Masuk
في مكان مليان زحمة وناس كتير، شافت نور عمر لأول مرة.
قلبها دقّ بشكل غريب، دقّة ما فهمتهاش وقتها، زي حاجة غريبة واخدة كل جسمها معاه. حاولت تسيطر على نفسها، تحسّس قلبها إنه عادي، لكنه كان بيرقص من جوه. كانت حاسة بحاجة مختلفة، حاجة صغيرة لكنها عمّقت كل إحساسها، رغم إنهم ما اتكلموش ولا كلمة. ورغم كل الزحمة دي، عينيها ما كانتش شايفة غيره. كأنهم لوحدهم في المكان، كأن باقي العالم اختفى. كل حركة منه، كل نظرة، كانت بتخلي قلبها يتوتر. لما كان بيقرب منها، أو يقف يتكلم مع حد من اللي حواليها، كانت بتثبت مكانها وتحاول تمنع عينيها تبص له… بس أول ما كان يبعد، عينيها كانت تخونها وتدور عليه وسط الناس، كأنها محتاجة تتأكد إنه لسه موجود. كانت الشمس بتنزل من الشبابيك الكبيرة للقاعة، والضوء بيلمع على الأرضية، والناس حواليها بيتحركوا بسرعة، كل واحد مشغول بنفسه، لكن هي… هي كل تركيزها عليه. كان قلبها بيرتجف من كل حركة بسيطة، من كل ضحكة منه، من كل كلمة بيقولها لصحابه. كانوا في نفس الجامعة، يعني بيشوفوا بعض كل يوم. هو وجودها ما كانش فارق معاه، ولا حتى واخد باله إنها هناك. بس هي؟ هي كانت بتحس كل لحظة، كل ثانية، كأن قلبها مش قادر يتحمل غيابه ولو للحظة قصيرة. كل مرة كان يبص ناحية تانية، كانت تحاول تتجاهل النظرات اللي بتتقاطع بالصدفة، وتحس إنها ضايعة من غيره، حتى لو كان مجرد مرور بسيط قدامها. وفي يوم، كانت قاعدة مع أصحابها، وهو جه ووقف جنب الكرسي بتاعها. أول ما سمعت صوته، جسمها كله اتجمد. عينيها ثبتت وما قدرتش حتى تبص له. إحساسه وهو جنبها كان بيخلّي قلبها يدق بسرعة غريبة، كأن كل حاجة حواليها اختفت. بصّت بطرف عينيها ناحية الأرض اللي جنبها، بس ما قدرتش ترفع راسها وتشوفه. كانت بتحاول تمنع نفسها، عشان ما يحسّش بحاجة… بس وهي موطّية، غمضت عينيها وأخدت نفس جامد. كانت نفسها تشم ريحته، كأنها بتتنفّس وجوده. إيديها كانت مشدودة على كتبها، تحاول تمسك نفسها، لكن كل مرة يدها تهتز. رجليها شبه ما كانتش ساكنة، وكأنها عايزة تتحرك وتبعد، وفي نفس الوقت ما كانتش عايزة تسيبه يبعد عن عينيها. كل جزء فيها كان مشدود للطاقة اللي جواها، قلبها، عقلها، جسمها… كله متقلب في لحظة واحدة. عدت سنتين، ونور على نفس حالها. وكل يوم كانت تلاقي نفسها بتفكر فيه، حتى لو شافته لمحة صغيرة أو مجرد رسالة من صحابه. وفي يوم كانت قاعدة مع أصحابها في المدرج، سمعت عمر وهو بيقول لصحابه إنه مسافر ومش هيجي الأسبوع الجاي. قلبها اتخطف فجأة، بعد ما كانت بتتكلم مع أصحابها، فجأة سكتت وعنيها دمعت. حاولت تتماسك عشان محدش يحس بحاجة، بس قلبها من الزعل كان حاسس إنه هيخرج من مكانه. فضلت ساكتة وسرحانة، وكأنها عالقة في لحظة ما تعرفش تتحرك منها. صحابها قالولها: "احنا هنجيب فطار، تيجي معانا؟" قالتلهم: "لا، مش عايزة آكل." قالولها: "هنجيب ونجيلك على طول." أما عمر، فكان قاعد بيكتب محاضراته. لما أصحابهم مشيوا، ما بقاش غيرهم. وفي وسط ما هي سرحانة وزعلانة، بصت في الأرض سالت عمر ودموعها في عنيها وصوتها مبحوح: "انت هتسافر؟" بص لها وقال: "نعم، معلش، مسمعتش." حاولت نور تمسك نفسها وتهدى، وبصت له، بس معرفتش تمنع دموعها اللي جوا عينيها. كانت عايزة تقول له كل حاجة… تحكيله عن غياب قلبها، عن الخوف من شعورها، عن الأسبوع اللي هيضيع من غيره. لكن الكلمات وقفت عندها، ضايعة بين قلبها ولسانها. سألها: "انتِ كويسة؟" بصت الناحية التانية ومسحت دموعها اللي نزلت غصب عنها، وقالت: "آه، آه أنا تمام." قال لها: "هو انتي عايزة حاجة من هناك أجيبهالك معايا؟" ابتسمت وقالتلُه: "لا شكراً." بس قلبها كان بيقول: "عاوزاك انت. أسبوع كتير أوي إني مشوفكش فيه." قال لها: "فيه حاجة مضايقاكي؟" قالتلُه بسرعة: "لا خالص." ضحكت وقالتلُه: "وأنا هضايق ليه إنك مسافر؟ بالعكس، أنا مبسوطة، هنرتاح منك." كانت بتحاول تصطنع الضحكة عشان ما يحسش بحاجة… بس هو مكنش بيضحك، وحس بحاجة غريبة. بص لها كأنه بيكدب إحساسه، وقال لها: "بس أنا مقولتش إنك مضايقة إن أنا مسافر." اتخضّت، وسكتت، وبصت له وعنيها مخضوضة، خايفة يكون فهم إحساسها. لمّت حاجتها بسرعة وقالتلُه: "أنا هروح للبنات أشوفهم فين." مشيت… بس عمر فضل باصص عليها لغاية ما اختفت من قدامه، وحس بحاجة غريبة، مقدرش يقف عن الإحساس اللي شافه في عينيها وهي بتقول الكلام ده. لمّ حاجته وطلع وراها، لقاها واقفة قدام الباب برا، ساندة على الحيطة، كأنها بتستخبى منه. كانت بتنهج، كأنها جريت مسافة طويلة، والدموع في عينيها كانت خنقها. جه صوت من وراها: "نور!!" ارتبكت أول ما سمعت صوته. هو كان بيبص عليها مستغرب، مخضوض، وكأنه حس بوجع قلبها من بعيد. مسحت نور دموعها بسرعة، وهي مرتبكة وبصت له. قالت له: "انت لحقت تخلص المحاضرات؟" كانت بتحاول تخليه ميحسش بحاجة، بس خلاص هو حس بحاجات كتير. قال لها: "فيكي إيه واقفة كده ليه؟" نور حاولت تهدى، وخدت نفس عميق… كل إحساسها متجمع في لحظة واحدة، لسانها مش قادر ينطق كل اللي قلبها بيقوله.الهواء كان تقيل…مش بس حواليهم، لكن جوا كل واحد فيهم.نور كانت واقفة مكانها…مشدودة بين الاتنين،بين ماضي بيشدها بكل قوته،وحاضر بيحاول يفرض نفسه عليها.عمر واقف قدامها…عينيه مليانة غضب، وغيرة، وخوف…خوف واضح جدًا من إنه يخسرها بجد المرة دي.وآسر…واقف بثبات غريب،وشه هادي…لكن نظراته كانت حادة،نظرات واحد مش ناوي ينسحب بسهولة.الصمت طال…لدرجة إن صوت أنفاسهم بقى مسموع.وفجأة…آسر اتكلم.مش هنفضل فى الهدوء دة كتير.. بصوت هادي… بس فيه حسم: — نور… اختاري.نور اتفجات وجسمها كله كان بيترعش. آسر انت ازاى تخيرني كدة. عمر لف له بسرعة، بعصبية: — إنت بتقول إيه؟!لكن آسر ما بصّلوش …كان مركز بس مع نور.— اختاري دلوقتي… أنا، ولا هو.الجملة وقعت زي الصاعقة.نور قلبها دق بعنف…إيديها بدأت ترتعش،وعينيها اتحركت بينهم…انت عارف انت بتقولى اية انت عاوزنى اختار بين مستقبلى وشغلى وشخص كان فى حياتى.. عمر قرب خطوة منها، صوته اتكسر لأول مرة: — نور… متسمعيش كلامه.سكت لحظة، وبعدين كمل وهو بيبص في عينيها: — إحنا مش لعبة… ومش قرار يتاخد كده.نور حاولت تتكلم…بس صوتها ما طلعش.آسر كمل بنفس الهدوء: — أنا
عمر كان قاعد قدام اللابتوب في أوضة الفندق، عينيه مركزة في الشاشة، وأصابعه بتتحرك بسرعة على الكيبورد. الشغل كان واخد كل تركيزه، خصوصًا إن السفرية دي كانت مهمة جدًا بالنسبة له.لكن فجأة…الموبايل اللي كان مرمي جنب اللابتوب اهتز بإشعار رسالة.عمر مد إيده من غير ما يبص، فتح الموبايل وهو لسه مركز في الشغل… لكن أول ما عينيه وقعت على الصورة، إيده اتجمدت مكانها.الصورة كانت واضحة جدًا.نور… واقفة جنب راجل.واقف قريب منها…بس مكانش باين غير ضهره، ومش واضح هو مين.وهو بيبص على الصورة، وصلت صورة تانية.نور مع نفس الشخص… قاعدين في مطعم معروف، وبرضه مش باين غير ضهره.عمر كان هيتجنن… خبط إيده على الترابيزة اللي قدامه بعصبية.جتله رسالة تانية فيها صورة جديدة.فتح عمر الصورة بسرعة، وفضل يتأمل كل تفاصيلها…نور بتضحك، وشكلها هادي ومرتاح.عينيه كانت بتطلع شرار.مسك تليفونه واتصل بداليا… مردتش من أول مرة.في الناحية التانية، داليا كانت ماسكة التليفون، بتبص على اسم عمر وهو بيتصل، ومبتسمة بخبث… ومبتردش عليه.عمر رن عليها أكتر من مرة… بس مكنتش بترد.بعتلها رسالة صوتية:— ردي عليا.وبعت كذا رسالة ورا بعض:—
عاوزة إيه يا داليا؟ كنت عاوزة أعرفك حاجات كتير إنتي متعرفيهاش عن عمر. نور سكتت، وحاسة إن فضولها ممكن يخليها تسلّم عقلها لداليا. لكن فجأة افتكرت كلامها قبل كده ووجع القلب اللي كانت بتحسه بسببها، فقالت: داليا، لو إنتي حابة تقولي حاجة أنا معرفهاش اتفضلي… بس ثانية واحدة قبل ما تقولي. سكتت لحظة، وبعدها قررت متقولهاش إنها سابت عمر، وقالت: فأنا واثقة في عمر جدًا، وأي حاجة هتقوليها مش هتبقى مهمة بالنسبة لي. وعلى فكرة كمان… أنا عارفة إنه جالك، وهو اعترفلي بكل حاجة عشان هو بيحبني. داليا ضحكت بصوت عالي وقالتلها: يعني هو بيجيلي أنا بس؟ نور اتصدمت من السؤال. تقصدّي إيه؟ داليا ردت بهدوء ساخر: لا… عمر شاطر ومبيخبيش عليكي حاجة. خليه هو يحكيلك بقى. للأسف نور برضه وقعت في فخ داليا، وفضولها كان أقوى منها. فقالت بعصبية: داليا، أنا صبري ابتدى يخلص. لو عندك حاجة عاوزة تقوليها قوليها… لو مفيش اقفلي. قالت داليا بهدوء شديد: اهدي يا نور… مفيش حاجة مستاهلة تتعصبي عليها كده. صوتها كان مليان شماتة. تمام يا داليا، بس عاوزة أقولك حاجة صغيرة… أنا مش مصدقاكي أصلًا. ضحكت داليا وقالتلها: نور حبيبتي…
الصوت كان عالي… ومليان غضب، وكأن كل الهواء حوالين الشركة اهتز للحظة.نور كانت واقفة قدام الشركة، قلبها بينبض بسرعة، بتحاول تتظاهر بالهدوء وهي بتتكلم مع آسر، لكن أول ما سمعت الصوت، قلبها اتقبض فجأة. الصوت ده… كانت تعرفه كويس، يعرف كل خفقه في قلبها، كل ضعف مخفي.لفّت ببطء، وعينيها وقعت عليه.عمر.كان واقف على بعد خطوات، وشه متشدّد… وعينيه ثابتة عليها. لكن المرة دي، نظرته ما كانتش ليها بس. كانت بتتنقل بينها وبين آسر، كأنها قطعة وسط صراع غير مرئي بينهم.الهواء حوالين التلاتة بقى تقيل، وكأن كل ثانية بتمر بين الكلمات والسكوت بتتثقل على صدر نور.نور حاولت تبان هادية، وقالت بصوت منخفض لكنها مليان توتر:— عمر… إنت لسه هنا؟عمر ما ردش على طول. كان لسه مركز نظره على آسر، يقيسه بعينين حادة، كأنه بيقول له بصمت: “أنا موجود، ومش هسيب أي حاجة تعدي بسهولة.”وبعدين قال بنبرة فيها سخرية خفيفة:— واضح إني جيت في وقت غلط.آسر كان واقف بهدوء غريب، شخصيته ما اهتزتش للحظة. بص لعمر نظرة سريعة… وبعدين رجع نظره لنور وقال بنبرة هادئة جدًا:— أعتقد إن الحديث ده شخصي.سكت لحظة… وبعدين كمل:— أشوفك بكرة يا نور.لكن
بصت نور للتليفون، واخدت نفس عميق وهي مغمضة عن عينيها، تحاول تهدي قلبها اللي بيخفق بسرعة، وتحارب الرغبة اللي جواها ترد على عمر بسرعة. وفي آخر الرنة، أخيرًا رفعت السماعة وقالت:— ألو..— أخيرًا رديتي عليا..عمر قالها بصوت مليان حزن وخيبة أمل، كأنه كان منتظر اللحظة دي من زمان، وكل ثانية من صمتها كانت بتوجعه:— المهم إني رديت في الآخر، مش برضو كنت بتقولي كده..؟رد نور كان هادئ وقاسي بنفس الوقت، كأنها بتحاول تبعد نفسها عن أي ضعف:— أيوه، رديت.سكت عمر ثوانٍ، صدمته هدوءها، وقال لها بصوت متقطع:— نور، أنا عارف إن الفترة اللي فاتت…لكن نور قطعت كلامه بسرعة، وبنبرة حازمة:— عمر، أنا آسفة، بس أنا بجد تعبانة دلوقتي وعايزة أنام… نتكلم بعدين.عمر رفع صوته، وكل كلمة منه كانت بتخرج من قلبه الموجوع:— لا يا نور! أنا محتاج أتكلم معاكي… احنا لازم نتكلم دلوقتي.نور ردت بكل هدوء، وكأنها بتحاول تثبت لنفسها ولعمر إنها ما هتضعفش:— مفيش مشكلة… أول ما أفْضى هبقى أكلمك. تصبح على خير.ومستنتش رده، واقفلت على طول. قلبها كان موجوع، لكنها عارفة إن لو فضلت تسمعه أو تتكلم معاه أكتر، هتضعف وتندم على كل اللحظات اللي
كانت نور طول اليوم بتحاول تقنع نفسها إنها قوية…وإن الحب مش لازم يخليها تخسر نفسها.كانت بتضحك قدام ريم، وتتكلم عادي، وتحاول تبين إن كل حاجة تمام…لكن الحقيقة غير كده خالص.لما الليل جه…وبقت لوحدها في أوضتها…السكوت اللي حوالينها كان تقيل.قعدت على السرير، وبصت للتليفون اللي جنبها…إيديها كانت عايزة تمسكه… تكلمه… تسمع صوته بس.لكنها غمضت عينيها بقوة.هي عارفة كويس…لو شافته بس…أو سمعته…هتضعف.وهترجع لنقطة البداية.دموعها نزلت غصب عنها.حضنت المخدة وقربتها منها كأنها بتحاول تعوض حضن كانت متعودة عليه.لكن رغم الوجع…قالت لنفسها بهدوء:"لو مش هسيبه…على الأقل لازم يحس بقيمتي."وبعد وقت طويل من التفكير والدموع…غلبها النوم.تاني يوم الصبح…ريم صحيت على صوت خبط جامد على الباب.قامت وهي لسه نص نايمة وراحت تفتح.أول ما فتحت…اتفاجئت بعمر واقف قدامها.— إزيك يا ريم… نور موجودة؟ريم كانت حاطة إيديها على عينيها عشان الشمس جاية عليها ولسه مش مركزة.قالت بنعاس:— أيوه… ادخل، هشوفهالك.دخل عمر وقعد على طرف الكرسي.عينيه كانت بتلف في المكان…كأنه مستني نور تطلع في أي لحظة.لكن بعد دقيقة…طلعت ري







