Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل السابع: أول بذرة

Share

الفصل السابع: أول بذرة

last update publish date: 2026-08-20 16:28:17

في الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.

راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد."

فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت سلمى بلطف: "أعرف. أخبرني راشد بهذا. لهذا السبب بالذات أردت أن أعتني بها، ليس لأمحو ذكراها، بل لأُبقيها حية بطريقتي الخاصة." لم تُجب هيفاء، لكنها نظرت إلى سلمى نظرة مختلفة قليلاً قبل أن تستدير وتغادر بصمت، تاركة سلمى تتساءل إن كانت قد كسبت خطوة صغيرة في معركة طويلة لم تخترها.

عادت هيفاء في اليوم التالي، بشكل مفاجئ لسلمى، وهذه المرة لم تكن تحمل نبرة السخرية نفسها. وقفت عند حافة الحديقة، ونظرت إلى النباتات الصغيرة التي بدأت تنبت، وقالت بتردد واضح: "أتعرفين، كانت نورة تحدثني دائماً عن حلمها بأن تجعل هذه الحديقة أجمل حديقة في الديار كلها. لم تُتح لها الفرصة لتحقيق هذا الحلم." شعرت سلمى بلحظة تواصل إنساني حقيقي، وقالت بصدق: "ربما يمكننا أن نحققه معاً، أنا وأنتِ، إكراماً لذكراها. أنتِ تعرفين ما كانت تحبه أكثر مني، ويمكنك أن تساعديني في اختيار النباتات المناسبة." نظرت هيفاء إليها بدهشة حقيقية أمام هذا العرض غير المتوقع، ثم أومأت برأسها ببطء: "ربما... ربما يمكننا فعل ذلك." كانت هذه أول بادرة تقارب حقيقية بين المرأتين، بداية جسر هش لكنه حقيقي بين ماضٍ مؤلم وحاضر يحاول أن يجد طريقه للسلام.

في ذلك المساء، حدثت حادثة غيّرت مجرى الأمور قليلاً.

في ذلك المساء، حدثت حادثة غيّرت مجرى الأمور قليلاً. جاءت إحدى الخادمات الصغيرات، فتاة تُدعى مريم لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، تشكو حمى شديدة وسعالاً متواصلاً. ذُعرت أمها، وبدأ الجميع في البيت يتحدثون بقلق عن استدعاء الحكيم من القرية المجاورة، رحلة تستغرق نصف يوم على الأقل.

سمعت سلمى الجلبة، وأسرعت لترى ما الأمر. حين رأت حالة الطفلة، وسمعت وصف الأعراض، قالت بثقة هادئة: "يمكنني أن أساعد، إن سمحتم لي. أعرف خلطة أعشاب تُخفف الحمى والسعال بسرعة." نظرت إليها أم الطفلة بشك واضح، فهي لا تعرف هذه الغريبة الجديدة ولا تثق بقدراتها. لكن الأمر تفاقم، وحرارة الطفلة ارتفعت أكثر، فوافقت أخيراً بيأس: "افعلي ما تستطيعين."

أسرعت سلمى إلى غرفتها، وأحضرت مجموعة من الأعشاب المجففة التي أحضرتها معها من بيت أهلها، وبدأت تُحضّر خلطة بعناية فائقة: زعتر بري، وينسون، وقليل من عرق السوس، أضافتها إلى ماء ساخن وتركتها تنقع. أعطت الطفلة كوباً صغيراً منها كل ساعة، ووضعت على جبينها قطعة قماش مبللة بماء بارد ممزوج بقليل من الخل.

بينما كانت تعتني بالطفلة، حاولت أيضاً أن تُطمئن أمها القلقة، فحدثتها بصوت هادئ واثق عن حالات مشابهة عالجتها من قبل في قبيلتها، وشرحت لها بالتفصيل كيف تعمل كل مكونات الخلطة على تهدئة الحمى وتخفيف السعال. بدأت أم مريم تشعر بثقة متزايدة في هذه الغريبة الجديدة، وجلست بجانبها طوال الليل تساعدها في تغيير الكمادات وتقديم الماء للطفلة المريضة. تحدثتا خلال تلك الساعات الطويلة عن أشياء كثيرة، عن حياة كل منهما، عن مخاوفهما وآمالهما، وبدأت صداقة حقيقية تتشكل بينهما وسط ظروف صعبة كهذه.

في تلك الليلة الطويلة أيضاً، سألت أم مريم سلمى عن رأيها في الحياة في هذا البيت حتى الآن، فأجابت سلمى بصدق حذر: "لا أزال أتأقلم، الأمر ليس سهلاً كما تتخيلين، لكنني أحاول أن أجد لنفسي مكاناً هنا بطريقتي الخاصة." هزّت أم مريم رأسها بتفهم: "أعرف شعورك يا سيدتي، أنا أيضاً جئت إلى هذا البيت عروساً غريبة قبل سنوات طويلة، من قبيلة بعيدة. الأمر يحتاج وقتاً، لكن القلوب الطيبة تجد طريقها للتقارب في النهاية، هذا ما تعلمته من تجربتي." شعرت سلمى بعزاء حقيقي من هذه الكلمات، ومن معرفتها أنها ليست الوحيدة التي مرت بتجربة الغربة في هذا البيت.

سألتها سلمى بفضول عن قصتها هي: "كيف كانت أول أيامك هنا؟ هل كان الأمر صعباً بالنسبة لك أيضاً؟" ابتسمت أم مريم بحزن حنون وهي تتذكر: "كان صعباً جداً في البداية، لم أكن أعرف أحداً، وكانت لغتي مختلفة قليلاً عن لهجة أهل هذه الديار. بكيت كثيراً في أول أسابيعي هنا. لكن زوجي كان صبوراً معي، وتدريجياً، بدأت أتعلم وأتأقلم، حتى أصبح هذا البيت بيتي الحقيقي الآن، وأصبحت هذه النساء أخواتي." شعرت سلمى بأمل متجدد من هذه القصة، وقالت: "أتمنى أن يحدث لي المثل، أن أشعر يوماً أن هذا المكان بيتي الحقيقي." ربّتت أم مريم على يدها بحنان: "سيحدث هذا يا سيدتي، أثق بذلك. لديك قلب طيب، وهذا كافٍ ليجعلك محبوبة في النهاية، مهما طال الوقت."

مع اقتراب الفجر، هدأت حمى مريم تماماً، وفتحت عينيها أخيراً بابتسامة ضعيفة موجهة لسلمى: "شكراً لك يا خالة سلمى." تأثرت سلمى بعمق بهذه الكلمة البسيطة "خالة"، أول لقب حميمي تُناديها به إحدى بنات هذا البيت، وشعرت أن جزءاً صغيراً من قلبها بدأ يجد مكاناً حقيقياً في هذه الديار الغريبة.

في الأيام التي تلت شفاء مريم، لاحظت سلمى تغيراً ملحوظاً في طريقة تعامل نساء البيت معها. بدأت بعضهن يُلقين عليها التحية بحرارة أكبر، وأخريات بدأن يسألنها عن نصائح صحية بسيطة، وكأن حادثة مريم كسرت حاجزاً كان قائماً بينها وبين هذا المجتمع الجديد. حتى الخادمات الصغيرات بدأن يبتسمن لها بصدق حين تمر بجانبهن، لا بمجرد المجاملة الشكلية كما كان الحال في الأسبوع الأول.

جلست سلمى في نهاية ذلك الأسبوع تكتب رسالة لأختها الصغرى نوف، تحكي لها فيها عن كل ما حدث، عن الحديقة، عن مريم، عن التغيير التدريجي في معاملة أهل البيت لها. كتبت بخط يدها الجميل: "يا أختي الغالية، بدأت أشعر أن هذا المكان قد يصبح بيتاً حقيقياً لي يوماً ما، ليس فقط مكاناً أُقيم فيه مُكرَهة. الأمور تتحسن ببطء، لكنها تتحسن فعلاً." طوت الرسالة بعناية، وسلمتها لأحد الرجال المتجهين نحو ديار آل ناصر في رحلة تجارية، آملة أن تصل قريباً لتُطمئن قلب أختها الصغيرة القلقة عليها.

جلست بجانب الطفلة طوال الليل، ترعاها بصبر، تراقب حرارتها وتُغير الكمادات، بينما كانت أم الطفلة تراقبها بمزيج من القلق والأمل. عند الفجر، بدأت حرارة مريم تنخفض تدريجياً، وهدأ سعالها، ونامت أخيراً نوماً هادئاً عميقاً لم تعرفه منذ يومين.

انتشر الخبر في البيت بسرعة كبيرة: الزوجة الجديدة أنقذت مريم من حمى شديدة بمعرفتها بالأعشاب. حتى الشيخة مضاوي، التي كانت تراقب الأمر من بعيد بصمت طوال الليل، شعرت بشيء من الإعجاب غير المعلن تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر من مجرد "ثمن دية" مفروض عليهم.

في صباح اليوم التالي، جاءت أم مريم إلى غرفة سلمى بنفسها، تحمل بين يديها طبقاً من الحلوى المنزلية كهدية بسيطة. وقفت عند الباب متأثرة، وقالت بصوت يرتجف من العرفان: "لا أعرف كيف أشكرك يا سيدتي، ابنتي كل ما أملك في هذه الدنيا، ولا أدري ماذا كان سيحدث لولا معرفتك ورعايتك تلك الليلة." أخذت سلمى الطبق بامتنان، وقالت بحنان: "لا داعي للشكر، مريم فتاة طيبة، وأنا سعيدة لأنني استطعت مساعدتها. أرجو أن تشعري بالراحة في زيارتي متى شئتِ." بكت الأم بصمت من التأثر، وقبّلت يد سلمى قبل أن تنصرف، تاركة سلمى تشعر بأول انتماء حقيقي لهذا المكان الغريب.

في ذلك اليوم أيضاً، جاءت امرأتان أخريان من نساء البيت تشكوان من آلام مختلفة، بعد أن سمعتا بمهارة سلمى الطبية. استقبلتهما سلمى بترحاب، وبدأت تسألهما عن أعراضهما بدقة واهتمام مهني، ثم حضّرت لكل منهما خلطة مناسبة لحالتها. بدأ الخبر ينتشر أكثر فأكثر في أرجاء الديار، وبدأت النساء يتوافدن إليها تدريجياً، ليس بدافع الفضول فقط، بل بحاجة حقيقية لمعرفتها ومهارتها التي أثبتت جدواها بوضوح.

بحلول المساء، كانت سلمى قد استقبلت خمس نساء مختلفات، كل واحدة بحالة مختلفة، وشعرت بإرهاق جسدي حقيقي، لكنه إرهاق مصحوب برضا عميق لم تشعر به منذ وصولها. جلست أخيراً في حديقتها الصغيرة، تستريح تحت ضوء القمر، وتفكر في كل ما حدث في يوم واحد فقط. شعرت أن قدرها، رغم قسوته الظاهرية في البداية، ربما كان يحمل لها هدية خفية: فرصة لتحقيق حلمها القديم بطريقة لم تتخيلها من قبل، في مكان لم تختره، لكنه بدأ يفتح لها أبواباً لم تكن لتجدها في بيت أهلها الصغير.

قبل أن تأوي إلى فراشها تلك الليلة، مرّت هيفاء بجانبها في الممر، وتوقفت للحظة، وقالت بصوت أكثر دفئاً من المعتاد: "سمعت عما فعلتِه اليوم من أجل النساء المريضات. ربما... ربما كنتُ مخطئة في حكمي المتسرع عليك في البداية." شعرت سلمى بمفاجأة سارة من هذا الاعتراف غير المتوقع، وقالت بلطف: "لا بأس يا هيفاء، أتفهم تماماً أن فقدان شخص عزيز يجعلنا نتصرف بطرق لا نقصدها أحياناً. لا أحمل لك أي ضغينة." ابتسمت هيفاء ابتسامة صغيرة حقيقية، أول ابتسامة توجهها لسلمى منذ وصولها، وقالت قبل أن تنصرف: "ربما يمكننا أن نبدأ من جديد، كصديقتين، لا كخصمتين." شعرت سلمى بفرحة عميقة تملأ قلبها وهي تراقب هيفاء تبتعد، مدركة أن هذا اليوم لم يجلب لها فقط ثقة أهل البيت، بل بداية صداقة حقيقية كانت تظن أنها مستحيلة قبل ساعات قليلة فقط. دخلت غرفتها أخيراً، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وجلست على حافة فراشها تتأمل كل ما جرى في ذلك اليوم الاستثنائي، شاكرة الله بصمت على هذه البدايات الصغيرة التي بدأت تُنبت أملاً حقيقياً في قلبها المتعب.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status