เข้าสู่ระบบمرت ساعات النهار بطيئة وطويلة كأنها دهور. قضت سيرافينا اليوم بطوله محبوسة في غرفتها، ترفض تصديق الكابوس الذي أُلقيت فيه. كانت تجلس على طرف السرير، ترتجف من البرد والانفعال، ممسكة بهاتفها بملامح مشدودة وهي تتطلع إلى أعلى الشاشة بجنون، منتظرة أي شريان حياة يربطها بالعالم الخارجي.
مع هبوط الليل واشتداد العاصفة في الخارج، حدث ما كانت تنتظره؛ أضاءت شاشة الهاتف فجأة وظهرت أشرطة الإشارة تدريجياً بعد أن عادت التغطية مؤقتاً. قفزت من مكانها بقلب يضرب أضلعها بذعر، وتناول الهاتف بأصابع ترتجف بشدة. أسرعت بطلب رقم والدها فوراً، ورفعت السماعة إلى أذنها وهي تتنفس بصعوبة كان الخط يرن طولاً دون إجابة. انقطع الخط، فأعادت الاتصال فوراً. مرتين، ثلاثاً، خمس مرات متتالية... والنتيجة واحدة؛ نغمة الرنين الطويلة التي تأكل أعصابها وتزيد من احمرار عينيها بالدموع. في المرة السادسة، حوّلت الهاتف إلى أذنها بلهفة، لكن الرنين انقطع فجأة بعد ثانية واحدة ليتحول إلى صوت نغمة الخط المشغول السريعة تجمدت سيرافينا في منتصف الغرفة. أبعدت الهاتف عن أذنها وتطلعت إلى الشاشة بذهول مرعب؛ لقد أغلق والدها المكالمة في وجهها، ثم قام بوضع هاتفها في قائمة الحظر أو قطع الخط كلياً لكي لا تتصل به مجدداً. في تلك اللحظة بالذات، انهارت آخر قشرة من أوهامها. لم يكن الأمر مجرد استغلال من فيكتور، بل كان يهرباً حقيقياً وخيانة صريحة من والدها الذي باعها لإنقاذ نفسه وترَكها لمصيرها المظلم. انفجر رأسها بشعلة جنون وهستيريا عارمة. انطلقت منها صرخة مكتومة وموجوعة، وألقت بالهاتف الثمين على الجدار الحجري بكل قوتها ليتناثر إلى شظايا بلاستيكية وزجاجية على الأرض. فتحت باب الغرفة برعونة ونزلت السلم الخشبي بركض عصبي غير متزن، والدموع تنهمر على وجنتيها بغزارة، تلطخ كحل عينيها وتنسدل خصلاتها الأشقر بعشوائية. كان فيكتور يقف في الصالة الرئيسية قرب المدفأة، يمسك بكأس دافئ وينظر إلى الأوراق على طاولته ببرود تام. اندفعت سيرافينا نحو الصالة كالعاصفة، وصارخة بصوت متهدج، مخنوق بالبكاء والصدمة: "باعني! باعني انكم حقاً مجانين!" امتدت يدها المرتجفة نحو تحفة زجاجية عتيقة موضوعة على طاولة جانبية، ورامتها نحو الأرض لترتطم وتتحطم بصوت مدوٍّ أحدث صدى رعيباً في القصر. لم تتوقف؛ تقدمت كالمجنونة نحو مائدة الطعام، وأطاحت بالأطباق والكؤوس الزجاجية لتتناثر الشظايا تحت أقدامها، وهي تصرخ وتضرب الهواء بيديها، تحاول تخريب كل ما تطاله يدها لتفرغ حجم البشاعة التي تشعر بها في صدريها. لم يرتعش جفن لفيكتور، ولم يتراجع خطوة واحدة. ظل واقفاً ببرود، يضع يده في جيب بنطاله ويحمل كأسه باليد الأخرى، يراقب ثورتها ودموعها المتطايرة بنظرة رمادية جافة وساكنة كالجبل نفسه. كان جموده القاسي يغذي جنونها ويزيد من انهيارها. اقتربت منه وهي تلهث وتدفعه بكل ما أوتيت من قوة في صدره، تبكي بحرقة وصوت مكسور: "أكرهك! أنت وهو كاذبان... أعدني إلى بيتي! أعدني!" في تلك اللحظة، وضع فيكتور كأسه على الطاولة ببطء، ثم تحركت يده الضخمة كالملقاط وقبضت على معصميها المشتعلين بالتحدي فوراً. سحبها نحوه خطوة واحدة بجاذبية قاسية، مجبراً إياها على التوقف رغماً عنها، وانحنى بجماده المهيب فوق وجهها المبلل بالدموع. نظر في عمق عينيها المنهارتين بصلابة جليدية، وقال بصوت خفيض، عميق، يقطر بالبرود الذي يسحق بقايا الكبرياء: "أنهيتِ نوبة جنونكِ؟" شهقت سيرافينا بدفعة دموع جديدة وهي تحاول سحب يديها من قبضته دون جدوى. تابع فيكتور بنبرة حادة وساكنة تقطع الأنفاس: "والدكِ اختار حريته وأمواله وأغلق خطه في وجهكِ يا سيرافينا.. تكسير القصر لن يغير من الحقيقة شيئاً، والصراخ لن يعيدكِ للعاصمة. أنتِ هنا والآن زوجتي، وهذا السقف هو واقعكِ الجديد سواء قبلتِ به أم احترقتِ بغضبكِ." أطلق معصميها ببطء، وتراجع خطوة تاركاً إياها ترتجف وتنهد بكسرة وسط الزجاج المهشم، غير مبالٍ بانهيارها.انسحبت سيرافينا ببطء من بين يديه، كأن كلماته الأخيرة أفرغت ما تبقى في جسدها من روح التمرد الصارخ. لم تصرخ مجدداً، ولم ترفع عينها لتواجه نظراته الرمادية الصارمة؛ بل اكتفت بالوقوف لثوانٍ معدودة تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة، والدموع تجفّ على وجنتيها المحمرتين لتترك أثراً كاوياً من الانكسار. صمت القصر الخشبي بات يمتلك صوتاً مرعباً يهمس لها في كل زاوية بأن أسوار الأمان السابقة قد تهدمت للأبد، وأن والديها اللذين ظنت أنهما ملاذها الأخير قد سلّما مقاليد حياتها لرجل لا يعرف الرحمة. مسحت وجهها بظهر كفها المرتجف، وسارت بخطوات ثقيلة ومشتتة نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب خلفها ببطء شديد، تاركة فيكتور يراقب أثر انهيارها بجمود حاد. في اليوم التالي، أشرقت شمس باردة وساطعة فوق قمم الجبل الثلجية. استيقظت سيرافينا في وقت مبكر، تطالع السقف الخشبي بعينين منتفختين ومجهدتين. كانت فكرة الصمود العشوائي والمواجهة المباشرة قد تلاشت من رأسها، ليحل محلها إدراك بارد ومظلم: إذا أرادت البقاء على قيد الحياة دون أن يُسحق كبرياؤها بالكامل، فعليها التعايش مع هذا القفص ورسم خطواتها بذكاء وهدوء. خرجت من غرفتها بآلية هادئة
انتزاع الهاتف من يدها لم يكن مجرد حركة خاطفة، بل كان إعلاناً صريحاً بانتهاء آخر وهم كانت تتمسك به. خنقتها الرغبة في الصراخ وهي تراه يدس الجهاز في جيب بنطاله دون أن يرف له جفن، كأنه يضع قطعة خشبية لا قيمة لها. "أعده إلي!" صاحت بنبرة حادة وخطت نحوه بتهور، تحاول الوصول إلى جيبه، لكن كفه الممتدة أوقفتها برفقٍ قاطع، كمن يوقف طفلاً يركض نحو الحافة. "انتهى وقت اللعب يا سيرافينا،" قالها بنبرة خفيضة وجافة، "الهاتف سيظل معي. ليس لأنني أخشى اتصالكِ بـ 'لوكا'، بل لأنني لا أحب الضوضاء في بيتي." اتسعت حدقتاها بغضب عارم، واشتعلت أحداقها الرمادية ببريق ثائر وهي تراه يستمر في التعامل مع استغاثتها بهذا القدر من التقليل. "أنت جبان يا كوفالسكي!" هتفت بصوت يرتجف بالقهر والدموع تطوق عينيها، "تخشى أن يعرفوا مكاني! تخشى أن يأتوا إلى هنا ويُظهروا لك حجمك الحقيقي أمام رجال عائلتي ومعهم لوكا!" لم تغضبه كلماتها، بل انطلقت منه ضحكة خفيضة يملؤها الاستهزاء والسخرية، رنت في القاعة كصوت ارتطام الحديد بالحديد. سحب هاتفه الخاص من جيبه ببطء وثقة مطلقة، وضغط على الشاشة بخبرة وهو يرمقها بنظراته الباردة. "دعكِ من أوه
ارتجفت أصابع سيرافينا وهي تطبق بكفها على جهاز الهاتف، تحاول إخفاء الشاشة المضيئة أو حجب اسم "لوكا" الصريح الذي كان يتلألأ بأكثر من خمسة عشر اتصالاً مفقوداً ورسائل نصية متلاحقة. رفع نبض قلبها بصوت مسموع في صدور الصمت القاتل الذي يلف الصالة. لم يتحرك فيكتور من مكانه فوراً، بل اكتفى بوضع يديه في جيبي بنطاله العسكري، مائلاً برأسه قليلاً بنظرة رمادية حادة تهدم أي وهم بالهروب. كانت نظراته تتفحص ارتباكها الشديد، والذعر الذي حاول قناع الكبرياء الجريح إخفاءه خلف عينيها الزرقاوين. "يبدو أن الجبل قرر أن يمنحكِ هدية صغيرة هذا المساء،" قالها بصوت هادئ وعميق يرنّ كصلابة الجليد في الخارج، دون أن تتغير نبرته أو يظهر عليه أي مفاجأة. استجمعت سيرافينا ما تبقى من شتات شجاعتها، ورفعت رأسها لتواجه نظراته بثبات زائف، وضغطت الهاتف إلى صدرها مستردة نبرتها الحادة: "الشبكة عادت يا كوفالسكي.. وهذا يعني أن وجودي هنا أصل إلى نهايته. لوكا يبحث عني، والعالم لم ينسَ من أكون لمجرد أنك حبستني في قمتك هذه!" خطا فيكتور خطوة واحدة أفقية، وجسده الشاهق يقطع المسافة بينهما ببطء مرعب، حتى غطى ظله الأريكة بأكملها. أم
سحب كفه ببطء عن معصمها، تاركاً أثراً دافئاً ومرعباً على بشرتها الناعمة، واستدار بخطوات متزنة نحو الخروج من المطبخ، مخلفاً وراءه أثراً ثقيلاً من الهيبة الجليدية التي أطبقت على انفاس المكان. بقيت سيرافينا واقفة في منتصف المطبخ، تنظر إلى معصمها المحمرّ بذهول وعيناها تتلألآن بدموع الغضب والقهر. كانت أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بحنق عارم، بينما لا يزال صدى كلماته الصارمة يرنّ في أذنيها كأمر قاطع لا يقبل النقاش. "مثل الشاطرة؟" تمتمت بها بصوت خفيض يقطر سماً، ويدها الأخرى تعصر طرف كنزتها الصوفية بحدّة، "سأريك كيف سأكون شاطرة يا كوفالسكي.." استدارت نحو الموقد المشتعل، ونظرت إلى المقلاة القابعة فوقه، وإلى شظايا البطاطا والخضار المتناثرة حولها. سحبت زفيراً حاداً ومحملاً بالكبرياء الجريح؛ فبالرغم من كل الوعود بالتمرّد والإضراب التي صرخت بها بوجهه قبل لحظات، إلا أنها كانت تدرك في عمق جوفها أن الصمود أمام رجل بحجم وقسوة فيكتور يحتاج إلى أساليب أخرى غير الجوع والضعف. التقطت الملعقة الخشبية مجدداً بأصابع مرتجفة، وأعادت تحريك الطعام ببطء شديد، وجبهتها معقودة بعبوس جهم. لم تكن تفعل ذلك خضوعا
التفتت سيرافينا نحو بحدة وهي تعصر قبضتيها المكتويتين بوهج الموقد، واشتعلت أحداقها الرمادية بشرر من الغضب العارم الذي انفجر أخيراً بعد أيام من الكبت والضغط المتواصل. ألقت الملعقة الخشبية من يدها لتصطدم بالطاولة الخشبية بصوت حاد، ثم خطت خطوة جريئة نحو جسده الشاهق دون أن تبالي بفارق الحجم بينهما. "أنا لم أستعن بك لتكون ناقداً لطعامي يا سيد فيكتور!" هتفت بها وصوتها يرتجف بخلط مزيج من الغيظ والقهر، "في عالمي الحقيقي، لم يكن يُطلب مني لمس السكاكين أو وقوف الساعات أمام الموقد! كنت أملك عشرات الخدم الذين يتسابقون لتلبية أدنى رغباتي، بينما أنت تحتجزني في هذا القفص المتجمد وتتوقع مني أن أتحول إلى طاهية ماهرة لخدمة جنابك!" بقيت ملامح فيكتور حجرية وثابتة كعادته، يراقب ثورتها المشتعلة واحمرار وجنتيها ببرود يثير الجنون. لم يطرف له جفن، بل ارتسمت على شفتيه الابتسامة ذاتها؛ ابتسامة ساخرة تحمل قدراً هائلاً من التهكم والازدراء، وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله العسكري الثقيل ويستند بكتفه العريض على إطار الباب. "عالمكِ الحقيقي؟" قالها بنبرة بطيئة وممتلئة بالتهكم، وهو يمسح وجهها الغاضب بنظرات رمادية ثاق
اتسعت حدقتا سيرافينا بغضب عارم، واشتعلت أحداقها الرمادية ببريق ثائر وهي تنظر إلى ملامحه الجافة الصلبة. كان يقف فوقها كالجبل، هادئاً بشكل يعصر أعصابها، كأنه لم يلقِ للتو حكماً شاقاً يُلزمها برعاية هذه النار طوال النهار."مكاني؟" كررت كلمته بنبرة تهكمية لا تخلو من المرارة، ورفعت رأسها لتتلاقى نظراتهما مباشرة، "أنت تتحدث وكأنني اخترتُ البقاء في هذا الكهف الملعون! أنت من يحتجزني، وأنت من يجبرني على هذا العيش البدائي!"لم يطرف جفن لفيكتور. مسح نظراتها الثائرة بجمود تام، ثم خطا خطوة هادئة نحو الطاولة الخشبية القريبة، ووضع عليها صندوق الكبريت وبعض شظايا الخشب الجاف، معطياً إياها ظهره دون أن يمنح غضبها أي أهمية."الشكوى لن تدفئ أطرافكِ يا سيرافينا،" قالها بصوت هادئ وعميق يرنّ في أرجاء القاعة، "الجبل لا يهتم بحديثكِ عن الإجبار، ولا يهتم بماضيكِ المترف. هنا.. إما أن تتعلمي كيف تتكيفين مع القسوة، أو تتركين البرد يلتهمكِ."التفت إليها بنصف جسده، ونظراته الرمادية الثاقبة تتفقد القماش الرقيق لكنزتها الصوفية وشحوب وجهها الذي بدأ يستعيد بعض ألوانه بفضل وهج المدفأة القريب:"الحطب المقصوص يقبع بجوار ال







