تسجيل الدخولوصل خبر شفاء مريم إلى راشد في صباح ذلك اليوم وهو في مجلسه يستقبل بعض رجال القبيلة لمناقشة شؤون الرعي والمياه. قاطعه أحد الخدم بأدب ليخبره بما جرى، وتوقف راشد عن الحديث للحظة، وشعر بدهشة حقيقية تتسلل إليه.
بعد انتهاء المجلس، ذهب مباشرة يبحث عن سلمى، ووجدها أخيراً في الحديقة، متعبة من سهر الليلة الفائتة، لكن عينيها كانتا تحملان رضا هادئاً. اقترب منها، ووقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت يحمل احتراماً جديداً لم تسمعه منه من قبل: "سمعت ما فعلتِه من أجل مريم الليلة الماضية. شكراً لك." رفعت سلمى عينيها إليه، متفاجئة بهذا الشكر المباشر: "لم أفعل شيئاً يستحق الشكر، فقط استخدمت ما أعرفه لمساعدة طفلة مريضة. كان يمكن لأي شخص يملك هذه المعرفة أن يفعل المثل." هزّ راشد رأسه: "لكن ليس أي شخص يملك هذه المعرفة، وليس كل من يملكها يسهر ليلة كاملة من أجل طفلة ليست ابنتها ولا قريبتها، في بيت لم يمض عليها فيه سوى أيام قليلة، وسط أناس لم يرحبوا بها كما ينبغي." شعرت سلمى بحرارة تتسلل إلى وجهها من هذا الاعتراف الصادق، وقالت بصوت أخفت: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي وطفلة تتألم أمامي، بغض النظر عمن تكون أو من يكون أهلها. هذا ما ربّتني عليه جدتي." نظر إليها راشد لحظة طويلة صامتة، وكأنه يراها لأول مرة حقاً، ليس كامرأة فُرضت عليه، بل كإنسانة ذات قيمة حقيقية بحد ذاتها. قال أخيراً: "أعتقد أنني حكمتُ عليك بسرعة أكبر مما ينبغي، منذ اللحظة الأولى. اعتقدت أنك ستكونين عبئاً آخر عليّ أتحمله، لكنني بدأت أرى أنني كنت مخطئاً." ابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة حقيقية، أول ابتسامة كاملة توجهها إليه منذ وصولها: "وأنا اعتقدت أنك ستكون رجلاً باردَ القلب، غارقاً في حزنه لدرجة لا يرى معها أحداً آخر. ربما كلانا كان مخطئاً بعض الشيء." جاءت مضاوي في تلك اللحظة بالذات إلى الحديقة، بحجة تفقّد أحوال البيت، لكن الجميع كان يعرف أنها جاءت لترى بنفسها ما حدث. وقفت تراقب ابنها وزوجته الجديدة يتحدثان بأريحية غير معتادة، وشعرت بمزيج من المشاعر المتضاربة: ارتياح لرؤية ابنها يبتسم بعد طول حزن، لكن أيضاً حسرة خفية لأن هذه الابتسامة لم تكن من أجل نورة. اقتربت أخيراً، وقالت بنبرة أكثر ليونة من المعتاد: "سمعت عن مريم، عمل جميل يا سلمى." كانت هذه أول مرة تنطق فيها مضاوي باسمها مباشرة دون برود، وشعرت سلمى بامتنان صادق: "شكراً لك يا سيدتي، أتمنى أن أكون مفيدة لهذا البيت بكل ما أستطيع." أومأت مضاوي برأسها ببطء، ونظرت إلى ابنها للحظة، قبل أن تنصرف بصمت، تاركة وراءها إحساساً بأن جداراً آخر بدأ يتصدع قليلاً. بعد انصراف مضاوي، عاد الحديث بين راشد وسلمى إلى دفئه السابق. قال راشد بفضول: "أخبريني، ماذا كنتِ تحلمين أن تصبحي قبل أن يتغير كل شيء؟" فكرت سلمى قليلاً قبل أن تجيب بصدق: "كنت أحلم أن أصبح حكيمة القبيلة المعروفة، كجدتي تماماً. أحلم أن يأتي الناس من كل مكان طلباً لعلاجي ونصيحتي." ابتسم راشد بإعجاب: "هذا حلم جميل، ولا أرى سبباً يمنعك من تحقيقه هنا أيضاً. بل أعتقد أنك بدأت تحقيقه بالفعل، بعد ما فعلتِه من أجل مريم." أضاءت عينا سلمى بأمل متجدد: "هل تعتقد ذلك فعلاً؟" أومأ راشد برأسه بثقة: "بالتأكيد. ولم لا أساعدك في هذا؟ يمكنني أن أخصص لك مكاناً في البيت يكون بمثابة عيادة صغيرة، تستقبلين فيها من يحتاج مساعدتك من نساء وأطفال القبيلة." فوجئت سلمى بهذا العرض السخي غير المتوقع، وشعرت بامتنان عميق يفوق الكلمات. قالت بصوت يرتجف قليلاً من التأثر: "لم أتوقع أبداً أن أجد هذا الدعم في بيتك يا راشد، بعد كل ما مررت به من خوف وقلق قبل وصولي." نظر إليها بحنان صادق: "أعتقد أن كلينا فوجئ ببعضنا البعض بطريقة إيجابية يا سلمى. القدر أحياناً يعرف ما لا نعرفه نحن عن أنفسنا." في اليوم التالي، أوفى راشد بوعده فعلياً، وأحضر لها نجاراً ماهراً من القبيلة ليبني لها رفوفاً خشبية بسيطة في ركن هادئ من البيت، مخصصة لتخزين أعشابها وأدواتها. وقف يراقبها وهي تُرتّب أغراضها بحماس طفولي جميل، تصنف كل عشبة في مكانها الصحيح، وتُدوّن أسماءها وفوائدها بخط يدها الأنيق على قطع صغيرة من الجلد المعالج. قال لها بابتسامة: "تبدين سعيدة حقاً وأنتِ تفعلين هذا." رفعت رأسها إليه بابتسامة عريضة صادقة: "أنا سعيدة فعلاً، هذا أول شيء أشعر أنه ملكي حقاً منذ وصولي إلى هنا." شعر راشد بسعادة تسري في قلبه من رؤيتها بهذه الحال المشرقة، سعادة بدأت تتجاوز مجرد الشعور بالواجب تجاهها. بعد أن انتهت من ترتيب أغراضها، جلسا معاً على الأرض، وسط رائحة الأعشاب العطرية التي ملأت المكان. سألها راشد بفضول: "أخبريني عن كل عشبة هنا، ماذا تفعل؟" ضحكت سلمى بمرح: "هذا سيأخذ وقتاً طويلاً!" لكنها بدأت رغم ذلك، تشرح له بحماس عن كل نبتة، فوائدها واستخداماتها، وهو يستمع بانتباه حقيقي، يطرح أسئلة بين الحين والآخر تظهر اهتماماً صادقاً لا مجاملة فارغة. شعرت سلمى بسعادة عميقة لرؤية رجل بمكانته وأهميته يجلس معها بتواضع، يتعلم منها بدل أن يستعلي عليها. في نهاية تلك الجلسة الطويلة، قال راشد بصدق: "أعتقد أنني بدأت أفهم لماذا كنتِ حكيمة قبيلتك الصاعدة، لديك شغف حقيقي بهذا العلم، وقدرة على نقله للآخرين بطريقة سهلة وممتعة." تأثرت سلمى بهذا الإطراء، وقالت بامتنان: "شكراً لك يا راشد، لم يسبق لأحد أن أظهر اهتماماً بهذا القدر بما أفعله، حتى أهلي، رغم حبهم لي، كانوا يعتبرونه مجرد هواية جانبية." نظر إليها بجدية: "أعتقد أنه أكثر بكثير من هواية، إنه موهبة حقيقية يجب أن تُقدَّر وتُنمَّى، وسأدعمك في ذلك بكل ما أستطيع." جلسا معاً حتى وقت متأخر من ذلك المساء، يخططان بحماس مشترك لتفاصيل العيادة الصغيرة المقترحة: أين ستكون، ماذا ستحتاج من أدوات وأعشاب، كيف ستنظم أوقات استقبال المريضات. شعرت سلمى بحماس حقيقي وهي تتحدث عن هذا المشروع الذي بدأ يبدو حلماً قابلاً للتحقق، لا مجرد أمنية بعيدة. لاحظ راشد هذا الحماس المتوهج في عينيها، وشعر بسعادة غريبة تنبع من رؤيتها سعيدة، سعادة لم يتوقع أن يشعر بها تجاه أي شخص بعد رحيل نورة. قبل أن ينصرفا، قال راشد بجدية مفاجئة: "سلمى، أريدك أن تعرفي أنني أقدّر حقاً كل ما تفعلينه، ليس فقط من أجل الآخرين، بل من أجل نفسك أيضاً. تستحقين أن تحققي أحلامك، بغض النظر عن الظروف التي جمعتنا." تأثرت سلمى بعمق بهذا الاعتراف الصادق، وشعرت أن هذا الرجل، الذي دخلت حياته رغماً عنها، بدأ يراها كإنسانة كاملة لها قيمتها الخاصة، لا مجرد واجب مفروض عليه. قبل أن ينصرفا، مرّ فارس بجانب الحديقة، ورأى راشد وسلمى يتحدثان بأريحية، فتوقف للحظة يراقب المشهد بابتسامة خفية، دون أن يقاطعهما. حين انتبه راشد لوجوده أخيراً، لوّح له فارس بيده وابتسم ابتسامة عريضة قبل أن يواصل طريقه، وكأنه يقول بصمت: "أخيراً، أرى فيك بريق الحياة يعود." شعر راشد بحرج خفيف ممزوج بسعادة حين أدرك أن صديقه المقرب لاحظ التغيير الذي بدأ يطرأ عليه، لكنه لم يعلّق، واكتفى بابتسامة صغيرة قبل أن يعود لحديثه مع سلمى. ضحك راشد ضحكة خفيفة حقيقية، أول ضحكة تسمعها سلمى منه، وقال: "ربما فعلاً." وقفا هناك لحظة، في صمت لم يعد ثقيلاً كما كان، بل صمت مريح بدأ يحمل بذور شيء جديد بينهما. كسر راشد الصمت أخيراً: "الحديقة تبدو أفضل بكثير مما كانت عليه." نظرت سلمى حولها بفخر: "لا تزال في بدايتها، لكنني أخطط لزراعة أنواع كثيرة هنا، أعشاب طبية ونباتات عطرية. ربما، مع الوقت، تصبح مصدراً حقيقياً يفيد كل نساء البيت." قال راشد بجدية: "لو احتجتِ أي شيء لهذا المشروع، أخبريني مباشرة. سأوفر لك ما تحتاجينه." كانت هذه أول مرة يعرض فيها عليها شيئاً من تلقاء نفسه، دون أن يكون واجباً مفروضاً عليه، وشعرت سلمى بامتنان صادق تجاه هذه اللفتة البسيطة. جلسا معاً على مقعد حجري قريب من الحديقة، والشمس تميل نحو الغروب، ترسم ظلالاً ذهبية طويلة على الأرض. سألها راشد بفضول متجدد: "أخبريني أكثر عن الأعشاب التي تستخدمينها. أين تعلمتِ كل هذا بالضبط؟" ابتسمت سلمى، وبدأت تحدثه بحماس عن جدتها، عن الرحلات التي كانت تأخذها معها لجمع الأعشاب من الوديان والجبال، عن الوصفات القديمة التي توارثتها العائلة جيلاً بعد جيل. استمع راشد بانتباه حقيقي، منبهراً بشغفها الواضح وهي تتحدث عن مجال تحبه بصدق. قال بعد أن انتهت: "يبدو أنك وجدتِ في هذا العمل معنى حقيقياً لحياتك، أكثر من مجرد هواية." أومأت سلمى برأسها بجدية: "نعم، أشعر أن لي دوراً حقيقياً حين أساعد شخصاً يتألم. هذا يمنحني إحساساً بأنني لست مجرد... امرأة تنتظر مصيرها فقط، بل إنسانة تصنع فرقاً حقيقياً في حياة من حولها." نظر إليها راشد بتقدير عميق، وقال بصدق: "أعتقد أنك ستصنعين فرقاً كبيراً في هذا البيت يا سلمى، أكثر مما تتخيلين." سألته بدورها بفضول متبادل: "وأنت، ماذا كنت تحلم أن تكون قبل أن تصبح شيخاً؟" ضحك راشد ضحكة خافتة عند هذا السؤال غير المتوقع: "لم يكن لي خيار كبير في الحقيقة، فقد وُلدت لأكون شيخاً يوماً ما، هذا واجب العائلة. لكن لو كان لي خيار حر، ربما كنت سأحب أن أكون مسافراً، أستكشف أراضٍ بعيدة لم أرها من قبل، أتعلم عن شعوب وثقافات مختلفة." أضاءت عينا سلمى باهتمام: "هذا حلم جميل أيضاً. ربما يمكنك تحقيقه يوماً، ولو جزئياً، عبر رحلات تجارية أو زيارات دبلوماسية لقبائل بعيدة." فكر راشد في الفكرة بجدية للحظة، ثم قال: "ربما أنتِ محقة، لم أفكر في الأمر من هذه الزاوية من قبل." استمر حديثهما الدافئ حتى بدأت الشمس تختفي تماماً خلف الأفق، وأضاءت النجوم الأولى في السماء المظلمة تدريجياً. شعر كلاهما براحة غريبة في صحبة الآخر، راحة لم يتوقعها أي منهما حين بدأت هذه العلاقة القسرية قبل أسابيع قليلة فقط. قبل أن ينصرفا، أشارت سلمى إلى ركن صغير في الحديقة، وقالت بحماس: "أفكر في زراعة شجرة ليمون هنا، رائحتها تنعش النفس، وثمارها مفيدة لعلاجات كثيرة." وافق راشد بحماس مماثل: "فكرة ممتازة، سأطلب من أحد العمال إحضار شتلة جيدة من القرية المجاورة." نهضا معاً أخيراً، وسارا جنباً إلى جنب نحو داخل البيت، والظلام يلف الديار تدريجياً، لكن كلاهما حمل في قلبه دفئاً جديداً لم يعرفاه من قبل في هذه العلاقة التي بدأت بقسوة الظروف، لكنها بدأت تتحول ببطء إلى شيء أجمل بكثير مما توقعه أي منهما. ❖ ❖ ❖مع مرور الأيام، أصبحت جلسات المساء تحت شجرة النخيل عادة غير معلنة بين راشد وسلمى، يجدان نفسيهما هناك كل يوم تقريباً بعد صلاة المغرب، يتحدثان عن كل شيء وعن لا شيء، ويستمتعان بصحبة بعضهما البعض بشكل لم يتوقعه أي منهما في البداية.في إحدى تلك الأمسيات، بدا على راشد شرود غير معتاد، وسألته سلمى بقلق: "هل كل شيء بخير؟" تنهد راشد، وقال بصوت مثقل: "اليوم ذكرى مرور عامين وشهرين على زواجي من نورة. كنا سنحتفل بهذا اليوم كل عام." شعرت سلمى بحرج مفاجئ، غير متأكدة كيف تتعامل مع هذا الاعتراف الحساس. قالت بحذر: "أتريد أن أتركك وحدك؟ أفهم إن احتجت لذلك."هزّ راشد رأسه بسرعة غير متوقعة: "لا، ابقي. في الواقع... أشعر بالراحة في وجودك، حتى في لحظة كهذه." كانت هذه أول مرة يعترف فيها راشد بشعور إيجابي تجاهها بشكل مباشر، وشعرت سلمى بدفء غريب يملأ صدرها.قال بعد صمت طويل، وكأنه يفتح باباً ظل مغلقاً لوقت طويل: "أتعلمين، كنت أخشى أن أشعر بالذنب إن سمحت لنفسي بالراحة مع شخص آخر غيرها. كأن هذا خيانة لذكراها. لكنني بدأت أدرك، بفضلك ربما، أن هذا ليس خيانة، بل استمراراً للحياة التي كانت تريدها هي لي أيضاً." نظرت سلم
مرّت الأسابيع التالية بوتيرة أهدأ نسبياً، وبدأت سلمى تشعر بأن الجدار الجليدي الذي أحاط بها منذ وصولها بدأ يذوب ببطء، وإن لم يذب تماماً بعد. لا تزال الشيخة مضاوي تتعامل معها بحذر مهذب، ولا تزال هيفاء تحتفظ بمسافتها، لكن العداء الصريح تراجع قليلاً، وحلّ محله فضول حذر من الجميع تجاه هذه الفتاة التي أثبتت أنها أكثر تعقيداً وقيمة مما توقعوا.في أحد الأمسيات الدافئة، وجدت سلمى نفسها جالسة تحت شجرة نخيل كبيرة في فناء البيت، تستمتع بنسيم المساء بعد يوم طويل في الحديقة. جاء راشد يمشي في الفناء، رآها هناك، وتردد للحظة قبل أن يقترب. قال: "هل يمكنني الجلوس؟" أومأت سلمى برأسها بترحيب حقيقي هذه المرة، وجلس بجانبها على مسافة محترمة.جلسا صامتين لبرهة، يستمعان لصوت الريح تتحرك بين سعف النخيل، قبل أن يبدأ راشد الحديث بصوت هادئ تأملي: "أتعلمين، هذا المكان تحديداً كان مكاناً أحبه دائماً في هذا البيت. كنت أجلس هنا مع والدي في طفولتي، يحدثني عن القبيلة وتاريخها ومسؤولياتي المستقبلية." قالت سلمى بفضول: "أخبرني عن والدك، لم أسمع أحداً يتحدث عنه." ابتسم راشد بحنين: "كان رجلاً حكيماً، عادلاً، لكنه صارم أيضاً.
وصل خبر شفاء مريم إلى راشد في صباح ذلك اليوم وهو في مجلسه يستقبل بعض رجال القبيلة لمناقشة شؤون الرعي والمياه. قاطعه أحد الخدم بأدب ليخبره بما جرى، وتوقف راشد عن الحديث للحظة، وشعر بدهشة حقيقية تتسلل إليه.بعد انتهاء المجلس، ذهب مباشرة يبحث عن سلمى، ووجدها أخيراً في الحديقة، متعبة من سهر الليلة الفائتة، لكن عينيها كانتا تحملان رضا هادئاً. اقترب منها، ووقف على مسافة قصيرة، وقال بصوت يحمل احتراماً جديداً لم تسمعه منه من قبل: "سمعت ما فعلتِه من أجل مريم الليلة الماضية. شكراً لك."رفعت سلمى عينيها إليه، متفاجئة بهذا الشكر المباشر: "لم أفعل شيئاً يستحق الشكر، فقط استخدمت ما أعرفه لمساعدة طفلة مريضة. كان يمكن لأي شخص يملك هذه المعرفة أن يفعل المثل." هزّ راشد رأسه: "لكن ليس أي شخص يملك هذه المعرفة، وليس كل من يملكها يسهر ليلة كاملة من أجل طفلة ليست ابنتها ولا قريبتها، في بيت لم يمض عليها فيه سوى أيام قليلة، وسط أناس لم يرحبوا بها كما ينبغي."شعرت سلمى بحرارة تتسلل إلى وجهها من هذا الاعتراف الصادق، وقالت بصوت أخفت: "لم أستطع أن أقف مكتوفة الأيدي وطفلة تتألم أمامي، بغض النظر عمن تكون أو من يكون
في الأيام التالية، بدأت سلمى روتيناً جديداً لنفسها. كانت تستيقظ باكراً، تصلي الفجر، ثم تقضي ساعة كاملة في الحديقة المهملة، تنظف الأحواض من الأعشاب الضارة، وتُحضّر التربة لزراعة ما أحضرته معها من بذور من بيت أهلها. كان هذا العمل يمنحها إحساساً بالسيطرة على شيء في حياتها المضطربة، شعوراً بأنها تبني شيئاً من العدم بيديها هي، لا شيئاً فُرض عليها.راقبتها هيفاء من بعيد في أحد الأيام، وهي تعمل بجد في الحديقة، ثوبها ملطخ بالتراب ويداها متسختان. اقتربت منها أخيراً، ووقفت تراقبها بصمت لبرهة قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من سخرية: "تحاولين أن تُثبتي نفسك بزراعة بضع نباتات؟ هذا لن يجعلك محبوبة هنا." رفعت سلمى رأسها، ونظرت إليها بهدوء تام رغم الوخزة التي شعرت بها: "لا أحاول أن أُثبت شيئاً لأحد، أفعل هذا لأنني أحب هذا العمل، وأجد فيه سلاماً لنفسي. إن أحببتِني يوماً أو كرهتِني، فهذا أمر خارج عن إرادتي، لكنني لن أتوقف عن كوني نفسي من أجل إرضاء أحد."فوجئت هيفاء بهذا الرد الهادئ الواثق، وبدا عليها للحظة تردد غير معتاد. قالت بصوت أخفت قليلاً: "كانت نورة تحب هذه الحديقة كثيراً. كانت تقضي هنا ساعات." أجابت
استيقظت سلمى في صباحها الأول في ديار بني حارث على صوت أذان الفجر يتردد من بعيد، وصوت خطى خفيفة تتحرك في الممرات خارج غرفتها. فتحت عينيها ببطء، وللحظة عابرة نسيت أين هي، ثم عاد كل شيء إليها دفعة واحدة: الزفاف، الطريق الطويل، نظرة الشيخة مضاوي الباردة، همسة هيفاء الجارحة، وذلك اللقاء القصير مع راشد الذي ترك في نفسها أثراً لم تفهمه بعد.نهضت من فراشها، وتوضأت من إبريق الماء الموضوع بجانب السرير، وصلّت الفجر وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تشعر بغربة لم تعرفها من قبل في حياتها كلها. بعد الصلاة، جلست عند النافذة تراقب الشمس وهي تشرق ببطء فوق الديار الواسعة، تُضيء أفنية حجرية ومزارع نخيل ممتدة على مد البصر، وقطعان من الماشية تُساق نحو المراعي في الصباح الباكر. كان المكان جميلاً بلا شك، لكنه لم يكن بيتها، ولن يكون كذلك، على الأقل ليس بعد.طرقت أم سالم الباب بلطف بعد قليل، حاملة معها طبق إفطار بسيط: خبز طازج، وتمر، وقليل من اللبن. قالت بابتسامة دافئة: "صباح الخير يا ابنتي، أرجو أنك نمتِ جيداً." ابتسمت سلمى بامتنان حقيقي لهذا الوجه الطيب الوحيد الذي رأته حتى الآن في هذا البيت: "صباح النور، نمتُ..
قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو







