Mag-log inأحاول كل يوم… أحاول أن أتخيل وجهها، أن أتذكر إن كانت تحتضنني هكذا، أو تناديني ، أو تضحك معي… لكن لا شيء! لا شيء يا أبي! كل ما أعرفه عنها هو ما تخبرني به، وكل ما أشعر به هو أنني فقدت إنسانة أحبها دون أن أملك حتى ذكرى واحدة أستطيع أن أبكي عليها!اقترب ياسر منها، وقد امتلأت عيناه بالدموع، ومد يديه ليضمها إليه، لكنها انهارت قبل أن يصل إليها، وجلست على الأرض وهي تبكي بحرقة، ثم رفعت رأسها فجاة ، وكأن فكرة مرعبة اخترقت عقلها.خالتي… غادة!تغيّرت ملامح ياسر، فجلس أمامها محاولًا تهدئتها، لكن لينا لم تعد قادرة على سماع أي كلمة. كانت تنظر إليه بذهول، ثم أخذت تضرب صدرها بقبضتها الصغيرة وهي تصرخ من أعماق وجعها.خالتي التي كان يجب أن تكون أمي الثانية! المرأة التي كان من المفترض أن تحبني وتحافظ عليّ بعد موت أمي! أهي السبب في كل هذا؟ أهي التي أخذت مني أمي، ثم سلبتني حياتي وذكرياتي أيضًا؟ كيف استطاعت أن تفعل ذلك؟ كيف نظرت إلى وجهي كل تلك السنوات وهي تعرف ما فعلته؟لينا، حبيبتي، لا نعرف الحقيقة كاملة بعد…حاول ياسر أن يقول، لكن صوته اختنق حين رأى نظرتها.ولماذا أنكرت قتل أمي قبل أن يتهمها أحد؟ لماذا صرخ
ظلّ ياسر ينظر إلى الضابط سامر بقلق، ثم مال إلى الأمام وسأله بصوت أثقله التوتر، ما الذي جعلك تشك في أن وفاة زوجتي قد تكون مرتبطة بغادة؟ ريم ماتت منذ سنوات، وقد سُجّلت وفاتها على أنها حادث، فلماذا تعودون إلى القضية الآن؟ هل ظهر شيء لم أكن أعرفه؟تنفّس الضابط سامر بعمق، ثم فتح الملف أمامه وأخرج بعض الأوراق التي وضعها على المكتب.في الحقيقة، لم يكن لدينا ما يدفعنا إلى إعادة النظر في وفاة السيدة ريم قبل أن تظهر التطورات الأخيرة. الحادث الذي أودى بحياتها سُجّل آنذاك ضد مجهول، ولم تتمكن التحقيقات من تحديد مسؤول عن الحادث أو إثبات وجود شبهة جنائية. وبمرور الوقت، أُغلقت القضية دون أن نصل إلى إجابة حاسمة بشأن كل تفاصيلها.تعلقت عينا ياسر بالأوراق، لكنه لم يمد يده إليها. كان يشعر بأن كل كلمة يسمعها تفتح أمامه بابًا جديدًا من الخوف.لكن هذا لا يفسر لماذا تربطون غادة بموت ريم تحديدًا، قال بحدة خافتة. هل ذكر اسمها أثناء التحقيق؟أومأ سامر ببطء.هذا هو الأمر الذي أثار انتباهنا. عندما بدأنا استجواب غادة، وقبل أن نواجهها بالتفاصيل التي جمعناها عن قضية لينا، أخذت تكرر عبارة غريبة. كانت تصرخ قائلة: أنا ل
في صباح اليوم التالي، استيقظت لينا مبكرًا. وحين نزلت إلى الطابق السفلي، وجدت والدها جالسًا إلى مائدة الإفطار، وأمامه فنجان قهوة لم يكد يلمسه.جلست إلى جواره،أبي، هل تحدثت مع الضابط سامر؟رفع ياسر عينيه إليها وأومأ برأسه. اتصلت به هذا الصباح، وطلب مني الحضور إلى القسم. قال إن هناك مستجدات في التحقيق، وإنه يريد أن يطلعني على بعض التفاصيل بنفسه.وضعت لينا قطعة الخبز من يدها، ونظرت إليه باهتمام. هل تعتقد أنهما اعترفتا؟لا أعرف بعد، لكنه قال إن ما اكتشفوه يستحق أن نذهب إلى هناك.ترددت لينا قليلًا، هل سيأتي زين معنا؟تنهد ياسر، وأجابها، تحدثت معه قبل قليل، لكنه رفض الذهاب.لم تفاجأ لينا تمامًا، لكنها شعرت بالقلق عليه. كانت تعرف أن زين لم يكن على علم بما فعلته أمه وأخته، وأنه وقف إلى جانبها حين عرف الحقيقة، إلا أن الأمر يختلف الآن؛ فهذه المرة لم يعد الأمر مجرد شكوك أو اتهامات، بل أصبحت أمه وأخته بالفعل في قبضة الشرطة.قالت بهدوء: أظن أن الأمر صعب عليه، يا أبي.أومأ ياسر بأسى. أعرف ذلك. قال إنه لا يستطيع الذهاب إلى هناك ورؤيتهما في تلك الحالة، ولا يريد أن يسمع منهما ما فعلتاه بكِ أو ما ارتكبت
بعد أن أمضت لينا وقتًا طويلًا مع والدها، بدأت تشعر بالتعب. كان الليل قد انتصف تقريبًا، ولم تعد قادرة على مقاومة الإرهاق الذي تراكم عليها طوال اليوم. نهضت من مكانها، وقبّلت رأس ياسر قبل أن تقول: سأصعد إلى غرفتي يا أبي، فقد تأخر الوقت، وأحتاج إلى بعض الراحة.ابتسم لها ابتسامة متعبة، تصبحين على خير يا ابنتي. حاولي أن تنامي جيدًا، ولا تشغلي نفسك بكل ما حدث الليلة.أومأت لينا، ثم صعدت إلى غرفتها. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى خلعت ملابسها وارتدت ثياب النوم، ثم جلست أمام المرآة لتسرّح شعرها. كانت تفكر في حديث والدها، وفي الحزن الذي رأته في عينيه حين أخبرها عن اعتقال غادة ولمى.لم تستطع تجاهل ذلك الحزن. فقد كان والدها يرى في غادة ام و زوجة، وفي لمى فتاة من العائلة كان يأمل أن تكون قريبة من ابنته، ولم يتخيل يومًا أن يجد نفسه أمام احتمال أن تكون المرأتان قد شاركتا في تدمير حياة لينا.لكن أكثر ما أثار اضطرابها كان سؤالًا لم تستطع إسكاته: إذا كانت غادة قادرة على إيذائها إلى هذا الحد، فهل يمكن أن تكون قد فعلت شيئًا لريم أيضًا؟نهضت من أمام المرآة واتجهت إلى سريرها، ثم تناولت هاتفها. فتحت محادثتها
وصلت لينا إلى المنزل بعد وقت قصير، وأوقفت سيارتها في مكانها.أخذت حقيبتها ودخلت المنزل، لتجد ياسر جالسًا في غرفة الجلوس، وقد بدا عليه الإرهاق بصورة لافتة. كان يحمل هاتفه في يده، ويحدق في شاشته بملامح تجمع بين الارتياح والحزن، وكأنه تلقّى خبرًا كان ينتظره طويلًا، لكنه لم يستطع أن يفرح به .ما إن رآها حتى رفع رأسه وقال: لقد عدتِ يا لينا.اقتربت منه وجلست إلى جواره، ثم تأملت وجهه بقلق.أبي، هل حدث شيء؟ تبدو متعبًا.تنهد ياسر، ووضع هاتفه على الطاولة أمامه،اتصل بي الضابط سامر قبل قليل. لقد تمكنت الشرطة من القبض على لمى وغادة.تجمدت لينا في مكانها.للحظات، لم تستطع استيعاب ما سمعته، ثم اتسعت عيناها وهي تسأل: ماذا؟ لقد قبضوا عليهما فعلًا؟أومأ ياسر ببطء.نعم. لم يخبرني الضابط بكل التفاصيل بعد، لكنه أكد أنهما أصبحتا في قبضة الشرطة، وأن التحقيق معهما سيبدأ فورًا.وضعت لينا حقيبتها جانبًا، وأخذت تحاول ترتيب أفكارها. لمى وغادة، المرأتان اللتان ارتبط اسمهما بأكثر الفصول قسوة في حياتها، لم تعودا هاربتين بعيدًا عن متناول العدالة. ومع ذلك، لم تشعر بالانتصار الذي تخيلت أنها ستشعر به يومًا؛ فقد كان كل ما
رنّ هاتف لينا، فابتعدت قليلًا عن كتفه وأخرجته من حقيبتها. وما إن ظهر اسم والدها على الشاشة حتى تبدلت ملامحها، وشعرت بتوتر مفاجئ وهي تتذكر أنها لم تخبره إلى أين ذهبت.نظر ريان إلى الشاشة، ثم عاد ببصره إليها، وقد لاحظ ارتباكها.والدكِ؟أومأت لينا، ثم أجابت الاتصال وهي تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًا: مرحبًا أبي.جاءها صوت ياسر من الطرف الآخر، يحمل شيئًا من القلق: أين أنتِ يا لينا؟ اتصلت بكِ منذ قليل ولم تجيبي.ترددت للحظة، وألقت نظرة سريعة على ريان الذي بقي جالسًا إلى جوارها دون أن يتدخل. لم تكن تعرف ماذا تقول، ولا كيف تفسر وجودها في شقة ريان بعد كل ما حدث.أنا عند جوري يا أبي، لقد جئت إليها منذ قليل.سكت ياسر لحظة، ثم سألها: ألم تقولي إنكِ ستذهبين إليها في وقت أبكر؟ابتلعت لينا ريقها، وحاولت إخفاء ارتباكها: نعم، لكنني تأخرت قليلًا. كنت مشغولة ببعض الأمور، ثم خرجت وجئت إليها.لم يبدُ أن ياسر اقتنع تمامًا، لكنه لم يضغط عليها، بل سألها: ومتى ستعودين؟نظرت لينا إلى ريان مجددًا، فوجدته يراقبها بصمت، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة حين أدرك أنها تحاول الخروج من الموقف بأقل قدر ممكن من الأسئلة.







