بيت / الرومانسية / غرام راشد / الفصل التاسع: حديث تحت شجرة النخيل

مشاركة

الفصل التاسع: حديث تحت شجرة النخيل

مؤلف: farida alzebair
last update تاريخ النشر: 2026-08-20 16:31:03

مرّت الأسابيع التالية بوتيرة أهدأ نسبياً، وبدأت سلمى تشعر بأن الجدار الجليدي الذي أحاط بها منذ وصولها بدأ يذوب ببطء، وإن لم يذب تماماً بعد. لا تزال الشيخة مضاوي تتعامل معها بحذر مهذب، ولا تزال هيفاء تحتفظ بمسافتها، لكن العداء الصريح تراجع قليلاً، وحلّ محله فضول حذر من الجميع تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر تعقيداً وقيمة مما توقعوا.

في أحد الأمسيات الدافئة، وجدت سلمى نفسها جالسة تحت شجرة نخيل كبيرة في فناء البيت، تستمتع بنسيم المساء بعد يوم طويل في الحديقة. جاء راشد يمشي في الفناء، رآها هناك، وتردد للحظة قبل أن يقترب. قال: "هل يمكنني الجلوس؟" أومأت سلمى برأسها بترحيب حقيقي هذه المرة، وجلس بجانبها على مسافة محترمة.

جلسا صامتين لبرهة، يستمعان لصوت الريح تتحرك بين سعف النخيل، قبل أن يبدأ راشد الحديث بصوت هادئ تأملي: "أتعلمين، هذا المكان تحديداً كان مكاناً أحبه دائماً في هذا البيت. كنت أجلس هنا مع والدي في طفولتي، يحدثني عن القبيلة وتاريخها ومسؤولياتي المستقبلية." قالت سلمى بفضول: "أخبرني عن والدك، لم أسمع أحداً يتحدث عنه." ابتسم راشد بحنين: "كان رجلاً حكيماً، عادلاً، لكنه صارم أيضاً. علّمني أن الشيخ الحقيقي هو من يخدم قومه لا من يُخدَم منهم. توفي قبل خمس سنوات، وورثت مكانه وأنا لم أكن مستعداً تماماً، لكنني تعلمت بالممارسة."

سألته سلمى بجرأة هادئة لم تتوقعها من نفسها: "وماذا عن نورة؟ هل تحدثني عنها يوماً؟" توقف راشد للحظة، متفاجئاً بالسؤال المباشر، لكنه لم يشعر بانزعاج كما توقع. قال بصوت خافت: "ربما يوماً ما، حين أكون مستعداً أكثر. الآن لا يزال الأمر... صعباً." تفهّمت سلمى ذلك، وقالت بلطف: "لا بأس، لست في عجلة من أمري. سأكون هنا حين تكون مستعداً."

كانت هذه الكلمات البسيطة، الصادقة، غير المطالبة بشيء، أكثر ما أثّر في راشد منذ وصولها. نظر إليها بامتنان صامت، وشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء لم يشعر به منذ عام كامل: راحة. راحة حقيقية في وجود شخص آخر، دون ضغط أو توقعات ثقيلة.

نظر راشد إلى يديها للحظة، ولاحظ بقايا تراب خفيفة من عملها في الحديقة ذلك الصباح، وابتسم بحنان: "لا تزالين تعملين في الحديقة كل يوم، أليس كذلك؟" أومأت سلمى برأسها بفخر: "نعم، وبدأت الزهور الأولى تتفتح أخيراً. سأريك إياها قريباً حين تكتمل." قال بصدق: "أتطلع لذلك حقاً." شعرت سلمى بدفء صادق من هذا الاهتمام الحقيقي بتفاصيل حياتها الصغيرة، تفاصيل لم يعتقد أحد من قبل أنها تستحق الاهتمام بها بهذا الشكل.

تحدثا بعد ذلك عن أشياء أخف، عن طفولة كل منهما، عن أحلامهما الصغيرة قبل أن تتغير حياتهما بشكل جذري. اكتشف راشد أن سلمى تحب الشعر، وأنها تحفظ الكثير من القصائد القديمة، وطلب منها أن تُنشد له بيتاً، فترددت قليلاً ثم فعلت بصوت هادئ عذب. استمع إليها بانتباه كامل، وشعر لأول مرة منذ زمن طويل أنه يستمتع فعلاً بلحظة، لا يتحملها فقط كواجب.

طلب منها راشد أن تُنشد له مقطعاً من قصيدتها المفضلة، فتنحنحت قليلاً بخجل، ثم بدأت تُلقي أبياتاً عن الصبر والأمل بصوت هادئ رخيم، يتناغم مع حفيف سعف النخيل فوقهما. استمع راشد بانبهار حقيقي، ليس فقط لجمال الأبيات، بل لطريقة إلقائها المؤثرة، وشعر أن صوتها يحمل دفئاً يذيب شيئاً متجمداً في صدره منذ زمن طويل. حين انتهت، صفّق بهدوء وقال: "لم أكن أعرف أن صوتاً يمكن أن يكون بهذا الجمال. يجب أن تُنشدي لي المزيد في أمسيات أخرى." ابتسمت سلمى بخجل ممزوج بفخر: "متى شئت، سأكون سعيدة بذلك."

في تلك الأمسية أيضاً، حكت له سلمى عن حادثة طريفة من طفولتها، حين حاولت مرة أن تُحضّر خلطة عشبية لعلاج جدها من ألم في الظهر، لكنها أخطأت في المقادير فتسببت له بحكة شديدة استمرت يومين كاملين. ضحك راشد بصوت عالٍ حقيقي حين سمع القصة، ضحكة لم يسمعها أحد منه منذ عام كامل، حتى أن هيفاء التي كانت تمر من بعيد توقفت للحظة مندهشة من صوت ضحكته الصادقة. قال وهو لا يزال يضحك: "إذن حتى الخبيرة الكبيرة كانت لها بداياتها المتعثرة!" ضحكت سلمى معه بمرح: "بالطبع! كل خبير كان يوماً مبتدئاً يرتكب الأخطاء. جدي سامحني بعد أن هدأت الحكة، لكنه ظل يمازحني بها لسنوات."

استمر الحديث بينهما بأريحية متزايدة، يتنقلان من موضوع لآخر بسلاسة لم يتوقعاها، حتى شعرا أن الوقت مرّ بسرعة غير معتادة. حين لاحظ راشد أن القمر ارتفع عالياً في السماء، قال بدهشة: "لم أشعر بمرور الوقت إطلاقاً، الوقت يمضي بسرعة غريبة حين أكون بصحبتك." شعرت سلمى بخفقة قلب مفاجئة عند سماع هذا الاعتراف الصادق، وقالت بابتسامة خجولة: "ولا أنا شعرت به أيضاً، بصراحة."

سألها راشد فجأة: "هل تفتقدين أهلك كثيراً؟" صمتت سلمى قليلاً، وشعرت بغصة في حلقها قبل أن تجيب بصدق: "كل يوم. أفتقد أختي الصغرى نوف أكثر من أي شيء آخر، كانت تجلس بجانبي كل مساء تستمع لحكاياتي. وأفتقد أبي، رغم أنني أعرف أنه لم يكن يريد هذا لي، لكنه اضطر." شعر راشد بألم حقيقي تجاه هذا الحنين الصادق، وقال بلطف: "يمكنك زيارتهم، إن أردتِ. لن أمنعك من رؤية أهلك." أضاءت عينا سلمى بأمل حقيقي: "هل تعني هذا فعلاً؟" أومأ راشد برأسه: "بالطبع. لستِ سجينة هنا يا سلمى، أريدك أن تفهمي هذا جيداً."

تابع راشد حديثه بصدق متزايد: "في الواقع، كنت أفكر في دعوة عائلتك لزيارتنا هنا قريباً، حين تستقر الأوضاع أكثر. أعتقد أن هذا سيكون مفيداً لك، ولنا جميعاً، أن نرى أن هذا الزواج، رغم بدايته الصعبة، يمكن أن يجلب لمّ الشمل بدل الفرقة." شعرت سلمى بدهشة سارة من هذا التفكير المتقدم منه، وقالت بامتنان: "هذا كرم منك يا راشد، لم أتوقعه أبداً." أجاب بصدق: "أريد أن أرى الابتسامة على وجهك تدوم، ولقاء أهلك جزء مهم من ذلك."

كانت هذه الكلمات، البسيطة في ظاهرها، عميقة الأثر في نفس سلمى. شعرت لأول مرة منذ وصولها أن هذا الرجل، رغم كل حزنه وصمته، يحمل قلباً طيباً حقيقياً تحت تلك الطبقة الباردة من الرسمية والواجب. قالت بامتنان: "شكراً لك يا راشد، هذا يعني لي الكثير أكثر مما تتخيل." كانت هذه أول مرة تنطق فيها باسمه مباشرة دون لقب "سيدي" الرسمي، ولاحظ هو ذلك، وشعر بدفء غريب يتسلل إلى صدره عند سماع اسمه بصوتها الهادئ العذب.

في اليوم التالي، أوفى راشد بوعده، وأرسل رسولاً موثوقاً إلى بيت آل ناصر يحمل رسالة منه يدعو فيها أهل سلمى لزيارتها بعد أسبوعين، حين تستقر الأوضاع أكثر ويصبح استقبالهم ممكناً بشكل لائق. حين أخبر سلمى بهذا الترتيب، أضاءت عيناها بفرح لم تستطع كتمانه، واندفعت بحركة عفوية نحوه، وأمسكت بيده للحظة قصيرة بامتنان صادق: "شكراً لك، شكراً لك من كل قلبي." شعر راشد بدفء لمستها يسري في جسده كله، ونظر إلى يدها الممسكة بيده للحظة قبل أن تسحبها بخجل مفاجئ، مدركة ربما أنها تجاوزت حدود اللياقة قليلاً. لم يعلّق راشد على الأمر، لكنه شعر بشيء يتغير في داخله، شيء بدأ يشبه رغبة حقيقية في التقرب أكثر من هذه المرأة التي بدأت تعيد الحياة إلى قلبه المتجمد ببطء.

أضافت سلمى بصوت متحمس: "سأخبر نوف بكل شيء حين تأتي، عن الحديقة، وعن مريم، وعن كل ما تغير هنا منذ وصولي." ابتسم راشد وهو يراقب حماسها الطفولي الجميل: "يبدو أنك تحبين أختك كثيراً." أومأت سلمى برأسها بمحبة صادقة: "إنها أعز إنسانة في حياتي بعد أمي، كانت دائماً سندي الصغير في كل شيء." شعر راشد بحنين خفي تجاه فكرة الأخوة، فقال بصوت هادئ: "لم يكن لي إخوة أو أخوات، كنت الابن الوحيد، وأحياناً أتمنى لو كان لي من يشاركني الحديث كما تشاركين أنتِ أختك." نظرت إليه سلمى بتعاطف صادق: "ربما يمكنني أن أكون تلك الشريكة لك أيضاً، إن سمحت لي بذلك." تأثر راشد بعمق بهذا العرض الصادق، وشعر أن هذه المرأة تقدم له شيئاً لم يكن يعرف أنه يحتاجه: رفيقة حقيقية، لا مجرد زوجة بحكم الواجب.

ابتسم راشد بصدق، وقال بصوت هادئ مليء بالامتنان: "أعتقد أنك أصبحت بالفعل تلك الشريكة يا سلمى، دون أن تدركي ذلك حتى." شعرت سلمى بسعادة غامرة تملأ صدرها عند سماع هذا الاعتراف، وابتسمت بدفء صادق، وهي تدرك أن العلاقة بينهما بدأت تتجاوز حدود الزواج المفروض لتصبح شيئاً أعمق وأصدق مما توقعت يوماً.

في تلك الليلة، وحيداً في غرفته، وجد راشد نفسه يفكر في سلمى أكثر مما توقع، يستعيد ضحكتها، حماسها وهي تتحدث عن الأعشاب، لمسة يدها العابرة. حاول أن يقنع نفسه أن هذه مجرد مشاعر امتنان طبيعية تجاه امرأة أثبتت جدارتها، لا أكثر، لكنه في أعماقه شعر أن شيئاً أعمق بدأ يتشكل، شيء لم يكن مستعداً بعد لمواجهته أو تسميته بوضوح.

في غرفتها الخاصة، كانت سلمى أيضاً غارقة في أفكار مماثلة. جلست عند النافذة تتأمل النجوم، وتستعيد تفاصيل تلك الأمسية الجميلة، صوته حين ضحك، دفء يده حين لمستها للحظة. أخرجت دفتراً صغيراً كانت تدوّن فيه أفكارها أحياناً، وكتبت بخط يدها الجميل: "اليوم شعرت بشيء غريب، شيء لم أشعر به من قبل تجاه أي رجل. هل هذا هو الحب الذي تتحدث عنه النساء؟ أم مجرد امتنان يتنكر في ثوب مشاعر أعمق؟ لا أعرف بعد، لكنني أشعر أن قلبي بدأ يتغير تجاه هذا الرجل الذي دخل حياتي بالقسر، لا بالاختيار." أغلقت الدفتر أخيراً، وابتسمت لنفسها في الظلام، تشعر بأمل خافت يتسلل إلى قلبها المثقل بذكريات الماضي وترقب المستقبل المجهول.

قبل أن تنام، نهضت سلمى واقتربت من النافذة مرة أخيرة، ونظرت نحو جناح راشد البعيد، حيث كان لا يزال ضوء خافت يتسرب من نافذته. تساءلت في سرها إن كان يفكر فيها كما تفكر فيه، وابتسمت لنفسها عند هذه الفكرة الجريئة. همست بصوت لا يسمعه أحد: "ليتني أعرف ماذا يدور في ذلك القلب المثقل بالحزن." ثم أغلقت الستائر أخيراً، واستلقت على فراشها، وسرعان ما غلبها النوم بعد يوم طويل مليء بالمشاعر المتضاربة، لكنه كان يوماً حمل بذور أمل حقيقي لم تعرفه منذ زمن طويل.

❖ ❖ ❖

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • غرام راشد   الفصل العاشر: اعتراف صغير

    مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلم

  • غرام راشد   الفصل التاسع: حديث تحت شجرة النخيل

    مرّت الأسابيع التالية بوتيرة أهدأ نسبياً، وبدأت سلمى تشعر بأن الجدار الجليدي الذي أحاط بها منذ وصولها بدأ يذوب ببطء، وإن لم يذب تماماً بعد. لا تزال الشيخة مضاوي تتعامل معها بحذر مهذب، ولا تزال هيفاء تحتفظ بمسافتها، لكن العداء الصريح تراجع قليلاً، وحلّ محله فضول حذر من الجميع تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر تعقيداً وقيمة مما توقعوا.في أحد الأمسيات الدافئة، وجدت سلمى نفسها جالسة تحت شجرة نخيل كبيرة في فناء البيت، تستمتع بنسيم المساء بعد يوم طويل في الحديقة. جاء راشد يمشي في الفناء، رآها هناك، وتردد للحظة قبل أن يقترب. قال: "هل يمكنني الجلوس؟" أومأت سلمى برأسها بترحيب حقيقي هذه المرة، وجلس بجانبها على مسافة محترمة.جلسا صامتين لبرهة، يستمعان لصوت الريح تتحرك بين سعف النخيل، قبل أن يبدأ راشد الحديث بصوت هادئ تأملي: "أتعلمين، هذا المكان تحديداً كان مكاناً أحبه دائماً في هذا البيت. كنت أجلس هنا مع والدي في طفولتي، يحدثني عن القبيلة وتاريخها ومسؤولياتي المستقبلية." قالت سلمى بفضول: "أخبرني عن والدك، لم أسمع أحداً يتحدث عنه." ابتسم راشد بحنين: "كان رجلاً حكيماً، عادلاً، لكنه صارم أيضاً.

  • غرام راشد   الفصل الثامن: نظرة مختلفة

    وصل خبر شفاء مريم إلى راشد في صباح ذلك اليوم وهو في مجلسه يستقبل بعض رجال القبيلة لمناقشة شؤون الرعي والمياه. قاطعه أحد الخدم بأدب ليخبره بما جرى، وتوقف راشد عن الحديث للحظة، وشعر بدهشة حقيقية تتسلل إليه.بعد انتهاء المجلس، ذهب مباشرة يبحث عن سلمى، ووجدها أخيراً في الحديقة، متعبة من سهر الليلة الفائتة، لكن عينيها كانتا تحملان رضا هادئاً. اقترب منها، ووقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت يحمل احتراماً جديداً لم تسمعه منه من قبل: "سمعت ما فعلتِه من أجل مريم الليلة الماضية. شكراً لك."رفعت سلمى عينيها إليه، متفاجئة بهذا الشكر المباشر: "لم أفعل شيئاً يستحق الشكر، فقط استخدمت ما أعرفه لمساعدة طفلة مريضة. كان يمكن لأي شخص يملك هذه المعرفة أن يفعل المثل." هزّ راشد رأسه: "لكن ليس أي شخص يملك هذه المعرفة، وليس كل من يملكها يسهر ليلة كاملة من أجل طفلة ليست ابنتها ولا قريبتها، في بيت لم يمض عليها فيه سوى أيام قليلة، وسط أناس لم يرحبوا بها كما ينبغي."شعرت سلمى بحرارة تتسلل إلى وجهها من هذا الاعتراف الصادق، وقالت بصوت أخفت: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي وطفلة تتألم أمامي، بغض النظر عمن تكون أو من يكون

  • غرام راشد   الفصل السابع: أول بذرة

    في الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد."فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت

  • غرام راشد   الفصل السادس: جولة في البيت الغريب

    استيقظت سلمى في صباحها الأول في ديار بني حارث على صوت أذان الفجر يتردد من بعيد، وصوت خطى خفيفة تتحرك في الممرات خارج غرفتها. فتحت عينيها ببطء، وللحظة عابرة نسيت أين هي، ثم عاد كل شيء إليها دفعة واحدة: الزفاف، الطريق الطويل، نظرة الشيخة مضاوي الباردة، همسة هيفاء الجارحة، وذلك اللقاء القصير مع راشد الذي ترك في نفسها أثراً لم تفهمه بعد.نهضت من فراشها، وتوضأت من إبريق الماء الموضوع بجانب السرير، وصلّت الفجر وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تشعر بغربة لم تعرفها من قبل في حياتها كلها. بعد الصلاة، جلست عند النافذة تراقب الشمس وهي تشرق ببطء فوق الديار الواسعة، تُضيء أفنية حجرية ومزارع نخيل ممتدة على مد البصر، وقطعان من الماشية تُساق نحو المراعي في الصباح الباكر. كان المكان جميلاً بلا شك، لكنه لم يكن بيتها، ولن يكون كذلك، على الأقل ليس بعد.طرقت أم سالم الباب بلطف بعد قليل، حاملة معها طبق إفطار بسيط: خبز طازج، وتمر، وقليل من اللبن. قالت بابتسامة دافئة: "صباح الخير يا ابنتي، أرجو أنك نمتِ جيداً." ابتسمت سلمى بامتنان حقيقي لهذا الوجه الطيب الوحيد الذي رأته حتى الآن في هذا البيت: "صباح النور، نمتُ..

  • غرام راشد   الفصل الخامس: أول لقاء تحت سقف واحد

    قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status