Masukانقبض قلب رهف بخفقة حادة.لم تشعر بأدنى ذرة من الفرح أو الحماس، بل اجتاحها رعب وتوجس خانق.هل يعني عرضه المفاجئ للزواج أنه حسم أمره واختارها هي على حساب مستقبله المهني؟أم أنه... يبحث فقط عن موقف حاسم منها ليريح قلبه؟"هل تفوه ابن عمك بتلك الكلمات فقط ليستفزك ويدفعك لهذا القرار؟" تهربت رهف من الرد المباشر على عرضه، فلا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون السبب في تدمير مسيرته المهنية، وتابعت: "لا تعر كلامه أي اهتمام يا سهيل، فهو ببساطة لا يستلطفني، ويرى أنني لا أليق بمقامك.""رهف، هذه هي المرة الثالثة التي أطلب فيها يدك للزواج، وهي المرة الأخيرة أيضًا. لن يكون هناك عرض رابع." خرجت كلمات سهيل مثقلةً ومبحوحة، تحمل في طياتها خشونة يكسوها اليأس.أومأت رهف برأسها، ولاذت بصمت مطبق.كانت تدرك الحقيقة جيدًا.الزواج يتطلب قفزة عمياء من التهور، وفي حالتهما المعقدة بالذات، كانا بحاجة لاندفاع مجنون يضرب بكل العواقب عرض الحائط، فبمجرد أن يتسرب العقل والمنطق إلى هذه المعادلة... سيموت هذا الزواج في مهده قبل أن يُعقد.تعلقت نظرات سهيل الحارقة والمثقلة بالترقب بوجهها، منتظرًا إجابتها الحاسمة.رسمت رهف اب
في أعراف الرجال، سواء أكان الأمر يتعلق بخطف حبيبة صديقك، أم ملاحقة حبيبته السابقة، فكلاهما يعد تصرفًا دنيئًا يفتقر لأدنى درجات المروءة.لو كان قد نجح في الظفر بها حقًا، لربما لم يكترث لثرثرة الناس وتهامسهم، لكن المشكلة هنا أنه لم يظفر بها، مما جعل من افتضاح الأمر الآن ضربةً قاصمة لكبريائه.كان هذا من الأسرار التي يُفضل دفنها في جوفه إلى الأبد، ولن يجرؤ على الاعتراف بها علانيةً.ولإنقاذ كرامته، لم يجد ساهر مفرًا من ابتلاع كبريائه واستخدام اللقب الذي فرضه عليه سهيل: "لقد كنت برفقة زوجة صديقي لإنجاز بعض الأعمال المتعلقة بالقضية." ثم تابع نسج كذبته: "أعتقد أن سهيل وحبيبته كانا يتشاجران في اليوم السابق، وكانت المشاعر محتدمة بينهما، وحين تقاطعت طرقنا، اندفع سهيل بتهور وقطع الشارع دون انتباه للسيارات، فتعرض للحادث."وما إن أتم ساهر تبريره، حتى انهارت خطة ابن عم سهيل تمامًا، فاكتسى وجهه بملامح في غاية البشاعة والإحراج، وتجمدت ابتسامته الخبيثة على شفتيه تدريجيًا، ثم رفع فنجان الشاي وتظاهر بالشرب ليداري حرجه وقال: "يبدو أنني سمعت الخبر على نحو خاطئ."ورغم أن هذه الكذبة قد بددت التوتر في الأجواء،
في تلك الحديقة الخلفية، لم يخبرها جاسم بأي شيءٍ سوى تفاصيل قضية والدها.بيد أنها ظلت تتساءل في سرها؛ لماذا يصر جاسم على منحها بصيصًا من الأمل، رغم عدم توفر أي دليلٍ ملموس حتى الآن؟خمّنت أن غايته كانت أن يدفعها لعدم التخلي عن شقيقه. لقد أراد أن يبذل كل ما في وسعه من أجل سهيل، فآثر أن يشعل تلك الجمرة المنطفئة في قلبها.أدركت تمامًا نبل مسعاه، غمرها شعورٌ صادق بالامتنان.غادر جاسم الحديقة وتوجه نحو غرفة المعيشة، وخلفه سارت رهف.توقفت رهف فجأة حين وقع بصرها على التجمع الرجالي الخالص في الصالة؛ ضحكاتٌ صافية تعلو في المكان، وأحاديث مفعمة بالمرح والطلاقة. لا أثر لدخان السجائر أو الكحول، بل مجرد عبق الشاي الأصيل الذي يمتزج بعفوية مطلقة وصدق متناهٍ. ساد الجو دفءٌ عميق باعثٌ على الراحة، يشي بألفة الأصدقاء الحقيقيين.تسمرت خطاها، وخشيت أن يؤدي اقتحامها للصالة إلى تعكير صفو هذه الأجواء. وفي ثواني التردد القليلة تلك، اخترقت نظرات سهيل المسافة لتستقر عليها. ومن تحت عينيه السابرتين، انبعث بريقٌ يمتزج فيه الحزم بالرقة، ورفع يده ليومئ لها بالقدوم.لاحظ الجميع إيماءة سهيل، فالتفتت الأنظار بأكملها نحوها
كان في كلمات سهيل شيء من التواضع المصطنع، لكنها أثارت غبطة رهف بصدق، فرجل بنبل سهيل ومعدنه الأصيل، من الطبيعي أن يحيط نفسه بأصدقاء مخلصين، وكل منهم يعد من صفوة النخبة في مجاله.أشرقت ابتسامتها لتزيدها سحرًا وبهاء.وفي تلك اللحظة، اقترب جاسم وقال: "أتسمح لي باستعارة حبيبتك لبعض الوقت؟"رفع سهيل بصره نحوه، وسأله بنبرة تفيض بالحذر: "وما حاجتك بها؟"التفتت رهف باستغراب، ورفعت رأسها لتتأمل جاسم.جسد جاسم معنى الرجل الصلب الذي لا يلين؛ هادئ، رزين، ومحاط بهالة من العدالة والمهابة تجعل الهواء من حوله يبدو مشبعًا بروح العدل أينما حل.ابتسم جاسم بخفة، ودس إحدى يديه في جيب بنطاله الأسود قائلًا: "مجرد محادثة قصيرة على انفراد، فممَ تخَشِيَ يا رجل؟"نهضت رهف ببطء، ورمقت ملامح جاسم الهادئة كسطح بحيرة، ثم التفتت لترى عيني سهيل الداكنتين اللتين تفيضان بالقلق والتوتر.أدركت الآن ما يخشاه سهيل.خَشِيَ أن يحاول شقيقه إقناعها بالرحيل.ولكن من وجهة نظرها، كان قلق سهيل في غير محله تمامًا.فاليوم، لا توجد قوةٌ على وجه الأرض قادرةٌ على إقناعها بالتخلي عنه.انحنت رهف قليلًا، ووضعت يدها على ظاهر كف سهيل وربتت عل
رفعت رهف عينيها نحو سهيل، فانساب في مآقيها بريقٌ خافت، وتلألأت الدموع كحبات لؤلؤٍ صغير، لتعكس حزنًا دفينًا يتناقض مع الابتسامة المرسومة على شفتيها.انقبض قلب سهيل لهذا المشهد، وسألها بصوتٍ خفيض: "ما... ما الخطب؟"ابتسمت رهف وهزت رأسها نافيةً: "لا شيء يذكر. كل ما في الأمر أنني تأثرتُ قليلًا."ارتفعت زوايا شفتي سهيل بابتسامةٍ خفيفة، وسألها بحيرةٍ بالغة: "أنا أسرد لكِ عيوبكِ، لا محاسنكِ، فما الذي يستدعي كل هذا التأثر؟"تمتمت رهف بصوتٍ خفيض: "أنت لا تدرك الأمر فحسب." ثم وقفت، ومضت بخطىً حازمة باتجاه جواد.انتظرت حتى أنهى جواد حديثه مع ساهر، ثم بادرته بنبرةٍ قاسية وخالية من المجاملة: "سهيل لا تجمعه أي صلةٍ بحبيبتك السابقة يا جواد، وما قدمه من مساعدةٍ لم يكن سوى خدمةٍ عابرة لا تستوجب منها القدوم بنفسها لشكره. إن كانت قد جاءت برفقتك، فأرجو أن تأخذها وترحل. وإن كانت قد جاءت بمفردها، فسأطلب منها المغادرة فورًا."ضحك جواد بارتباكٍ وحرج، وحاول تبرير الموقف: "صديق الصديق صديقٌ لي أيضًا، كما يقولون. ورنا تعمل في مجال المبيعات، فكل ما أرادته هو توسيع دائرة معارفها وبناء علاقاتٍ جديدة، ولا تحمل أي نو
زفر ابن العم باستخفاف، ولم يعقب على كلامه.وفي الجهة الأخرى...توزع الأصدقاء على مقاعد الأرائك الوثيرة، وتجمعوا حول الطاولة لارتشاف الشاي وتذوق الحلوى، مندمجين في أحاديث ونقاشاتٍ حيوية.اقتربت رنا من سهيل، ورسمت على شفتيها ابتسامةً بالغة التهذيب وأحنت رأسها قائلة: "تشرفت بمعرفتك يا سيد سهيل. أود أن أشكرك من أعماق قلبي على توصيتك بالطبيب المعالج في المرة الماضية، فقد تكللت رحلة علاج ابنتي بنجاحٍ باهر، وحين علمتُ من جواد أنك تعرضت لإصابةٍ، طلبتُ أن يصحبني معه لزيارتك والاطمئنان عليك. أصحتك في تحسن الآن؟"أجابها سهيل بكلماتٍ تقتضيها اللياقة فحسب: "نعم، وشكرًا لاهتمامك."تقدم جواد خطوةً للأمام، وافتر ثغره عن ابتسامةٍ متصلبةٍ مفتعلة قائلًا: "لم أتخيل قط أن تعود المياه لمجاريها بينك وبين رهف يا سهيل... مباركٌ لكما."رمقه سهيل بنظراتٍ تفيض بالامتعاض واللوم، وعقد حاجبيه بشدة، فقد رأى في اصطحاب جواد لحبيبته السابقة لزيارته تصرفًا يفوق حد العبث والوقاحة! فرجلٌ متزوج وله طفل يستمر في مرافقة حبيبته السابقة في كل شاردةٍ وواردة... سواء كانت علاقتهما بريئة أم لا، فإن هذا التصرف كفيلٌ بفتح باب الشائعا
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك







