LOGINسحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.
تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة. جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح. توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ واضحة، وأسرع الرجل إلى خارج المطبخ، ملقيًا نظرة خاطفة على حسين ليطمئن أنه لا يزال بعيدًا ومنهمكًا في إعداد سجائره، ثم التفت إلى ابنته وقبض على ساعدها بقسوة، وقال بصوتٍ مرتعد وخافت: _ ياسمين! إنتِ إيه اللي خرجك بره أوضتك؟ أنا مش منبه عليكِ وقايلك ما تطلعيش إلا لما تبقى الدنيا أمان؟ ومحذرك بالذات من الخروج في الوقت ده؟ حاولت ياسمين لجم ارتجاف جسدها، لكن عقلها كان يسبقها برسم مئات المشاهد الكابوسية لما قد يحدث لو اكتشف حسين وجودها، فكادت شهقات فزعها أن تفلت من بين ثنايا حلقها، فلطمت كفها فوق فمها وهي تحدق بوجه والدها بذعر، ثم أزاحت يدها على مضض وهمست بصوتٍ مخنوق: _ أنا.. أنا كنت عاوزة أعمل ساندويتش، وحضرتك ما كنتش موجود عشان تنبهني زي كل مرة. رفع والدها كفه يفرك أنفه بقوة، وعيناه تزيغان بقلق بين الصالة حيث يجلس رفيقه وبين ابنته، ثم قال فجأة بلهجة أحدثت لها صدمة لم تتوقعها: _ بصي ما فيش قدامنا غير حل واحد ولازم تنفذيه فورًا، إنتِ لازم تنطي من شباك المطبخ، وتمشي على الحافة اللي برا وتمسكي في الشباك لحد ما توصلي لشباك الحمام، وبعدها تعدي لسور البلكونة وتدخلي أوضتك، وحاولي ما تعمليش أي صوت وإنتِ داخلة، يلا يا ياسمين! إنتِ لسه واقفة تتفرجي عليا لحد ما يطب علينا هنا؟ هزت رأسها بالرفض القاطع، وعيناها متسعتان من الذهول؛ أيطلب منها والدها حقًا أن تخرج من تلك النافذة الضيقة في الطابق العاشر؟ أن تتسلق الحافة الرقيقة لتصل إلى غرفتها وهي التي يقتلها مجرد النظر من المرتفعات؟ دفعها والدها بخفة ليفيقها من شرودها، وهمس في أذنها بصوتٍ يملؤه التوتر: _ إنتِ عارفة لو حسين شافك هيحصل إيه؟ أبوس إيدك يا ياسمين، تنطي من الشباك ده أرحم مليون مرة من إنه يلمحك ويروح يقولهم، ورحمة أمك الغالية تنطي! أجابته بصوتٍ متهدج وجسد يرتعش كغصنٍ في عاصفة: _ بس حضرتك عارف إني بخاف من الأماكن العالية ومش هقدر أتعلق، بلاش يا بابا وحياتي بلاش، أنا مش هقدر وممكن أقع أو.. بتر والدها كلماتها بأصابعه المرتعشة التي كمم بها فمها، وقال بحدة ممزوجة بالخوف: _ ياسمين.. صدقيني الشباك أهون منهم، وإنتِ عارفة ليه، يلا يا بنتي، يلا! ازدردت ياسمين لعابها بصعوبة، وأغمضت عينيها مستسلمة لقدرها، واستندت إلى ذراع والدها وصعدت فوق الطاولة الصغيرة أسفل النافذة، وفتحت الزجاج، وبمساعدة والدها الذي رفعها، دفعت بجسدها الضئيل إلى الخارج، فارتطم الهواء البارد بوجهها فزاد من رعبها، وحين خانتها شجاعتها ونظرت إلى الأسفل، شعرت بدوارٍ عنيف جعلها تتشبث بحافة النافذة بأظافرها. فجأة، اخترق سكون الموقف صوت حسين وهو ينادي والدها، مما جعل الأخير يدفعها بسرعة لتفلت يدها من الحافة الداخلية، ثم أغلق النافذة في وجهها تمامًا، فالتـصـقت ياسمين بجسدها إلى الحائط الخارجي، تشعر وكأن الأرض تجذبها نحو الهاوية، وكتمت أنفاسها وهي تسمع صوت حسين يقول بريبة: _ إيه يا عم رفعت؟ كل ده بتجيب شمعة ومعلقة؟ إنت بتعمل إيه عندك بقالك ساعة؟ التقط رفعت الشمعة والملعقة عن الطاولة بسرعة، والتفت إلى حسين الذي بدأ يجول ببصره في أرجاء المطبخ بشك، فارتجف رفعت، وازدرد لعابه وهو يحاول التظاهر بالثبات: _ معلش يا حسين، الواحد من كتر النسيان ما بقاش يشوف الحاجة قدامه، يلا بينا عشان تظبط لنا الدماغ، أحسن الصداع هيموتني. قالها رفعت وهو يسحب حسين بجسده نحو الخارج، وقلبه ينتفض بين ضلوعِهِ، يلهج بالدعاء أن تصل ابنته إلى غرفتها بسلام. وفي الخارج، كانت ياسمين تخوض معركة شرسة مع رعبها من المرتفعات؛ كافحت لِتثبت قدميها المرتجفتين وهي تسير ببطء شديد على تلك الحافة الرفيعة، وتشبثت بنافذة المرحاض بكل ما أوتيت من قوة حتى تخطتها بعد عناءٍ مرير، وما إن لمست يداها حافة شرفتها، حتى شعرت وكأنها عثرت على طوق نجاتها الوحيد، فرفعت جسدها المنهك وتسلقت السور لترتمي فوق الأرض منكمشة حول نفسها، تحاول استعادة أنفاسها ونسيان تلك التجربة المريرة، لكنها ما كادت تهدأ قليلًا، حتى هاجمتها أصواتٌ عديدة وضجيجٌ وهمي في رأسها، فرفعت يدها لتصم أذنيها وهي تزداد انكماشًا فوق برودة البلاط. في تلك الأثناء، كان رفعت قد غاب عن العالم وتناسى أمر ابنته تمامًا، ما إن اندمج مع ضباب السجائر التي أعدها حسين، رفيق السوء وصديق المزاج الضائع، فأخرج حسين لفافة صغيرة تحتوي على مسحوق "الهيروين"، ومررها أمام عيني رفعت بإغواءٍ خبيث وقال: _ ها يا رفعت، مش ناوي تقول لي بقى مخبي مين في الأوضة اللي هناك دي؟ وبتقفلها ليه كل ما نيجي نقعد معاك؟ ابتسم حسين بسخرية وأكمل وهو يهز اللفافة: _ بص يا سيدي، التذكرة دي ببلاش، تمنها بس إنك تعرفني سر الأوضة المقفولة بالمفتاح دي، وليه مش بترضى إن حد فينا يدخلها خالص؟ تلهف رفعت لأخذ اللفافة، وحدق بها بعيون زائغة غاب عنها العقل، ومد يده المرتعشة ليخطفها، إلا أن حسين أبعدها عنه فجأة ووقف وهو يحدق بباب الغرفة بفضولٍ قاتل وقال: _ هات المفتاح الأول وأنا أديك التذكرة دي، ولا أقولك؟ أنا هدي لك تذكرتين بحالهم، بس هات المفتاح عشان أشوف بنفسي إيه اللي جوا الأوضة. ازدرد رفعت لعابه بصعوبة، وأخذ يفرك أنفه ويحك وجهه بقوة تحت تأثير الحاجة للمخدر، وتبادل النظرات بين باب الغرفة وبين حسين، ثم استسلم لضعفه ومد يده ليسحب المفتاح من جيب بنطاله، فالتقطه حسين بابتسامة نصر ساخرة، وألقى لفافة الهيروين لرفعت على الأرض، ثم اتجه بخطواتٍ واثقة نحو الغرفة. فتح حسين الباب وأضاء المصباح، فجال ببصره في أرجاء المكان، لكنه زوى حاجبيه بضيق حين وجدها خاوية تمامًا ولا أثر فيها لأحد، فزفر بحنق، والتفت إلى رفعت الذي كان قد انكب يستنشق مخدره بنهم، تاركًا باب الغرفة مفتوحًا على مصراعيه، وعاد حسين خاوي الوفاض إلى مقعده، لكن عينيه ظلت تلاحق الباب بين الحين والآخر بريبةٍ لم تنطفئ بعد. ... أفاقت ياسمين من حالة غياب الوعي التي سيطرت عليها، فاعتدلت ببطء واستندت إلى حافة السور، تدعم جسدها الواهن لتقف على قدميها، وما إن وقع بصرها على ضوء غرفتها المنبعث من الداخل حتى قطبت حاجبيها بوجل؛ فقد كانت تدرك أنها تركتها غارقة في العتمة. خطت نحو الداخل بحذر، لكنها تراجعت بحدة وكأنها لُطمت على وجهها حين رأت باب الغرفة مفتوحًا على مصراعيه، وصوت والدها يتردد مع ضحكات حسين بالخارج، فالتـصـقت بحائط الشرفة، وتنفست بصعوبة وهي تغالب رعبها، خشية أن يلمح حسين خيالها أو يشعر بوجودها رفيق السوء ذلك. كانت تسمع صوتهما يقترب ويبتعد، فحبست أنفاسها وهي تدعو الله في سرها: _ يا رب يمشي.. يا رب ما يدخلش هنا تاني. أغمضت عينيها بقوة، وجسدها لا يزال يرتجف من أثر المغامرة فوق الحافة، وشعرت أن الغرفة التي كانت ملاذها الوحيد، قد استُبيحت ولم تعد آمنة كما كانت.الثاني والثمانون...استرجعت ياسمين تلك اللحظات العصيبة، حين وقفت أمام البناية التي كانت تقطن بها، لتفاجأ بسيارة دفع رباعي تتوقف بحدة أمامها، ويندفع منها عدد من الرجال الأشداء الذين اختطفوها في ثوانٍ معدودة، شعرت ياسمين حينها ببرودة تسري في جسدها؛ فقد ظنت أنها سقطت أخيراً في فخ "حسين الدياش"، فاستسلمت لقدرها وجلست في السيارة بهدوء غريب أثار تعجب الخاطفين المحيطين بها، بعد بضع دقائق تحدث أحدهم في الهاتف، فسمعته ياسمين وقد جذب انتباهها طاعته ومهادنته لمحدثه: _ اطمني يا هانم هي معانا.. لحقناها قبل ما تدخل.صمت الرجل ليستمع للطرف الآخر، ثم أردف بعد دقيقة:_ لا يا فندم محدش ماشي ورانا اطمني، كلها ساعة وهنكون عند حضرتك.سيطرت الحيرة والفضول على ياسمين؛ من تكون تلك المرأة؟ هل هي والدتها التي أرسلت هؤلاء الرجال لإنقاذها؟ لكن صدمتها كانت عنيفة حين وصلت لتجد في استقبالها امرأة غريبة تماماً عنها، ملامحها حادة ونظراتها ثاقبة، سحبتها تلك المرأة من يدها وولجت بها إلى إحدى الغرف، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بلهجة آمرة:_ بقى في حد عاقل يغلط غلطتك دي ويرجع للنار برجليه؟ عموماً كويس إنك معايا دلوقتي ع
وصلت أشواق إلى مدينة الأقصر، وكان التوتر ينهش أعصابها، والخوف من رفض ياسمين لها يطاردها كظلّ لا يفارقها. شعر طايع بارتجاف جسدها، فضمها إليه بقوة محاولاً بث الطمأنينة في قلبها وقال بنبرة حانية:_ اهدي يا أشواق واطمني، بنتك عمرها ما هترفض وجودك. والـلي حصل آخر مرة لما شافتك فيها كان دليل إن عندها النية تفتح صفحة جديدة معاكِ، صدقيني أنا حاسس إن الأيام الجاية دي هتتصلح فيها كل حاجة يا حبيبتي، وبعدين متخافيش، أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبداً.سكنت أشواق داخل صدر طايع، تشعر بهدوء نسبي يتسلل إلى أعماقها، وتنهدت بعمق وهي تراقب معالم الطريق، وما إن توقف سائق السيارة أمام المنزل الذي تقطن به ابنتها، حتى سارعت بالخروج بلهفة ممزوجة بالرعب، بينما اندفع "مجد" من خلفها يهرول باتجاه الباب، ليطرق عليه بضربات طفولية متلاحقة ومبتهجة.في الداخل، كان جلال يتابع ياسمين وهي تحل بعض المسائل التي أعطاها لها، متجاهلاً تذمرها اللطيف وطلبها المتكرر لفترة راحة، وحين سمع صوت الطرقات، اتجه إلى الباب ليفتحه، ليفاجأ بذلك الصبي الصغير الذي اقتحم المكان بحماس، ثم وقع بصره على تلك المرأة التي كانت تتشبث بذراع رجل غريب لم
تجمدت نظرات ياسمين أمام ذلك القرب الطاغي الذي فرضه جلال، وشعرت بجدران المطبخ تضيق عليها، بينما تسللت أنفاسه لتداعب خصلات شعرها المتمردة، فخفق قلبها بشدة بين أضلعها كعصفور سجين، إلا أن غصة الماضي كانت لا تزال عالقة في حنجرتها كقطعة من الزجاج المكسور، تحول دون أن ينفذ صوته الدافئ إلى أعماقها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، ودفعت صدره برفق بيدين مرتجفتين وهي تهز رأسها يميناً ويساراً كأنها تطرد حلماً جميلاً تخشى الاستيقاظ منه على واقع مرير، وقالت بصوت مخنوق تغلبه العبرات: _ وحشتك إزاي يا جلال؟ وحشتك وأنا اللي كنت عبء تقيل عليك؟ أنا مش قادرة أنسى كلام رقية ليا، ولا قادرة أمحي من دماغي وهي واقفة قصادي بتبص في عيني بكل ثقة وجبروت وبتقول لي إن وجودي في حياتك هو أكبر ضرر ليك، وأكدت لي إنك مش متمسك بيا حباً فيا، لأ دي قالت إنك متمسك بيا شفقة، مجرد شفقة على واحدة وحيدة ملهاش حد في الدنيا غيرك، وخايف لو سبتها تضيع. ابتعدت عنه بضع خطوات، محاولةً خلق مسافة أمان تحميها من تأثيره، ومسحت دمعة فرت رغماً عنها بطرف كفها، ثم تابعت بمرارة تقطر من كل حرف: _ قالت لي إني حمل تقيل عليك بسبب أدمان بابا وانتحاري، و
توقف جلال فجأة عن الاسترسال، وشحب لونه حين أدرك أنه يقف على حافة الهاوية؛ فلو أكمل القصة وقص عليها تفاصيل تعنت والدها وما جرى خلف الكواليس، ستنكشف خيوط الماضي، وستعلم ياسمين يقيناً ما حدث بينه وبين رقية، وستدرك دوره في تلك المأساة، وحتماً ستوجه إليه أصابع الاتهام بالجرم والخيانة. نظر إليها بارتباك واضح، ليرى تلك الابتسامة وهي تتلاشى عن شفتيها، وتنطفئ جذوة السعادة في عينيها لتحل محلها صدمة مروعة.تهالكت ياسمين فوق المقعد أمام ذهوله، وانفجرت في بكاء مرير وهي تتخيل حجم الظلم الذي وقع على قلبين لم يتمنيا سوى الحلال، وقالت بصوت يملؤه الرفض والاستنكار: _ والله حرام اللي حصل دا! طيب ليه يرفض أيمن وهو إنسان كويس أوي وبيحبها؟ ليه يحرمها من الإنسان اللي بتحبه؟ وهي.. هي إزاي وافقت تتجوز واحد غيره؟ أنا.. أنا مش فاهمة!أمام صمت جلال المطبق وشروده الذي بدا كأنه يغرق في بحر من تأنيب الضمير، بدأت ياسمين في نسج خيوط جملته التي بترها، ووجهت إليه تساؤلاتها كأنها سهام تخترق صمته: _ طيب أنت محاولتش تعرف عمك رفض أيمن ليه؟ محاولتش تقنعه إنه يغير رأيه؟ ليه سيبته يا جلال يجوز فجر من واحد تاني؟ ليه خليته يك
صرخة جعلته ينتفض فوق فراشه من فرط الرعب، ثم رأى الحقنة تطير في الهواء بعد أن قذفتها بقوة نحو الحائط لتتحطم ويتناثر سائلها القاتل فوق الأرض. التفتت إليه وعيناها تفيضان بمرارة السنين، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والوعيد: _ أنا لو شيطان يا حسين فدا لأنك أنت وممدوح اللي وصلتوني للي أنا فيه دا! أنت وممدوح اللي طمعتوا في الكيلاني وفي فلوسه وضربتوه وغدرتوا بيه وقتلتوه زي ما قتلتوا نور الدين وولاده، وزي ما غدرتم بياسمين وأشواق واستخسرتوا إني أعيش حياتي.. حرمتوني منه ومن قبله حرمتوني من ابني لما ولعتم بيا المخزن!توقفت للحظة وكأنها تستعيد وهج النيران وصور الدخان، ثم تابعت بصوت مخنوق: _ ابني اللي كنت حامل فيه، والدخان والحريقة والرعب اللي عشته خلاه يموت في بطني وأتسبب إني أشيل الرحم علشان ممتش! كل دا عملتوه ومش عاوزني أكون شيطان؟ دا أنا لو أطول أكون إبليس نفسه هكون وانتقم منكم وأعيد انتقامي مرة واتنين وعشرة ومية، لحد ما أشفي غليلي منكم وآخد حق كل واحد ضربتوه في ضهره، وعلى فكرة يا حسين، اللي أنا عملته فيك دا ولا حاجة، دا لسه كتير وبكرة تشوف بعنيك باقي انتقامي منك ومن ممدوح وابنه هيبقى إزاي!استم
سرقت أصوات محرك سيارة طايع التي لاحت في الأفق "أشواق" من دوامة ذكرياتها المريرة، فانتفضت تستعيد رباطة جأشها، والتفتت إلى صغيرها "مجد" الذي كان يلح عليها بجذب يدها لفت انتباهها، فقالت بصوت يحاول استجماع القوة: _ أهو بابا جه يا مجد، بقولك إيه، تعالى معايا نتمم على البيت ونشوف كل حاجة متظبطة وفي مكانها قبل ما نمشي.أوقف طايع سيارته وترجل منها متجهاً نحو مدخل المنزل، وحين وقعت عيناه على الحقائب المصطفة، تجمدت نظراته عليها وهو يحاول استرجاع تفاصيل اتفاقه الأخير مع "نجلا" بشأن السفر إلى الأقصر، فزم شفتيه بضيق وارتمى بتعب وإنهاك فوق أحد المقاعد، ليهرع إليه مجد ويحتضنه بلهفة طفل طال انتظاره قائلاً: _ اتأخرت أوي يا بابا، وأنت عارف إن ميعاد الطيارة بدري!تجنب طايع تلاقي نظراته مع عيني نجلا، التي لمحت على الفور تجهم وجه زوجها وارتباكه، فزفرت بحدة وقد بدأ الشك يقيناً في صدرها، وقالت بنبرة حادة: _ متقولش إنك نسيت تحجز يا طايع!أومأ طايع برأسه في خجل وانكسار، ورد بصوت خفيض: _ أنا نسيت خالص يا نجلا، بس والله غصب عني، الشغل كان كتير وراح عن تفكيري إني أحجز الطيارة والفندق، بس أقولك، أنا هحاول أحل
في مدينة العريش، حيث تمتزج رائحة البحر بعبق الهدوء القلق، كانت نجلا قد انتهت من لملمة شتات حياتها في حقائب سفر اصطفت بانتظام جوار باب المنزل، وكأنها تعلن التمرد على الانتظار. التفتت نحو صغيرها "مجد"، الذي كان غارقاً في عالمه الخاص، يداعب هاتفه بابتسامة تطل من بين شفتيه حيناً وتختفي حيناً آخر، فاقتر
في قلب الفيوم، حيث يسكن السكون الثقيل الذي لا يقطعه سوى أنين الرياح الخافت، كانت فجر تخوض معركة ضارية مع الأرق، تتلوى فوق فراشها وتحاول جاهدة أن تسرق من الزمن غفوة واحدة تريح عقلها المنهك، لكن محاولاتها كانت تبوء بالفشل الذريع أمام ذلك الضجيج المزعج المنبعث من زوجها الغارق في نومه، فصوت غطيطه لم يك
رمقته مديحة بنظرة غلبت عليها عاطفة الأمومة والتفهم؛ فهي تدرك يقيناً أن هذا الرجل يحب ياسمين بصدقٍ يحرق جوارحه، لكنها كانت قد عقدت العزم على منح ياسمين فرصتها الكاملة لتولد من جديد بعيداً عن قيود الماضي، فهزت رأسها ببطء وقالت لتؤكد موقفها بحزم:_ قلت لك يا جلال، مش هقدر أقولك مكان ياسمين إلا لما تخل
شحب وجه رفعت تماماً وكأن دماءه هربت من عروقه بمجرد سماع هذا الاسم؛ فاتسعت ابتسامة مديحة وهي ترى أثر الرعب المطبوع على ملامحه، وأضافت بسخرية لاذعة:_ مالك خوفت كدة ليه؟ أوعى تكون فاكرني أنا حبيب؟انفجرت مديحة ضاحكة بمرارة وسخرية، ثم بترت ضحكتها فجأة ومالت بجسدها للأمام، محدقة في وجه رفعت بعينين جليد







