Masukخلف الباب، وقف سهيل مرتديًا ملابس منزلية مريحة زادته وسامةً، وحمل في يده كوبًا من الحليب الدافئ ومده نحوها قائلًا بصوتٍ خفيض يقطر حنانًا: "اشربي هذا الحليب واخلدي إلى النوم مبكرًا. لا ترهقي نفسك بالسهر."تسمرت رهف في مكانها للحظة، ثم سارعت بتناول الكوب من يده وردت: "شكرًا لك، لكن الوقت ما زال مبكرًا، ولا أشعر بالنعاس بعد."رسم سهيل ابتسامة خفيفة وسألها: "أكنتِ تقرئين كتابًا؟""أجل." أومأت رهف برأسها، ثم أرجعته قليلًا إلى الخلف وراحت ترتشف الحليب الدافئ."أنتِ تفقدين الإحساس بالوقت كلما انغمستِ في القراءة." أخرج سهيل هاتفه وأضاء الشاشة ليريها إياها وأردف: "لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل بنصف ساعة، فإلى متى تنوين البقاء مستيقظة؟"وما إن وقع بصرها على التوقيت حتى شهقت بصدمة وكادت تغص بالحليب، فتوقفت عن الشرب فجأة وسعلت بخفة وهي تهتف: "يا إلهي! أتأخر الوقت إلى هذا الحد؟"استقرت نظرات سهيل على قطرة الحليب البيضاء العالقة فوق شفتيها الورديتين، وباندفاع لا إرادي رفع يده ليمسحها، لكنه تدارك نفسه في اللحظة الأخيرة وكور أصابعه بضبط نفس صارم، ثم أنزل ذراعه ببطء وتثاقل، وقال: "لقد تلطخت شفتكِ بالحل
تتبعت عينا سهيل طيف رهف المبتعد، ولم يلبث أن نهض واقفًا."اجلس يا سهيل." أوقفه صوت والده.ما إن استقام سهيل في وقفته حتى أذعن لأمر والده وعاد ليجلس ببطء.ثبت فهد وأحلام أنظارهما عليه بملامح جادة وتفيض بقلة الحيلة.بادر فهد بتقديم نصحه الأبوي، وبنبرة مثقلة بالجدية والحرص قال: "يا بني، هناك أمور في هذه الحياة لا تُنال بالقوة. أستطيع أن أرى بوضوح أن رهف ليست من أولئك الفتيات السطحيات، كما أن عالمها الداخلي وعقلها أكثر استقلالية مما نتصور. وفي غياب ذكرياتكما الجميلة معًا، وبما أنها لم تعد في مرحلة الاندفاع العاطفي... هل تدرك حقًا حجم التحدي في أن تجعل امرأةً ناضجة، مثقفة، بالغة الذكاء ومستقلة تقع في حبك من جديد؟""أدرك." أجاب سهيل بنبرة جادة وأطرق برأسه، ثم أطلق زفرة مثقلة بالضيق احتبست في صدره، وأومأ برأسه مردفًا: "بما أن الأمور قد آلت إلى هذا الحد، سأترك الأمور لمجاريها.""وحتى إن أُعيدت محاكمة والدها وكسبتم القضية، إياك أن تتخذ من ذلك ذريعةً لإجبارها على الزواج؛ المشاعر لا تُبنى على الإكراه بل على التوافق والرضا المتبادل، وهي لا تدين لك بشيء."أسند سهيل ظهره إلى الأريكة وانسدل كتفاه الع
شعرت رهف ببعض التوتر أمام هذه النظرات، فسارعت بالتفسير: "لقد كان مجرد افتراض عشوائي بنيته في مخيلتي، وربما يبدو سخيفًا وبعيدًا عن الواقع."صفق جاسم بيديه، وقال بإعجابٍ جلي: "لا! على الإطلاق! افتراضكِ هذا منطقي لأبعد الحدود يا رهف! مكانكِ ليس في قاعات المحاكم بل في فرق تحقيقات الشرطة، صدقيني. ولقد منحتني للتو مسارًا جديدًا للتحقيق فيه."اعتدلت مريم في جلستها، ورمقتها بنظرة فضحت إعجابها الشديد وهي تقول: "الآن أدركت لماذا تكبد المحامي الشهير عمران النجار عناء التدخل بنفسه واستمالكِ بمقابل مرتفع ليضمكِ إلى مكتبه! يبدو أنك أروع مما ظننت يا زوجة أخي... وبغض النظر عما إذا كان عز البرشومي هو القاتل أم لا، فإن هذه الفرضية جريئة وتتسم بحبكة منطقية محكمة وتفتح بابًا جديدًا للتحقيق."حتى فهد، الصارم الذي يندر أن يبتسم، كانت عيناه تلمعان ببريق من الإعجاب.في تلك اللحظة تجلت الحقيقة أمامه، وبدا وكأنه أدرك السر وراء هوس ابنه الأصغر بهذه المرأة؛ فحين تتجرد من غيوم عائلتها الكئيبة وتزيح عن كاهلها أثقال الحزن، يبرز معدنها الأصيل؛ ذكاء وشجاعة وصلابة ليس لها مثيل.حدقت رهف في الوجوه المحيطة بها مستغربة سي
لمحت مريم أذني شقيقها الأكبر المصبوغتين بالحمرة أسفل شعره القصير، فخمنت أنه لم يلمس حتى يد زوجته بعد.وها هي والدتهما تباغته الآن بمطالبة صريحة بالإنجاب. لا شك أن خياله قد استدعى صورة زوجته الشابة الفاتنة في المنزل، مما أوقعه في هذا الحرج البالغ وجعل أذنيه تشتعلان.ولحسن حظه، كانت بشرته القمحية الداكنة تخفي معالم خجله.ولو كان يمتلك بشرةً فاتحة كشقيقه سهيل لكان وجهه الآن شديد الاحمرار كجمرةٍ متوهجة.على الجانب الآخر...أنهت رهف قراءة الملف وأغلقته بهدوء، ثم رمقت جاسم بنظرة بالغة الجدية، وقالت: "أود الاستفسار عن نقطة محددة من منظور قانوني يا جاسم. ذكر الملف وجود أربعة شهود، من بينهم قديرة السيد زوجة الضحية ممدوح البرشومي. سؤالي هو: هل كانت تمتهن هذا العمل المشبوه بصفة دائمة؟"أوضح جاسم: "لم تكن تمتهنه بصفة دائمة، لكن كلما اشتدت ضائقتهم المالية، كان زوجها الذي يرفض العمل يجبرها على العودة لممارسة البغاء، بل وكان يلعب دور القواد لها."بفضل فقدانها للذاكرة، تحررت رهف من كل القيود العاطفية تجاه قضية والدها، وباتت تنظر للأمر بعين المراقب المحايد وتحلل الموقف ببرود ويقين: "بافتراض أن والدي هو
بعد أن فرغ جاسم من سرد تفاصيل القضية، أطلقت أحلام— التي أمضت عقودًا من عمرها في سلك القضاء— تنهيدةً طويلة وقالت: "آه... لقد تسرع والد رهف وتصرف بتهور حقًا؛ خلاف تافه أوقعه في شباك قضية جنائية كبرى. الأدلة والشهود في هذه القضية دامغة ولا تقبل الدحض، وما لم يعترف القاتل الحقيقي بنفسه فإن احتمالية إعادة المحاكمة أو قلب الحكم تكاد تكون شبه معدومة."علقت مريم متسائلة: "وكيف لقاتل أن يعترف طواعية يا أمي؟"أجابتها أحلام: "بالاستجواب الصارم، والمراوغة، والخداع التكتيكي، واختبارات كشف الكذب... يمكن اللجوء لأي وسيلة لانتزاع الاعتراف، باستثناء التعذيب الجسدي بالطبع."تنهدت مريم بخفة، وجلست متربعةً تسند خدها إلى كفها، ثم قالت بقلة حيلة: "لكن من هو القاتل؟ أخي الأكبر لم يجد أي خيط للتحقيق حتى الآن، صحيح؟ وكما قال، والد رهف خرج من مسرح الجريمة بعد أربعين ثانية فقط من دخوله، لكن لو عُرضت هذه الأربعون ثانية أمام المحكمة، لبدت كأنها المدة التي وقع فيها الاعتداء... وحينها، مهما حاول التبرير، فلن يستطيع دفع التهمة عن نفسه."تجلت ملامح التجهم على وجه فهد، فرفع كوب الشاي وارتشف منه، ثم تنحنح وقال بجدية: "ا
أُلجم لسان جاسم تمامًا وعجز عن الرد.بعد أن سحقه والده بكلماته وجرده من كل قيمة، لم يجد بدًا من ابتلاع كبريائه ومواصلة تناول طعامه في صمت.لم يكتف فهد بذلك، بل حول نظره نحو سهيل الذي كان يأكل بهدوء وقال بنبرة مثقلة بالجدية: "وأنت أيضًا يا سهيل."رفع سهيل رأسه ليواجه نظرات والده وسأل: "وما شأني أنا يا أبي؟""رهف الآن فاقدة للذاكرة، وإن اختارت البقاء معك بملء إرادتها فلن أتدخل في شؤونكما. ولكن إن شعرت رهف بأن بقاءها معك دون زواج رسمي هو مجرد مضيعة لشبابها ووقتها، وقررت الانفصال عنك، فيجب ألا تتصرف بذلك الهوس والتعنت كما كنت تفعل في الماضي. احترم قرارها وحين يحين وقت الرحيل تقبل الهزيمة ودعها ترحل.""عُلم." قال سهيل بعينين خبا بريقهما، وقد خيم الانكسار والكآبة على ملامحه.في تلك اللحظة، رمقته أحلام ومريم وجاسم بنظرات تفيض بالشفقة والتعاطف العميقين.أما رهف، فواصلت تناول طعامها بهدوء، وهي تختلس نظرةً إلى سهيل الجالس إلى جوارها، لتجده غارقًا في الإحباط.بناءً على كلام والده يبدو أن سهيل كان متيمًا بها بشدة في الماضي.لكن والده رجل يتسم برجاحة العقل والمنطق، فلماذا ينظر البقية إلى سهيل بكل ه
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل







