تسجيل الدخولفي الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.
راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد." فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت سلمى بلطف: "أعرف. أخبرني راشد بهذا. لهذا السبب بالذات أردت أن أعتني بها، ليس لأمحو ذكراها، بل لأُبقيها حية بطريقتي الخاصة." لم تُجب هيفاء، لكنها نظرت إلى سلمى نظرة مختلفة قليلاً قبل أن تستدير وتغادر بصمت، تاركة سلمى تتساءل إن كانت قد كسبت خطوة صغيرة في معركة طويلة لم تخترها. عادت هيفاء في اليوم التالي، بشكل مفاجئ لسلمى، وهذه المرة لم تكن تحمل نبرة السخرية نفسها. وقفت عند حافة الحديقة، ونظرت إلى النباتات الصغيرة التي بدأت تنبت، وقالت بتردد واضح: "أتعرفين، كانت نورة تحدثني دائماً عن حلمها بأن تجعل هذه الحديقة أجمل حديقة في الديار كلها. لم تُتح لها الفرصة لتحقيق هذا الحلم." شعرت سلمى بلحظة تواصل إنساني حقيقي، وقالت بصدق: "ربما يمكننا أن نحققه معاً، أنا وأنتِ، إكراماً لذكراها. أنتِ تعرفين ما كانت تحبه أكثر مني، ويمكنك أن تساعديني في اختيار النباتات المناسبة." نظرت هيفاء إليها بدهشة حقيقية أمام هذا العرض غير المتوقع، ثم أومأت برأسها ببطء: "ربما... ربما يمكننا فعل ذلك." كانت هذه أول بادرة تقارب حقيقية بين المرأتين، بداية جسر هش لكنه حقيقي بين ماضٍ مؤلم وحاضر يحاول أن يجد طريقه للسلام. في ذلك المساء، حدثت حادثة غيّرت مجرى الأمور قليلاً. في ذلك المساء، حدثت حادثة غيّرت مجرى الأمور قليلاً. جاءت إحدى الخادمات الصغيرات، فتاة تُدعى مريم لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، تشكو حمى شديدة وسعالاً متواصلاً. ذُعرت أمها، وبدأ الجميع في البيت يتحدثون بقلق عن استدعاء الحكيم من القرية المجاورة، رحلة تستغرق نصف يوم على الأقل. سمعت سلمى الجلبة، وأسرعت لترى ما الأمر. حين رأت حالة الطفلة، وسمعت وصف الأعراض، قالت بثقة هادئة: "يمكنني أن أساعد، إن سمحتم لي. أعرف خلطة أعشاب تُخفف الحمى والسعال بسرعة." نظرت إليها أم الطفلة بشك واضح، فهي لا تعرف هذه الغريبة الجديدة ولا تثق بقدراتها. لكن الأمر تفاقم، وحرارة الطفلة ارتفعت أكثر، فوافقت أخيراً بيأس: "افعلي ما تستطيعين." أسرعت سلمى إلى غرفتها، وأحضرت مجموعة من الأعشاب المجففة التي أحضرتها معها من بيت أهلها، وبدأت تُحضّر خلطة بعناية فائقة: زعتر بري، وينسون، وقليل من عرق السوس، أضافتها إلى ماء ساخن وتركتها تنقع. أعطت الطفلة كوباً صغيراً منها كل ساعة، ووضعت على جبينها قطعة قماش مبللة بماء بارد ممزوج بقليل من الخل. بينما كانت تعتني بالطفلة، حاولت أيضاً أن تُطمئن أمها القلقة، فحدثتها بصوت هادئ واثق عن حالات مشابهة عالجتها من قبل في قبيلتها، وشرحت لها بالتفصيل كيف تعمل كل مكونات الخلطة على تهدئة الحمى وتخفيف السعال. بدأت أم مريم تشعر بثقة متزايدة في هذه الغريبة الجديدة، وجلست بجانبها طوال الليل تساعدها في تغيير الكمادات وتقديم الماء للطفلة المريضة. تحدثتا خلال تلك الساعات الطويلة عن أشياء كثيرة، عن حياة كل منهما، عن مخاوفهما وآمالهما، وبدأت صداقة حقيقية تتشكل بينهما وسط ظروف صعبة كهذه. في تلك الليلة الطويلة أيضاً، سألت أم مريم سلمى عن رأيها في الحياة في هذا البيت حتى الآن، فأجابت سلمى بصدق حذر: "لا أزال أتأقلم، الأمر ليس سهلاً كما تتخيلين، لكنني أحاول أن أجد لنفسي مكاناً هنا بطريقتي الخاصة." هزّت أم مريم رأسها بتفهم: "أعرف شعورك يا سيدتي، أنا أيضاً جئت إلى هذا البيت عروساً غريبة قبل سنوات طويلة، من قبيلة بعيدة. الأمر يحتاج وقتاً، لكن القلوب الطيبة تجد طريقها للتقارب في النهاية، هذا ما تعلمته من تجربتي." شعرت سلمى بعزاء حقيقي من هذه الكلمات، ومن معرفتها أنها ليست الوحيدة التي مرت بتجربة الغربة في هذا البيت. سألتها سلمى بفضول عن قصتها هي: "كيف كانت أول أيامك هنا؟ هل كان الأمر صعباً بالنسبة لك أيضاً؟" ابتسمت أم مريم بحزن حنون وهي تتذكر: "كان صعباً جداً في البداية، لم أكن أعرف أحداً، وكانت لغتي مختلفة قليلاً عن لهجة أهل هذه الديار. بكيت كثيراً في أول أسابيعي هنا. لكن زوجي كان صبوراً معي، وتدريجياً، بدأت أتعلم وأتأقلم، حتى أصبح هذا البيت بيتي الحقيقي الآن، وأصبحت هذه النساء أخواتي." شعرت سلمى بأمل متجدد من هذه القصة، وقالت: "أتمنى أن يحدث لي المثل، أن أشعر يوماً أن هذا المكان بيتي الحقيقي." ربّتت أم مريم على يدها بحنان: "سيحدث هذا يا سيدتي، أثق بذلك. لديك قلب طيب، وهذا كافٍ ليجعلك محبوبة في النهاية، مهما طال الوقت." مع اقتراب الفجر، هدأت حمى مريم تماماً، وفتحت عينيها أخيراً بابتسامة ضعيفة موجهة لسلمى: "شكراً لك يا خالة سلمى." تأثرت سلمى بعمق بهذه الكلمة البسيطة "خالة"، أول لقب حميمي تُناديها به إحدى بنات هذا البيت، وشعرت أن جزءاً صغيراً من قلبها بدأ يجد مكاناً حقيقياً في هذه الديار الغريبة. في الأيام التي تلت شفاء مريم، لاحظت سلمى تغيراً ملحوظاً في طريقة تعامل نساء البيت معها. بدأت بعضهن يُلقين عليها التحية بحرارة أكبر، وأخريات بدأن يسألنها عن نصائح صحية بسيطة، وكأن حادثة مريم كسرت حاجزاً كان قائماً بينها وبين هذا المجتمع الجديد. حتى الخادمات الصغيرات بدأن يبتسمن لها بصدق حين تمر بجانبهن، لا بمجرد المجاملة الشكلية كما كان الحال في الأسبوع الأول. جلست سلمى في نهاية ذلك الأسبوع تكتب رسالة لأختها الصغرى نوف، تحكي لها فيها عن كل ما حدث، عن الحديقة، عن مريم، عن التغيير التدريجي في معاملة أهل البيت لها. كتبت بخط يدها الجميل: "يا أختي الغالية، بدأت أشعر أن هذا المكان قد يصبح بيتاً حقيقياً لي يوماً ما، ليس فقط مكاناً أُقيم فيه مُكرَهة. الأمور تتحسن ببطء، لكنها تتحسن فعلاً." طوت الرسالة بعناية، وسلمتها لأحد الرجال المتجهين نحو ديار آل ناصر في رحلة تجارية، آملة أن تصل قريباً لتُطمئن قلب أختها الصغيرة القلقة عليها. جلست بجانب الطفلة طوال الليل، ترعاها بصبر، تراقب حرارتها وتُغير الكمادات، بينما كانت أم الطفلة تراقبها بمزيج من القلق والأمل. عند الفجر، بدأت حرارة مريم تنخفض تدريجياً، وهدأ سعالها، ونامت أخيراً نوماً هادئاً عميقاً لم تعرفه منذ يومين. انتشر الخبر في البيت بسرعة كبيرة: الزوجة الجديدة أنقذت مريم من حمى شديدة بمعرفتها بالأعشاب. حتى الشيخة مضاوي، التي كانت تراقب الأمر من بعيد بصمت طوال الليل، شعرت بشيء من الإعجاب غير المعلن تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر من مجرد "ثمن دية" مفروض عليهم. في صباح اليوم التالي، جاءت أم مريم إلى غرفة سلمى بنفسها، تحمل بين يديها طبقاً من الحلوى المنزلية كهدية بسيطة. وقفت عند الباب متأثرة، وقالت بصوت يرتجف من العرفان: "لا أعرف كيف أشكرك يا سيدتي، ابنتي كل ما أملك في هذه الدنيا، ولا أدري ماذا كان سيحدث لولا معرفتك ورعايتك تلك الليلة." أخذت سلمى الطبق بامتنان، وقالت بحنان: "لا داعي للشكر، مريم فتاة طيبة، وأنا سعيدة لأنني استطعت مساعدتها. أرجو أن تشعري بالراحة في زيارتي متى شئتِ." بكت الأم بصمت من التأثر، وقبّلت يد سلمى قبل أن تنصرف، تاركة سلمى تشعر بأول انتماء حقيقي لهذا المكان الغريب. في ذلك اليوم أيضاً، جاءت امرأتان أخريان من نساء البيت تشكوان من آلام مختلفة، بعد أن سمعتا بمهارة سلمى الطبية. استقبلتهما سلمى بترحاب، وبدأت تسألهما عن أعراضهما بدقة واهتمام مهني، ثم حضّرت لكل منهما خلطة مناسبة لحالتها. بدأ الخبر ينتشر أكثر فأكثر في أرجاء الديار، وبدأت النساء يتوافدن إليها تدريجياً، ليس بدافع الفضول فقط، بل بحاجة حقيقية لمعرفتها ومهارتها التي أثبتت جدواها بوضوح. بحلول المساء، كانت سلمى قد استقبلت خمس نساء مختلفات، كل واحدة بحالة مختلفة، وشعرت بإرهاق جسدي حقيقي، لكنه إرهاق مصحوب برضا عميق لم تشعر به منذ وصولها. جلست أخيراً في حديقتها الصغيرة، تستريح تحت ضوء القمر، وتفكر في كل ما حدث في يوم واحد فقط. شعرت أن قدرها، رغم قسوته الظاهرية في البداية، ربما كان يحمل لها هدية خفية: فرصة لتحقيق حلمها القديم بطريقة لم تتخيلها من قبل، في مكان لم تختره، لكنه بدأ يفتح لها أبواباً لم تكن لتجدها في بيت أهلها الصغير. قبل أن تأوي إلى فراشها تلك الليلة، مرّت هيفاء بجانبها في الممر، وتوقفت للحظة، وقالت بصوت أكثر دفئاً من المعتاد: "سمعت عما فعلتِه اليوم من أجل النساء المريضات. ربما... ربما كنتُ مخطئة في حكمي المتسرع عليك في البداية." شعرت سلمى بمفاجأة سارة من هذا الاعتراف غير المتوقع، وقالت بلطف: "لا بأس يا هيفاء، أتفهم تماماً أن فقدان شخص عزيز يجعلنا نتصرف بطرق لا نقصدها أحياناً. لا أحمل لك أي ضغينة." ابتسمت هيفاء ابتسامة صغيرة حقيقية، أول ابتسامة توجهها لسلمى منذ وصولها، وقالت قبل أن تنصرف: "ربما يمكننا أن نبدأ من جديد، كصديقتين، لا كخصمتين." شعرت سلمى بفرحة عميقة تملأ قلبها وهي تراقب هيفاء تبتعد، مدركة أن هذا اليوم لم يجلب لها فقط ثقة أهل البيت، بل بداية صداقة حقيقية كانت تظن أنها مستحيلة قبل ساعات قليلة فقط. دخلت غرفتها أخيراً، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وجلست على حافة فراشها تتأمل كل ما جرى في ذلك اليوم الاستثنائي، شاكرة الله بصمت على هذه البدايات الصغيرة التي بدأت تُنبت أملاً حقيقياً في قلبها المتعب. ❖ ❖ ❖مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلم
مرّت الأسابيع التالية بوتيرة أهدأ نسبياً، وبدأت سلمى تشعر بأن الجدار الجليدي الذي أحاط بها منذ وصولها بدأ يذوب ببطء، وإن لم يذب تماماً بعد. لا تزال الشيخة مضاوي تتعامل معها بحذر مهذب، ولا تزال هيفاء تحتفظ بمسافتها، لكن العداء الصريح تراجع قليلاً، وحلّ محله فضول حذر من الجميع تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر تعقيداً وقيمة مما توقعوا.في أحد الأمسيات الدافئة، وجدت سلمى نفسها جالسة تحت شجرة نخيل كبيرة في فناء البيت، تستمتع بنسيم المساء بعد يوم طويل في الحديقة. جاء راشد يمشي في الفناء، رآها هناك، وتردد للحظة قبل أن يقترب. قال: "هل يمكنني الجلوس؟" أومأت سلمى برأسها بترحيب حقيقي هذه المرة، وجلس بجانبها على مسافة محترمة.جلسا صامتين لبرهة، يستمعان لصوت الريح تتحرك بين سعف النخيل، قبل أن يبدأ راشد الحديث بصوت هادئ تأملي: "أتعلمين، هذا المكان تحديداً كان مكاناً أحبه دائماً في هذا البيت. كنت أجلس هنا مع والدي في طفولتي، يحدثني عن القبيلة وتاريخها ومسؤولياتي المستقبلية." قالت سلمى بفضول: "أخبرني عن والدك، لم أسمع أحداً يتحدث عنه." ابتسم راشد بحنين: "كان رجلاً حكيماً، عادلاً، لكنه صارم أيضاً.
وصل خبر شفاء مريم إلى راشد في صباح ذلك اليوم وهو في مجلسه يستقبل بعض رجال القبيلة لمناقشة شؤون الرعي والمياه. قاطعه أحد الخدم بأدب ليخبره بما جرى، وتوقف راشد عن الحديث للحظة، وشعر بدهشة حقيقية تتسلل إليه.بعد انتهاء المجلس، ذهب مباشرة يبحث عن سلمى، ووجدها أخيراً في الحديقة، متعبة من سهر الليلة الفائتة، لكن عينيها كانتا تحملان رضا هادئاً. اقترب منها، ووقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت يحمل احتراماً جديداً لم تسمعه منه من قبل: "سمعت ما فعلتِه من أجل مريم الليلة الماضية. شكراً لك."رفعت سلمى عينيها إليه، متفاجئة بهذا الشكر المباشر: "لم أفعل شيئاً يستحق الشكر، فقط استخدمت ما أعرفه لمساعدة طفلة مريضة. كان يمكن لأي شخص يملك هذه المعرفة أن يفعل المثل." هزّ راشد رأسه: "لكن ليس أي شخص يملك هذه المعرفة، وليس كل من يملكها يسهر ليلة كاملة من أجل طفلة ليست ابنتها ولا قريبتها، في بيت لم يمض عليها فيه سوى أيام قليلة، وسط أناس لم يرحبوا بها كما ينبغي."شعرت سلمى بحرارة تتسلل إلى وجهها من هذا الاعتراف الصادق، وقالت بصوت أخفت: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي وطفلة تتألم أمامي، بغض النظر عمن تكون أو من يكون
في الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد."فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت
استيقظت سلمى في صباحها الأول في ديار بني حارث على صوت أذان الفجر يتردد من بعيد، وصوت خطى خفيفة تتحرك في الممرات خارج غرفتها. فتحت عينيها ببطء، وللحظة عابرة نسيت أين هي، ثم عاد كل شيء إليها دفعة واحدة: الزفاف، الطريق الطويل، نظرة الشيخة مضاوي الباردة، همسة هيفاء الجارحة، وذلك اللقاء القصير مع راشد الذي ترك في نفسها أثراً لم تفهمه بعد.نهضت من فراشها، وتوضأت من إبريق الماء الموضوع بجانب السرير، وصلّت الفجر وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تشعر بغربة لم تعرفها من قبل في حياتها كلها. بعد الصلاة، جلست عند النافذة تراقب الشمس وهي تشرق ببطء فوق الديار الواسعة، تُضيء أفنية حجرية ومزارع نخيل ممتدة على مد البصر، وقطعان من الماشية تُساق نحو المراعي في الصباح الباكر. كان المكان جميلاً بلا شك، لكنه لم يكن بيتها، ولن يكون كذلك، على الأقل ليس بعد.طرقت أم سالم الباب بلطف بعد قليل، حاملة معها طبق إفطار بسيط: خبز طازج، وتمر، وقليل من اللبن. قالت بابتسامة دافئة: "صباح الخير يا ابنتي، أرجو أنك نمتِ جيداً." ابتسمت سلمى بامتنان حقيقي لهذا الوجه الطيب الوحيد الذي رأته حتى الآن في هذا البيت: "صباح النور، نمتُ..
قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو







