Mag-log inدخلت سيرافينا غرفتها وأغلقت الباب الخشبي الثقيل خلفها بقوة حادة، لتفرّغ جزءاً من شحنة الغضب والغيظ التي كادت تخنقها. كانت أنفاسها متلاحقة، ووجنتاها تشتعلان بلهيب الإحراج والغضب في آن واحد. لم تعتد في حياتها بأكملها أن يُقال لها "كفي عن الثرثرة"، ولا أن ينظر إليها رجل بتلك السخرية الجافة التي تجرّدها من دلالها وأناقتها بلمح البصر.
أسرعت نحو الطاولة الصغيرة، تناولت هاتفها الفاخر بسبابة ترتجف من أثر الانفعال، ورفعته أمام وجهها فوراً وعيناها تبحثان عن طوق نجاة. ساد الصمت لثوانٍ طويلة وهي تتطلع إلى أعلى الشاشة... لا شيء. لا توجد أي إشارة، مجرد خطوط رمادية فارغة تخبرها بوضوح تام أن شبكة الاتصال مقطوعة كلياً عن هذه القمم الجبلية النائية. زفرت بغضب أشد، ومشيت جيئة وذهاباً في أرجاء الغرفة الواسعة، رافعة الهاتف نحو النوافذ العريضة، علّها تلقط برج اتصال بعيد أو تلتقط إشارة ضعيفة تمكنها من إرسال رسالة واحدة لوالدها، لكن الشاشة ظلت جامدة ولا تستجيب. "هذا يفسر ثقته اللعينة ووقاحته!" زمجرت بصوت خفيض وهي ترتطم بالسرير بقلة صبر وتلقي بالهاتف جانباً. أدركت سيرافينا في تلك اللحظة أنها محاصرة بالفعل داخل سجن فاخر؛ ثلج كالمقبرة يعزل القصر عن العالم الخارجي، هاتف لا قيمة له، ورجل غريب، قاسي الملامح، يتعامل مع وجودها وكأنها مجرد قطعة أثاث جديدة أضيفت إلى ممتلكاته ويحق له التحكم بها متى يشاء. لكن كلما تذكرت نظرة التقييم الباردة في عينيه الرماديتين وسخريته الصامتة من ملابسها الحريرية وأسئلتها، كانت تشعر بشرارة كبرياء تتأجج في أعماقها، ترفض الخضوع أو إظهار الضعف أمامه. خلعت قميص النوم الرقيق والروب الفرو، وقررت أن تتخلى عن مظاهر الدلال التي جعلتها تبدو صيداً سهلاً في عينيه. اختارت كنزة صوفية عالية الياقة باللون البيج الداكن تمتاز بأناقة ثقيلة يناسب برودة المكان، وبنطالاً داكن أظهر تناسق قوامها. رفعت شعرها الأشقر بأسلوب هادئ وغير متكلف، متخلية عن طلتها الناعمة، وقررت أن تنزل لمواجهته بأناقة ناضجة وثبات ينفي عنها صفة "الفتاة المدللة". فتحت باب الغرفة ونزلت السلم الخشبي العريض بخطوات أبطأ، أكثر اتزاناً وثباتاً هذه المرة. كان القصر يخيم عليه الهدوء الذاتي العميق، لكن صوت طقطقة الحطب المشتعل في المدفأة الرئيسية كان أعلى. لم تجد فيكتور في المطبخ، بل كان يجلس في الصالة الفسيحة على أريكة جلدية ضخمة أمام النار المشتعلة. كان يمسك بين يديه ملف أوراق رسمية مغلفاً بالجلد الأسود، يتصفحه بتركيز شديد ووقار هادئ، وبجانبه كوب قهوته الساخن يرسل البخار في الهواء. توقفت سيرافينا عند طرف الصالة، وقفت بثبات وتعمّدت ألا تظهر أي ارتباك أو تراجع، ثم قالت بنبرة جافة ومباشرة قطع بها سكون المكان: "الشبكة مقطوعة تماماً.. هل لديك خط أرضي هنا، أم أن هذا القصر معزول عن التكنولوجيا والعالم الخارجي أيضاً؟" لم يرفع فيكتور عينيه عن الأوراق فوراً. قلب الصفحة ببطء شديد، متجاهلاً وجودها لثوانٍ معدودة جعلت الدم يغلي في عروق سيرافينا وهي تنتظر إجابته بكبرياء معذب. أخيراً، أغلق الملف بضربة خفيفة أحدثت صوتاً رزيناً، وألقاه جانباً على الطاولة الزجاجية. أمال رأسه إلى الخلف مستنداً على الأريكة، ليلتقي بنظراتها بعينيه الرماديتين الساكنتين اللتين تشبهان لون الثلج المظلم في الخارج. تمعّن في تغيير ملابسها وحاولها الجديد لارتداء قناع القوة والصلابة، لكن وجهه ظل قناعاً حديدياً لا تفصح ملامحه عن شيء. قال بصوت عميق وهادئ يخرج من حنجرته بثقة مطلقة: "العاصفة قطعت خطوط الهاتف السلكية والشبكة منذ البارحة.. ولن تعود حتى يذوب الثلج وتفتح الطرقات." خطت سيرافينا خطوات إضافية نحوه، وتوقفت عند طرف السجادة الثقيلة القريبة منه، وقالت بنبرة عناد صارخة: "ولكن والدي بحاجة للاطمئنان عليّ! لابد أن أصل إليه بأي طريقة كانت، ألا توجد أي وسيلة تحذير أو جهاز لاسلكي للتواصل مع العاصمة في الحالات الطارئة؟" ابتسم فيكتور ابتسامة ساخرة خفيفة، كادت لا تُرى على طرف شفتيه، تثبت كم هي جاهلة بحقيقة موقعها، وقال بنبرة جازمة تقطع أي أمل: "والدكِ يعلم تماماً أين أنتِ يا سيرافينا.. يعلم أنكِ في حمايتي، ويعلم أيضاً أن لا وسيلة للتواصل معكِ طالما أنكِ تحت هذا السقف." انقبض قلب سيرافينا بشدة فور سماعها كلماته. الطريقة التي نطق بها عبارة "في حمايتي" والهدوء المريب الذي يحيط بنبرته جعلا شكوكها تنفجر. لم تعد أزمة والدها المالية تبدو مجرد تفصيل إداري عابر، بل شعرت بغطاء من الغموض يُحاك حولها بقسوة. تقدمت خطوة أخرى، ورفعت رأسها تحدياً وهي تسأله بنبرة حادة ومشحونة بالغضب: "لماذا تتحدث وكأنك تملكني؟ وكأنك تعرف عن والدي وعن هذه الزيارة أكثر مما أعرف أنا؟ من تكون أنت بالنسبة له بالضبط لتتحدث بهذه السلطة؟" قام فيكتور من مجلسه ببطء شديد، ليبرز طوله الفارع وعرض كتفيه المهيب في ضوء المدفأة الدافئ. تقدم نحوها بخطوات هادئة، ثقيلة، ومحسوبة، أحدثت هيبة طاغية في المكان جعلت سيرافينا تتراجع تلقائياً خطوة إلى الخلف دون أن تشعر، حتى توقف أمامها مباشرة، يفصلهما شبر واحد من الهواء المشتعل بالتوتر. انحنى قليلاً نحوها، ليرغمها على رفع رأسها لتلتقي عيناها بعينيه، وقالت بحدة وهدوء مرعب يقطع الأنفاس: "أنا الرجل الذي وقّع والدكِ معه كل أوراق عائلتكِ الليلة الماضية يا سيرافينا.. أنا من دفع ديونه، وأنا من يملك هذا القصر، والأهم من ذلك... أنا الرجل الذي أصبحتِ ملكه رسمياً منذ اللحظة التي وطأت فيها أقدامكِ هذا الثلج!" اتسعت عينا سيرافينا بصدمة مرعبة، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت كعبها. تراجعت خطوتين للخلف وهي تهز رأسها بنفي مذعور، والكلمات تتلعثم في حلقها: "ما... ماذا تقول؟ أنت تجنّ! والدي لم يبعني لك.. أنا لست ملكاً لأحد!" اقترب منها فيكتور خطوة أخرى بثبات لا يرحم، ونظر إلى عينيها المرتجفتين بصلابة، ليجهز على ما تبقى من شتات غرورها وهو يقول بنبرة خفيضة كالفحيح: "والدكِ لم يبعكِ... والدكِ زوّجكِ لي بعقد قانوني كامل الشروط لإنقاذ اسمه من السجن. أنتي لستِ ضيفة هنا يا سيرافينا، ولن تعودي للعاصمة بصفة الفتاة المدللة كما خرجتِ منها... أنتي هنا بصفتكِ زوجة فيكتور، وزوجة فيكتور لا تغادر جباله إلا بإذنه!"كان فيكتور غاضبًا منذ الصباح، والغريب أنه لم يحاول إخفاء ذلك. تجاهل سيرافينا على مائدة الإفطار، وغادر قبل أن تنتهي من قهوتها. وحين التقيا في الممر بعد ذلك، انحرف قليلًا ليمرّ من جانبها دون أن ينظر إليها. لم تكن المسافة بينهما كبيرة، لكن طريقته في التعامل معها جعلتها تشعر وكأنها غير موجودة. فقررت أن تردّ له المعاملة نفسها. لن تسأله عن غضبه، ولن تذهب إلى مكتبه، ولن تمنحه فرصة ليعرف أن صمته يزعجها. ⸻ جاءت كلارا لزيارتها بعد الظهر، وجلستا في الحديقة تتحدثان عن أخبار القرية وبعض المعارف المشتركين. - “أنتِ شاردة منذ وصلت.” - “أنا أستمع إليكِ.” - “لا، أنتِ تنظرين إلى الكتاب نفسه منذ عشر دقائق.” أغلقت سيرافينا الكتاب. - “ربما لأن قصتكِ مملة.” ضحكت كلارا، ثم ألقت نظرة نحو المنزل. - “هل ما زال فيكتور غاضبًا؟” - “لا أعرف.” - “سيرافينا.” - “كلارا.” تبادلت الاثنتان نظرة قصيرة، ثم هزّت كلارا رأسها مستسلمة. بعد دقائق، ابتعدت كلارا بضعة أمتار لتجيب عن اتصال هاتفي، بينما بقيت سيرافينا قرب المقعد. هناك، لاحظت شجرة التوت القريبة من السور. كانت بعض الثمار الناضجة تتدلى من غصن منخفض نسب
لم يكن فيكتور في مزاج يسمح له بمناقشة أي شيء ذلك الصباح. منذ أن انتهى حديثهما عند مائدة الإفطار، بقي في مكتبه يتابع الاتصالات المتعلقة بالمعلومات التي وصلته عن الرجال الذين حاولوا الاقتراب من سيرافينا في المدينة. لم تكن لديه صورة كاملة بعد، وهذا تحديدًا ما جعله أكثر حذرًا. كان يكره اتخاذ القرارات اعتمادًا على الشكوك، لكنه كان يكره أكثر أن ينتظر حتى يتحول الشك إلى خطر حقيقي. أما سيرافينا، فلم تكن تنوي قضاء يومها في انتظاره حتى يقرر ما الذي يُسمح لها بفعله. كانت قد أمضت جزءًا من الصباح في مراجعة الرسالة التي أرسلتها إليها إميليا بشأن فرصة العمل. قرأت تفاصيل الاجتماع مرتين، ثم كتبت ردًا وأعادت صياغته قبل أن ترسله. لم تكن قد حسمت قرارها بشأن الذهاب إلى المدينة، لكنها أرادت أن تعرف المزيد عن العرض بنفسها، وأن تتحدث مع إميليا وجهًا لوجه. كان ذلك حقًا بسيطًا، أو هكذا بدا لها. لكن منذ أن أخبرها فيكتور بأنه لن يسمح لها بالذهاب، تحولت المسألة إلى شيء أكبر من وظيفة أو اجتماع. لم تعد المسألة تتعلق بما إذا كانت المدينة آمنة، بل بما إذا كان عليها أن تقبل أن يقرر شخص آخر عنها، حتى لو كان ذ
لم تكن سيرافينا قد انتهت من ترتيب حقيبتها حين رن هاتفها مجددًا. كانت إيميليا تتصل بها هذه المرة، ولم تحتج سيرافينا إلى أكثر من سماع صوتها حتى عادت أفكار المدينة إلى ذهنها. — “أخبريني أنكِ فكرتِ في العرض، لأنني لن أقبل أن تضيعي هذه الفرصة بعد كل ما بذلتِه لتصلي إلى هنا.” جلست سيرافينا على حافة السرير، وأزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها. — “فكرت فيه، وأريد معرفة التفاصيل الأخيرة قبل أن أعطيكِ جوابي.” — “إذًا، هل يمكنني اعتبار ذلك موافقة مبدئية؟” ابتسمت سيرافينا، لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. — “يمكنكِ اعتباره وعدًا بأنني سأفكر بجدية، لا أكثر.” ضحكت إيميليا، ثم أخبرتها أن الفريق يريد لقاءها في المدينة خلال الأيام المقبلة لمناقشة المشروع. لم يكن مطلوبًا منها أن تبدأ العمل فورًا، لكن حضورها الشخصي سيساعدها على فهم مسؤولياتها قبل اتخاذ القرار النهائي. حين انتهت المكالمة، بقيت سيرافينا تنظر إلى الهاتف طويلًا. كانت هذه فرصتها للعودة إلى حياتها، ولو لجزء منها. فرصة انتظرتها منذ أن وجدت نفسها عالقة في هذه الدائرة من الخوف والقرارات التي يتخذها الآخرون نيابة عنها. كان العمل يعني لها أكث
لك يكد يمضي نصف ساعة على عودتهما إلى المنزل حتى انقطعت الكهرباء. كانت سيرافينا قد صعدت إلى غرفتها، وخلعت معطفها المبتل، ثم وقفت أمام الخزانة تبحث عن ملابس مريحة. توقفت يدها حين انطفأ المصباح فجأة، وتبعه صوت التدفئة وهي تسكت في منتصف عملها. حدقت في الظلام، ثم أخرجت هاتفها وأضاءت شاشته. — “بالطبع. كان ينقصني هذا فقط.” خرجت إلى الممر، فوجدت الضوء نفسه قد اختفى من بقية المنزل. لم تسمع سوى صوت الرياح خلف النوافذ، وخطوات فيكتور القادمة من الطابق السفلي. ظهر أمامها حاملًا مصباحًا يدويًا، وقد بدا من ملامحه أنه عرف المشكلة قبل أن تسأله. — “العاصفة ألحقت ضررًا بالوصلة الخارجية. لن تعود الكهرباء قبل أن يفحصها الفني.” نظرت إلى المصباح في يده، ثم إلى هاتفها. — “ومتى سيصل؟” — “في الصباح.” أطلقت زفرة طويلة. لم يكن الأمر مقتصرًا على الظلام؛ فقد توقفت التدفئة المركزية أيضًا، وكانت غرف الطابق العلوي ستبرد أكثر مع مرور الليل. أما الطابق الأرضي، فسيحتفظ ببعض الدفء لبعض الوقت، لكنه لن يكون حلًا مريحًا حتى الصباح. مرر فيكتور ضوء المصباح على الدرج، ثم نظر إليها. — “خذي ملابس النوم وأغراضك الضرور
لم تكن سيرافينا تتوقع أن تعود إلى الجبل بهذه السرعة. قبل يومين فقط، كانت تتجول في شوارع المدينة، تضحك مع أصدقائها، وتظن أن بإمكانها استعادة حياتها القديمة متى أرادت. أما الآن، فكانت تجلس في السيارة إلى جانب فيكتور، تراقب المباني وهي تختفي خلفهما، وتحاول إقناع نفسها بأن عودتها ليست أكثر من ضرورة مؤقتة. لم يكن فيكتور قد طلب منها العودة. ولم تسأله مرة أخرى إن كان يريدها معه. انتهى الأمر عند هذا الحد، على الأقل في نظرها. كان يقود بصمت، وقد وضع هاتفه على الحامل قرب لوحة القيادة. لم يحاول بدء حديث، ولم يلتفت إليها إلا حين تحركت السيارة فوق منعطف حاد، فمد يده تلقائيًا نحوها عندما مالت قليلًا. لكن سيرافينا استقامت قبل أن تصل يده إليها. أعاد يده إلى المقود دون تعليق. راقبته بطرف عينها، وشعرت بانزعاج لا يتناسب مع بساطة الموقف. كان من السهل عليها أن ترفض مساعدته حين تتعلق المسألة بشيء واضح، أما حين كان يقترب منها بدافع بدا عفويًا، فقد وجدت نفسها عاجزة عن تحديد ما تريد. كانت تريده أن يهتم. لكنها لم تكن مستعدة لأن تنسى ما فعله بها، أو أن تسمح له بالاقتراب كلما قرر ذلك. فتحت النافذة قليل
لم تستطع سيرافينا النوم بسهولة تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها اللحظة التي دخلت فيها الفندق مذعورة، ثم رفعت رأسها ورأت فيكتور أمامها. لم تفكر يومها في خلافاتهما، ولا في غضبها منه، ولا حتى في الطريقة التي آلمها بها سابقًا. ركضت إليه فحسب، وحين أحاطها بذراعيه، تشبثت به كأنها لم تعد تريد شيئًا سوى الابتعاد عن الخوف الذي طاردها. كان بإمكانها أن تتذكر كل تفصيل من تلك اللحظة؛ سترته التي وضعها على كتفيها، ويده التي استقرت خلف رأسها بحذر، وصوته المنخفض حين أخبرها أنه موجود. لم تكن تلك أول مرة يقترب منها فيها، لكنها كانت المرة الأولى التي تجد نفسها تلجأ إليه دون أن تقاومه أو تفكر في عواقب ذلك. وهذا ما أقلقها. لم تكن قد سامحته على ما فعله بها في الجبل، ولم تنسَ الألم الذي سببه لها. ومع ذلك، حين فكرت في ذراعيه حولها، شعرت بدفء غريب يسري في داخلها، ثم وجدت نفسها تتساءل عن شكل حياتها لو أن ذلك القرب لم ينتهِ بهذه السرعة. استدارت على جانبها بضيق. لم يكن من المفترض أن تفكر فيه بهذه الطريقة. لقد كانت حياتها في المدينة واضحة قبل زواجها؛ أصدقاء، ومناسبات، وأحاديث طويلة، وخطط لا تحتاج







