى درة الواقفة هناك تتحدث عن الطهارة: — "عايزك." ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ وفي عالم آخر، عالم موازٍ تماماً بعيد عن صخب الكباريه وقذارته، كانت الطمأنينة والهدوء يغلفان منزل الدكتور "جمال". دخلت زوجته الوفية غرفة المكتب تحمل فنجان القهوة الساخن، ووضعتها أمامه برقة ومحبة: — "القهوة يا دكتور..." ابتسم لها جمال ورفع عينه عن كتابه، مربتاً على يدها: — "تسلم إيدك يا أم حمزة.. تنهدت الزوجة بقلق وألم أمومي — "حمزة واحشني أوي يا جمال.. ، دي شيرين خطيبته هتتجنن عليه قال جمال بنبرة هادئة يحاول بها بث الطمأنينة في قلبها: — "شغله صعب ، ربنا يكون في عونه وفي عون زمايله." لكن القلق والخوف لم يغادرا عينيها: — "بس ليه وافقته يروح سينا بالذات؟ أنت عارف الوضع هناك خطر أجابها : — "لو كل ظابط خاف،، مين هيحمي البلد دي يا أم حمزة؟ ومين هيأمن بيوتنا؟" همست بحزن وهي تشبك أصابعها: — "قلبي وكلني عليه ومبنامش الليل من القلق ابتسم مطمئنًا وأمسك يدها: — "ابنك راجل وبيؤدي واجبه . دعيله يرجع بالسلامة بعد ما يطهر البلد من أصحاب الفساد والمجرمين." ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ نعود إلى تلك الغرفة المظلمة بالكباريه، حيث كانت شادية تلهث بتعب وإرهاق، وتحاول الابتعاد عن سلطان وهي ترتب فستانها ~~~~~~~~~~~~~~~~~يتبعساد الصمت الشامل أرجاء تلك القاعة الكبيرة.. صمتٌ كان في ثقله وأثره أقوى وأقسى من الرصاصة ذاتها التي اخترقت السكون قبل قليل.وقف حمزة في مكانه بثباتٍ صلب، يلمع العرق على جبينه تحت الضوء الخافت. لم يهرب، ولم يتقدم خطوة واحدة نحو الجثة الممددة على الأرض، ولم يحاول حتى أن ينطق بكلمة تبرير واحدة لفعلته أمام العيون الشاخصة نحوه. كان يعرف يقيناً، وبعقلية عسكرية باردة وحاسمة، أن ما حدث داخل هذه الصالة لن يُقرأ ولن يُكتب في التقارير إلا من زاوية واحدة رسمية فقط: خطرٌ داكن يهدد الأرواح، سلاحٌ موجهٌ نحو الصدور، ورصاصة واحدة مشروعة انطلقت لتوقف التهديد، وتحسم المعركة، وتطوي صفحة "سلطان" إلى الأبد.في تلك اللحظة بالذات، انفجر عويل "حورية".. لم يكن مجرد بكاء، بل كان إعصاراً مدمراً يضرب سكون المكان، صرخةً كونية تقطع نياط القلوب وتزلزل الجدران. ارتمت على الأرض، وجذبت جسد ابنها إلى أحضانها، بدأت تهز كتفيه بعنفٍ وحرقة شديدين، كأنها بتلك القوة تحاول انتزاعه من براثن الموت والعدم، وتبث في عروقه الباردة الحياة من جديد. كانت صرخاتها تمزق صمت المكان والقلوب، تختنق بالدموع والذهول:— "سلطان؟! رد عليا يا
— "غلطان يا حمزة باشا.. أنا اللي بدأتها ، وأنا برضه اللي هنهيها وبإيدي دلوقتي."وقبل أن تخرج الرصاصة الغادرة لتكتب نهاية أحدهما وتخترق الجسد، زلزلت المكان صرخة رهيبة شقت عنان السماء، خرجت من حنجرة حورية المذبوحة وهي تدخل الصالة وترى أمام عينيها مشهداً يفوق كل قدرة بشرية على الاحتمال: فلذتا كبدها، وابناها، أحدهما قابض على الزناد بشر، والآخر ملقى على الأرض ينتظر الموت!— "ســــــــــــــــــــلطان! أوعى يا ابني!"توقفت أنفاس سلطان تماماً، وتصلبت أصابعه فوق الزناد وتجمدت حركته.. هذا الصوت ليس غريباً على سمعه، إنه الصوت الدافئ الذي يسكن أعماق سراديب ذاكرته الطفولية، الصوت الذي كان يهمس له بالقصص والحكايات والقرآن قبل أن يغفو في طفولته البعيدة قبل الفراق.رفع نظراته ببطء شديد ليرى طيفاً يقف خلف القوات.. كانت حورية تقف بجسدٍ يرتعش بالكامل، والدموع تحفر مجاريها فوق وجنتيها التي غزتها تجاعيد الزمن والقهر. رغم مر السنين وتغير الملامح، ظل وجهها هو الملاذ الوحيد الذي لم ينسه سلطان قط.. وجه أمه.انفجرت حورية بنحيبٍ وعويل مزق سكون المكان الصاخب:— "أنا أمــك يا سلــطان.. أنا أمــك يا ابني ! أ
في تلك اللحظة الدقيقة، كانت "درة" تنهي رقصتها بحركة استعراضية مثيرة، ثم التفت لتنظر لسلطان نظرة ولاول مره يحصل منها عليها كانت نظرة مختلفه احيت قلبه الميت منذ سنوات ....!! وبينما كانت القاعة تضج بالتصفيق الحار والهتاف، اخترق صوت الرصاص الكثيف الأجواء من الخارج والداخل، تلاه صراخ هستيري حاد حوّل المكان في ثوانٍ معدودة من قاعة طرب إلى ساحة حرب من الهرج والمرج والدمار.انتفض سلطان ذعراً، ألقى طبلته جانباً بقوة وجذب "درة" من يدها بحماية وخوف حقيقي عليها، دفعها نحو الكواليس الداخل وهو يصرخ بحدة وصوت جهوري:— "درة .. انزلي تحت.. استخبي وإياكي تطلعي مهما حصل وسمعتي! فاهمة اوعي تطلعي ؟"في هذه الأثناء، ومن الجانب الآخر، كان ضاحي يركض برعب باتجاه مكتبه السري ليحتمي به ويجمع أمواله، تاركاً خلفه الفوضى والناس تلتهم المكان . وفجأة، تم اقتحام ابواب الغرفع عليه ليهتفوا : اثبت مكانك وارمي سلاحك ليجس ضاحي عليه ركبتيه في استسلام ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~تم اقتحام الأبواب الرئيسية بقوة وسقطت أرضاً. التفت سلطان سريعاً ليجد غريمه حمزة على رأس القوة الضاربة، فانفجر غضباً وتملكته ث
دق "أبو حسن" باب منزله وتنحنح بصوتٍ عالٍ جهوري لينبّه زوجته وأهل بيته بوجود غرباء ورجال برفقته:— "يا رب.. يا ساتر.. طريق يا أهل البيت عشان معايا ضيوف ."فتحت "أم حسن" الباب وهي تعدل حجابها بحذر وسرعة، وسألت بتعجب واستغراب من ملامح زوجها المستعجلة:— "ايه يا ابو حسن معاك حد يا أخويا؟ اهلا وسهلا مين دول؟"أجابها "أبو حسن" بجدية وهو يفسح الطريق ليدخل الضيوف:— "أيوه معايا ضيوف.. هتعرفي دلوقتي يا ام حسن .. بس اندهي الست أم سلطان بسرعة يا أم حسن وخليها تيجي .. اتفضل يا دكتور جمال، اتفضلي يا آنسة شيرين، خطوة عزيزة اتفضلوا ."دلفت "أم حسن" للداخل مسرعة، وبعد لحظات قليلة خرجت وهي توجّه وتصطحب "حورية" التي كانت تبدو عليها آثار التعب. ما إن وقع بصر حورية على "جمال" الواقف في منتصف الصالة ، حتى تجمدت الدماء في عروقها، وشحب وجهها تماماً. ثم سرعان ما تحولت صدمتها إلى ملامح تفيض بالكراهية، والألم، والوجع ، وقالت بصوتٍ مختنق حاد:— "إنت؟! انت إيه اللي جابك هنا وعرفت مكاني إزاي؟ عايز مني إيه تاني يا جمال..؟ مش كفاية اللي عملته فيا وفي ولادي مكفكش لسه في ايه فاضل تعملوا فيا انا وعيالي حرام عليك
كانت "شيرين" تقود سيارتها بحذر شديد وتوتر في شوارع ضيقة متعرجة، تملؤها الحفر وتكاد تخلو من الإضاءة في أطراف المدينة. التفتت لـ "جمال" الجالس بجوارها، مشيرة لزقاق جانبي مظلم ومتفرع:— "ها هو ده الشارع يا عمو؟ إحنا كدا ماشيين صح؟"أمسك "جمال" بالورقة القديمة بيدي مرتعشة قليلاً من كبر سنه وقلقه، وهو يتلفت حوله بحيرة تامة:— "مش عارف يا بنتي.. شكلنا دخلنا شارع غلط وتُهنا، المباني والبيوت شكلها اتغير خالص عن زمان، وحتى المداخل مش هي دي اللي فاكرها من سنين طويلة لا ... مظنش يا شيرين اننا كده ماشيين صح ؟."سألته "شيرين" وهي تحاول المناورة بعجلة القيادة وسط الزحام وضيق الشارع :— "طيب والعمل دلوقتي؟ نلف ونرجع ندور في شارع غيره من الشوارع الرئيسية ولا نعمل إيه؟"أجابها بتردد شديد وهو ينظر خلفه عبر النافذة:— "أنا حاسس إن الشارع اللي فات كان هو، اللي كان على اليمين.. غالباً دخلنا حارة قبله بشوية."قالت شيرين وهي تحاول السيطرة على حيرتها وإحباطها:— "مفيش قدامنا حل ولا وقت نضيعه غير إننا نقف وننزل نسأل في السوبر ماركت الصغير اللي هناك ده، أكيد أهل المنطقة أدرى ."أوقفت السيارة بهدوء أمام المحل،
داخل أروقة النيابة العامة، وفي تلك المكاتب ذات الجدران الصامتة التي شهدت خلف أبوابها المغلقة تفاصيل أدق الأسرار سُدلت الستار أخيراً على واحدة من أخطر وأعقد قضايا الفساد التي هزت الرأي العام. لم يكن الأمر مجرد قضية عابرة، بل كان معركة كسر عظام بين القانون وشبكة عنكبوتية تغلغلت في عمق المؤسسات. وأخيراً، دوت الكلمات الفصل في المحاضر الرسمية، وصدر القرار الذي زلزل الأرض تحت أقدام الطغاة: "ضبط وإحضار اللواء (شاكر) للتحقيق معه في تهم ترويج المواد المخدرة، والتربح من الوظيفة العامة، والخيانة العظمى للوطن".لم تكن ساعات التحقيق التي خضع لها (شاكر) هينة أو عابرة؛ فقد حاول بكل ما أوتي من نفوذ وخبرة قانونية الالتفاف والمناورة، والتمسك بقشور الإنكار. ولكن، أمام سيل الأدلة الدامغة، والتقارير الموثقة، والتسجيلات الصوتية التي حاصرته من كل جانب، تهاوت قلاعه الحصينة. وفي لحظة انكسار تامة، انهار (شاكر) ليعترف بكل تفاصيل شبكته، مرشداً عن كل من عاونه، وباع ضميره معه.وبناءً على هذه الاعترافات المزلزلة، سارعت النيابة العامة بإصدار حزمة من القرارات الحاسمة؛ كان على رأسها عودة النقيب (حمزة) لممارسة مهام
"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان.""بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا.""حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي م
كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطءٍ قاتل. رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالًا وسط عتمةٍ موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه، بينما يمد يده إليها مستغيثًا بعينين امتلأتا خوفًا وألمًا. حاولت الركض نحوه، لكن
جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخ
— "خلاص بقى يا سلطان.. كفاية كدا، نمرتي قربت هتف بخشونة وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفريغ غضبه: — "إيه يا روح أمك؟ مش أنتِ اللي كنتي هتموتي عليا وتتحايلي؟ متبقيش فصيلة بقى.. وبعد دقائق ابتعد عنها وأخرج علبة سجائره ليشعل واحدة، ينفث دخانها في سقف الغرفة، بينما وقفت هي أمام المرآة تعدل من هندام