تسجيل الدخولسيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.
تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها. ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع: _ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة! ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقترب من الأريكة، وقال بذهول: _ دي.. دي ياسمين! هي جت منين يا أيمن؟ ومالها؟ هي ماتت ولا إيه؟ ربت أيمن فوق وجنتيها برفق، وأخذ يفرك كفيها محاولًا بث الدفء في عروقها الباردة، ثم التفت إلى صديقه ليراه شاحب الوجه مضطربًا، فقال بحدة: _ شادي فوق! ده مش وقت صدمة خالص، روح هات برفان من بتوعك عشان نفوقها، ونشوف الهانم اللي كانت عاوزة تنتحر دي حكايتها إيه هي كمان؟ صُعق شادي من كلمات صديقه، فغادر الغرفة مسرعًا نحو غرفته ليعود بزجاجة عطر، وهو يردد بعدم تصديق: _ أنت بتقول إيه؟ معقول ياسمين كانت عاوزة تنتحر؟ تـنـهـد أيمن وهو ينثر العطر بعيدًا عن أنفها قليلًا لئلا تختنق، وقال: _ أنا كنت خارج البلكونة أشرب سيجارة، لقيت الأستاذة متعلقة في السور، ولولا إني لحقتها في آخر لحظة كانت رمت نفسها، حقيقي أنا مش عارف لحد دلوقتي إزاي قدرت أمسكها وأسحبها جوه البلكونة؟ بس قولي يا شادي، دي تبقى مين؟ أنا أول مرة أشوفها رغم إني بجي لك هنا على طول. رمى شادي بجسده فوق مقعدٍ قريب، ورمقها بنظرة عاشقٍ يدرك أن لا أمل له معها، وقال بصوتٍ متهدج: _ دي جارتي اللي ساكنة في الدور اللي فوق، ومش بتظهر كتير أساسًا، ولا بتتكلم مع أي حد من سكان العمارة.. لمحتها كام مرة، وعرفت اسمها بالصدفة لما والدها خرج مرة وراها وناداها باسمها قدامي. بدأ اللون يعود تدريجيًا إلى وجه ياسمين، وصبغ شفتيها بلونٍ أحمر طبيعي، جعل قلب أيمن يهتز بين ضلوعه بعنف؛ فازدرد لعابه وهو يحاول جاهدًا التحكم في ارتجاف يده التي ربتت على وجهها بلمسات حانية، فقد صور له عقله لوهلة أن يميل على شفتيها ليخطف قبلة من هاتين الرقيقتين المرتعشتين أمامه، لينتفض فجأة بعيدًا كمن مسته النار واحترقت روحه، وراح يستغفر ربه في سره وهو يمرر يده بين خصلات شعره الأسود الطويل نسبيًا. بينما حدجه شادي بنظراتٍ متسائلة مستغربة، بينما شعر أيمن بسيطرة غريبة لتلك الفتاة على مشاعره، فأعاد بصره إليها، ليراها ترفع يدها لتلمس جبهتها بأصابع مرتعشة، ثم فتحت عينيها بذعر وانتفضت، فقد هيأ لها عقلها أنها سقطت بين يدي حسين الهالك، وجحظت عيناها وهي ترى زوجين من الأعين يحدقان بها بتركيز، ورفعت يدها الأخرى تدعم رأسها لتكف عن ذلك الدوار العنيف الذي يضرب رأسها، فتقدم أيمن لجواره صديقه يرمقها بفضولٍ تحكم فيه بصعوبة، كي لا يطلق العنان لنفسه ويسائلها عما أقدمت على فعله. سحبت ياسمين عدة أنفاس وهي تتلفت حولها بخوف ممزوج بالأمان لعدم رؤيتها لحسين، وحين وقع بصرها على وجه شادي، حاولت استرجاع ذاكرتها ليدرك عقلها الذي بدأ يستعيد صفوه أنه جارها الذي يقطن في الشقة التي تقع أسفل شقتها تمامًا، وتـنـهـدت بعمق وعقلها يعيد عليها شريط الدقائق الأخيرة قبل أن تفقد وعيها، وتساءلت بصوتٍ واهن يكاد يُسمع: _ هو.. ممكن أعرف أنا جيت هنا إزاي؟ رفع أيمن حاجبه بسخط، ومنع نفسه بصعوبة عن الجلوس بجانبها وهزها بقوة، ليقول بنبرة سخرية لاذعة: _ هي الأستاذة فقدت الذاكرة؟ ولا بتحاول تمثل إنها نسيت اللي عملته؟ أنا بجد مش عارف أقولك إيه؟ أنتِ متخيلة لو مكنتش دخلت البلكونة وشوفتك وأنتِ متعلقة بالشكل المرعب ده ومسكتك قبل ما تقعي، كان زمانك دلوقتي بتتحاسبي على انتحارك؟ بجد عقلي مش قادر يستوعب إزاي بنت في سنك الصغير ده، والحياة لسه كلها قدامها، تفكر إنها تنتحر وترمي نفسها من البلكونة! ممكن بقى سيادتك تفهمينا إيه اللي خلاكِ تعملي كدة؟ استمعت ياسمين لاتهامه القاسي بصمتٍ مطبق؛ فهي تدرك أنها مهما قالت، لن تستطيع أبدًا إفهامه الدافع الحقيقي وراء فعلتها، ولن تشرح له جحيم الطابق العاشر، إذاً، لتتركه يظن فيها ما يشاء، فهي لن تصحح فكرته عنها، ولن تراه بكل تأكيد مرة أخرى، فتحاملت ياسمين على دوارها ووقفت تحاول موازنة جسدها الذي أخذ يميل بترنح واضح، ليسرع شادي وأيمن بالوقوف أمامها لحمايتها من السقوط، فارتعدت بخوف وتراجعت لتسقط من جديد فوق الأريكة، فضمت جسدها بذراعين مرتجفتين وهي تحدق بهما بذعرٍ شديد. في حين تبادل شادي وأيمن النظرات في صمت، ثم ابتعدا قليلًا، وأتى صوت شادي الهادئ يحاول بث الطمأنينة في نفسها: _ ما تخافيش يا ياسمين، إحنا كنا هنسندك بس لأن شكلك فعلاً تعبان ومش قادرة تقفي على رجليكِ، بصي، طيب ارتاحي شوية على ما أعملك أي حاجة تشربيها، الظاهر كدة إن عندك هبوط في الدورة الدموية. حاولت ياسمين إبعاد الخيالات المرعبة عن رأسها فأخذت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بهوس، فحدق بها شادي بدهشة وحيرة، بينما لاحظ أيمن عينيها الزائغتين فجذب شادي من ساعده وقال بلهجة خافتة: _ الظاهر كدة إنها افتكرت حاجة وخايفة، بص، روح اعمل لها أي حاجة تاكلها وهات لها عصير، دي شكلها ما أكلتش أي حاجة ووشها أصفر زي الليمونة. لم يدرِ شادي كيف ينسحب ويتركها مع صديقه بمفردهما وهو الشغوف بها وبكل تفاصيلها، لكنه أومأ برأسه على مضض وغادر المطبخ ملبيًا طلب صديقه، أما أيمن، فقد عاد إلى مكانه وجلس يمعن النظر بها، ليقول محاولًا إبعاد تلك الذكريات القاتمة التي جعلت وجهها يزداد شحوبًا: _ آنسة ياسمين، أنتِ سامعاني؟ ممكن تبصي لي لو سمحتي؟ أحست ياسمين بصوت ذلك الشاب يخترق ضباب خيالاتها ويبعدهم عنها، فحدقت بوجهه بعينين تلمعان بالدموع والخوف وشيء آخر غامض لم يستطع أيمن فهمه، فرسم أيمن ابتسامة طمأنينة وقال: _ على فكرة، أنا أيمن محمد، تالتة تجارة وأبقى صاحب شادي، أنا عرفت منه إنك جارته وساكنة في الدور اللي فوق، فـ ممكن بقى تسمعيني في اللي هقوله لك من غير ما تزعلي ولا تضايقي؟ أنا عاوزك تعتبريني زي أخوكِ بالظبط وما تخافيش مني، وعلى فكرة أنا عندي أخت اسمها رقية، بس هي أكبر مني بسنة وفي آخر سنة بكلية الآداب، ها، هتسمعيني يا ياسمين؟ أومأت ياسمين برأسها بوهن، فقد أحست بصدقٍ يتدفق من حديثه، ونظرت له لترى ابتسامته الصافية وهو يكمل: _ بصي أولًا أنا هعتذر لك عشان انفعلت عليكِ من شوية وأنا معرفش ظروفك إيه، عشان كدة عاوزك تقبلي أسفي، بس يمكن انفعلت لأني شوفت بنوتة جميلة زيك بتحاول تموت نفسها، فقولت أكيد في سبب قوي خلاها تفتكر إن ده الحل، بس أنا بقى هقولك على السبب الأقوى اللي يخليكِ ما تفكريش في الموضوع ده تاني من غير ما أعرف ظروفك ولا أسبابك. زفر أيمن وأضاف: _ بصي يا ياسمين، كلنا بنقابل في حياتنا حاجات كتيرة أوي، منها اللي بيكـسـرنا ومنها اللي بيخلينا نحس إننا مذلولين وموجعين أوي، وكتير بنحس إن الدنيا دي بتظلمنا أوي من غير ما يكون لنا ذنب في أي حاجة، وجاية علينا وبتدوسنا في كل مرة كأنها مش شايفة غيرنا تدوسه وتذله. تابع أيمن والسكينة تملأ صوته: _اللي بيخلينا نتحمل ده ونصبر عليه هو إيماننا بربنا، وإننا بنقول دايمًا يا رب وبنرضى بكل حاجة؛ لأن على الرضى والصبر ربنا بيجازينا، ومهما زادت الدنيا عليكِ أو على غيرك، طالما متوكلة على الله وبتقولي يا رب وصبرتِ وارتضيتِ بالمكتوب لك، ربنا هيقويكِ أكتر وهتلاقي نفسك بتتحملي، ومهما حسيتي بالضعف أو إن الشيطان بيحاول يهبط من عزيمتك ويخليكِ تستسلمي، تقومي تتوضي وتصلي ركعتين لربنا وتسحبي مصحفك وتقري فيه، هتلاقي نفسك هديتِ وأوقات كتيرة هتلاقي الحل لكل مشكلة، ها، اتفقنا إننا نلجأ لربنا ونرمي كل أحمالنا في سجدة ودعاء؟الثاني والثمانون...استرجعت ياسمين تلك اللحظات العصيبة، حين وقفت أمام البناية التي كانت تقطن بها، لتفاجأ بسيارة دفع رباعي تتوقف بحدة أمامها، ويندفع منها عدد من الرجال الأشداء الذين اختطفوها في ثوانٍ معدودة، شعرت ياسمين حينها ببرودة تسري في جسدها؛ فقد ظنت أنها سقطت أخيراً في فخ "حسين الدياش"، فاستسلمت لقدرها وجلست في السيارة بهدوء غريب أثار تعجب الخاطفين المحيطين بها، بعد بضع دقائق تحدث أحدهم في الهاتف، فسمعته ياسمين وقد جذب انتباهها طاعته ومهادنته لمحدثه: _ اطمني يا هانم هي معانا.. لحقناها قبل ما تدخل.صمت الرجل ليستمع للطرف الآخر، ثم أردف بعد دقيقة:_ لا يا فندم محدش ماشي ورانا اطمني، كلها ساعة وهنكون عند حضرتك.سيطرت الحيرة والفضول على ياسمين؛ من تكون تلك المرأة؟ هل هي والدتها التي أرسلت هؤلاء الرجال لإنقاذها؟ لكن صدمتها كانت عنيفة حين وصلت لتجد في استقبالها امرأة غريبة تماماً عنها، ملامحها حادة ونظراتها ثاقبة، سحبتها تلك المرأة من يدها وولجت بها إلى إحدى الغرف، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بلهجة آمرة:_ بقى في حد عاقل يغلط غلطتك دي ويرجع للنار برجليه؟ عموماً كويس إنك معايا دلوقتي ع
وصلت أشواق إلى مدينة الأقصر، وكان التوتر ينهش أعصابها، والخوف من رفض ياسمين لها يطاردها كظلّ لا يفارقها. شعر طايع بارتجاف جسدها، فضمها إليه بقوة محاولاً بث الطمأنينة في قلبها وقال بنبرة حانية:_ اهدي يا أشواق واطمني، بنتك عمرها ما هترفض وجودك. والـلي حصل آخر مرة لما شافتك فيها كان دليل إن عندها النية تفتح صفحة جديدة معاكِ، صدقيني أنا حاسس إن الأيام الجاية دي هتتصلح فيها كل حاجة يا حبيبتي، وبعدين متخافيش، أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبداً.سكنت أشواق داخل صدر طايع، تشعر بهدوء نسبي يتسلل إلى أعماقها، وتنهدت بعمق وهي تراقب معالم الطريق، وما إن توقف سائق السيارة أمام المنزل الذي تقطن به ابنتها، حتى سارعت بالخروج بلهفة ممزوجة بالرعب، بينما اندفع "مجد" من خلفها يهرول باتجاه الباب، ليطرق عليه بضربات طفولية متلاحقة ومبتهجة.في الداخل، كان جلال يتابع ياسمين وهي تحل بعض المسائل التي أعطاها لها، متجاهلاً تذمرها اللطيف وطلبها المتكرر لفترة راحة، وحين سمع صوت الطرقات، اتجه إلى الباب ليفتحه، ليفاجأ بذلك الصبي الصغير الذي اقتحم المكان بحماس، ثم وقع بصره على تلك المرأة التي كانت تتشبث بذراع رجل غريب لم
تجمدت نظرات ياسمين أمام ذلك القرب الطاغي الذي فرضه جلال، وشعرت بجدران المطبخ تضيق عليها، بينما تسللت أنفاسه لتداعب خصلات شعرها المتمردة، فخفق قلبها بشدة بين أضلعها كعصفور سجين، إلا أن غصة الماضي كانت لا تزال عالقة في حنجرتها كقطعة من الزجاج المكسور، تحول دون أن ينفذ صوته الدافئ إلى أعماقها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، ودفعت صدره برفق بيدين مرتجفتين وهي تهز رأسها يميناً ويساراً كأنها تطرد حلماً جميلاً تخشى الاستيقاظ منه على واقع مرير، وقالت بصوت مخنوق تغلبه العبرات: _ وحشتك إزاي يا جلال؟ وحشتك وأنا اللي كنت عبء تقيل عليك؟ أنا مش قادرة أنسى كلام رقية ليا، ولا قادرة أمحي من دماغي وهي واقفة قصادي بتبص في عيني بكل ثقة وجبروت وبتقول لي إن وجودي في حياتك هو أكبر ضرر ليك، وأكدت لي إنك مش متمسك بيا حباً فيا، لأ دي قالت إنك متمسك بيا شفقة، مجرد شفقة على واحدة وحيدة ملهاش حد في الدنيا غيرك، وخايف لو سبتها تضيع. ابتعدت عنه بضع خطوات، محاولةً خلق مسافة أمان تحميها من تأثيره، ومسحت دمعة فرت رغماً عنها بطرف كفها، ثم تابعت بمرارة تقطر من كل حرف: _ قالت لي إني حمل تقيل عليك بسبب أدمان بابا وانتحاري، و
توقف جلال فجأة عن الاسترسال، وشحب لونه حين أدرك أنه يقف على حافة الهاوية؛ فلو أكمل القصة وقص عليها تفاصيل تعنت والدها وما جرى خلف الكواليس، ستنكشف خيوط الماضي، وستعلم ياسمين يقيناً ما حدث بينه وبين رقية، وستدرك دوره في تلك المأساة، وحتماً ستوجه إليه أصابع الاتهام بالجرم والخيانة. نظر إليها بارتباك واضح، ليرى تلك الابتسامة وهي تتلاشى عن شفتيها، وتنطفئ جذوة السعادة في عينيها لتحل محلها صدمة مروعة.تهالكت ياسمين فوق المقعد أمام ذهوله، وانفجرت في بكاء مرير وهي تتخيل حجم الظلم الذي وقع على قلبين لم يتمنيا سوى الحلال، وقالت بصوت يملؤه الرفض والاستنكار: _ والله حرام اللي حصل دا! طيب ليه يرفض أيمن وهو إنسان كويس أوي وبيحبها؟ ليه يحرمها من الإنسان اللي بتحبه؟ وهي.. هي إزاي وافقت تتجوز واحد غيره؟ أنا.. أنا مش فاهمة!أمام صمت جلال المطبق وشروده الذي بدا كأنه يغرق في بحر من تأنيب الضمير، بدأت ياسمين في نسج خيوط جملته التي بترها، ووجهت إليه تساؤلاتها كأنها سهام تخترق صمته: _ طيب أنت محاولتش تعرف عمك رفض أيمن ليه؟ محاولتش تقنعه إنه يغير رأيه؟ ليه سيبته يا جلال يجوز فجر من واحد تاني؟ ليه خليته يك
صرخة جعلته ينتفض فوق فراشه من فرط الرعب، ثم رأى الحقنة تطير في الهواء بعد أن قذفتها بقوة نحو الحائط لتتحطم ويتناثر سائلها القاتل فوق الأرض. التفتت إليه وعيناها تفيضان بمرارة السنين، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والوعيد: _ أنا لو شيطان يا حسين فدا لأنك أنت وممدوح اللي وصلتوني للي أنا فيه دا! أنت وممدوح اللي طمعتوا في الكيلاني وفي فلوسه وضربتوه وغدرتوا بيه وقتلتوه زي ما قتلتوا نور الدين وولاده، وزي ما غدرتم بياسمين وأشواق واستخسرتوا إني أعيش حياتي.. حرمتوني منه ومن قبله حرمتوني من ابني لما ولعتم بيا المخزن!توقفت للحظة وكأنها تستعيد وهج النيران وصور الدخان، ثم تابعت بصوت مخنوق: _ ابني اللي كنت حامل فيه، والدخان والحريقة والرعب اللي عشته خلاه يموت في بطني وأتسبب إني أشيل الرحم علشان ممتش! كل دا عملتوه ومش عاوزني أكون شيطان؟ دا أنا لو أطول أكون إبليس نفسه هكون وانتقم منكم وأعيد انتقامي مرة واتنين وعشرة ومية، لحد ما أشفي غليلي منكم وآخد حق كل واحد ضربتوه في ضهره، وعلى فكرة يا حسين، اللي أنا عملته فيك دا ولا حاجة، دا لسه كتير وبكرة تشوف بعنيك باقي انتقامي منك ومن ممدوح وابنه هيبقى إزاي!استم
سرقت أصوات محرك سيارة طايع التي لاحت في الأفق "أشواق" من دوامة ذكرياتها المريرة، فانتفضت تستعيد رباطة جأشها، والتفتت إلى صغيرها "مجد" الذي كان يلح عليها بجذب يدها لفت انتباهها، فقالت بصوت يحاول استجماع القوة: _ أهو بابا جه يا مجد، بقولك إيه، تعالى معايا نتمم على البيت ونشوف كل حاجة متظبطة وفي مكانها قبل ما نمشي.أوقف طايع سيارته وترجل منها متجهاً نحو مدخل المنزل، وحين وقعت عيناه على الحقائب المصطفة، تجمدت نظراته عليها وهو يحاول استرجاع تفاصيل اتفاقه الأخير مع "نجلا" بشأن السفر إلى الأقصر، فزم شفتيه بضيق وارتمى بتعب وإنهاك فوق أحد المقاعد، ليهرع إليه مجد ويحتضنه بلهفة طفل طال انتظاره قائلاً: _ اتأخرت أوي يا بابا، وأنت عارف إن ميعاد الطيارة بدري!تجنب طايع تلاقي نظراته مع عيني نجلا، التي لمحت على الفور تجهم وجه زوجها وارتباكه، فزفرت بحدة وقد بدأ الشك يقيناً في صدرها، وقالت بنبرة حادة: _ متقولش إنك نسيت تحجز يا طايع!أومأ طايع برأسه في خجل وانكسار، ورد بصوت خفيض: _ أنا نسيت خالص يا نجلا، بس والله غصب عني، الشغل كان كتير وراح عن تفكيري إني أحجز الطيارة والفندق، بس أقولك، أنا هحاول أحل
_ أنا اللي أعرف مكان ياسمين يا جلال، فنزل سلاحك ده واتكلم معايا أنا، وسيبك من رفعت خالص، لأنه فعلاً ميعرفش أي حاجة عنها ولا هي فين. أتت الإجابة على سؤال جلال المليء بالوعيد من خلفه، حين صدح صوت نسائي هادئ لكنه يحمل نبرة من الثقة والقوة، فتسمر جلال في مكانه لثوانٍ، ثم التفت ببطء نحو مصدر الصوت، وحد
عاد شادي من عمله، وما إن ولج إلى الشقة حتى استقبله سكونٌ غير معتاد؛ فلاحظ غياب صوت رقية التي اعتادت في الآونة الأخيرة أن تنتظره بلهفة عند الباب، فوقف في منتصف الصالة يبحث عنها بعينيه، وعقد حاجبيه مفكراً في مناداتها، لكنه عدل عن الفكرة بسرعة وكأنه يهرب من أي احتكاك بها، واتجه صوب غرفته. تسمر شادي ف
اعتدلت انتصار بتعبٍ بائن، ورغم وهن جسدها إلا أن نظراتها كانت حادة كالنصل وهي ترمق ابنتها باحتقارٍ أخرسها، ثم التفتت إلى يامن وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل: _ اتصل بخالك يا يامن وقوله ماما غيرت رأيها وموافقة على العريس اللي جابه لرقية، أختك خلاص معدش ليها قعدة وسطنا بعد النهاردة، والأحسن ليها نجو
في صمتٍ مخيف، قبض يامن على ساعد رقية بقوة كادت تحطم عظامها، وجذبها خلفه بعنفٍ وهو يتوجه نحو السيارات، وفي تلك اللحظة، أسرع جلال باتجاههم والدهشة تملأ ملامحه، فوقف بجوار والدته نبيلة وسألها بحيرةٍ وقلق: _ أنتو خرجتوا ليه؟ وماله يامن بيجر رقية كدة ليه؟ هو فيه إيه اللي حصل يا أمي؟ أشاحت نبيلة بعينيه







