تسجيل الدخولمرت الليلة على ملاك كأنها دهر. ما عرفتش تذوق النوم لدقيقة واحدة. كانت كل شوية تقف ورا الستارة، تطل بنص عين على العربية السودا اللي قاطعة النفس تحت العمارة. الراجلين اللي واقفين بالبدل السودا ما تحركوش من مكانهم، كأنهم تماثيل من جرانيت محطوطة عشان يفكروا ملاك كل ثانية إن حريتها وحياة أخوها بقوا في إيد رجل مالوش قلب.
مع دقات الساعة تسعة ونص الصبح، كانت ملاك واقفة قدام المراية. ملامحها كان باين عليها الإرهاق، والهالات السودة تحت عينيها بتشهد على ليلة مرعبة، بس لمعة التحدي في عينيها ما انطفتش. لبست جينز أسود وقميص ابيض بسيط، ولمت شعرها الأسود المتموج لكعكة مرفوعة بعناية. أخدت نفس عميق وقالت لنفسها: «لو فاكر إنك هتكسرني بالتهديد يا أدهم، تبقى ما تعرفش مين هي ملاك. أنا مش هروح لك وأنا بلعن ضعفي... أنا هروح عشان أكتشف لعبتك وأحرقها.» الساعة عشرة بالظبط، رن تليفونها. ما ردتش، لأنها سمعت صوت كلكس منتظم تحت البيت. بصلت من الشباك، لقيت عربية مرسيدس سودا أحدث موديل واقفة بدل العربية القديمة، ونزل منها سواق بلبس رسمي فتح الباب الخلفي واستنى. نزلت ملاك بخطوات ثابته، كل خطوة على السلم كانت بتحس إنها بتقرب من فك الأسد. أول ما خرجت من الشارع، السواق انحنى باحترام مزيف وقال: «أتفضلي يا أنسة ملاك، أدهم بك منتظر حضرتك في القصر.» ركبت العربية من غير ما تنطق بكلمة. طوال الطريق، كانت بتبص على شوارع القاهرة اللي بتعدي بسرعة من ورا الزجاج الفاميه. الشوارع الزحمة بدأت تختفي تدريجياً، وبدأت تظهر فيلا وقصور التجمع الخامس الفخمة والمساحات الخضراء الممتدة، لحد ما وقفت العربية قدام بوابات حديدية ضخمة عليها شعار صقر نحاسي كبير. اتفتحت البوابات الأوتوماتيكية، ودخلت العربية في ممر طويل محاط بأشجار عالية، لحد ما وقفت قدام القصر. القصر كان عبارة عن تحفة معمارية مظلمة، بيجمع بين الفخامة والجمال البارد اللي يشبه صاحبه بالظبط. السواق فتح لها الباب: «اتفضلي، الخادمة هتستقبلك جوه.» دخلت ملاك الصالون الرئيسي، أرضيات رخام أبيض بتلمع زي المراية، ثريات كريستال ضخمة نازلة من السقف، ولوحات زيتية غالية جداً. بس المكان رغم فخامته كان فاضي وبارد، مافيش فيه أي روح. وفجأة... سمعت صوت خطوات منتظمة وثرية نازلة على السلم الرخامي. رفعت راسها لتشوف أدهم الصقر نازل بكل هيبته. كان لابس قميص أسود ومطمر أكمامه لغاية ساعده، وبنطلون أسود، شعره متنسق بعناية وعينيه الرمادية بتلمع بنظرة ثقة واستعلاء. وقف قدامها على بعد خطوات، حاطط إيده في جيبه، وبصلها بنظرة تقييم شملتها من فوق لتحت: «كنت مراهن سليم إنك مش هتركبي العربية... بس باين إنك أذكى من إني أفتكرك مجنونة بزيادة.» ملاك ضيقت عينيها ورسمت ابتسامة ساخرة: «أنا جيت هنا مش خوفاً منك يا أدهم بك... أنا جيت عشان أسمع التهريج اللي بتقوله عن أخويا، وأعرف إزاي راجل بقمة نفوذك بيستغل أساليب رخيصة زي دي عشان يأخد حتة أرض!» أدهم ما اتعصبش، بالعكس، ضحك ضحكة هادية وقرب منها خطوة: «أساليب رخيصة؟ ده اسمه "تكتيك إدارة المخاطر". لما أكون عاوز حاجة، بأخدها... بأسهل طريقة أو بأصعب طريقة، ده بيعتمد على الخصم اللي قدامي.» مشى أدهم ناحية مكتب خشبي كبير في زاوية الصالون، مسك ملف أسود ورمى الأوراق على الطاولة: «أخوكي "أحمد"... طالب في سنة تانية هندسة، دخل من شهرين في شراكة مع شباب زمايله لعمل تطبيق إلكتروني. الشباب دول كانوا واخدين تمويل غير مشروع من شركة وهمية مسجلة باسم غسيل أموال. التوقيعات اللي على العقود كلها بتشير إن أخوكي هو المسؤول التنفيذي عن العملية دي. يعني ببساطة... خطوة واحدة مني للنيابة، وأخوكي المستقبلي الباهر ينتهي في السجن قبل ما يبدأ!» ملاك حست بالأرض بتلف بيها. دموع الغيظ اتجمعت في عينيها بس رفضت تنزل. هي عارفة أخوها كويس، طيب وأبيض وما بيفهمش في القوانين، وأكيد أتضحك عليه وغرّوه بالفلوس! قربت من المكتب ومسكت الأوراق بإيد بتترعش، قرأت الأرقام والتوقيعات... الفخ كان معمول بدقة إبليسية. رفعت رأسها وبصت لأدهم بغضب ناري: «أنت اللي عملت الفخ ده! أنت اللي ورّطته عشان تضغط عليا!» أدهم مال بجسمه عليها، وعينيه بقت أضيق وأكثر خطورة: «مش مهم مين اللي عمل الفخ يا ملاك... المهم مين اللي معاه المفتاح. أنا أقدر أختفي الأوراق دي في ثانية، وأضمن لأخوكي الخروج من القصة دي أنظف من الفل... بس لكل حاجة مقابل.» ساد الصمت في القصر. ملاك كانت بتتنفس بصعوبة، حاسة إن الحيطان بتقرب منها، والصقر بيفرد أجنحته عشان يخنقها في مصيدته. سألت بنبرة مبحوحة بس ثابتة: «إيه هو المقابل؟ عاوز الأرض؟ خذ الأرض وانسى إننا اتعرفنا!» أدهم ابتسم ابتسامة مظلمة، ومسك الورقة الأخيرة من الملف وهو بيبصلها بعمق: «الأرض؟ الأرض خلاص بقت تحصيل حاصل... العرض الجديد أتغير يا ملاك. الأرض مقابل براءة أخوكي... أما المقابل لإنك اتجرأتي ودخلتي مكتبي وإهنتيني... هو إنك هتوقعي على العقد ده.» سحبت ملاك الورقة بلهفة وشك، وبدأت تقرأ البنود... وفجأة عينيها وسعت من الصدمة، والورقة وقعت من إيدها على الرخام. البند الأول في العقد كان مكتوب بالخط العريض: «عقد زواج بشرط جزائي لمدة سنة واحدة غير قابل للإلغاء»! بصت له بذهول وعدم تصديق: «أنت... أنت اتجننت؟! زواج؟!» أدهم قرب منها لحد ما بقى ظله مغطيها تماماً، وانخفض لمستوى أذنها وقال بصوت دافي ومرعب: «زواج على الورق قدام الناس... عشان أكسر كبرياءك اللي اتحديتيني بيه، وعشان أضمن إن الفريسة اللي دخلت عريني مش هتخرج منه غير بشروطي. قدامك 60 ثانية يا ملاك... إما توقعي وتكوني حرم أدهم الصقر لمدة سنة... أو تطلعي من الباب ده، وأنا هرفع التليفون للنيابة وأسلم أخوكي بنفسي!» مسك القلم الذهبي ومد إيده ليها، وعينيه بتراقب نهيد صدقها والتخبط المرعب في عينيها. الساعة في إيد أدهم كانت بتكتك بصوت عالي... 60 ثانية فقط بتفصل فتح باب المكتب " دومى حبيبى اتأخرت عليك "استيقظت مايا على خيوط الشمس الذهبية وهي تداعب ستائر غرفتها في سرايا آل الشاذلي، وشعرت برغبة قوية في بدء اليوم بأمل جديد، متناسيةً قليلاً كوابيس الأيام الماضية. نزلت إلى الطابق السفلي حيث كانت العائلة تجتمع حول طاولة الإفطار الفاخرة المليئة بأطياب الطعام.كان صقر الشاذلي يجلس على رأس الطاولة يتابع الأخبار بملامحه الرصينة، بينما تقف ملاك بحنانها المعتاد تشرف على تقديم الأطباق الدافئة.— «صباح الخير يا أجمل عيلة،» قالت مايا وهي تجلس بابتسامة متألقة.رد صقر بحنان وهو يقبل رأسها: «صباح النور يا قلب أباكِ.. شايف ضحكتك منورة النهاردة، شكله الفصل الجديد من الرواية طالع تحفة!»ابتسمت ملاك وهي تسكب الشاي: «ربنا يديم عليكِ الراحة يا مايا يا بنتي. بس قوليلي، خلصتِ الجزء الخاص بالعزومة الرمضانية ولا لسه؟»ضحكت مايا وقالت بشغف: «خلصته يا ماما، والقراء طايرين بيه وبأجوائه على المنصة! بس بصراحة، حاسة إن الأحداث الجاية محتاجة إثارة أكتر.. عاوزة أكتب عن التضحية والشجاعة، حاجة تهز القلوب.»في هذه اللحظة، دخل أخوها الشاب «إياد» الصالون وهو يمسك هاتفه ويبتسم ببلادة وشرود غير معتاد، وعيناه لا تفارق الشاشة.
استيقظت السرايا في الصباح الباكر على حركة غير معتادة. كانت الحقائب تُجمع في البهو الرئيسي، حيث قرر أدهم الصقر وعائلته العودة إلى منزلهم المستقل بعد الاطمئنان التام على استقرار الأوضاع وسلامة مايا. لم يكن مراد يفضل الابتعاد في هذا التوقيت الحرج، لكن والده كان يرى أن العودة لمقراتهم الطبيعية ترسل إشارة قوة للأعداء والمنافسين بأن الحياة تسير بنظامها الصارم ودون أدنى ارتباك. كانت مايا تقف عند الدرج ترتدي زياً رقيقاً باللون الكحلي، تتأمل الحركة في الأسفل بقلب يدق باضطراب خفي. تقدم منها مراد ببدلته الرسمية الداكنة، وساعته الفضية الفاخرة تلمع تحت أنوار البهو. وقف أمامها مباشرة بثباته المعهود، ونظر في عينيها بنبرة حادة لكنها تحمل دفئاً خاصاً: — «إحنا راجعين البيت يا مايا.. بس ده مش معناه إن الحراسة هتقل خطوة واحدة هنا. تليفونك يفضل في إيدك، وأي تحرك بره السرايا لازم أكون بلغت بيه شخصياً.» أومأت مايا برأسها وابتسمت بتوتر: — «فاهمة يا مراد.. بس أنت كمان خذ بالك من نفسك، الشركة فيها حركة غريبة اليومين دول وأنا حاسة إن المنافسين مش هيسكتوا بسهولة.» عدل مراد ياقة قميصه وقال بثقة ثاقبة:
أشرقت شمس الصباح الدافئة لتشق ظلام الصحراء، معلنةً عن ميلاد يوم جديد وانتهاء واحدة من أصعب الليالي التي مرت على عائلة الصقر. كانت سيارات الحراسة والقوات الخاصة تهز الطريق في طريق عودتها، وتتوسطها سيارة مراد التكتيكية. في المقعد الخلفي، كانت مايا تسند رأسها المجهد على كتف مراد، ملفوفة بمعطفه الأسود الضخم الذي يغطيها بالكامل. كانت يدها الصغيرة متشبثة بيده بصلابة، وكأنها تخشى أن تفلته فيعود الكابوس مجدداً. أما مراد، فكان ينظر إليها بين الحين والآخر، يربت على يدها بحنان بالغ، وعيناه اللتان كانت تشعان غضباً منذ ساعات، أصبحت للتو تفيضان بالدفء والأمان. وصل الموكب أخيراً إلى بوابة السرايا الرئيسية. كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، والجميع في حالة ترقب وانتظار يقطع الأنفاس. لحظة اللقاء ودموع الفرح بمجرد أن توقفت السيارة، ركض آدم الشاذلي وملاك ونور نحو الباب. فتح مراد الباب ونزل أولاً، ثم استندت عليه مايا وهي ترتجف خفية من أثر التعب. — «مايا! بنتي!» صرخت ملاك بصوت يحمل كل لوعة الأمومة، وارتمت في أحضان ابنتها تضمها بلهفة وحرقة وهي تقبل رأسها ووجهها ودموعها تسيل بلا توقف: «الحمد لله يا رب!
كانت دقائق الليل الأخيرة تمر كأنها دهور ثقيلة على قلب مايا. في ذلك القبو الأسمنتي المظلم، كانت برودة الأرض تتسرب إلى جسدها، لكن ما كان يرعبها حقاً ليس الظلام ولا البرد، بل النظرات المريضة التي كانت تلاحقها من الخاطف ومساعده الخشن الذي دخل للتو يحمل في يده زجاجة كحول نيسف منها نصفها.وقف الخاطف الرئيسي—المعروف بـ "الديدان"—ينظر إلى ساعته بنفاذ صبر، ثم التفت إلى مساعده وقذف الهاتف على الطاولة الصدئة:— «أدهم الصقر ومراد ما رديوش على الرسالة الأخيرة.. فاكرين إننا بنهوش!»سيطر الغضب والشر على ملامح المساعد الشاحب، واقترب ببطء نحو مايا، تعلو وجهه ابتسامة خبيثة ومقززة جعلت شعر جسدها يقف رعباً.— «يبقى لازم نخليهم يحسوا إن الكلام جد يا معلم.. البنت دي هي القلم اللي هيوجع مراد الصقر العمر كله، ما تيجي نكسر مناخيره ونعرفه إن الله حق؟»اتسعت عينا مايا بذعر شديد، وحاولت التراجع بكرسيها للكنب الخشب المقيد، وسرى الرعب في أوصالها كالنار:— «ابعد عني! أوعى تقربلي يا مجرم يا نذل!»ضحك المساعد بقهقهة شيطانية، واقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه الكريهة على مسافة شبر من وجهها. امتدت يده القذرة لتمسك بياقة ثو
كانت غرفة العمليات في مقر السرايا قد تحولت إلى خلية نحل لا تهدأ؛ شاشات عملاقة معلقة على الجدران تعارض خرائط تتبع رقمية، وحواسيب محمولة تعمل بأعلى كفاءة. كان أدهم الصقر يقف كالطود الشامخ، ينظر إلى الخارطة الرئيسية بعينين تتأقدان جمرة غضب مكتوم، وإلى جواره آدم الشاذلي الذي كان يجري اتصالات رفيعة المستوى لضمان إغلاق كافة الطرق الصحراوية والمنافذ الرئيسية.أما مراد، فقد كان في حالة مختلفة تماماً. كان يرتدي زيه العسكري التكتيكي الأسود، وواقي الرصاص يشد على صدره، وعلى وجهه ملامح حادة كالموس. يدوه كانتا تلتفان حول السلسلة الذهبية ذات قلادة الصقر، يفركها بين إبهامه وسبابته كأنها زجاجة عطر تمد روح ه بالأنفاس وسط هذا الاختناق.اقترب فهد بخطوات سريعة من الطاولة الرئيسية، وأصابعه تعزف على لوحة المفاتيح بسرعة فائقة:— «مراد! أجهزة التتبع لقطت حركة للسيارة السوداء اللي خطفت مايا. استبدلوا لوحاتها المعدنية بعد ثلاث كيلومترات من السرايا، ودخلوا بيها في منطقة المحاجر القديمة طريق بلبيس المهجور!»رفع مراد رأسه فوراً، وتجلت في عينيه نظرة المفترس الذي وجد أثر فريسته:— «المحاجر القديمة؟ ده مكان مهجور ومف
لم تدم حالة الهدوء والسكينة التي خيمت على السرايا إلا لساعات معدودة. في منتصف الظهيرة، وبينما كان مراد يغط في نوم عميق ليستعيد قواه، كانت الأحداث في الخارج تتسارع بوتيرة مرعبة.في مبنى شركة "الصقر للحديد والصلب"، دخل فهد إلى مكتب والده أدهم وهو يحمل في يده ملفاً أسود اللون، وعلامات الصدمة والوجوم تعلو وجهه. أغلق الباب خلفه بإحكام، واقترب من المكتب حيث كان أدهم يتابع حركة الأسهم العالمية.— «بابا.. إحنا اتخدعنا. ضربة امبارح على الطريق الصحراوي كانت مجرد تمويه واستنزاف لقوات العمليات الخاصة وليك إحنا شخصياً!» قالها فهد بصوت خافض ومليء بالتوتر.اعتدل أدهم في جلسته، وضيق عينيه بنظرة ثاقبة:— «وضح كلامك يا فهد.. يعني إيه تمويه؟»فتح فهد الملف وألقى بالتقارير أمامه:— «الخلية اللي اتقبض عليها امبارح كانت مجرد طعم! الهدف الحقيقي كان اختراق الخزنة الرقمية للمجموعة وتسريب تصاميم وخلطات الصلب الخاصة بالعقود الأوروبية. التسريب حصل أثناء ما كان كل التركيز الأمني على الشحنة والمصانع! واللي عمل الاختراق ده.. حد من جوه الشركة، ومعاه صلاحيات عالية جداً.»في هذه اللحظة، قطعت سكون المكتب ضربات هادئة عل







