로그인تجمد الهواء في الصالة الفسيحة، وشعرت سيرافينا وكأن سقف القصر ينهار على رأسها. اتسعت عيناها برعب مكتوم، واهتزت حدقتاها بذهول صدمها في مقتل؛ عقد؟ زواج؟ تنازل رسمي أُبرم في الخفاء؟
ارتفعت ضحكة جافة ومكسورة من حنجرتها، ضحكة متوترة حاولت بها طرد الحقيقة البشعة التي ترفض تصديقها، ونظرت إليه بعينين تشتعلان إنكاراً وغضباً: "زواج؟ هل فقدت عقلك؟ أنا لا أفكر بالزواج أساساً، فكيف برجل مثلك؟ من سمح لك أن تتخيل مجرد فكرة أن أكون لك؟" تقدمت نحوه خطوة وهي تهز رأسها بنفي متواصل، ورفعت رأسها بتحدٍّ يحاول التغطية على الرعب الذي بدأ يتآكلها من الداخل: "والدي مستحيل أن يرتكب حماقة كهذه! أنتم أصحاب الشركات تتوهّمون أن العقود والصفقات يمكنها أن تشتري الأشخاص وتصنع واقعاً على مقاسكم. أنا سيرافينا.. ولا أحد في هذا العالم يستطيع إجباري على قبول رجل لا أريده!" لم يتحرك جفن لفيكتور، ولم تظهر على ملامحه أي ردة فعل غاضبة كما كانت تتوقع لتستمد منها قوتها. ظل واقفاً بطوله الفارع، يضع يديه في جيبي بنطاله، يراقب ثورتها بنظرة رمادية هادئة وباردة كالثلج في الخارج. كان صمته الحاد يقتلها ويجرد كلماتها من أي تأثير. عندما سكتت أنفاسها وهي تلهث من شدة الانفعال، أخذ فيكتور نفساً بطيئاً، ثم خطا خطوة واحدة هادئة نحوها. لم يبدُ عليه أي انزعاج، بل اقترب بثبات جعل هيبته تطوق المكان، ونظر إلى عينيها المربكتين بصلابة. وقال بصوت خفيض وعميق: "لا تتوهّمي أنني سعيتُ خلفكِ أو طرقتُ باب عائلتكِ يا سيرافينا.. والدكِ هو من توسّل إليّ الليلة الماضية لأقبل بكِ زوجة لإنقاذ اسمه وإغلاق ديونه. هو من أصرّ على هذا العقد ليربط عائلته بي ويضمن ألا أتركه يواجه الإفلاس والسجن بمفرده." نزل كلامه عليها كالصاعقة. امتقع وجهها وصار أبيض كالثلج، وشعرت بأنفاسها تتنظم بصعوبة وسط هذه الصدمة البشعة التي تضرب ثقتها بوالدها في مقتل. استرسل فيكتور بنظرة جافة ومحسوبة، يمسح بها ملامحها المذهولة دون أدنى رحمة: "وفي الحقيقة.. كنتُ أتوقع أن أحصل على امرأة ناضجة تستوعب ثقل هذا البيت وقسوته، لا فتاة تصيح وتظن أن العالم يتوقف عند رغباتها. لو كنتُ أعلم أن هذا هو كل ما تملكين، لما فكرتُ حتى في منح والدكِ هذه الفرصة." تراجعت سيرافينا خطوتين إلى الخلف، وعيناها ترتجفان بذهول وانكسار حاولت مداراته بقسوة وملامح مشدودة. كان إحساس الخيانة من والدها، مرفوقاً ببرود هذا الرجل الذي يقف أمامها، أشد من أن تحتمله في لحظة واحدة. نظر إليها فيكتور لثوانٍ أخيرة بملامح حديدية، ثم أدار ظهره متجهاً نحو طاولته الخشبية، وقال بنبرة هادئة حاسمة: "أنتِ الآن في بيتي وبصفة رسمية.. والحديث في أمر كُتب وانتهى لن يغير من الواقع شيئاً. صعودكِ لغرفتكِ هو أفضل ما يمكنكِ فعله الآن." وقف الزمن بالنسبة لسيرافينا عند تلك النقطة. كانت تشعر بثقل كلماته ينهال على أضلاعها، يطحن غرورها وكبرياءها في لحظة واحدة. لم تنطق بحرف. تراجعت خطوة أخرى بعيون معتمة يملؤها الشك والانكسار، طالعت ظهره العريض وهو يبتعد نحو طاولته بغير اهتمام، وكأنها لم تكن سوى تفصيل صغير حُسم أمره وانتهى. كان الصمت الذي يغلف القصر هذه المرة أشد قسوة من العاصفة التي تضرب الجدران في الخارج. استدارت بجسدها المرتجف، ومشت نحو السلم الخشبي بخطوات بطيئة، ثقيلة، غاب عنها كل مظاهر الخفة والدلال. كانت كل درجة تصعدها تشعرها بمدى الفراغ الذي أُلقيت فيه؛ والدها الذي طالما اعتبرته حصنها المنيع، ساوم بها لإنقاذ اسمه، وأرسلها إلى هذا الجحيم البارد تحت مسمى "إجازة مؤقتة". دخلت غرفتها وأغلقت الباب بهدوء خالٍ من الطاقة. لم تصرخ، ولم تسقط دموعها فوراً، بل سارت بنظرات تائهة نحو السرير وجلست على طرفه. رفعت يديها لتنظر إلى كفيها المرتجفين، ثم أغمضت عينيها بشدة تحاول طرد صوت فيكتور وهو يقول: *"والدكِ هو من توسّل إليّ..."* كان الشعور بالخيانة يتآكلها من الداخل، أشد إيلاماً من جفاء الرجل القابع في الأسفل. في الصالة الرئيسية، كان فيكتور يجلس أمام أوراقه. سكب لنفسه كوباً آخر من القهوة الساخنة، واستمع لصوت إغلاق الباب في الطابق العلوي. لم تكن على وجهه أي علامات انتصار أو شفقة؛ بالنسبة له، الحقائق يجب أن تُقال كما هي دون رتوش، وهذا الجبل لا يتسع للضعفاء أو لمن يعيشون في الأوهام. أمسك بقلمه الفاخر، وتابع مراجعة عقوده ببرود تام، معلماً بداية فصل جديد وقاسٍ تحت هذا السقف الخشبي المعزول.لم يكن الصباح هادئًا كما أرادته سيرافينا. فمنذ الليلة الماضية، بقيت كلمات فيكتور عالقة في ذهنها، خصوصًا تلك الجملة التي قالها قبل أن تدخل غرفتها: هناك من يقترب أكثر. لم يخبرها بشيء جديد، ولم يمنحها إجابة واحدة تستطيع أن تبني عليها فهمًا لما يحدث. اكتفى بإلقاء تحذير آخر في وجهها، وكأن ذلك ينبغي أن يكون كافيًا لتتوقف عن طرح الأسئلة. ولهذا، عندما وجدته ينتظر قرب الباب بعد أن ارتدت معطفها، لم تحاول إخفاء انزعاجها. - “هل ستراقب خطواتي أيضًا اليوم؟” رفع فيكتور عينيه إليها، ثم ألقى نظرة سريعة على معطفها. - “إلى أين تذهبين؟” - “إلى الخارج.” - “هذا ليس جوابًا.” - “ولم يكن سؤالك من حقك.” لم يتغير تعبيره، لكنه أغلق الملف الذي كان يحمله ووضعه جانبًا. - “سأرافقك.” أطلقت ضحكة قصيرة خالية من المرح. - “بالطبع. كيف نسيت؟ لا أستطيع حتى الخروج لالتقاط أنفاسي دون موافقتك.” - “لم أطلب موافقتك على الخروج.” - “لكنّك تتصرف وكأنني بحاجة إلى إذنك في كل شيء.” فتح الباب وأفسح لها المجال. - “إن كنتِ قد انتهيتِ، فلنذهب.” مرّت بجانبه دون أن تجيبه. لم تكن ترغب في وجوده إلى جوارها، لكنها كانت تعرف
لم تكن سيرافينا قد خططت للخروج منذ الصباح. كان فيكتور منشغلًا بمكالمة هاتفية طويلة حين انتهت من ارتداء معطفها. سمعته يتحدث بنبرة مقتضبة وهو ينتقل بين المكتب والطابق السفلي، ولم ترغب في مقاطعته. في الحقيقة، لم يخطر لها أصلًا أن عليها طلب إذنه كي تزور صديقتها. كانت رسالة إيميليا من الليلة الماضية لا تزال في ذهنها. أريد أن أراكِ غدًا. هناك أمر مهم أود أن أخبركِ به وجهًا لوجه. وحين لمحت من النافذة وسيلة نقل مشتركة تستعد للمغادرة باتجاه المدينة، اتخذت قرارها بسرعة. أخذت حقيبتها وهاتفها، ثم خرجت. لم تترك رسالة لفيكتور. لم يكن ذلك انتقامًا منه، ولا محاولة لإثارة قلقه. ببساطة، أرادت أن تقضي بضع ساعات بعيدًا عن المنزل، وعن الأسئلة التي لا تجد لها إجابات، وعن ذلك الرجل الذي يتصرف أحيانًا وكأن حياتها أصبحت امتدادًا لحياته. جلست قرب النافذة، وأسندت رأسها إلى الزجاج، بينما أخذت الطريق يبتعد بها عن الجبال. حين عاد فيكتور إلى المنزل، كان أول ما فعله أن تفقد هاتفه. كانت المكالمة التي أجراها قبل قليل قد انتهت بمعلومة جديدة: السيارة التي عُثر عليها قرب المنعطف الشمالي لم تكن مجرد سيار
ظلّت سيرافينا تنظر من النافذة بينما واصل فيكتور القيادة. كان الطريق هادئًا، ولم يبقَ على وصولهما إلى المنزل سوى بعض الوقت. لكن الهدوء بينهما لم يكن مريحًا تمامًا. فكلما تذكرت كيف استندت إلى كتفه في المركبة، وكيف تشبثت بيده دون أن تشعر، عادت الحرارة إلى وجنتيها. والأسوأ أنها لم تكن متأكدة إن كان قد لاحظ كل ذلك، أم أنه تعمّد الصمت حتى لا يحرجها. ألقت نظرة خاطفة نحوه. كان يقود بعينيه المثبتتين على الطريق، وملامحه هادئة كعادتها. - “هل ستظل صامتًا طوال الطريق؟” لم يلتفت إليها. - “هل لديكِ ما يستحق الحديث؟” رفعت حاجبها. - “كان بإمكانك أن تقول إنك اشتقت إلى سماع صوتي.” - “كنت سأفعل لو أن الصمت لم يريحني.” التفتت إليه باستنكار، لكنه لم يمنحها حتى ابتسامة صغيرة. - “أنت مستحيل.” - “سمعت ذلك من قبل.” عادت تنظر إلى النافذة، محاولة إخفاء ابتسامتها العابرة. وبعد دقائق، أبطأ فيكتور السيارة عند منعطف ضيق، ثم توقف تمامًا حين لمح سيارة متوقفة على جانب الطريق. لم تكن هناك أضواء داخلها، لكن باب السائق كان مفتوحًا قليلًا. تبدلت ملامحه فورًا. - “ابقَي في مكانك.” استقامت سيرافينا في مقعدها
لم يكن فيكتور قد شعر بثقل الطريق إلا عندما لمح أضواء نقطة التجمع في الأسفل. كان يسير إلى جانب سيرافينا التي بدت أقل استعدادًا لمواصلة المشي مع كل خطوة. لم تعد تعلّق على قراراته، ولم تحاول استفزازه كعادتها. اكتفت بضم معطفها حول جسدها، بينما ظل الوشاح الذي أعطاها إياه يحيط بعنقها. وعندما وصلا، كانت هناك مركبة صغيرة تستعد للمغادرة. تحدث فيكتور مع السائق، ثم فتح الباب الخلفي. - “اصعدي.” صعدت سيرافينا وجلست قرب النافذة. تبعها فيكتور، ووضع حقيبتها عند قدميه قبل أن يستقر إلى جوارها. وحين أغلق الباب، عادت إليه ذكرى الرحلة السابقة دون استئذان. تذكر كيف انتهى بها الأمر جالسة في حضنه، وكيف كانت تحاول في البداية الابتعاد عنه رغم ضيق المساحة، ثم كيف هدأت تدريجيًا حتى استقرت بين ذراعيه. تذكر دفء جسدها، ويدها التي تمسكت بقميصه عند أحد المنعطفات، والصمت الذي ساد بينهما حين أدرك أنها لم تعد تقاوم قربه. لم يكن ذلك مجرد موقف اضطراري بالنسبة إليه. كان قد استمتع به. وهذه كانت الحقيقة التي لم يرغب في مواجهتها، خصوصًا أنه وجد نفسه يتمنى، ولو للحظة، أن يتكرر الأمر. أدار وجهه نحو النافذة، وشد فكه ق
لم يكن فيكتور قد ابتعد كثيرًا عنها حين أدرك أن سيرافينا لم تعد تسير خلفه. التفت، فوجدها واقفة قرب الطريق، تراقب لوحة مواعيد النقل المثبتة على جانب المحطة الصغيرة. اقترب منها. - “ماذا هناك؟” أشارت إلى اللوحة دون أن تنظر إليه. - “آخر مركبة غادرت قبل دقائق.” ألقى نظرة على الساعة، ثم على الطريق الخالي. - “سنضطر إلى المشي.” التفتت إليه ببطء. - “إلى أين؟” - “إلى نقطة التجمع عند الطريق السفلي. هناك يمكننا أن نجد من يقلّنا إلى الجبل.” - “وكم يستغرق ذلك؟” - “نحو ساعة، ربما أقل.” أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول استيعاب أن يومها لم ينتهِ بعد. - “رائع.” لم يعلق فيكتور. أخرج هاتفه، أجرى اتصالًا قصيرًا، ثم وضعه في جيبه. - “هناك طريق أقصر، لكنه يمر عبر الممر القديم. سنسلكه.” بدأ السير، لكنها بقيت مكانها. - “هل يمكنك أن تتوقف عن اتخاذ القرارات وكأنني غير موجودة؟” استدار إليها. - “هل تفضلين الانتظار هنا حتى الصباح؟” نظرت إلى المحطة الخالية، ثم إلى الطريق الممتد أمامهما. - “لا.” - “إذن هيا.” تجاوزها، لكنه أبطأ خطواته بعد بضعة أمتار، منتظرًا أن تلحق به. كان الهواء أكثر برودة كل
لم يكن لورينزو يشبه الرجال الذين اعتادت سيرافينا مقابلتهم في الجبل. كان أنيقًا أكثر مما ينبغي، هادئًا أكثر مما يطمئن، وابتسامته تحمل ذلك النوع من الثقة الذي يجعل صاحبه يتصرف وكأن كل شخص أمامه قابل للشراء أو الإقناع. جلس خلف مكتبه، وأشار إليهما بالجلوس. - “فيكتور… لم تتغير كثيرًا.” أجابه فيكتور ببرود: - “وأنت ما زلت تتحدث أكثر مما ينبغي.” ضحك لورينزو، ثم نقل نظره إلى سيرافينا. - “إذن هذه هي زوجتك.” - “سيرافينا.” صححت له وهي تجلس. - “اسم جميل.” لم تجبه. لم يعجبها أنه تفحصها بنظرة طويلة، من وجهها إلى يديها، ثم عاد إلى عينيها وكأنه يتعمد جعلها تشعر بأنه يدرسها. تدخل فيكتور: - “نتحدث عن والدها.” رفع لورينزو حاجبيه، ثم أخرج ملفًا من درج مكتبه. - “قبل يومين، سألني رجل عن والدكِ. أراد معرفة مكانه، وما إذا كان لا يزال يتواصل معكِ، ومن هو الرجل الذي تزوجته.” اعتدلت سيرافينا في جلستها. - “من كان؟” - “ماركو فيريتي. هل تعرفينه؟” هزت رأسها بالنفي لكن فيكتور لم يفعل. لاحظت سيرافينا انقباض فكه، ثم سألته مباشرة: - “أنت تعرفه.” - “سمعت باسمه.” ابتسم لورينزو







