تسجيل الدخولاستيقظت سلمى في صباحها الأول في ديار بني حارث على صوت أذان الفجر يتردد من بعيد، وصوت خطى خفيفة تتحرك في الممرات خارج غرفتها. فتحت عينيها ببطء، وللحظة عابرة نسيت أين هي، ثم عاد كل شيء إليها دفعة واحدة: الزفاف، الطريق الطويل، نظرة الشيخة مضاوي الباردة، همسة هيفاء الجارحة، وذلك اللقاء القصير مع راشد الذي ترك في نفسها أثراً لم تفهمه بعد.
نهضت من فراشها، وتوضأت من إبريق الماء الموضوع بجانب السرير، وصلّت الفجر وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تشعر بغربة لم تعرفها من قبل في حياتها كلها. بعد الصلاة، جلست عند النافذة تراقب الشمس وهي تشرق ببطء فوق الديار الواسعة، تُضيء أفنية حجرية ومزارع نخيل ممتدة على مد البصر، وقطعان من الماشية تُساق نحو المراعي في الصباح الباكر. كان المكان جميلاً بلا شك، لكنه لم يكن بيتها، ولن يكون كذلك، على الأقل ليس بعد. طرقت أم سالم الباب بلطف بعد قليل، حاملة معها طبق إفطار بسيط: خبز طازج، وتمر، وقليل من اللبن. قالت بابتسامة دافئة: "صباح الخير يا ابنتي، أرجو أنك نمتِ جيداً." ابتسمت سلمى بامتنان حقيقي لهذا الوجه الطيب الوحيد الذي رأته حتى الآن في هذا البيت: "صباح النور، نمتُ... قدر المستطاع." ضحكت أم سالم بتفهم: "هذا طبيعي يا ابنتي، كل شيء جديد وغريب. لكن صدقيني، الأيام كفيلة بأن تُذيب الجليد، مهما بدا سميكاً في البداية." بعد الإفطار، جاء راشد بنفسه إلى غرفتها، كما وعدها في الليلة السابقة. وقف عند الباب المفتوح، وقال بنبرة أكثر دفئاً قليلاً من الليلة الماضية: "صباح الخير. إن كنتِ مستعدة، يمكنني أن أُريك البيت وأُعرّفك على من فيه." نهضت سلمى، وسوّت ثوبها، وقالت: "أنا مستعدة." سارا معاً عبر الممرات الحجرية الطويلة، وبدأ راشد يشرح لها بصوت هادئ رسمي: "هذا الجناح الشرقي، فيه غرف الضيوف ومجلس الرجال. لا يحق لك الدخول إليه إلا في المناسبات الكبرى حين تُدعى النساء. أما هذا الجناح الغربي، فهو مخصص للنساء، وفيه ستقضين معظم وقتك." أومأت سلمى برأسها بصمت، تحاول استيعاب تفاصيل هذا العالم الجديد الذي دخلته فجأة. مرّا بجانب باب مغلق بإحكام في نهاية أحد الممرات، لاحظت سلمى أن راشد تباطأ قليلاً في خطواته وهو يمر بجانبه، وأن نظرة عابرة من الألم مرّت في عينيه. لم تسأل، لكنها خمّنت على الفور أن تلك كانت غرفة نورة. تجاوزا الباب بصمت ثقيل، ولم يذكر راشد شيئاً عنه، واكتفت سلمى بأن تحفظ موقعه في ذاكرتها، فضولها الطبيعي يدفعها لمعرفة المزيد، لكن حسها بالاحترام منعها من السؤال في هذه المرحلة المبكرة. وصلا إلى المطبخ الكبير، حيث كانت عدة نساء يعملن بنشاط، يُحضّرن الخبز ويطبخن اللحم في قدور كبيرة. توقفن جميعاً عن العمل حين دخل الشيخ، وانحنين باحترام. قدّمهن راشد لسلمى واحدة تلو الأخرى: "هذه أم فهد، مسؤولة المطبخ منذ عشرين عاماً. وهذه زوجة أخي الأصغر، سعاد، تسكن في الجناح المجاور." ابتسمت النساء بحذر مهذب، لا عداء ظاهر منهن كما رأت من هيفاء، لكن لا حرارة حقيقية أيضاً، بل فضول ممزوج بحيطة واضحة تجاه هذه الغريبة الجديدة التي دخلت حياتهن فجأة. اقتربت منها أم فهد بحذر بعد أن غادر راشد ليتفقد أمراً آخر، وسألتها بفضول مهذب: "هل أنت بخير يا سيدتي؟ كل هذا لا بد أنه مربك جداً بالنسبة لك." تفاجأت سلمى بهذا السؤال المتعاطف من امرأة لا تعرفها، وقالت بصدق: "نعم، مربك فعلاً، لكنني أحاول أن أتأقلم قدر استطاعتي." ابتسمت أم فهد بحنان خفي: "خذي وقتك يا ابنتي، لا أحد يتوقع منك أن تعتادي كل هذا بين ليلة وضحاها." شعرت سلمى بامتنان تجاه هذه اللفتة الصغيرة من امرأة لم تكن تعرف موقفها منها بعد. في فناء البيت الخلفي، رأت سلمى حديقة صغيرة مهملة بعض الشيء، بها بعض الأشجار وأحواض تراب فارغة. سألت راشد بفضول لم تستطع كتمانه: "هل كانت هذه حديقة مزروعة يوماً؟" أجاب بصوت خفيض: "كانت حديقة نورة. كانت تحب زراعة الأعشاب والزهور. لم يهتم بها أحد بعد رحيلها." شعرت سلمى بلحظة تعاطف حقيقي، وقالت دون تفكير: "يمكنني أن أعتني بها، إن سمحت لي. أنا أعرف الكثير عن الأعشاب وزراعتها." نظر إليها راشد بدهشة واضحة، وكأن هذا العرض كان آخر ما توقعه منها. قال بعد صمت قصير: "لم أكن أعرف أن لديك معرفة بهذا المجال." قالت بفخر هادئ: "نعم، تعلمتها من جدتي. أعالج بها بعض أمراض النساء والأطفال في قبيلتي." بدا الاهتمام يلمع في عيني راشد للحظة، ثم قال: "افعلي كما تشائين إذن، الحديقة لك." كانت هذه أول موافقة حقيقية منه على شيء تريده هي، وشعرت سلمى بفرحة صغيرة غير متوقعة تتسلل إلى قلبها المثقل. تابعا الجولة بعد ذلك، ووصلا إلى إسطبل الخيول الكبير، حيث كان عدد من الأحصنة الأصيلة يقف في حظائره المرتبة بعناية. توقف راشد عند حصان أبيض جميل، وربّت على عنقه بحنان واضح. قال: "هذا سيف، أفضل خيولي، ورثته عن والدي. تعلمت الفروسية على ظهره وأنا في العاشرة من عمري." اقتربت سلمى بحذر، ومدت يدها لتلمس عنق الحصان، فتراجع قليلاً في البداية، ثم هدأ حين شعر بلمستها اللطيفة. قالت بابتسامة: "أحب الخيول كثيراً، كان أبي يعلمني ركوبها منذ الصغر، رغم اعتراض بعض نساء القبيلة على ذلك." نظر إليها راشد بإعجاب غير مخفٍ: "امرأة تُتقن الفروسية والطب بالأعشاب معاً؟ يبدو أنك امرأة متعددة المواهب يا سلمى." شعرت بالفخر يتسلل إلى قلبها من هذا الإطراء غير المتوقع، أول إطراء حقيقي تسمعه منه. في طريق عودتهما، مرّا بمكتبة صغيرة ملحقة بالمجلس الرئيسي، مليئة بالكتب والمخطوطات القديمة. توقفت سلمى عند الباب بدهشة واضحة: "كل هذه الكتب! هل تقرأ كثيراً؟" أجاب راشد بفخر هادئ: "جمعها والدي على مدى سنوات طويلة، وأنا أضفت إليها ما استطعت. أحب القراءة في أوقات فراغي القليلة، خاصة كتب التاريخ والشعر." أضاءت عينا سلمى بحماس حقيقي: "أنا أيضاً أحب الشعر كثيراً! هل يمكنني أن أستعير بعض الكتب أحياناً؟" ابتسم راشد للمرة الأولى بشكل يصل إلى عينيه فعلاً: "المكتبة مفتوحة لك دائماً، متى شئت." قبل أن يغادرا المكتبة، سألته سلمى بفضول عن كتاب قديم موضوع بشكل منفرد على رف صغير. قال راشد بنبرة حانية: "هذا كتاب شعر كان والدي يحبه كثيراً، ديوان لشاعر بدوي قديم. كان يقرأ منه لي كل ليلة قبل النوم حين كنت طفلاً." أخذت سلمى الكتاب بحذر، وتصفحته بإعجاب: "هل تسمح لي أن أستعيره أولاً؟" أومأ راشد برأسه بابتسامة: "بالطبع، لكن اعتني به جيداً، فهو من أثمن ما أملك." في نهاية الجولة، وصلا إلى سطح البيت المرتفع، حيث كان يمكن رؤية الديار بأكملها من الأعلى، والصحراء الممتدة إلى ما لا نهاية في الأفق البعيد. وقفا هناك صامتين لحظة، يستمتعان بمنظر الغروب الذهبي. قال راشد بصوت هادئ: "كنت آتي إلى هنا كثيراً بعد وفاة نورة، أجلس وحيداً أتأمل الأفق، أحاول أن أفهم لماذا حدث ما حدث." شعرت سلمى بثقل كلماته، وقالت بحذر: "وهل وجدت إجابة؟" هزّ رأسه ببطء: "لا، لم أجد إجابة كاملة بعد. لكنني بدأت أتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إجابة، بل تحتاج فقط وقتاً وصبراً لنتصالح معها." قبل أن ينزلا من السطح، أشار راشد إلى نجمة ساطعة معينة في السماء، وقال بابتسامة حنونة: "كانت نورة تحب هذه النجمة تحديداً، كانت تسميها نجمتها الخاصة، وتقول إنها ستكون دائماً هناك تراقبنا مهما حدث." نظرت سلمى إلى النجمة بصمت مؤثر، ثم قالت بلطف: "إنها جميلة فعلاً. أعتقد أنها كانت محقة، فبعض الأشياء تبقى ثابتة مهما تغيرت الظروف من حولنا." شعر راشد بامتنان عميق لأن سلمى لم تحاول أبداً أن تُقلل من شأن ذكرياته، بل احتضنتها معه بلطف واحترام، وهذا جعله يشعر براحة أكبر في مشاركة هذه الذكريات معها بدلاً من دفنها في صمت كما اعتاد. جلسا هناك دقائق إضافية، يتأملان السماء الصافية المرصعة بالنجوم، في صمت مريح يحمل أكثر مما تستطيع الكلمات التعبير عنه. وقفا هناك طويلاً، يراقبان آخر خيوط الشمس تختفي خلف كثبان الرمال البعيدة، والسماء تتلون بدرجات من البرتقالي والأرجواني الجميل. شعرت سلمى بسلام غريب يغمرها في تلك اللحظة، سلام لم تتوقع أن تشعر به في هذا المكان الغريب الذي كانت تخشاه قبل أسابيع قليلة. قالت بصوت هادئ متأمل: "المنظر من هنا جميل حقاً، أفهم لماذا تحب المجيء إلى هذا المكان." نظر إليها راشد، لا إلى الأفق هذه المرة، وقال بصدق: "المنظر أجمل اليوم مما اعتدت رؤيته." شعرت سلمى بوجنتيها تحمران من هذه الملاحظة غير المباشرة، ولم تعرف كيف تردّ، فاكتفت بابتسامة صغيرة صامتة. نزلا من السطح أخيراً مع حلول الظلام، وسارا معاً عبر الممرات نحو أجنحتهما المنفصلة. عند مفترق الطرق حيث تنفصل طرقهما، توقف راشد للحظة، وقال: "شكراً لك على هذا اليوم يا سلمى، لم أكن أتوقع أن أستمتع بجولة في بيتي الخاص بهذا الشكل." ابتسمت سلمى بصدق: "وأنا أيضاً استمتعت كثيراً، شكراً لك على وقتك وصبرك في شرح كل شيء." انفصلا بعد ذلك، كل نحو غرفته، لكن كلاهما حمل في داخله شعوراً جديداً بالدفء لم يعرفاه من قبل في هذه العلاقة التي بدأت بالإكراه. في طريقها إلى غرفتها، مرت سلمى بجانب أم سالم التي كانت لا تزال مستيقظة تُرتّب بعض الأغراض. لاحظت العجوز الطيبة الابتسامة الخفيفة التي لا تزال عالقة على وجه سلمى، وقالت بمرح: "يبدو أن جولة اليوم كانت ممتعة." احمرّ وجه سلمى قليلاً، وقالت بحياء: "نعم، تعرفت على البيت أكثر، وعلى... أشياء كثيرة أخرى." ضحكت أم سالم ضحكة عارفة، وقالت وهي تربّت على كتفها: "قلبي يخبرني أن الأيام القادمة ستحمل خيراً كثيراً لكما، يا ابنتي. ثقي بهذا." شعرت سلمى بدفء هذه الكلمات وهي تدخل غرفتها أخيراً، وتستلقي على فراشها تستعيد كل تفاصيل ذلك اليوم الجميل قبل أن يغلبها النعاس أخيراً. في تلك الليلة، حلمت سلمى حلماً غريباً، حلمت أنها تجلس في تلك الحديقة نفسها، لكنها مزدهرة تماماً هذه المرة، مليئة بالورود والأعشاب العطرية، وراشد يجلس بجانبها يبتسم ابتسامة صافية خالية من كل حزن. استيقظت في منتصف الليل، وابتسمت لنفسها في الظلام وهي تتذكر تفاصيل الحلم الجميل، وتساءلت في سرها إن كان هذا الحلم نذيراً بمستقبل حقيقي ينتظرها، أم مجرد أمنية عابرة يصنعها العقل من رحم يوم سعيد. ❖ ❖ ❖مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلم
مرّت الأسابيع التالية بوتيرة أهدأ نسبياً، وبدأت سلمى تشعر بأن الجدار الجليدي الذي أحاط بها منذ وصولها بدأ يذوب ببطء، وإن لم يذب تماماً بعد. لا تزال الشيخة مضاوي تتعامل معها بحذر مهذب، ولا تزال هيفاء تحتفظ بمسافتها، لكن العداء الصريح تراجع قليلاً، وحلّ محله فضول حذر من الجميع تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر تعقيداً وقيمة مما توقعوا.في أحد الأمسيات الدافئة، وجدت سلمى نفسها جالسة تحت شجرة نخيل كبيرة في فناء البيت، تستمتع بنسيم المساء بعد يوم طويل في الحديقة. جاء راشد يمشي في الفناء، رآها هناك، وتردد للحظة قبل أن يقترب. قال: "هل يمكنني الجلوس؟" أومأت سلمى برأسها بترحيب حقيقي هذه المرة، وجلس بجانبها على مسافة محترمة.جلسا صامتين لبرهة، يستمعان لصوت الريح تتحرك بين سعف النخيل، قبل أن يبدأ راشد الحديث بصوت هادئ تأملي: "أتعلمين، هذا المكان تحديداً كان مكاناً أحبه دائماً في هذا البيت. كنت أجلس هنا مع والدي في طفولتي، يحدثني عن القبيلة وتاريخها ومسؤولياتي المستقبلية." قالت سلمى بفضول: "أخبرني عن والدك، لم أسمع أحداً يتحدث عنه." ابتسم راشد بحنين: "كان رجلاً حكيماً، عادلاً، لكنه صارم أيضاً.
وصل خبر شفاء مريم إلى راشد في صباح ذلك اليوم وهو في مجلسه يستقبل بعض رجال القبيلة لمناقشة شؤون الرعي والمياه. قاطعه أحد الخدم بأدب ليخبره بما جرى، وتوقف راشد عن الحديث للحظة، وشعر بدهشة حقيقية تتسلل إليه.بعد انتهاء المجلس، ذهب مباشرة يبحث عن سلمى، ووجدها أخيراً في الحديقة، متعبة من سهر الليلة الفائتة، لكن عينيها كانتا تحملان رضا هادئاً. اقترب منها، ووقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت يحمل احتراماً جديداً لم تسمعه منه من قبل: "سمعت ما فعلتِه من أجل مريم الليلة الماضية. شكراً لك."رفعت سلمى عينيها إليه، متفاجئة بهذا الشكر المباشر: "لم أفعل شيئاً يستحق الشكر، فقط استخدمت ما أعرفه لمساعدة طفلة مريضة. كان يمكن لأي شخص يملك هذه المعرفة أن يفعل المثل." هزّ راشد رأسه: "لكن ليس أي شخص يملك هذه المعرفة، وليس كل من يملكها يسهر ليلة كاملة من أجل طفلة ليست ابنتها ولا قريبتها، في بيت لم يمض عليها فيه سوى أيام قليلة، وسط أناس لم يرحبوا بها كما ينبغي."شعرت سلمى بحرارة تتسلل إلى وجهها من هذا الاعتراف الصادق، وقالت بصوت أخفت: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي وطفلة تتألم أمامي، بغض النظر عمن تكون أو من يكون
في الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد."فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت
استيقظت سلمى في صباحها الأول في ديار بني حارث على صوت أذان الفجر يتردد من بعيد، وصوت خطى خفيفة تتحرك في الممرات خارج غرفتها. فتحت عينيها ببطء، وللحظة عابرة نسيت أين هي، ثم عاد كل شيء إليها دفعة واحدة: الزفاف، الطريق الطويل، نظرة الشيخة مضاوي الباردة، همسة هيفاء الجارحة، وذلك اللقاء القصير مع راشد الذي ترك في نفسها أثراً لم تفهمه بعد.نهضت من فراشها، وتوضأت من إبريق الماء الموضوع بجانب السرير، وصلّت الفجر وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تشعر بغربة لم تعرفها من قبل في حياتها كلها. بعد الصلاة، جلست عند النافذة تراقب الشمس وهي تشرق ببطء فوق الديار الواسعة، تُضيء أفنية حجرية ومزارع نخيل ممتدة على مد البصر، وقطعان من الماشية تُساق نحو المراعي في الصباح الباكر. كان المكان جميلاً بلا شك، لكنه لم يكن بيتها، ولن يكون كذلك، على الأقل ليس بعد.طرقت أم سالم الباب بلطف بعد قليل، حاملة معها طبق إفطار بسيط: خبز طازج، وتمر، وقليل من اللبن. قالت بابتسامة دافئة: "صباح الخير يا ابنتي، أرجو أنك نمتِ جيداً." ابتسمت سلمى بامتنان حقيقي لهذا الوجه الطيب الوحيد الذي رأته حتى الآن في هذا البيت: "صباح النور، نمتُ..
قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو







