LOGIN
تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي،
يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته". أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد. وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبهم يحدد من منهم صيد ثمين لبيع المواد المخدره او من يبحث عن سهرة خاصه نفس العين كانت لا تفارقها ليضبط إيقاع جسدها مع ضربات يده تحسس الجلد المشدود (الطبلة) تحت اصابعه الثمانيه علي الجانب الآخر، ( ظهرت هي ) تدور كإعصار من الشيفون والترتر الاحمر اللامع. تحت أضواء النيون الصفراء، نظرة سريعة منها إليه، كانت كفيلة بأن تجعل إيقاعه يتسارع، ليتحول الكباريه كله إلى حلبة صراع خفية بين "نقرة" طبلته و"هزة" خصرها.لم تكن مجرد راقصة تمر بفقرتها، بل كانت شعلة نار تلتهم برودة المكان. كان شعرها الأسود الفاحم، الطويل والمموج كأمواج ليلٍ غاضب، يتطاير مع كل لفة، وكأنه يجلد الهواء من حولها. ارتطمت نظراتها بالجمهور فحبست الأنفاس؛ عيناها السوداوان الواسعتان كانتا تشبهان "بئر حكايات" قديمة، يزيدهما حدةً حواجبها الكثيفة المرسومة بإتقان كجناحي غراب، تمنح وجهها هيبةً وقوة لا تليق إلا بملكة تجلس على عرشها، حتى لو كان هذا العرش مجرد خشبة مسرح في ملهى ليلي. أما خصرها.. فقد كان لغزاً يعجز عن تفسيره؛ خصرٌ صغير منحوت بدقة، يتلوى بمرونة خرافية مع كل "دقة" يخرجها من طبلته. كان يراقب من موقعه خلفها كيف يستجيب جسدها لضربات أصابعه، وكأن هناك خيطاً خفياً يربط بين جلد طبلته وبين انحناءات جسدها. كلما اشتد الإيقاع، زادت هي اشتعالاً، لتبدو في تلك اللحظة وكأنها لا ترقص لتطرب الناس، بل لتمحو بجمالها الجموح كل ما هو قبيح في هذا العالم "بدأ كل شيء في ذلك الملهى الليلي الذي يفوح برائحة الدخان والأسى. حين جاء به والده «ضاحي» وهو ابن خمسة عشر عاماً ليلقيه في جوف عالمٍ ملوث، كانت «درة» مجرد طفلة في الخامسه، ابنة لزوجة أبيه الراقصة «سنية شَكشَك». بينما كانت سنية تدير مسرح «ضاحي» وتهز خصرها لتجلب المال، كان هو ينحت شخصية درة على يده وسط هذا السواد. كبرت درة وهي تظن أن حركاتها في الرقص تعبير عن انطلاقها، ولم تدرك أنها كانت كالعجينة بين يديه؛ هو من شكلها، وهو من " الذي لا تتحرك خصلة من شعرها إلا بإشارة خفية من أصابعه." انطلقت شرارة اللحن الافتتاحي لأغنية "حرمت أحبك" لوردة الجزائرية، ليرتجّ المكان بنغمات تطرب الوجدان وتشعل الأجواء حماساً. وعلى إيقاع الطبلة المنضبط، بدأت "دره" حركتها بانسيابية مذهلة، تتلوى مع النغمات كأنها جزء من اللحن، وتخطف الأنفاس مع كل دقة إيقاع. على الجانب الآخر، كانت "الست سنية" تجلس على طاولتها الخاصة، محاطة من كبار المعلمين والتجار. تهز كتفيها بخفة وتدندن كلمات الأغنية بينما عيناها تلمعان ببريق الفخر وهي تراقب ابنتها تسيطر على المسرح، وكأنها تعلن للجميع أن هذا السحر هو "صناعتها" وسط تصفيق الحضور، مال "المعلم فرج" نحوها، وقال بنبرة ملؤها الإعجاب والتقرب: — "يا أرض احفظي ما عليكي.. صحيح ابن الوز عوام يا ست سنية، لتبتسم سنيه بزهو : ومع اخر هزه منها ودقه من يده انتهي العرض وقفلت الستار لتختفي "دره" في لحظه كالعاده تنهي رقصتها وتعود لغرفتها أنهى سلطان نمرته ببراعة، وقذف بطبلته نحو "عشري" رئيس الفرقة، الذي التقفها منه بخفة كعادتهما بعد كل عرض. نزل سلطان من فوق المسرح ليتمشى في الصالة، فاستقبله صوت المعلم "فرج" وهو يوجه حديثه لسنية: — "هي الأمورة الصغيرة راحت فين؟ ما تخليها تيجي تنورنا وتقعد معانا شوية يا ست سنية." ضحكت "سنية" بضحكة غلفها التوتر؛ فهي تعلم جيداً أن ابنتها ترفض "القعدة" بتاتاً، تنهي رقصتها وتختفي خلف الكواليس كأنها لم تكن. وقبل أن تنطق، كانت ملامح سلطان قد تبدلت تماماً، فاندفع قائلاً بحدة: — ".. الأمورة ما بتقعدش مع حد." رفع المعلم فرج حاجبيه باستنكار ورد باستفزاز: — "وليه بقى؟ هي للفرجة بس! إحنا عايزين نتأنس بيها يا سلطان." اقترب سلطان منه، وضغط بيده بقوة على ظهر الكرسي الذي تجلس عليه "سنية"، ومال برأسه نحو المعلم فرج وهمس بغلّ مكتوم: — "ما قولنا الأمورة لا بتتعرف ولا بتتأنس بحد.. خد قعدتك واتبسط، وورينا عرض قفاك يلا!" تركهم وانصرف دون أن ينتظر رداً، فبادرت "سنية" بتلطيف الأجواء وهي تحاول مداراة غضب المعلم: — "معلش يا معلم.. أصل البت طالعة غيري خالص، لا بتعرف تودي ولا تجيب،. دي بتكسف أوي!" لوى فرج فمه ساخراً ورد بتهكم: — "بت إيه؟ بتكسف! أمال ما بتتكسفش وهي بترقص ليه؟" حاولت سنية إنهاء الحوار سريعاً: — "خلاص بقى يا معلم، ما تعكرش دمك.. شوف أي واحدة غيرها في الصالة وأنا أندهالك تفرفش عليك وتسليك." لم يقتنع المعلم، وظل صفوه عكراً وعيناه تلاحقان أثر سلطان بغضب. كان يقطع الردهة المؤدية لغرفتها بخطوات واثقة، تدفعه رغبة عارمة في أن يملأ عينيه بطلتها؛ فبالرغم من أن لحظاتهما معاً لا تخلو من العناد والصدام والصراخ، إلا أنه كان يعشق كل تفصيلة تصدر عنها، حتى غضبها كان له في قلبه مستقر. فجأة، اخترق سكون الردهة صوت أنثوي خافت يهمس باسمه بدلالٍ متكلف: — "سلطان.. بسسس.. يا سلطان، تعالى هنا!" توقف مكانه، وزفر بضيق وهو يقلب عينيه بملل بمجرد أن أدرك هوية صاحبة الصوت؛ إنها "شادية" مطربة الفرقة، وزوجة "حكيم" الجرسون العجوز. التفت إليها بوجهٍ جامد وملامح خشنة قائلاً: — "عايزة إيه يا شادية؟ اخلصي مش فاضيلك." اقتربت منه وهي تتلفت حولها بحذر كاللصوص، ثم قالت بصوت منخفض: — "هعوز إيه يعني؟ وحشتني.. مش عارفة أتلم عليك ولا أخطف منك كلمة." رد عليها بجفاءٍ قاطع: — "قولتلك مش فايقلك، اطلعي من دماغي دلوقتي." وضعت يديها في خصرها بوقاحة واعتراض، وقالت بلهجة يملؤها الحقد: — "ما أنت كنت لسه مع البت 'زيزي' امبارح.. ودلوقت شايفك رايح نايحه اوضة الغندوره ولا هو الحِلو ليهم والوحش ليا أنا؟ وعندي أنا وما بتفوقش!" تشنجت ملامح وجهه وزمجر بحدة: — "وأنتِ مالك ومال اللي بكون معاهم؟ ما تحشريش نفسك في اللي مالكيش فيه!" في تلك اللحظة، ارتفع صوت "الدوكش" يناديه من بعيد، يبلغه بأن والده يريده في أمرٍ هام. وبدون أدنى اهتمام، دفعها سلطان من طريقه ببرود، ومضى مبتعداً وكأنها مجرد حشرة أو شيء لا قيمة له، تاركاً إياها تشتعل غيظاً خلفه. داخل غرفة شبه مظلمة، يفوح فيها عبق الدخان المكتوم، كان يقف عند الباب حارس ضخم الجثة من رجال "الكباريه". وفي الداخل، جلس "ضاحي" - الرجل الذي ساق ابنه "سلطان" إلى هذا العالم القذر - يترأس طاولة مستديرة، يحيط به أباطرة تجارة "الصنف" من حشيش وهيروين. كان النقاش يحتدم حول كيفية تأمين الشحنة القادمة، وفي تلك اللحظة اقتحم سلطان الغرفة بخطواته الواثقة ليفرض وجوده على الجلسة. هتف أحد التجار بضيق لم يستطع كتمانه: — "المرة اللي فاتت ضابط سينا حط إيده على الشحنة وكل حاجة باظت.. المرة دي هنعمل إيه يا ضاحي؟" رد ضاحي بنزق وهو ينفث دخان أرجيلته: — "وأنا إيش عرفني طلع لنا منين ده كمان! واد ابن كلـ..ب زي الثعلب، بيحوم ورانا في كل حتة." هنا تدخل سلطان بصوت أجش قاطعاً حبل الشكوك: — "البضاعة هتوصل، وأنا اللي هستلمها بنفسي.. أما الواد ده، فـ "الغربال الجديد له شدة"، وهو شادد حيله بس عشان الترقية، وأنا بقى اللي هطيرها من إيده." ضرب تاجر آخر الطاولة بقبضته قائلاً بغل: — "ده طير مننا بضاعة بالشيء الفلاني، وأنا مش مستعد أخسر مليم واحد تاني يا ضاحي.. يا تتأكد من رجالتك، يا نشوف لنا دخلة تانية غير دي!" انتفض سلطان واقفاً، وعيناه تقدحان شرراً وهو ينهي النقاش بحدة: — "إحنا مش نسوان قدامك عشان تقول اتأكد من رجالتك! قولتلك المرة دي أنا اللي في الوش، والبضاعة هتتقطع قدامي، وكل واحد هياخد حصته وكلمتي مش هكررها." استعد للرحيل، لكنه توقف فجأة عند الباب، والتفت إليهم ببرود وتساؤل: — "هو اسمه إيه الواد ده؟" رد ضاحي بتمهل مخيف، وكأنه ينطق حكماً بالإعدام: — "حمزه .. حمزة الأسيوطي.""هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان.""بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا.""حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي مش عايزاك تبقى عريس الجنة.ا."صوت حمزة بحدة: "أمن ضهري يا رامي!""يلا يا سُلــــطان.. مفيش وقت!""سلـطان" !!فتح حمزة عينيه بفزع، أنفاسه متلاحقة واللون الأبيض يحيط به من كل جانب. نظر إلى قدمه الملفوفة بضمادات طبية كثيفة، فداهمه ألم الرصاصة التي اخترقت جسده.من خلف الباب، تسرّبت أصوات مألوفة.. كان والده ووالدته يتحدثان مع الطبيب بنبرة قلقة.الطبيب: "الحمد لله يا دكتور جمال، الرصاصة خرجت . المهم دلوقتي الراحة التامة، ممنوع يضغط على رجله نهائي عشان نتجنب أي مضاعفات."والد حمزة: "الحمد لله.. كتر خيرك يا دكتور، تعبناك معانا."رحل الطبيب، فغلب البكاء والدة حمزة. طبطب جمال على كتفها بحنان: "اهدي يا أم حمزة، الدكتور طمننا، عدت و الحمد لله."دخلوا الغرفة، ليروا حمزة مستيقظاً لكن بملامح تائهة.ال
كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطء قاتل رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالاً وسط عتمة موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول تهدئتها: — "خير اللهم اجعله خير يا أم حمزة؟" كانت أنفاسها متقطعة وكأنها كانت تركض هربًا من شيء مرعب: — "كا.. كابوس يا جمال.. كابوس وحش أوي، شفت ابني في خطر!" ربت جمال على يدها بحنان: — "استعيذي بالله من الشيطان الرجيم ، ده مجرد حلم." لكن قلب الأم لم يعرف يومًا معنى "مجرد حلم". أمسكت بيده بتوسل وعيناها تلمعان بخوف موجوع: — " أنا عايزة أكلم ابني دلوقتي، لازم أسمع صوته!" تنهد جمال محاولًا التماسك رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبه هو الآخر: — "نكلمه إزاي دلوقتي بس؟ ابنك في مهمة.. إنتي عارفة إن تليفونه مقفول ومش هينفع."
جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخالها المدرسة، ومنحها حنان الأب الذي حُرمت منه. رد بحنان : — "يا اهلا يا اهلا الصالة نورت بالفنانة!" تنهدت بضيق: — "والنبي يا عم حكيم بلاش فنانة دي الله يخليك .." رفع حاجبه مداعبًا : — "هنكدب يعني ولا ايه ؟ أنتي موهوبة وبتحبي الرقص، ولولا حبك ليه مكنتيش بقيتي شاطرة كدة.. بس عنادك مع سلطان هو اللي كرهك في كل حاجة." انقبض وجهها وقالت : — "سلطان كرهني في الدنيا كلها.. صحيح عرفت إنه سافر ومش راجع غير بعد بكرة." سألها بحذر: — "ناوية على إيه؟" اقتربت منه أكثر وهمست: — " عايزه اطلب منك طلب صغير .. عايزاك تخرجني من هنا." اتسعت عيناه بصدمة: — "أنتي اتجننتي؟! تروحي فين؟ من التيران اللي علي الباب وبعدين سلطان؟ ده ممكن يقلب المكان فوق دماغنا !" امتلأت عيناها بالدموع: — "ت
دلف سلطان إلى مكتب "ضاحي" دون استئذان، وعن أي استئذانٍ نتحدث في عالمٍ استباح كل شيء؟ وجد والده خلف المكتب مع "فتاة" في وضعٍ لا يترك مجالًا للشك. انتفضت الفتاة من فوق ساقي ضاحي تعدل فستانها القصير بارتباك: — "لا مؤاخذة يا سي سلطان." ابتسم سلطان بسخرية مقرفة: — "لا لا مؤاخذتك معاكي يا نوسة." ثم مال هامسًا قرب أذنها: — "ها.. الموتور لسه شغال ولا اتحرق؟" ضحكت بتهكم : — "ده اتحرق خالص وأنا كنت بانعشه ." وقبل أن ينفجر ضاحي فيهما، هربت للخارج وهي تكتم ضحكتها. صاح ضاحي بغضب: — "بتتوشوشوا في إيه؟ غوري يا بت!" ظل سلطان واقفًا ببرود يرمق والده باحتقار، ثم قال: — "إنت لسه فيك حيل تعُط؟" رد ضاحي وهو يعدل قميصه: — "وإنت مالك يا روح أمك؟ احترم نفسك ياض ." ضحك سلطان بوقاحة: — "يا راجل ارحم نفسك ده إنت قطعت مية ونور من زمان." استشاط ضاحي: — "إنت عيل وسخ.. تربية شوارع." هز سلطان كتفيه : — "بفضلك ... اصلاحية و شوارع وكباريهات ميكس جميل " رد ضاحي بامتعاض: — "الحق عليا إني لميتك ." ابتسم سلطان بسخرية: — "كتر خيرك.. أهو بقيت ظابط قد الدنيا." لوى ضاحي
في الصالة، كان "عشري" يجلس فوق البار يراقب الزبائن بعينيه المعتادتين على الفوضى. لم يكن صاحب حكاية مأساوية؛ مجرد شاب بسيط سحبته الحياة إلى عالم الكباريه مبكرًا، حتى صار رئيس الفرقة وضابط إيقاعها. وبرغم ضجيج المكان، كان الوحيد القادر على فهم ما يدور داخل سلطان، خاصةً حين يتعلق الأمر بـ "درة". دق عشري على البار ضاحكًا: — "الله ينور يا عم حكيم يا عسل !" ابتسم حكيم لذلك الشاب الذي تربى أمامه وقال: — "إيه يا عشري ؟ خلصت نمرتك علي المسرح وجاي تعملي نمرة هنا وتصدعني ؟" ضحك عشري: — "صداع إيه بس يا عمنا ؟ ده إحنا عايشين جوه الصداع نفسه ." تنهد حكيم وهو يلمع كوبًا زجاجيًا: — " علي رأيك اللي زينا اتعود يدفن اللي جواه وسط الدق والطبل بنداري علي الدوشة اللي جوانا بالدوشة اللي حاولينا ." هز عشري رأسه بإعجاب ومزح : — "تصدق إنك طلعت حكيم فعلًا يا عم حكيم." رمقه الرجل بنظرة ساخرة: —انت "بتتريق يا واد انت ؟ قهقه عشري ثم قال: — "مقدرش يا عمنا ده انت عمدت المكان كله ومافيش زيك يلا بقى، هروح أجهز لنمرة شادية." تبدلت ملامح حكيم تمامًا فور ذكر اسم زوجتة . في غرفة درة الصغير
تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي، يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته".أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد.وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبه







