Share

الفصل الرابع

Author: نادين
last update publish date: 2026-05-17 03:42:39

جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة:

— "عم حكيم.."

التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخالها المدرسة، ومنحها حنان الأب الذي حُرمت منه.

رد بحنان

: — "يا اهلا يا اهلا الصالة نورت بالفنانة!"

تنهدت بضيق:

— "والنبي يا عم حكيم بلاش فنانة دي الله يخليك .."

رفع حاجبه مداعبًا

: — "هنكدب يعني ولا ايه ؟ أنتي موهوبة وبتحبي الرقص، ولولا حبك ليه مكنتيش بقيتي شاطرة كدة.. بس عنادك مع سلطان هو اللي كرهك في كل حاجة."

انقبض وجهها وقالت

: — "سلطان كرهني في الدنيا كلها.. صحيح عرفت إنه سافر ومش راجع غير بعد بكرة."

سألها بحذر: — "ناوية على إيه؟"

اقتربت منه أكثر وهمست:

— " عايزه اطلب منك طلب صغير .. عايزاك تخرجني من هنا."

اتسعت عيناه بصدمة:

— "أنتي اتجننتي؟! تروحي فين؟ من التيران اللي علي الباب وبعدين سلطان؟ ده ممكن يقلب المكان فوق دماغنا !"

امتلأت عيناها بالدموع:

— "تعبت يا عم حكيم.. والله هرجع تاني، بس عايزة أشم هوا.. نفسي أحس إني عايشة."

أكلت الشفقة قلبه فسأل : — "هتروحي فين؟"

ابتسمت بحماس طفولي:

— "نفسي أروح النيل.. أتمشى على الكورنيش وآكل درة وأشرب حمص الشام وهجبلك معايا والله ."

ضحك رغم قلقه:

— "ماشي يا ست درة.. هحاول ألهّيهم وأخرجك، بس بلاش تحطيني في وش مدفع مع سلطان انتي عارفه ان مافيش بينا عمار ."

قفزت الفرحة داخلها:

— "ولا بينا وحياتك.. أحبك يا عم حكيم!"

ابتعدت بخفة، بينما تابعها حكيم بنظرة قلقة، وقد قرر المجازفة لأجلها.

لكن عيونًا أخرى كانت تراقب. اقتربت شادية من البار وقالت بابتسامة صفراء:

— "كانت بتوشوشك بإيه الغندورة؟"

رد حكيم بجفاء: — "عادي.. هي أول مرة تتكلم معايا؟"

قالت بشك: — "بس باين إنها كانت بتقولك سر."

قاطعها بحدة: — "خليكي في حالك يا شادية."

احتدت نبرتها: — "مالك بتكلمني من تحت ضرسك كده ليه هو الحق عليا اني بسألك "

سخر منها بنظرة ثاقبة: — "إن جينا للحق.. أنا ليا عندك حقوق كتير أوي، بس ساكت."

تركها ومضى، بينما تجمدت هي مكانها بخوف؛ فهي تعلم جيدًا معنى تلك النظرات.

في الوقت نفسه، دلف سلطان إلى غرفة درة كعادته قبل كل "عملية". كانت تجلس مع "زيزي"، لكنه أشار بعينيه فأسرعت الأخيرة بالانسحاب.

أشاحت درة بوجهها، فمد يده نحو شعرها لكنها ابتعدت بضيق. انقبضت ملامحه وقال : ـ "أنا رايح."

ردت ببرود: ـ "طيب ما تروح."

قال بصرامة: ـ "بصيلي يا درة."

تجاهلته، فكرر بحدة: ـ "بصيلي بقول!"

التفتت إليه بضيق، فسألها فجأة: ـ "أنتي شايفاني؟"

عقدت حاجبيها باستغراب: ـ "هو أنا عامية؟"

خرج صوته مكسورًا: ـ "آه.. عامية من ناحيتي أنا وبس. بتشوفي الكل إلا سلطان."

انفجرت فيه: ـ "ومش عارف ليه ؟!"

قال بعصبية: ـ "افهمي أنا اترميت معاكي في نفس البلاعة افهمي بقا !"

هتفت بمرارة: ـ "بس فضلت فيها بكيفك! وحبستني جنبك."

أغمض عينيه بقوة: ـ "كنت أروح فين؟ الدنيا كانت هتقبلني كدة؟"

وأشار إلى عينه العوراء: ـ "كنت هبقى يا مسجون يا ميت."

سخرت: ـ "وأنت دلوقتي مش مسجون؟ الفرق إنك بتخرج وقت ما تحب.. إنما أنا السجينة الحقيقية."

قاطعها: ـ "اسكتي.. أنتي مش فاهمة."

ـ "أفهم إيه؟!"

ـ "ما تفهميش اسكتي خالص ."

تأففت: ـ "شايف أسلوبك وترجع تقول بعاملك وحش."

حاول تهدئة نفسه: ـ "ما أنتي بهيمة.. كل ما تشوفيني تنطحي فيا."

ردت بسرعة: ـ "وأنت طور يا سلطان !"

كور قبضته: ـ "يا بت همد إيدي عليكي."

لكنها فجأة خفضت صوتها بحزن مصطنع: ـ "مدها.. هي عادتك."

لان قلبه فورًا، واقترب منها يطوق وجهها بكفيه: ـ "خلاص ما تزعليش.. لما أرجع هعملك مفاجأة."

نظرت له بتساؤل :

ابتسم بخبث: ـ "لا لما أرجع هقولك."

ثم اقترب أكثر هامسًا: ـ "مافيش حاجة كدة؟"

انتفضت بعصبية: ـ "احترم نفسك و اطلع بره يا سلطان!"

ضحك بصوت عالٍ بينما تدفعه نحو الباب: ـ "طيب ما تزقيش!"

أغلقت الباب بعنف، تتنفس بسرعة. كانت تشعر بنفور خانق منه، بينما كان هو يقف خلف الباب مبتسمًا؛ ففي قلبه المظلم لم يحب أحدًا سواها.

غادر سلطان مع رجاله، وبقي آخرون لحراسة الكباريه. وما إن ابتعدت السيارات حتى تنفست درة الصعداء؛ فقد حانت اللحظة.

لم تكن تنوي نزهة قصيرة كما أوهمت حكيم، بل هروبًا بلا عودة.

في السيارة، قال سلطان بصوته الأجش: ـ "هندخل من الطريق التاني.. أبو سليمان مستنينا هناك."

هز الدوكش رأسه: ـ "تمام يا كبير.. بس الدنيا أمان؟"

رمقه سلطان بنظرة حادة. حاول الدوكش تخفيف التوتر وأخرج سيجارة: ـ "تعفّر يا كبير؟"

انفجر سلطان: ـ "شيل الهباب ده! عايزين نركز."

ألقى الدوكش السيجارة من النافذة بسرعة: ـ "السماح يا كبير."

وفي صحراء سيناء، كان "حمزة" يستعد للعملية. دوى صوت اللاسلكي: ـ "عمليات.. عمليات."

أجاب بثبات: ـ "تمام يا فندم."

كان "رامي" داخل السيارة يرتدي الدرع الواقي. سأله: ـ "باشا عرفت هيدخلوا منين؟"

أجاب حمزة وهو يراقب الطريق: ـ "الطريق التاني اتقفل.. هييجوا من هنا."

لاحظ رامي أنه لا يرتدي الدرع: ـ "مش هتلبس قميصك؟"

رد باقتضاب: ـ "مبحبوش."

ضحك رامي: ـ "هنا موصياني ألبسه.. خايفة أبقى عريس الجنة."

قال حمزة ببرود: ـ "اسمع كلام المدام."

ثم التفت إليه محذرًا: ـ "صحصح كدة.. مش وقت محن."

على الجانب الآخر، كانت درة تترقب. دخل عم حكيم إليها هامسًا: ـ "جاهزة يا درة؟"

أجابت بتوتر: ـ "جاهزة.. بس اللي على الباب؟"

ابتسم مطمئنًا: ـ "هتصرف."

ثم أخرج بعض المال ووضعه في يدها: ـ "خدي دول.. عشان تجيبي ذرة وحمص شام، وما تنسيش تجيبلي معاكِ."

اغرورقت عيناها بالدموع وارتمت في حضنه: ـ "كتر خيرك يا عم حكيم."

ربت على كتفها: ـ "أول ما تسمعي دوشة بره اطلعي جري."

في الصحراء، صاح الدوكش بصدمة: ـ "الطريق مقفول يا ريس!"

اشتعلت عينا سلطان: ـ "هنعدي من الطريق التاني."

أمسك هاتفه بسرعة: ـ "جهز سلاحك يا جابر هنلف من الطريق التاني "

كانت لحظات قليلة تفصل الجميع عن كارثة.

في مكان ما، كانت امرأة تتقلب في فراشها تطاردها الكوابيس.

وفي قلب الصحراء دوى صوت اللاسلكي عند حمزة ـ "استعدوا!"

سأل سلطان رجاله: ـ "جاهزين؟"

جاءه الرد جماعيًا: ـ "جاهزين يا ريس!"

وفي الكباريه، اقترب عم حكيم بيد مرتعشة من لوحة الكهرباء. ضغط الزر فانطفأت الأنوار فجأة، وغرقت الصالة في ظلام دامس. تعالت الصرخات والفوضى في كل مكان.

كانت تلك الإشارة المنتظرة.

فتحت درة باب غرفتها واندفعت تركض بكل قوتها نحو المجهول.. نحو الحرية التي حلمت بها طويلًا، تاركة خلفها كل شيء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على إيقاع الدم    الفصل السابع والخمسون ... و الأخير

    ​ساد الصمت الشامل أرجاء تلك القاعة الكبيرة.. صمتٌ كان في ثقله وأثره أقوى وأقسى من الرصاصة ذاتها التي اخترقت السكون قبل قليل.​وقف حمزة في مكانه بثباتٍ صلب، يلمع العرق على جبينه تحت الضوء الخافت. لم يهرب، ولم يتقدم خطوة واحدة نحو الجثة الممددة على الأرض، ولم يحاول حتى أن ينطق بكلمة تبرير واحدة لفعلته أمام العيون الشاخصة نحوه. كان يعرف يقيناً، وبعقلية عسكرية باردة وحاسمة، أن ما حدث داخل هذه الصالة لن يُقرأ ولن يُكتب في التقارير إلا من زاوية واحدة رسمية فقط: خطرٌ داكن يهدد الأرواح، سلاحٌ موجهٌ نحو الصدور، ورصاصة واحدة مشروعة انطلقت لتوقف التهديد، وتحسم المعركة، وتطوي صفحة "سلطان" إلى الأبد.​في تلك اللحظة بالذات، انفجر عويل "حورية".. لم يكن مجرد بكاء، بل كان إعصاراً مدمراً يضرب سكون المكان، صرخةً كونية تقطع نياط القلوب وتزلزل الجدران. ارتمت على الأرض، وجذبت جسد ابنها إلى أحضانها، بدأت تهز كتفيه بعنفٍ وحرقة شديدين، كأنها بتلك القوة تحاول انتزاعه من براثن الموت والعدم، وتبث في عروقه الباردة الحياة من جديد. كانت صرخاتها تمزق صمت المكان والقلوب، تختنق بالدموع والذهول:​— "سلطان؟! رد عليا يا

  • على إيقاع الدم    الفصل السادس والخمسون

    — "غلطان يا حمزة باشا.. أنا اللي بدأتها ، وأنا برضه اللي هنهيها وبإيدي دلوقتي."​وقبل أن تخرج الرصاصة الغادرة لتكتب نهاية أحدهما وتخترق الجسد، زلزلت المكان صرخة رهيبة شقت عنان السماء، خرجت من حنجرة حورية المذبوحة وهي تدخل الصالة وترى أمام عينيها مشهداً يفوق كل قدرة بشرية على الاحتمال: فلذتا كبدها، وابناها، أحدهما قابض على الزناد بشر، والآخر ملقى على الأرض ينتظر الموت!​— "ســــــــــــــــــــلطان! أوعى يا ابني!"​توقفت أنفاس سلطان تماماً، وتصلبت أصابعه فوق الزناد وتجمدت حركته.. هذا الصوت ليس غريباً على سمعه، إنه الصوت الدافئ الذي يسكن أعماق سراديب ذاكرته الطفولية، الصوت الذي كان يهمس له بالقصص والحكايات والقرآن قبل أن يغفو في طفولته البعيدة قبل الفراق.​رفع نظراته ببطء شديد ليرى طيفاً يقف خلف القوات.. كانت حورية تقف بجسدٍ يرتعش بالكامل، والدموع تحفر مجاريها فوق وجنتيها التي غزتها تجاعيد الزمن والقهر. رغم مر السنين وتغير الملامح، ظل وجهها هو الملاذ الوحيد الذي لم ينسه سلطان قط.. وجه أمه.​انفجرت حورية بنحيبٍ وعويل مزق سكون المكان الصاخب:— "أنا أمــك يا سلــطان.. أنا أمــك يا ابني ! أ

  • على إيقاع الدم    الفصل الخامس والخمسون

    ​في تلك اللحظة الدقيقة، كانت "درة" تنهي رقصتها بحركة استعراضية مثيرة، ثم التفت لتنظر لسلطان نظرة ولاول مره يحصل منها عليها كانت نظرة مختلفه احيت قلبه الميت منذ سنوات ....!! وبينما كانت القاعة تضج بالتصفيق الحار والهتاف، اخترق صوت الرصاص الكثيف الأجواء من الخارج والداخل، تلاه صراخ هستيري حاد حوّل المكان في ثوانٍ معدودة من قاعة طرب إلى ساحة حرب من الهرج والمرج والدمار.​انتفض سلطان ذعراً، ألقى طبلته جانباً بقوة وجذب "درة" من يدها بحماية وخوف حقيقي عليها، دفعها نحو الكواليس الداخل وهو يصرخ بحدة وصوت جهوري:— "درة .. انزلي تحت.. استخبي وإياكي تطلعي مهما حصل وسمعتي! فاهمة اوعي تطلعي ؟"​في هذه الأثناء، ومن الجانب الآخر، كان ضاحي يركض برعب باتجاه مكتبه السري ليحتمي به ويجمع أمواله، تاركاً خلفه الفوضى والناس تلتهم المكان . وفجأة، تم اقتحام ابواب الغرفع عليه ليهتفوا : اثبت مكانك وارمي سلاحك ليجس ضاحي عليه ركبتيه في استسلام ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~تم اقتحام الأبواب الرئيسية بقوة وسقطت أرضاً. التفت سلطان سريعاً ليجد غريمه حمزة على رأس القوة الضاربة، فانفجر غضباً وتملكته ث

  • على إيقاع الدم    الفصل الرابع والخمسون

    ​دق "أبو حسن" باب منزله وتنحنح بصوتٍ عالٍ جهوري لينبّه زوجته وأهل بيته بوجود غرباء ورجال برفقته:— "يا رب.. يا ساتر.. طريق يا أهل البيت عشان معايا ضيوف ."​فتحت "أم حسن" الباب وهي تعدل حجابها بحذر وسرعة، وسألت بتعجب واستغراب من ملامح زوجها المستعجلة:— "ايه يا ابو حسن معاك حد يا أخويا؟ اهلا وسهلا مين دول؟"​أجابها "أبو حسن" بجدية وهو يفسح الطريق ليدخل الضيوف:— "أيوه معايا ضيوف.. هتعرفي دلوقتي يا ام حسن .. بس اندهي الست أم سلطان بسرعة يا أم حسن وخليها تيجي .. اتفضل يا دكتور جمال، اتفضلي يا آنسة شيرين، خطوة عزيزة اتفضلوا ."​دلفت "أم حسن" للداخل مسرعة، وبعد لحظات قليلة خرجت وهي توجّه وتصطحب "حورية" التي كانت تبدو عليها آثار التعب. ما إن وقع بصر حورية على "جمال" الواقف في منتصف الصالة ، حتى تجمدت الدماء في عروقها، وشحب وجهها تماماً. ثم سرعان ما تحولت صدمتها إلى ملامح تفيض بالكراهية، والألم، والوجع ، وقالت بصوتٍ مختنق حاد:— "إنت؟! انت إيه اللي جابك هنا وعرفت مكاني إزاي؟ عايز مني إيه تاني يا جمال..؟ مش كفاية اللي عملته فيا وفي ولادي مكفكش لسه في ايه فاضل تعملوا فيا انا وعيالي حرام عليك

  • على إيقاع الدم    الفصل الثالث والخمسون

    كانت "شيرين" تقود سيارتها بحذر شديد وتوتر في شوارع ضيقة متعرجة، تملؤها الحفر وتكاد تخلو من الإضاءة في أطراف المدينة. التفتت لـ "جمال" الجالس بجوارها، مشيرة لزقاق جانبي مظلم ومتفرع:— "ها هو ده الشارع يا عمو؟ إحنا كدا ماشيين صح؟"أمسك "جمال" بالورقة القديمة بيدي مرتعشة قليلاً من كبر سنه وقلقه، وهو يتلفت حوله بحيرة تامة:— "مش عارف يا بنتي.. شكلنا دخلنا شارع غلط وتُهنا، المباني والبيوت شكلها اتغير خالص عن زمان، وحتى المداخل مش هي دي اللي فاكرها من سنين طويلة لا ... مظنش يا شيرين اننا كده ماشيين صح ؟."سألته "شيرين" وهي تحاول المناورة بعجلة القيادة وسط الزحام وضيق الشارع :— "طيب والعمل دلوقتي؟ نلف ونرجع ندور في شارع غيره من الشوارع الرئيسية ولا نعمل إيه؟"أجابها بتردد شديد وهو ينظر خلفه عبر النافذة:— "أنا حاسس إن الشارع اللي فات كان هو، اللي كان على اليمين.. غالباً دخلنا حارة قبله بشوية."قالت شيرين وهي تحاول السيطرة على حيرتها وإحباطها:— "مفيش قدامنا حل ولا وقت نضيعه غير إننا نقف وننزل نسأل في السوبر ماركت الصغير اللي هناك ده، أكيد أهل المنطقة أدرى ."أوقفت السيارة بهدوء أمام المحل،

  • على إيقاع الدم    الفصل الثاني والخمسون

    ​داخل أروقة النيابة العامة، وفي تلك المكاتب ذات الجدران الصامتة التي شهدت خلف أبوابها المغلقة تفاصيل أدق الأسرار سُدلت الستار أخيراً على واحدة من أخطر وأعقد قضايا الفساد التي هزت الرأي العام. لم يكن الأمر مجرد قضية عابرة، بل كان معركة كسر عظام بين القانون وشبكة عنكبوتية تغلغلت في عمق المؤسسات. وأخيراً، دوت الكلمات الفصل في المحاضر الرسمية، وصدر القرار الذي زلزل الأرض تحت أقدام الطغاة: "ضبط وإحضار اللواء (شاكر) للتحقيق معه في تهم ترويج المواد المخدرة، والتربح من الوظيفة العامة، والخيانة العظمى للوطن".​لم تكن ساعات التحقيق التي خضع لها (شاكر) هينة أو عابرة؛ فقد حاول بكل ما أوتي من نفوذ وخبرة قانونية الالتفاف والمناورة، والتمسك بقشور الإنكار. ولكن، أمام سيل الأدلة الدامغة، والتقارير الموثقة، والتسجيلات الصوتية التي حاصرته من كل جانب، تهاوت قلاعه الحصينة. وفي لحظة انكسار تامة، انهار (شاكر) ليعترف بكل تفاصيل شبكته، مرشداً عن كل من عاونه، وباع ضميره معه.​وبناءً على هذه الاعترافات المزلزلة، سارعت النيابة العامة بإصدار حزمة من القرارات الحاسمة؛ كان على رأسها عودة النقيب (حمزة) لممارسة مهام

  • على إيقاع الدم    الفصل السادس

    ​"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان."​"بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا."​"حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي م

  • على إيقاع الدم    الفصل الثالث

    — "خلاص بقى يا سلطان.. كفاية كدا، نمرتي قربت هتف بخشونة وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفريغ غضبه: — "إيه يا روح أمك؟ مش أنتِ اللي كنتي هتموتي عليا وتتحايلي؟ متبقيش فصيلة بقى.. وبعد دقائق ابتعد عنها وأخرج علبة سجائره ليشعل واحدة، ينفث دخانها في سقف الغرفة، بينما وقفت هي أمام المرآة تعدل من هندام

  • على إيقاع الدم    الفصل الخامس

    كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطءٍ قاتل. رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالًا وسط عتمةٍ موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه، بينما يمد يده إليها مستغيثًا بعينين امتلأتا خوفًا وألمًا. حاولت الركض نحوه، لكن

  • على إيقاع الدم    الفصل الأول

    تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي، يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status