Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل العاشر: اعتراف صغير

Share

الفصل العاشر: اعتراف صغير

last update publish date: 2026-08-20 16:32:13

مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.

في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."

هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.

قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلمى إليه بعينين مليئتين بالتفهم العميق، وقالت بصوت خافت مؤثر: "الحب الحقيقي لا يطلب منا أن نتوقف عن الحياة حين يرحل، بل يعلّمنا كيف نحيا بشكل أعمق تقديراً لما تعلمناه منه."

نظر إليها راشد بدهشة حقيقية أمام حكمتها، وقال: "من أين لك بكل هذه الحكمة وأنتِ في العشرين فقط من عمرك؟" ابتسمت سلمى بتواضع: "ربما من فقدان أشياء كثيرة صغيرة في حياتي، علّمتني أن أتعامل مع الفقد بطريقة مختلفة." اقترب راشد منها قليلاً، بشكل لم يفعله من قبل، ونظر إلى عينيها بعمق: "أشكرك يا سلمى، لتواجدك هنا، لصبرك عليّ، ولكل ما فعلتِه منذ وصولك رغم كل الصعوبات التي واجهتِها."

كانت هذه اللحظة، بكل بساطتها الظاهرية، نقطة تحول حقيقية بينهما. لم تكن كلمات حب صريحة بعد، لكنها كانت اعترافاً صادقاً بأن شيئاً حقيقياً بدأ ينمو بين قلبين التقيا بالصدفة القاسية، لا بالاختيار الحر، لكنهما بدآ يكتشفان أن القدر أحياناً يعرف ما لا نعرفه نحن عن أنفسنا.

بعد صمت طويل مريح، سألته سلمى بفضول حذر: "هل تعتقد أنها كانت لتحبني، لو التقينا في ظروف مختلفة؟" فوجئ راشد بالسؤال، لكنه فكر فيه بجدية قبل أن يجيب: "نورة كانت امرأة ذات قلب كبير، تحب بسهولة وتسامح بسرعة. أعتقد... أعتقد أنها كانت لتحبك فعلاً، خاصة حين ترى شغفك بمساعدة الآخرين، فهذا كان جوهر شخصيتها هي أيضاً." تأثرت سلمى بعمق بهذا الجواب، وشعرت بدموع تتجمع في عينيها: "هذا أجمل ما يمكن أن تقوله لي." نظر إليها راشد بحنان متزايد، وقال: "أقوله لأنني أؤمن به فعلاً، لا لمجرد المجاملة."

بعد لحظة صمت مؤثرة، تابع راشد الحديث بصوت أكثر انفتاحاً: "أتعلمين، منذ وفاتها، كنت أشعر بالذنب كلما ضحكت أو استمتعت بلحظة، كأن سعادتي كانت تعني أنني نسيتها. لكن معك، لأول مرة، لا أشعر بهذا الذنب بنفس القوة. أشعر وكأن السعادة معك لا تُنقص من حبي لها، بل تضيف شيئاً جديداً لحياتي." استمعت سلمى بانتباه عميق، متأثرة بصدق اعترافه، وقالت بحكمة تفوق سنها: "ربما لأن السعادة الحقيقية لا تُقاس بمن نفقده، بل بما نتعلمه من الحب الذي عشناه، ونحمله معنا في كل علاقة جديدة."

نظر إليها راشد بإعجاب متزايد أمام عمق فهمها، وقال: "أشعر أنني أتعلم منك أكثر مما تتخيلين يا سلمى." ابتسمت بتواضع صادق: "وأنا أيضاً أتعلم منك الكثير، عن الصبر، عن قوة الحزن حين يُواجَه بشجاعة بدل أن يُهرَب منه." تبادلا نظرة طويلة مليئة بالتفاهم المتنامي، نظرة بدأت تحمل بذور شيء أعمق من مجرد الصداقة الناشئة بينهما.

كسر راشد ذلك الصمت المشحون أخيراً، وقال بصوت أكثر جدية: "سلمى، أريد أن أخبرك بشيء لم أخبر به أحداً من قبل، حتى فارس نفسه." نظرت إليه بانتباه كامل، تشجعه بصمتها على المتابعة. تابع بصوت أكثر انخفاضاً: "في الليلة التي ماتت فيها نورة، كنت أنا من اقترح إطلاق النار احتفالاً في ذلك التوقيت بالذات، كنت متحمساً وأردت أن تكون اللحظة مثالية. أشعر أحياناً أن يدي، ولو بشكل غير مباشر، كانت جزءاً مما حدث." شعرت سلمى بثقل هذا الاعتراف، واقتربت منه قليلاً، ووضعت يدها بلطف على ذراعه: "راشد، هذا لم يكن ذنبك، لم يكن بإمكانك أن تتوقع حادثة كتلك. الحزن أحياناً يجعلنا نبحث عن ذنب نتحمله، حتى لو لم نكن مسؤولين عنه فعلاً." تأثر راشد بعمق بهذه الكلمات، وشعر لأول مرة أن ثقلاً كان يحمله بصمت منذ عام كامل بدأ يخف قليلاً بفضل تفهمها الصادق.

في تلك اللحظة، سمعا صوت أذان المغرب يتردد من بعيد، فنهضا معاً لأداء الصلاة، كل في مكانه المخصص. بعد الصلاة، عاد راشد إلى مكانه بجانبها تحت شجرة النخيل، وقال بصوت هادئ متأمل: "أتعلمين، أحياناً أشعر أن هذه اللحظات البسيطة، الصلاة معاً، الحديث الهادئ، هي أكثر ما أحتاجه في حياتي الآن، أكثر من أي شيء آخر." أومأت سلمى برأسها بتفهم عميق: "الأشياء البسيطة غالباً ما تكون الأعمق أثراً، لأنها صادقة، غير متكلفة." نظر إليها راشد بإعجاب متجدد: "لديك حكمة نادرة يا سلمى، حكمة تفوق سنواتك بكثير." ابتسمت بتواضع: "ربما، أو ربما أنا فقط أحاول أن أجد معنى في كل تجربة أمرّ بها، مهما كانت صعبة."

جلسا بصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مختلفاً هذه المرة، صمت مشحون بشيء لم يستطع أي منهما تسميته بعد بوضوح، لكنه كان حاضراً بقوة في الهواء بينهما، في نظراتهما المتبادلة، في القرب الجسدي الذي بدأ يتزايد ببطء دون أن يلاحظا ذلك تماماً.

كسرت سلمى الصمت أخيراً، بصوت خافت مختلف عن نبرتها المعتادة: "راشد، أريد أن أسألك شيئاً، وأرجو أن تكون صادقاً معي." نظر إليها بجدية: "دائماً، اسأليني ما تشائين." تنفست بعمق قبل أن تتابع: "هل تعتقد أنك قد تحبني يوماً؟ لا أطلب جواباً الآن، لكنني أحتاج أن أعرف إن كان هذا ممكناً في نظرك، أم أنني أحلم بمستحيل." صمت راشد طويلاً، وبدت عليه علامات صراع داخلي حقيقي قبل أن يجيب بصدق موجع: "لا أعرف يا سلمى، بصراحة تامة. أشعر بأشياء تجاهك لم أشعر بها منذ عام كامل، أشياء تخيفني بقدر ما تُثلج صدري. لكن الحب... الحب يحتاج وقتاً لينمو بشكل صحيح، ولا أريد أن أعدك بشيء لست متأكداً منه تماماً، فأنتِ تستحقين الصدق أكثر من الوعود الفارغة."

تأثرت سلمى بهذا الصدق، رغم أنه لم يكن الجواب الذي تمنته تماماً، لكنها قدّرت شجاعته في عدم التظاهر بمشاعر لم تنضج بعد. قالت بابتسامة حزينة لكنها متفهمة: "أقدّر صدقك يا راشد، أكثر مما تتخيل. سأنتظر، بصبر، وأترك للوقت أن يكشف ما يخبئه لنا." اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها بعمق غير معتاد: "شكراً لك على صبرك وتفهمك يا سلمى، هذا يعني لي أكثر مما تتخيلين أيضاً."

في تلك اللحظة بالذات، هبت نسمة ليلية باردة، فارتجفت سلمى قليلاً من البرد المفاجئ. لاحظ راشد ذلك على الفور، وبدون تفكير كثير، خلع عباءته الخارجية ووضعها بلطف على كتفيها. شعرت سلمى بدفء العباءة، وأيضاً بدفء أعمق ناتج عن هذه اللفتة الحانية البسيطة، ونظرت إليه بامتنان صامت. قال بصوت خافت: "لا أريدك أن تمرضي بسببي." ابتسمت سلمى، وقالت بمرح خفيف: "أنا الطبيبة هنا، تذكر؟ لكن شكراً لك على اهتمامك."

ضحك راشد بصوت هادئ، واقترب أكثر قليلاً، حتى أصبحت المسافة بينهما أضيق من أي وقت مضى منذ زواجهما. شعرا كلاهما بتوتر لطيف يملأ الهواء بينهما، توتر لم يكن موجوداً في بداية معرفتهما، بل نما تدريجياً مع كل حديث ومع كل لحظة قرب صغيرة تراكمت بينهما. لم يتحرك أي منهما لثوانٍ طويلة، فقط تبادلا النظر في صمت مشحون بمعنى لم يجرؤا بعد على تسميته بصراحة.

أخيراً، تراجع راشد بلطف، مدركاً أن الوقت لم يحن بعد لخطوة أبعد من هذا، وقال بصوت هادئ: "يجب أن أدعك ترتاحين الآن، الليل تأخر كثيراً." أومأت سلمى برأسها، وهي تشعر بخيبة أمل خفيفة ممزوجة بفهم حقيقي لحكمة هذا التريث. نهضا معاً، وسارا جنباً إلى جنب نحو أجنحتهما، وقبل أن ينفصلا عند مفترق الممرات، التفت راشد نحوها مرة أخيرة، وقال بابتسامة صادقة: "تصبحين على خير يا سلمى، وشكراً لك على هذه الليلة الجميلة." ابتسمت وهي تراقبه يبتعد، وشعرت أن شيئاً حقيقياً بدأ يتشكل بينهما، ببطء لكن بثبات، مثل بذرة صغيرة تنمو في تربة كانت قاحلة يوماً.

جلسا هناك حتى أظلم الفناء تماماً، ونجوم السماء بدأت تلمع فوقهما واحدة تلو الأخرى، في صمت دافئ مختلف تماماً عن الصمت البارد الذي جمعهما في ليلتهما الأولى، صمت يحمل بدايات شيء جميل لم يكن أي منهما يتوقعه حين بدأت هذه القصة بدم ورصاصة طائشة وقرار قسري لم يخترْه أحد منهما.

قبل أن ينهض راشد للانصراف تلك الليلة، التفت نحوها مرة أخيرة، وقال بصوت خافت مختلف عن نبرته المعتادة: "سلمى، أريد أن أشكرك على شيء آخر أيضاً: على أنك لم تحاولي أبداً أن تجعليني أنسى نورة، أو أن تتنافسي معها في مكانتها. تعاملتِ مع الأمر بنضج لم أتوقعه من أحد." شعرت سلمى بتأثر عميق من هذا الاعتراف، وقالت: "لن أطلب منك أبداً أن تنسى من أحببتها، فهذا جزء منك، ومحوه يعني محو جزء من إنسانيتك الجميلة. كل ما أتمناه هو أن تجد مكاناً صغيراً في قلبك يتسع لي أيضاً، بجانب ذكراها، لا بدلاً منها."

نظر إليها راشد طويلاً في ضوء النجوم الخافت، وشعر أن هذه الكلمات لامست شيئاً عميقاً في داخله لم يجرؤ على الاعتراف به لنفسه بعد. نهض أخيراً، ومد يده بتردد، ولمس كتفها بلطف للحظة قصيرة، لمسة بريئة لكنها حملت معنى أعمق من أي كلام: "تصبحين على خير يا سلمى." ابتسمت وهي تراقبه يبتعد نحو مجلسه، وشعرت بقلبها يخفق بإيقاع جديد، إيقاع بدأ يشبه شيئاً لم تختبره من قبل، شيء قد يكون بداية حب حقيقي ينمو ببطء من بين ركام حزن وخسارة وقرار قسري.

جلست سلمى وحيدة تحت شجرة النخيل دقائق إضافية بعد أن غادر راشد، تستعيد كل كلمة قيلت بينهما تلك الليلة، وتشعر بقلبها يفيض بمشاعر لم تعرف كيف تسميها بعد. رفعت عينيها نحو السماء المرصعة بالنجوم، وهمست بصوت خافت لنفسها: "يا الله، إن كان في هذا خير لي، فقرّبه، وإن كان فيه شر، فاصرفه عني." ثم نهضت أخيراً، وعادت إلى غرفتها بخطى هادئة، تحمل في قلبها بذرة أمل صغيرة بدأت تكبر يوماً بعد يوم في تربة كانت قاحلة يوماً غير بعيد.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status