Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-05-07 09:09:37

سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.

تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.

ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:

_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!

ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقترب من الأريكة، وقال بذهول:

_ دي.. دي ياسمين! هي جت منين يا أيمن؟ ومالها؟ هي ماتت ولا إيه؟

ربت أيمن فوق وجنتيها برفق، وأخذ يفرك كفيها محاولًا بث الدفء في عروقها الباردة، ثم التفت إلى صديقه ليراه شاحب الوجه مضطربًا، فقال بحدة:

_ شادي فوق! ده مش وقت صدمة خالص، روح هات برفان من بتوعك عشان نفوقها، ونشوف الهانم اللي كانت عاوزة تنتحر دي حكايتها إيه هي كمان؟

صُعق شادي من كلمات صديقه، فغادر الغرفة مسرعًا نحو غرفته ليعود بزجاجة عطر، وهو يردد بعدم تصديق:

_ أنت بتقول إيه؟ معقول ياسمين كانت عاوزة تنتحر؟

تـنـهـد أيمن وهو ينثر العطر بعيدًا عن أنفها قليلًا لئلا تختنق، وقال:

_ أنا كنت خارج البلكونة أشرب سيجارة، لقيت الأستاذة متعلقة في السور، ولولا إني لحقتها في آخر لحظة كانت رمت نفسها، حقيقي أنا مش عارف لحد دلوقتي إزاي قدرت أمسكها وأسحبها جوه البلكونة؟ بس قولي يا شادي، دي تبقى مين؟ أنا أول مرة أشوفها رغم إني بجي لك هنا على طول.

رمى شادي بجسده فوق مقعدٍ قريب، ورمقها بنظرة عاشقٍ يدرك أن لا أمل له معها، وقال بصوتٍ متهدج:

_ دي جارتي اللي ساكنة في الدور اللي فوق، ومش بتظهر كتير أساسًا، ولا بتتكلم مع أي حد من سكان العمارة.. لمحتها كام مرة، وعرفت اسمها بالصدفة لما والدها خرج مرة وراها وناداها باسمها قدامي.

بدأ اللون يعود تدريجيًا إلى وجه ياسمين، وصبغ شفتيها بلونٍ أحمر طبيعي، جعل قلب أيمن يهتز بين ضلوعه بعنف؛ فازدرد لعابه وهو يحاول جاهدًا التحكم في ارتجاف يده التي ربتت على وجهها بلمسات حانية، فقد صور له عقله لوهلة أن يميل على شفتيها ليخطف قبلة من هاتين الرقيقتين المرتعشتين أمامه، لينتفض فجأة بعيدًا كمن مسته النار واحترقت روحه، وراح يستغفر ربه في سره وهو يمرر يده بين خصلات شعره الأسود الطويل نسبيًا.

بينما حدجه شادي بنظراتٍ متسائلة مستغربة، بينما شعر أيمن بسيطرة غريبة لتلك الفتاة على مشاعره، فأعاد بصره إليها، ليراها ترفع يدها لتلمس جبهتها بأصابع مرتعشة، ثم فتحت عينيها بذعر وانتفضت، فقد هيأ لها عقلها أنها سقطت بين يدي حسين الهالك، وجحظت عيناها وهي ترى زوجين من الأعين يحدقان بها بتركيز، ورفعت يدها الأخرى تدعم رأسها لتكف عن ذلك الدوار العنيف الذي يضرب رأسها، فتقدم أيمن لجواره صديقه يرمقها بفضولٍ تحكم فيه بصعوبة، كي لا يطلق العنان لنفسه ويسائلها عما أقدمت على فعله.

سحبت ياسمين عدة أنفاس وهي تتلفت حولها بخوف ممزوج بالأمان لعدم رؤيتها لحسين، وحين وقع بصرها على وجه شادي، حاولت استرجاع ذاكرتها ليدرك عقلها الذي بدأ يستعيد صفوه أنه جارها الذي يقطن في الشقة التي تقع أسفل شقتها تمامًا، وتـنـهـدت بعمق وعقلها يعيد عليها شريط الدقائق الأخيرة قبل أن تفقد وعيها، وتساءلت بصوتٍ واهن يكاد يُسمع:

_ هو.. ممكن أعرف أنا جيت هنا إزاي؟

رفع أيمن حاجبه بسخط، ومنع نفسه بصعوبة عن الجلوس بجانبها وهزها بقوة، ليقول بنبرة سخرية لاذعة:

_ هي الأستاذة فقدت الذاكرة؟ ولا بتحاول تمثل إنها نسيت اللي عملته؟ أنا بجد مش عارف أقولك إيه؟ أنتِ متخيلة لو مكنتش دخلت البلكونة وشوفتك وأنتِ متعلقة بالشكل المرعب ده ومسكتك قبل ما تقعي، كان زمانك دلوقتي بتتحاسبي على انتحارك؟ بجد عقلي مش قادر يستوعب إزاي بنت في سنك الصغير ده، والحياة لسه كلها قدامها، تفكر إنها تنتحر وترمي نفسها من البلكونة! ممكن بقى سيادتك تفهمينا إيه اللي خلاكِ تعملي كدة؟

استمعت ياسمين لاتهامه القاسي بصمتٍ مطبق؛ فهي تدرك أنها مهما قالت، لن تستطيع أبدًا إفهامه الدافع الحقيقي وراء فعلتها، ولن تشرح له جحيم الطابق العاشر، إذاً، لتتركه يظن فيها ما يشاء، فهي لن تصحح فكرته عنها، ولن تراه بكل تأكيد مرة أخرى، فتحاملت ياسمين على دوارها ووقفت تحاول موازنة جسدها الذي أخذ يميل بترنح واضح، ليسرع شادي وأيمن بالوقوف أمامها لحمايتها من السقوط، فارتعدت بخوف وتراجعت لتسقط من جديد فوق الأريكة، فضمت جسدها بذراعين مرتجفتين وهي تحدق بهما بذعرٍ شديد.

في حين تبادل شادي وأيمن النظرات في صمت، ثم ابتعدا قليلًا، وأتى صوت شادي الهادئ يحاول بث الطمأنينة في نفسها:

_ ما تخافيش يا ياسمين، إحنا كنا هنسندك بس لأن شكلك فعلاً تعبان ومش قادرة تقفي على رجليكِ، بصي، طيب ارتاحي شوية على ما أعملك أي حاجة تشربيها، الظاهر كدة إن عندك هبوط في الدورة الدموية.

حاولت ياسمين إبعاد الخيالات المرعبة عن رأسها فأخذت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بهوس، فحدق بها شادي بدهشة وحيرة، بينما لاحظ أيمن عينيها الزائغتين فجذب شادي من ساعده وقال بلهجة خافتة:

_ الظاهر كدة إنها افتكرت حاجة وخايفة، بص، روح اعمل لها أي حاجة تاكلها وهات لها عصير، دي شكلها ما أكلتش أي حاجة ووشها أصفر زي الليمونة.

لم يدرِ شادي كيف ينسحب ويتركها مع صديقه بمفردهما وهو الشغوف بها وبكل تفاصيلها، لكنه أومأ برأسه على مضض وغادر المطبخ ملبيًا طلب صديقه، أما أيمن، فقد عاد إلى مكانه وجلس يمعن النظر بها، ليقول محاولًا إبعاد تلك الذكريات القاتمة التي جعلت وجهها يزداد شحوبًا:

_ آنسة ياسمين، أنتِ سامعاني؟ ممكن تبصي لي لو سمحتي؟

أحست ياسمين بصوت ذلك الشاب يخترق ضباب خيالاتها ويبعدهم عنها، فحدقت بوجهه بعينين تلمعان بالدموع والخوف وشيء آخر غامض لم يستطع أيمن فهمه، فرسم أيمن ابتسامة طمأنينة وقال:

_ على فكرة، أنا أيمن محمد، تالتة تجارة وأبقى صاحب شادي، أنا عرفت منه إنك جارته وساكنة في الدور اللي فوق، فـ ممكن بقى تسمعيني في اللي هقوله لك من غير ما تزعلي ولا تضايقي؟ أنا عاوزك تعتبريني زي أخوكِ بالظبط وما تخافيش مني، وعلى فكرة أنا عندي أخت اسمها رقية، بس هي أكبر مني بسنة وفي آخر سنة بكلية الآداب، ها، هتسمعيني يا ياسمين؟

أومأت ياسمين برأسها بوهن، فقد أحست بصدقٍ يتدفق من حديثه، ونظرت له لترى ابتسامته الصافية وهو يكمل:

_ بصي أولًا أنا هعتذر لك عشان انفعلت عليكِ من شوية وأنا معرفش ظروفك إيه، عشان كدة عاوزك تقبلي أسفي، بس يمكن انفعلت لأني شوفت بنوتة جميلة زيك بتحاول تموت نفسها، فقولت أكيد في سبب قوي خلاها تفتكر إن ده الحل، بس أنا بقى هقولك على السبب الأقوى اللي يخليكِ ما تفكريش في الموضوع ده تاني من غير ما أعرف ظروفك ولا أسبابك.

زفر أيمن وأضاف:

_ بصي يا ياسمين، كلنا بنقابل في حياتنا حاجات كتيرة أوي، منها اللي بيكـسـرنا ومنها اللي بيخلينا نحس إننا مذلولين وموجعين أوي، وكتير بنحس إن الدنيا دي بتظلمنا أوي من غير ما يكون لنا ذنب في أي حاجة، وجاية علينا وبتدوسنا في كل مرة كأنها مش شايفة غيرنا تدوسه وتذله.

تابع أيمن والسكينة تملأ صوته:

_اللي بيخلينا نتحمل ده ونصبر عليه هو إيماننا بربنا، وإننا بنقول دايمًا يا رب وبنرضى بكل حاجة؛ لأن على الرضى والصبر ربنا بيجازينا، ومهما زادت الدنيا عليكِ أو على غيرك، طالما متوكلة على الله وبتقولي يا رب وصبرتِ وارتضيتِ بالمكتوب لك، ربنا هيقويكِ أكتر وهتلاقي نفسك بتتحملي، ومهما حسيتي بالضعف أو إن الشيطان بيحاول يهبط من عزيمتك ويخليكِ تستسلمي، تقومي تتوضي وتصلي ركعتين لربنا وتسحبي مصحفك وتقري فيه، هتلاقي نفسك هديتِ وأوقات كتيرة هتلاقي الحل لكل مشكلة، ها، اتفقنا إننا نلجأ لربنا ونرمي كل أحمالنا في سجدة ودعاء؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قلب إبليس    الفصل السابع...

    أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:_ أنا منمتش من الأساس

  • في قلب إبليس    الفصل السادس...

    ترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص!انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول:_ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه.أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط:_ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!"توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا:_ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني.حاولت نورا أن تملص

  • في قلب إبليس    الفصل الخامس

    فتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ.أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف....جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة:_ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني م

  • في قلب إبليس    الفصل الرابع

    سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقت

  • في قلب إبليس    الفصل الثالث

    اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟ ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خا

  • في قلب إبليس    الفصل الثاني

    سحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة.جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح.توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status