بيت / الرومانسية / غرام راشد / الفصل العاشر: اعتراف صغير

مشاركة

الفصل العاشر: اعتراف صغير

مؤلف: farida alzebair
last update تاريخ النشر: 2026-08-20 16:32:13

مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.

في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."

هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.

قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلمى إليه بعينين مليئتين بالتفهم العميق، وقالت بصوت خافت مؤثر: "الحب الحقيقي لا يطلب منا أن نتوقف عن الحياة حين يرحل، بل يعلّمنا كيف نحيا بشكل أعمق تقديراً لما تعلمناه منه."

نظر إليها راشد بدهشة حقيقية أمام حكمتها، وقال: "من أين لك بكل هذه الحكمة وأنتِ في العشرين فقط من عمرك؟" ابتسمت سلمى بتواضع: "ربما من فقدان أشياء كثيرة صغيرة في حياتي، علّمتني أن أتعامل مع الفقد بطريقة مختلفة." اقترب راشد منها قليلاً، بشكل لم يفعله من قبل، ونظر إلى عينيها بعمق: "أشكرك يا سلمى، لتواجدك هنا، لصبرك عليّ، ولكل ما فعلتِه منذ وصولك رغم كل الصعوبات التي واجهتِها."

كانت هذه اللحظة، بكل بساطتها الظاهرية، نقطة تحول حقيقية بينهما. لم تكن كلمات حب صريحة بعد، لكنها كانت اعترافاً صادقاً بأن شيئاً حقيقياً بدأ ينمو بين قلبين التقيا بالصدفة القاسية، لا بالاختيار الحر، لكنهما بدآ يكتشفان أن القدر أحياناً يعرف ما لا نعرفه نحن عن أنفسنا.

بعد صمت طويل مريح، سألته سلمى بفضول حذر: "هل تعتقد أنها كانت لتحبني، لو التقينا في ظروف مختلفة؟" فوجئ راشد بالسؤال، لكنه فكر فيه بجدية قبل أن يجيب: "نورة كانت امرأة ذات قلب كبير، تحب بسهولة وتسامح بسرعة. أعتقد... أعتقد أنها كانت لتحبك فعلاً، خاصة حين ترى شغفك بمساعدة الآخرين، فهذا كان جوهر شخصيتها هي أيضاً." تأثرت سلمى بعمق بهذا الجواب، وشعرت بدموع تتجمع في عينيها: "هذا أجمل ما يمكن أن تقوله لي." نظر إليها راشد بحنان متزايد، وقال: "أقوله لأنني أؤمن به فعلاً، لا لمجرد المجاملة."

بعد لحظة صمت مؤثرة، تابع راشد الحديث بصوت أكثر انفتاحاً: "أتعلمين، منذ وفاتها، كنت أشعر بالذنب كلما ضحكت أو استمتعت بلحظة، كأن سعادتي كانت تعني أنني نسيتها. لكن معك، لأول مرة، لا أشعر بهذا الذنب بنفس القوة. أشعر وكأن السعادة معك لا تُنقص من حبي لها، بل تضيف شيئاً جديداً لحياتي." استمعت سلمى بانتباه عميق، متأثرة بصدق اعترافه، وقالت بحكمة تفوق سنها: "ربما لأن السعادة الحقيقية لا تُقاس بمن نفقده، بل بما نتعلمه من الحب الذي عشناه، ونحمله معنا في كل علاقة جديدة."

نظر إليها راشد بإعجاب متزايد أمام عمق فهمها، وقال: "أشعر أنني أتعلم منك أكثر مما تتخيلين يا سلمى." ابتسمت بتواضع صادق: "وأنا أيضاً أتعلم منك الكثير، عن الصبر، عن قوة الحزن حين يُواجَه بشجاعة بدل أن يُهرَب منه." تبادلا نظرة طويلة مليئة بالتفاهم المتنامي، نظرة بدأت تحمل بذور شيء أعمق من مجرد الصداقة الناشئة بينهما.

كسر راشد ذلك الصمت المشحون أخيراً، وقال بصوت أكثر جدية: "سلمى، أريد أن أخبرك بشيء لم أخبر به أحداً من قبل، حتى فارس نفسه." نظرت إليه بانتباه كامل، تشجعه بصمتها على المتابعة. تابع بصوت أكثر انخفاضاً: "في الليلة التي ماتت فيها نورة، كنت أنا من اقترح إطلاق النار احتفالاً في ذلك التوقيت بالذات، كنت متحمساً وأردت أن تكون اللحظة مثالية. أشعر أحياناً أن يدي، ولو بشكل غير مباشر، كانت جزءاً مما حدث." شعرت سلمى بثقل هذا الاعتراف، واقتربت منه قليلاً، ووضعت يدها بلطف على ذراعه: "راشد، هذا لم يكن ذنبك، لم يكن بإمكانك أن تتوقع حادثة كتلك. الحزن أحياناً يجعلنا نبحث عن ذنب نتحمله، حتى لو لم نكن مسؤولين عنه فعلاً." تأثر راشد بعمق بهذه الكلمات، وشعر لأول مرة أن ثقلاً كان يحمله بصمت منذ عام كامل بدأ يخف قليلاً بفضل تفهمها الصادق.

في تلك اللحظة، سمعا صوت أذان المغرب يتردد من بعيد، فنهضا معاً لأداء الصلاة، كل في مكانه المخصص. بعد الصلاة، عاد راشد إلى مكانه بجانبها تحت شجرة النخيل، وقال بصوت هادئ متأمل: "أتعلمين، أحياناً أشعر أن هذه اللحظات البسيطة، الصلاة معاً، الحديث الهادئ، هي أكثر ما أحتاجه في حياتي الآن، أكثر من أي شيء آخر." أومأت سلمى برأسها بتفهم عميق: "الأشياء البسيطة غالباً ما تكون الأعمق أثراً، لأنها صادقة، غير متكلفة." نظر إليها راشد بإعجاب متجدد: "لديك حكمة نادرة يا سلمى، حكمة تفوق سنواتك بكثير." ابتسمت بتواضع: "ربما، أو ربما أنا فقط أحاول أن أجد معنى في كل تجربة أمرّ بها، مهما كانت صعبة."

جلسا بصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مختلفاً هذه المرة، صمت مشحون بشيء لم يستطع أي منهما تسميته بعد بوضوح، لكنه كان حاضراً بقوة في الهواء بينهما، في نظراتهما المتبادلة، في القرب الجسدي الذي بدأ يتزايد ببطء دون أن يلاحظا ذلك تماماً.

كسرت سلمى الصمت أخيراً، بصوت خافت مختلف عن نبرتها المعتادة: "راشد، أريد أن أسألك شيئاً، وأرجو أن تكون صادقاً معي." نظر إليها بجدية: "دائماً، اسأليني ما تشائين." تنفست بعمق قبل أن تتابع: "هل تعتقد أنك قد تحبني يوماً؟ لا أطلب جواباً الآن، لكنني أحتاج أن أعرف إن كان هذا ممكناً في نظرك، أم أنني أحلم بمستحيل." صمت راشد طويلاً، وبدت عليه علامات صراع داخلي حقيقي قبل أن يجيب بصدق موجع: "لا أعرف يا سلمى، بصراحة تامة. أشعر بأشياء تجاهك لم أشعر بها منذ عام كامل، أشياء تخيفني بقدر ما تُثلج صدري. لكن الحب... الحب يحتاج وقتاً لينمو بشكل صحيح، ولا أريد أن أعدك بشيء لست متأكداً منه تماماً، فأنتِ تستحقين الصدق أكثر من الوعود الفارغة."

تأثرت سلمى بهذا الصدق، رغم أنه لم يكن الجواب الذي تمنته تماماً، لكنها قدّرت شجاعته في عدم التظاهر بمشاعر لم تنضج بعد. قالت بابتسامة حزينة لكنها متفهمة: "أقدّر صدقك يا راشد، أكثر مما تتخيل. سأنتظر، بصبر، وأترك للوقت أن يكشف ما يخبئه لنا." اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها بعمق غير معتاد: "شكراً لك على صبرك وتفهمك يا سلمى، هذا يعني لي أكثر مما تتخيلين أيضاً."

في تلك اللحظة بالذات، هبت نسمة ليلية باردة، فارتجفت سلمى قليلاً من البرد المفاجئ. لاحظ راشد ذلك على الفور، وبدون تفكير كثير، خلع عباءته الخارجية ووضعها بلطف على كتفيها. شعرت سلمى بدفء العباءة، وأيضاً بدفء أعمق ناتج عن هذه اللفتة الحانية البسيطة، ونظرت إليه بامتنان صامت. قال بصوت خافت: "لا أريدك أن تمرضي بسببي." ابتسمت سلمى، وقالت بمرح خفيف: "أنا الطبيبة هنا، تذكر؟ لكن شكراً لك على اهتمامك."

ضحك راشد بصوت هادئ، واقترب أكثر قليلاً، حتى أصبحت المسافة بينهما أضيق من أي وقت مضى منذ زواجهما. شعرا كلاهما بتوتر لطيف يملأ الهواء بينهما، توتر لم يكن موجوداً في بداية معرفتهما، بل نما تدريجياً مع كل حديث ومع كل لحظة قرب صغيرة تراكمت بينهما. لم يتحرك أي منهما لثوانٍ طويلة، فقط تبادلا النظر في صمت مشحون بمعنى لم يجرؤا بعد على تسميته بصراحة.

أخيراً، تراجع راشد بلطف، مدركاً أن الوقت لم يحن بعد لخطوة أبعد من هذا، وقال بصوت هادئ: "يجب أن أدعك ترتاحين الآن، الليل تأخر كثيراً." أومأت سلمى برأسها، وهي تشعر بخيبة أمل خفيفة ممزوجة بفهم حقيقي لحكمة هذا التريث. نهضا معاً، وسارا جنباً إلى جنب نحو أجنحتهما، وقبل أن ينفصلا عند مفترق الممرات، التفت راشد نحوها مرة أخيرة، وقال بابتسامة صادقة: "تصبحين على خير يا سلمى، وشكراً لك على هذه الليلة الجميلة." ابتسمت وهي تراقبه يبتعد، وشعرت أن شيئاً حقيقياً بدأ يتشكل بينهما، ببطء لكن بثبات، مثل بذرة صغيرة تنمو في تربة كانت قاحلة يوماً.

جلسا هناك حتى أظلم الفناء تماماً، ونجوم السماء بدأت تلمع فوقهما واحدة تلو الأخرى، في صمت دافئ مختلف تماماً عن الصمت البارد الذي جمعهما في ليلتهما الأولى، صمت يحمل بدايات شيء جميل لم يكن أي منهما يتوقعه حين بدأت هذه القصة بدم ورصاصة طائشة وقرار قسري لم يخترْه أحد منهما.

قبل أن ينهض راشد للانصراف تلك الليلة، التفت نحوها مرة أخيرة، وقال بصوت خافت مختلف عن نبرته المعتادة: "سلمى، أريد أن أشكرك على شيء آخر أيضاً: على أنك لم تحاولي أبداً أن تجعليني أنسى نورة، أو أن تتنافسي معها في مكانتها. تعاملتِ مع الأمر بنضج لم أتوقعه من أحد." شعرت سلمى بتأثر عميق من هذا الاعتراف، وقالت: "لن أطلب منك أبداً أن تنسى من أحببتها، فهذا جزء منك، ومحوه يعني محو جزء من إنسانيتك الجميلة. كل ما أتمناه هو أن تجد مكاناً صغيراً في قلبك يتسع لي أيضاً، بجانب ذكراها، لا بدلاً منها."

نظر إليها راشد طويلاً في ضوء النجوم الخافت، وشعر أن هذه الكلمات لامست شيئاً عميقاً في داخله لم يجرؤ على الاعتراف به لنفسه بعد. نهض أخيراً، ومد يده بتردد، ولمس كتفها بلطف للحظة قصيرة، لمسة بريئة لكنها حملت معنى أعمق من أي كلام: "تصبحين على خير يا سلمى." ابتسمت وهي تراقبه يبتعد نحو مجلسه، وشعرت بقلبها يخفق بإيقاع جديد، إيقاع بدأ يشبه شيئاً لم تختبره من قبل، شيء قد يكون بداية حب حقيقي ينمو ببطء من بين ركام حزن وخسارة وقرار قسري.

جلست سلمى وحيدة تحت شجرة النخيل دقائق إضافية بعد أن غادر راشد، تستعيد كل كلمة قيلت بينهما تلك الليلة، وتشعر بقلبها يفيض بمشاعر لم تعرف كيف تسميها بعد. رفعت عينيها نحو السماء المرصعة بالنجوم، وهمست بصوت خافت لنفسها: "يا الله، إن كان في هذا خير لي، فقرّبه، وإن كان فيه شر، فاصرفه عني." ثم نهضت أخيراً، وعادت إلى غرفتها بخطى هادئة، تحمل في قلبها بذرة أمل صغيرة بدأت تكبر يوماً بعد يوم في تربة كانت قاحلة يوماً غير بعيد.

❖ ❖ ❖

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • غرام راشد   الفصل العاشر: اعتراف صغير

    مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلم

  • غرام راشد   الفصل التاسع: حديث تحت شجرة النخيل

    مرّت الأسابيع التالية بوتيرة أهدأ نسبياً، وبدأت سلمى تشعر بأن الجدار الجليدي الذي أحاط بها منذ وصولها بدأ يذوب ببطء، وإن لم يذب تماماً بعد. لا تزال الشيخة مضاوي تتعامل معها بحذر مهذب، ولا تزال هيفاء تحتفظ بمسافتها، لكن العداء الصريح تراجع قليلاً، وحلّ محله فضول حذر من الجميع تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر تعقيداً وقيمة مما توقعوا.في أحد الأمسيات الدافئة، وجدت سلمى نفسها جالسة تحت شجرة نخيل كبيرة في فناء البيت، تستمتع بنسيم المساء بعد يوم طويل في الحديقة. جاء راشد يمشي في الفناء، رآها هناك، وتردد للحظة قبل أن يقترب. قال: "هل يمكنني الجلوس؟" أومأت سلمى برأسها بترحيب حقيقي هذه المرة، وجلس بجانبها على مسافة محترمة.جلسا صامتين لبرهة، يستمعان لصوت الريح تتحرك بين سعف النخيل، قبل أن يبدأ راشد الحديث بصوت هادئ تأملي: "أتعلمين، هذا المكان تحديداً كان مكاناً أحبه دائماً في هذا البيت. كنت أجلس هنا مع والدي في طفولتي، يحدثني عن القبيلة وتاريخها ومسؤولياتي المستقبلية." قالت سلمى بفضول: "أخبرني عن والدك، لم أسمع أحداً يتحدث عنه." ابتسم راشد بحنين: "كان رجلاً حكيماً، عادلاً، لكنه صارم أيضاً.

  • غرام راشد   الفصل الثامن: نظرة مختلفة

    وصل خبر شفاء مريم إلى راشد في صباح ذلك اليوم وهو في مجلسه يستقبل بعض رجال القبيلة لمناقشة شؤون الرعي والمياه. قاطعه أحد الخدم بأدب ليخبره بما جرى، وتوقف راشد عن الحديث للحظة، وشعر بدهشة حقيقية تتسلل إليه.بعد انتهاء المجلس، ذهب مباشرة يبحث عن سلمى، ووجدها أخيراً في الحديقة، متعبة من سهر الليلة الفائتة، لكن عينيها كانتا تحملان رضا هادئاً. اقترب منها، ووقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت يحمل احتراماً جديداً لم تسمعه منه من قبل: "سمعت ما فعلتِه من أجل مريم الليلة الماضية. شكراً لك."رفعت سلمى عينيها إليه، متفاجئة بهذا الشكر المباشر: "لم أفعل شيئاً يستحق الشكر، فقط استخدمت ما أعرفه لمساعدة طفلة مريضة. كان يمكن لأي شخص يملك هذه المعرفة أن يفعل المثل." هزّ راشد رأسه: "لكن ليس أي شخص يملك هذه المعرفة، وليس كل من يملكها يسهر ليلة كاملة من أجل طفلة ليست ابنتها ولا قريبتها، في بيت لم يمض عليها فيه سوى أيام قليلة، وسط أناس لم يرحبوا بها كما ينبغي."شعرت سلمى بحرارة تتسلل إلى وجهها من هذا الاعتراف الصادق، وقالت بصوت أخفت: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي وطفلة تتألم أمامي، بغض النظر عمن تكون أو من يكون

  • غرام راشد   الفصل السابع: أول بذرة

    في الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد."فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت

  • غرام راشد   الفصل السادس: جولة في البيت الغريب

    استيقظت سلمى في صباحها الأول في ديار بني حارث على صوت أذان الفجر يتردد من بعيد، وصوت خطى خفيفة تتحرك في الممرات خارج غرفتها. فتحت عينيها ببطء، وللحظة عابرة نسيت أين هي، ثم عاد كل شيء إليها دفعة واحدة: الزفاف، الطريق الطويل، نظرة الشيخة مضاوي الباردة، همسة هيفاء الجارحة، وذلك اللقاء القصير مع راشد الذي ترك في نفسها أثراً لم تفهمه بعد.نهضت من فراشها، وتوضأت من إبريق الماء الموضوع بجانب السرير، وصلّت الفجر وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تشعر بغربة لم تعرفها من قبل في حياتها كلها. بعد الصلاة، جلست عند النافذة تراقب الشمس وهي تشرق ببطء فوق الديار الواسعة، تُضيء أفنية حجرية ومزارع نخيل ممتدة على مد البصر، وقطعان من الماشية تُساق نحو المراعي في الصباح الباكر. كان المكان جميلاً بلا شك، لكنه لم يكن بيتها، ولن يكون كذلك، على الأقل ليس بعد.طرقت أم سالم الباب بلطف بعد قليل، حاملة معها طبق إفطار بسيط: خبز طازج، وتمر، وقليل من اللبن. قالت بابتسامة دافئة: "صباح الخير يا ابنتي، أرجو أنك نمتِ جيداً." ابتسمت سلمى بامتنان حقيقي لهذا الوجه الطيب الوحيد الذي رأته حتى الآن في هذا البيت: "صباح النور، نمتُ..

  • غرام راشد   الفصل الخامس: أول لقاء تحت سقف واحد

    قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status