تسجيل الدخولالفصل 721تجهم وجه ظافر على الفور، وانقبض فكه بينما كان يحاول استيعاب ما حدث للتو. ثم أطلق صوته بحدة، وقد نفد ما تبقى لديه من صبر:«أيها الولد، هل سئمت الحياة؟!»رفع نوح وجهه إليه، ثم رمش بعينيه البريئتين، وكأن السؤال باغته ظلمًا.«أبي، لماذا توبخني؟»وفي اللحظة التالية، انقلبت ملامحه الصغيرة، وانفرجت شفتاه، وبدأ يتظاهر بالبكاء، مطلقًا شهقات متقطعة بدت مؤثرة بما يكفي لخداع أي شخص لا يعرف حقيقته.لكن ظافر لم يكن في مزاج يسمح له بالتعاطف مع أحد.كل شهقة تصدر عن الصغير كانت تزيد الألم النابض في رأسه، حتى وضع يده على جبينه، وانفجر صائحًا:«أحدٌ ما! تعالوا إلى هنا!»لم تمضِ سوى لحظات حتى هرعت مدبرة المنزل إلى غرفة المكتب.«سيدي، ما الأمر؟»أشار ظافر نحو نوح، وصوته يقطر غضبًا:«أخرجوا هذا الوغد من هنا!»«ماذا؟!»تجمدت مدبرة المنزل في مكانها، وقد فوجئت بالأمر إلى حد أنها لم تستطع إخفاء صدمتها. لكنها سرعان ما استجمعت نفسها، وتقدمت نحو نوح لتأخذه بعيدًا قبل أن يفقد ظافر أعصابه أكثر، ويصدر عنه تصرف يندم عليه لاحقًا.أما نوح، فقد استغل الفرصة على أكمل وجه. امتلأت عيناه بالدموع المصطنعة، ومد يديه
الفصل 720ظل زكريا يثق بحدس نوح ثقةً لا تتزعزع، مهما بدت استنتاجاته غريبة أو عصية على التصديق.فمنذ سنوات، احتفظ الشقيقان بسرّ لم تكن سيرين نفسها على علم به، سرّ لو انكشف أمام الكبار، لربما غيّر الطريقة التي ينظرون بها إلى نوح إلى الأبد.كان زكريا هاكرًا من الطراز الأول، يمتلك مهارات استثنائية في الاختراق، لكن نوح كان مختلفًا عنه تمامًا. فقد امتلك الصغير حاسة سادسة مدهشة، تتجاوز حدود الإدراك المعتاد، حتى إن حدسه كان ينبهه أحيانًا إلى أخطار لم تظهر بعد.على سبيل المثال، لو كان يسير في الشارع وفجأة ألقى أحدهم شيئًا من نافذة مبنى مرتفع، لاستشعر نوح الخطر قبل وقوعه، وكأن حواسه تلتقط ما يعجز الآخرون عن ملاحظته.لكن الأمر الأكثر غرابة لم يكن قدرته على استشعار الخطر، بل امتداد حدسه إلى الحظ نفسه!لم ينسَ زكريا ذلك اليوم الذي اصطحبتهما فيه سيرين في نزهة، فصادفوا متجرًا لبيع تذاكر اليانصيب. كانت سيرين تهمّ بمواصلة طريقها، لكن نوح رفض المغادرة، وظل ممسكًا بيدها بإصرار، كأنه لن يتحرك خطوة واحدة قبل أن يحصل على ما يريد.انحنت سيرين نحوه وسألته عما يرغب فيه، فما كان منه إلا أن دخل المتجر بهدوء واش
الفصل 719في تلك الأثناء، كان نوح يرتجف خوفًا. أليس من المفترض أن يُبعِد الوالدان أطفالهما عن خلافاتهما، وألا يُفرغا غضبهما فيهما مهما اشتد الشجار؟ لكن ما الذي حدث لوالده الحقير؟ كيف استطاع أن يتحول إلى هذا الرجل في ليلة واحدة؟رفع ظافر رأسه قليلًا، بينما يحمل نوح بين ذراعيه، وسأله بنبرة مشوبة بالحيرة:«طفلي؟»توقف لحظة، كأنه يحاول استيعاب حقيقة بدت له غريبة تمامًا، ثم عقد حاجبيه. كان كل شيء من حوله يبدو مختلفًا، وكأن ليلة واحدة من النوم محَت من حياته أشياء لا حصر لها.راقب ماهر المشهد بقلق، ثم بادر إلى تنبيهه بحذر:«نعم، سيدي. أرجوك، كن لطيفًا وأنت تُنزل السيد نوح. حالته الصحية ليست جيدة، ولا يمكننا المخاطرة بتعريضه لأي أذى أو التعامل معه بعنف.»كان ماهر يدرك أن فقدان ظافر للذاكرة أمر مؤقت، وأنه ما إن يستعيد ذكرياته حتى يدرك حقيقة ما حدث لنوح، فسيغرق في الندم، وربما يلوم نفسه بشدة على كل ما أصاب الصغير.توقف ظافر عند سماع كلماته، ثم أنزل نوح برفق حتى لامست قدماه الأرض. وما إن استقام الصغير أمامه حتى خرج السؤال من فمه ببرود أربك ماهر:«ممن أنجبت هذا الطفل؟»اتسعت عينا ماهر، وعاد الذهو
الفصل 718انتهت المكالمة، وظلّ ظافر ممسكًا بهاتفه بإحكام، وقد تجمّدت ملامحه في برود قاسٍ. لم ينبس بكلمة، لكن أصابعه التي انقبضت حول الهاتف، والصمت الثقيل الذي خيّم على المكان، كانا كافيين ليجعلا ماهر يتردد قبل أن يقترب منه.تقدم ماهر بحذر، ثم قال بصوت هادئ:«سيد نصران، هناك أمر آخر يجب أن تعرفه. سيرين حامل الآن، وهي بحاجة إلى مزيد من الراحة».توقفت أصابع ظافر عن الحركة.«حامل؟»خرجت الكلمة من فمه ببطء، مشوبة بدهشة حقيقية، وكأن الرجل أخبره بشيء يستحيل حدوثه.أسرع ماهر إلى التوضيح، خشية أن يسيء ظافر فهمه:«نعم، يا سيدي. إنها حامل بطفلك».ظل ظافر ساكنًا، وقد انعقد حاجباه بشدة. طفل له من سيرين؟ لم يخطر بباله قط أن يأتي يوم يجمعهما فيه طفل، ولم يستطع أن يتخيل كيف وصلت علاقتهما إلى هذه المرحلة، بينما لا تزال ذكرياته عالقة في الماضي.مرر إبهامه على حافة الهاتف، ثم رفع رأسه قليلًا.«ومتى كنت تنوي إخباري بهذا؟ بعد أن يولد الطفل؟»ارتبك ماهر للحظة، ثم أجاب بحذر:«كنت سأخبرك بكل شيء يا سيدي، لكن حالتك...»«كفى».قطع ظافر حديثه، ثم وضع الهاتف في جيبه ونهض رغم الألم الذي كان يعتصر جسده.«لنعد إلى
الفصل 717حدّقت سيرين في شاشة هاتفها بعد انقطاع المكالمة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح ذهول لم تستطع إخفاءها. بقيت للحظات تحدّق في الرقم تحاول استيعاب ما حدث ثم افترضت أن ظافر غاضب منها فعاودت الاتصال به.لكن بدلًا من صوته، استقبلتها رسالة آلية باردة:«مرحبًا، الرقم الذي طلبته غير متاح مؤقتًا. يُرجى إعادة الاتصال لاحقًا».قطّبت حاجبيها، وأعادت المحاولة مرة أخرى، لتتلقى الرسالة ذاتها.عندها فقط أدركت أنه حظر رقمها.تراجعت بالهاتف قليلًا وأخذت تحدّق فيه بحيرة لا تدري ما الذي دفعه إلى التصرف بهذه الطريقة. لكن ما إن استعادت هدوءها حتى تبدلت ملامحها، وتخلّت عن محاولة فهم ما يدور في رأس ذلك الرجل.فبعدما رأت بنفسها كيف تسير الأمور في الصراع الدائر بين ظافر وكارم وعائلة يامن، لم يعد لديها ما يدعوها إلى القلق. ألقت هاتفها جانبًا، ثم استلقت براحة مستسلمة للوسادة، وقد قررت أن تترك لكلٍّ منهم تدبير شؤونه بنفسه.في تلك الأثناء، داخل فندق ستيلاسون، ألقى ظافر هاتفه جانبًا ثم رفع يده إلى جبهته يدلكها بأصابع ضاغطة فيما كان الألم ينبض خلفها بعنف… ظلّ صامتًا لثوانٍ قبل أن يرفع رأسه نحو ماهر الذي وقف أمام
الفصل 716أمضت سيرين وشارلوت فترة ما بعد الظهر في مناقشة شؤون الشركة وتفاصيل العمل، حتى حلّ المساء، فأصرت شارلوت على أن تبقى سيرين وكارم لتناول العشاء معها.وبعد أن انتهوا من تناول الطعام في مقصورة خاصة بأحد المطاعم الشهيرة في إيريهال، استأذنت المرأتان للذهاب إلى دورة المياه. وما إن ابتعدتا عن الآخرين حتى التفتت شارلوت إلى سيرين، وقد لمعت عيناها بفضول لم تعد قادرة على كبحه.«أيتها الرئيسة، هل حسمت أمرك أخيرًا؟»ألقت سيرين عليها نظرة جانبية، ولم تجد في السؤال ما يدعو إلى الاستغراب، فسألت بهدوء:«بشأن ماذا؟»اقتربت شارلوت منها، واتسعت عيناها وهي تخفض صوتها، وكأنها على وشك كشف سر خطير.«هل أنتِ والسيد كارم معًا؟ ألم تعودي إلى إيريهال هذه المرة من أجله؟»كادت سيرين تختنق بدموعها من شدة الإحراج. نظرت إلى شارلوت، ثم أشاحت بوجهها قليلًا، عاجزة عن تحديد الإجابة التي يمكن أن تُرضي فضولها.أأقول نعم أم لا؟ كلا الخيارين سيقود إلى مزيد من الأسئلة!تنهدت أخيرًا وقالت بلهجة حاسمة:«أنا وكارم مجرد صديقين. توقفي عن اختلاق القصص في رأسك».انطفأ بريق الحماس في عيني شارلوت، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خا
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با







