LOGINفتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:
_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ. أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف. ... جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة: _ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني مش شايل منك حاجة، وأني خلاص نسيت كل اللي حصل زمان. مد رفعت يده المرتعشة وأخذ اللفافة، سحب منها عدة أنفاس عميقة، ثم نظر إلى حسين بعيون زائغة وقال: _ يدوم يا حسين، أنت بجد صاحبي، وأنا.. أنا.. لم يقو رفعت على إكمال كلماته، فاستسلم لسحب أنفاسٍ أخرى أثقلت رأسه، ليأتي سؤال حسين مباغتًا وصادمًا حين قال: _ ألا يا رفعت يا أخويا، أنت لسه ملقتش ياسمين بنتك؟ اضطربت ملامح رفعت فور سماع اسمها، وخفض عينيه سريعًا تهربًا من نظرات حسين الحادة؛ وفي تلك اللحظة، تأكد حسين تمامًا أن رفعت يُخفي ابنته عن أعينهم. فأردف حسين سريعًا محاولًا استدراجه: _ يا رفعت، ياسمين بنت ولوحدها، مش معقول هتفضل قاعد كدة ومش بتدور عليها! مش كفاية سبت أشواق تضيع منك؟ هتسيب بنتك كمان؟ والله حرام عليك يا أخي، بص عمومًا أنا في ضهرك، وقت ما تحب تدور عليها أنا معاك، وصدقني أنا رميت اللي حصل من زمان ورا ضهري؛ اللي حصل حصل، وكل واحد دفع ثمن اللي عمله وأخد جزاءه. سكت قليلًا ليرى أثر كلماته، ثم تابع بخبث: _ فكر يا أخويا، وأنا معاك نلم لحمك من الشوارع بدل ما تتبهدل أكتر، ولا يضحك عليها حد ابن حرام، بص، أنا هسيب لك تموين يومين عشان أنا مسافر، ومش عاوزك تتحوج لحد أبدًا، ولما أرجع هجيب لك تموينك، أنت عارف أنا بحبك قد إيه، ومش عشان فلوسك راحت هتخلى عنك وأسيبك.. يلا أنا همشي بقى، ولو عوزت أي حاجة أنا هوصي ممدوح عليك يسد مكاني لحد ما أرجع. وقف حسين وتوجه نحو باب الشقة، لكنه استدار مرة أخرى وهو يخرج من جيبه رزمة من المال، وضعها بالقرب من مظروف المخدر وقال: _ رفعت، خلي المبلغ ده معاك عشان مصاريفك الأيام اللي جاية. غادر حسين وأغلق الباب خلفه، ووقف لثوانٍ ينصت السمع بتركيز إلى ما يدور في الداخل، وحين تأكد من أن الصمت سيد الموقف، غادر وعيناه تطلق شررًا غامضًا يوحي بشرٍ قريب. بينما في الطابق الأسفل، وقفت ياسمين بجوار باب شقة شادي، ترهف السمع بكل كيانها وتلزم صمتًا مطبقًا وسط حيرة شادي وأيمن، اللذين وقفا يحدقان بها في صمتٍ موازٍ لصمتها. التفتت إليهما أخيرًا وقالت بحرجٍ بدا واضحًا على وجهها: _ هو ينفع أطلب منكم حاجة؟ أسرع شادي بالرد بلهفةٍ لم يستطع كبتها: _ آ.. آمري يا ياسمين، أنا تحت أمرك في أي طلب. صبغت الحمرة وجنتي ياسمين إثر نظرات شادي التي لم تكف عن تفحصها، فأطرقت برأسها خجلاً وهي تهمس بصوتٍ متهدج: _ أنا عارفة إنه طلب غريب شوية، بس لو سمحت ممكن تطلع فوق تخبط على بابا وتشوفه إذا كان لوحده ولا معاه حد؟ بس بالله عليك متبينش أي حاجة، ولا تجيب سيرتي خالص لو لقيت حد معاه.. أرجوك. تلقى أيمن كلمات ياسمين بدهشةٍ جلية، وأخذ يراقب ارتجاف أطرافها بعينين ثاقبتين، فأدرك أن خلف هذا التوجس خوفًا دفيًا من سر لا تعلمه إلا هي، فالتفت نحو شادي قائلًا بنبرةٍ حاسمة: _ خليك أنت يا شادي معاها هنا، وأنا هطلع أخبط وأشوف إذا كان في حد مع والدها ولا لوحده، وهيبقى طبيعي إني أطلع أنا بما إني صاحبك، هعمل نفسي بسأل عليك علشان محدش يشك فيك لو أنت اللي طلعت. رمقت ياسمين أيمن بنظرة ممتنة لم تحتج إلى كلمات لتصل، فغادر الشاب على الفور وصعد الدرج بخطى وئيدة حتى وصل إلى باب شقتها، طرق الباب مرارًا، وعندما هم بالانصراف، انفتح الباب ليواجهه رجلٌ يبدو شارد الذهن، تائه الملامح، يفرك أنفه بعصبيةٍ واضحة، حدق رفعت في الغريب بريبة، وسند جسده المنهك إلى إطار الباب متسائلًا بصوتٍ واهٍ: _ خير.. أنت مين وعاوز إيه؟ تفحص أيمن ملامح الرجل جيدًا، وحاول اختلاس نظرة عابرة إلى عمق الشقة وهو يجيب: _ أنا صاحب شادي جارك اللي ساكن في الشقة اللي تحت، كنت بس بسأل عليه علشان كان مديني ميعاد ومش بيفتح، قولت يمكن يكون عندكم ولا حاجة. استمر رفعت في حك أنفه بقوة، وضغط بكفه فوق ذراعه الأيمن كمن يحاول تسكين وجعٍ خفي، وقال باقتضاب: _ لا معرفش عنه حاجة، ممكن تنزل تسأل في المحل اللي تحت البناية أكيد شافوه. شكر أيمن الرجل بكياسة وهبط الدرج متمهلًا، يراقب بطرف عينه حركات رفعت حتى أُغلق الباب تمامًا، وحين عاد إلى الأسفل، سارعت ياسمين بسؤاله بنظراتٍ قلقة، فأجابها مطمئنًا: _ هو والدك شعره رمادي وطويل وشكله تعبان كأن عنده برد؟ أومأت برأسها في خجل، فاستطرد أيمن: _ اطمني، والدك لوحده مفيش حد معاه. تنفست ياسمين الصعداء، لكن القلق ظل يحوم في عينيها، فنظرت إلى الشابين وقالت بصوتٍ مكسور: _ طيب أنا هطلع بقى، وشكرًا بجد على الأكل والعصير، بس أنا ليا طلب كمان معلش، ممكن؟ حين أبدى كلاهما استعداده للمساعدة، تابعت بخفوت: _ لو أي حد سألكم عني، أرجوكم تنكروا إني موجودة خالص، أنا عارفة إن طلبي غريب، بس الحقيقة إني هربانة من عمي علشان عاوز يجوزني ابنه بالغصب، وبابا مخبيني عنهم ومش عاوزة حد يعرف مكاني، أرجوكم. قاطعها شادي مشيرًا بيده ليطمئنها، وقال بنبرةٍ دافئة: _ متخافيش يا ياسمين، محدش هيعرف أي حاجة عنك واطمني خالص، ولو في أي وقت عمك جه أو حسيتي بخطر، انزلي هنا فورًا، أنا وأيمن أغلب الوقت بنكون في الكلية أو الشغل، يعني هتبقي مطمنة والبيت فاضي ومحدش هيحس بيكِ. ثم أخرج مفتاحه من جيبه ومده إليها قائلًا: _ خدي المفتاح ده يا ياسمين، وادخلي في أي وقت تحبيه، اعتبري البيت بيتك بالظبط. ترددت ياسمين وهي تنظر إلى المفتاح، ثم إلى أيمن الذي أومأ لها مشجعاً وهو يضيف بوقار: _ خدي المفتاح ومتقلقيش، ومتبعديش عن ربنا، الصلاة والقرآن والدعاء هما اللي هيحموكي، وربنا مش هيسيبك وهيقف معاكِ في كل وقت. ... وقف حسين يراقب باب البناية بعينين صقريتين لا تفوتهما التفاتة واحدة؛ كان يقينه يهمس له بأنها قابعة في الداخل، في مكان ما خلف تلك الجدران الصماء، لكن أين تحديدًا؟ هذا هو اللغز الذي عزم على فك طلاسمه الليلة، أخرج هاتفه من جيب معطفه بحركة آلية، وضغطه على أذنه وهو يتحدث باهتمام بالغ، رغم غليان المرارة في صدره، وقال لصديقه ممدوح: _ ابعت لي عصام إبرة، أنا عايزه في مصلحة، وخلي بالك، متتكلمش خالص قدام أي حد من الرجالة اللي عندك، إحنا مانعرفش مين ممكن يبعنا ويبلغه ياخد حذره، فاهمني؟ سكت حسين لبرهة، يُنصت إلى رد ممدوح والاعتراضات التي بدأت تنهال عبر السماعة، فصاح بنفي قاطع: _ لا لا.. متبعتش رائد، أنت ناسي إن رفعت عارفه؟ وكمان ياسمين عرفاه كويس، يعني يعتبر كرت محروق وهيكشفنا في ثانية، هو مفيش غير عصام اللي هيسلك في اللي أنا عايزه وهيعرف يجيب لي التايهة، أصل يا ممدوح أخوك رفعت فاكر حاله ذكي وهيقدر يخبيها عننا، وميعرفش إنه حتى لو خبأها في بطن الحوت هجيبها هي والحوت ومش هرحمها، هما مش عارفين بيلعبوا مع مين، ونسيوا إن مش حسين الدياش اللي حتة بت هتقدر تستغفله وتهرب منه! توقف عن الحديث مرة أخرى، والضيق يرتسم بوضوح على تقاطيع وجهه وهو يستمع إلى تذمر ممدوح، فرد عليه بحدة: _ لما أشوفك هفهمك كل حاجة يا ممدوح، المهم دلوقتي تعمل اللي قلت لك عليه قبل العصفورة ما تطير وتسيب العش، أنا حاسس إنها هنا، وزي ما تقول كدة شامم ريحتها، ريحتها اللي مختلفتش كتير عن ريحة أشواق. أغلق الهاتف بحدة، ثم عقد حاجبيه في وجوم، وراح يهمس لنفسه بنبرة مسكونة بالوعيد: _ اطمن بس إنها في إيدي وهخفيها عن الكل، أنا لا يمكن أسمح لك يا ممدوح تطولها حتى لو زحفت قدامي وبكيت، كفاية إنك كنت السبب في ضياع كل حاجة أنت وابنك من الأول، وصدقني، أضمنها بس وبعد كدة أصفي حسابي على مهلي معاك ومع الكل.أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:_ أنا منمتش من الأساس
ترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص!انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول:_ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه.أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط:_ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!"توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا:_ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني.حاولت نورا أن تملص
فتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ.أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف....جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة:_ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني م
سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقت
اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟ ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خا
سحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة.جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح.توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ







