تسجيل الدخولالفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا
الفصل المئة وحادي عشر مرّت الأسابيع بهدوءٍ لم يعتده الجميع، وكأن الحياة قررت أخيرًا أن تمنحهم فرصةً لالتقاط أنفاسهم بعد كل ما مروا به. كانت الأيام تمضي سريعًا، حاملةً معها تفاصيل صغيرة، لكنها كانت كافية لتقرب القلوب أكثر فأكثر. ازدادت علاقة رافييل وفاليريا قوةً مع كل يوم. لم تعد تجمعهما الخطبة فقط، بل أصبحا يعيشان تفاصيل الحياة اليومية معًا؛ يتناولان الغداء كلما سمح لهما الوقت، يخرجان في نزهاتٍ مسائية بعيدًا عن ضجيج المدينة، ويتشاركان أحلامهما عن المنزل الذي سيبنيانه، وعدد الأطفال الذي كان كلٌّ منهما يمازح الآخر بشأنه. ومع مرور الوقت، جاء القرار الذي انتظره الجميع. تم تحديد موعد الزفاف رسميًا… ليكون في ليلةٍ تحمل معنىً خاصًا بالنسبة لهما. ليلة عيد الحب. ومنذ إعلان الموعد، بدأت الاستعدادات على قدمٍ وساق. قاعات الاحتفال، تصميم الفستان، قائمة المدعوين، وتفاصيل لا تنتهي، حتى أصبح الحديث عن الزفاف هو الموضوع الدائم داخل العائلتين. أما في الجهة الأخرى… فكانت قصةٌ مختلفة تُكتب بهدوء. لم يعترف أيٌّ من إدواردو أو كرستين بمشاعره صراحةً، لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُخفى. أصبح لقاؤ
الفصل المئة وعشرة في مكانٍ آخر… كانت أضواء المدينة تتلألأ مع حلول المساء، بينما انعكست على الواجهة الزجاجية لأحد أفخم مطاعم روما، مانحة المكان سحرًا خاصًا. في ركنٍ هادئ يطل على النهر، جلس رافييل وفاليريا إلى طاولةٍ أعدّت بعناية، تتوسطها باقة صغيرة من الزهور البيضاء، وعلى جانبيها شمعتان تنشران ضوءًا دافئًا يزيد الأجواء حميمية. عزفت فرقة موسيقية في الجهة الأخرى من المطعم مقطوعات كلاسيكية هادئة، امتزجت مع همسات الزبائن ورنين الكؤوس الخافت، لتمنح المكان هدوءًا يليق بأمسيةٍ كهذه. كان رافييل ينظر إلى فاليريا بين الحين والآخر، وكأنه لا يزال غير مصدق أنها أصبحت خطيبته رسميًا. أما هي، فكانت تعبث بطرف كأسها الزجاجي بخجل، بينما يلمع خاتم الخطبة في إصبعها كلما لامسته أضواء الشموع. ابتسم رافييل وهو يراقبها. — منذ بداية العشاء… لم أرك ترفعين عينيك عن الخاتم إلا قليلًا. ضحكت بخجل، ثم رفعت يدها تتأمله مرةً أخرى. — لأنني ما زلت لا أصدق أنه حقيقي. مد يده فوق الطاولة، وأمسك يدها برفق. — وأنا ما زلت لا أصدق أنك وافقتِ عليّ. ابتسمت وهي تشبك أصابعها بأصابعه. — لو لم أوافق… لكنت أكثر رجلٍ عنا
الفصل المئة وتسعة في صباح اليوم التالي… خرجت كرستين من مكتب مدير الجامعة بخطواتٍ بطيئة، وما زالت يدها تقبض على الظرف الذي سُلِّم لها قبل دقائق. بدت وكأنها تمشي بلا وعي، وعيناها معلقتان بالورقة التي تقرأها للمرة الثالثة… ثم الرابعة. “يسر إدارة الجامعة إبلاغ الطالبة كرستين روسّي بأنه، بناءً على قرار لجنة المنح، تم اعتماد منحتها الدرااسية بشكلٍ كامل حتى إنهاء جميع سنوات الدراسة، دون الحاجة إلى إعادة تقييمها سنويًا.” توقفت في منتصف الممر. أعادت قراءة السطور مرةً أخرى. ثم همست لنفسها بعدم تصديق: — مستحيل… رفعت رأسها، وعادت تنظر نحو باب مكتب المدير وكأنها تفكر في العودة وسؤاله إن كان هناك خطأ. فمنذ أيامٍ قليلة فقط، كانت تعيش في خوفٍ دائم من خسارة المنحة، أما الآن… فجأة… اختفى ذلك الخوف كله. استعادت كلمات مدير الجامعة قبل مغادرتها مكتبه. “لقد كان قرارًا صادرًا من إدارة الجامعة بعد مراجعة ملفك الأكاديمي. مبروك يا آنسة كرستين، يمكنكِ الآن التركيز على دراستك دون القلق بشأن المنحة.” ابتسمت ابتسامةً صغيرة لم تستطع منعها. ثم شعرت بشيءٍ دافئ يتسلل إلى قلبها. لأول مرة منذ وفاة والد
الفصل المئة وثمانية بعد نحو نصف ساعة، توقفت سيارة إدواردو أمام المبنى الذي يضم مكتبه. ترجل منها بخطواتٍ هادئة، وما إن دخل الردهة الرئيسية، حتى وقف جميع الموظفين لتحيته باحترام، بينما اكتفى هو بإيماءةٍ خفيفة، ثم واصل طريقه نحو المصعد. لم تغب صورة كرستين عن ذهنه طوال الطريق. ولا كلماتها… ولا ذلك التعب الذي كانت تحاول إخفاءه خلف ابتسامتها. وصل إلى مكتبه، ودخل مباشرة، ثم خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، قبل أن يتجه نحو النافذة المطلة على المدينة. بقي صامتًا للحظات. ثم ضغط الزر الموجود على مكتبه. لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى طُرق الباب. — تفضل. دخل مساعده الشخصي حاملًا جهازه اللوحي. — أمرت باستدعائي، سيدي؟ أخرج إدواردو من جيبه ورقةً صغيرة كان قد دوّن عليها عنوان شقة كرستين أثناء حديثهما، ثم وضعها أمامه. — لدي مهمة أريد إنجازها اليوم. أخذ المساعد الورقة ونظر إليها باستغراب. أكمل إدواردو بهدوء: — أريدك أن تصل إلى المالك الحقيقي لهذه الشقة. احصل على رقمه، ثم تفاوض معه واشترِ العقار. مهما كان السعر. رفع المساعد رأسه قليلًا، لكنه لم يقاطع. تابع إدواردو بنبرةٍ حاسمة: — وبعد أن تص
الفصل المئة وسبعة ابتسم لها إدواردو ابتسامةً هادئة، خلت تمامًا من الشفقة، ثم هز رأسه بخفة. — لا بأس. قالها ببساطة، وكأن كل ما فعلته هو أنها تحدثت قليلًا، لا أنها أفرغت أمامه ثقل أشهرٍ كاملة. تنفست كرستين براحةٍ صغيرة، وقد شعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن أحدًا استمع إليها… ليُصغي، لا ليرد. أما إدواردو… فقد عاد يتناول لقمةً صغيرة من طبقه، بينما بقيت ملامحه هادئة كما هي. لكن خلف ذلك الهدوء… كان عقله قد بدأ يعمل بالفعل. كان يستعيد كلماتها واحدةً تلو الأخرى. لا عمل… خوف من خسارة المنحة… إيجار يزداد باستمرار… لم يكن معتادًا على الوقوف متفرجًا عندما يكون قادرًا على تغيير الواقع. لكنه كان يعرف أيضًا أن كرستين ليست من النوع الذي يقبل المساعدة بسهولة، وأن أي عرضٍ مباشر قد يجرح كبرياءها، أو يجعلها تشعر بأنه يشفق عليها. لذلك… رفض الفكرة قبل أن تكتمل. لن يعطيها المال. ولن يعرض عليها المساعدة بهذه الطريقة. بل سيجد لها حلًا يجعلها تشعر أنها حصلت عليه بجدارتها، لا بدافع الشفقة. ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، بالكاد ظهرت. لقد بدأت تتشكل في رأسه خطةٌ كاملة… خطةٌ تضمن لها عملً
الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،
الفصل السابع ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. :اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ
الفصل السادس ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم الت
![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






