LOGINاعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟
ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خانة المنحوسين، وبقيت أنا النحس نفسه. حدق جلال في وجهه بدهشة، وقال بلهجة شابها التَّهكم لظنه أن الشاب قد يكون مدسوسًا عليه: _ وهو في حد بيعترف على نفسه ويقول إنه نحس؟ مش شايف إنها غريبة شوية؟ هز يامن رأسه بالنفي، وأطلق أنفاسه بضيق وهو يقرر الإفصاح عما يجول في خاطره: _ ما هو أنا مش بقول على نفسي كدة من فراغ، للأسف ده نتاج تجارب كتيرة يا جلال. هقول إيه وأنا كل ما أروح مكان وأقول خلاص هو ده مكان أكل عيشي وشغلي الدايم، مكملش فيه كام شهر وأسيبه. ضيق جلال عينيه ونظر إليه بفضولٍ غلفه الاندهاش: _ وتسيبه ليه؟ هو في حد لاقي شغل الأيام دي أصلًا؟ مرر يامن كف يده على وجهه محاولًا طرد إحساس الفشل الذي بات يطارده كظله، وقال: _ عارف يا جلال، أنا في شركتين متخيلتش إن رجليا ممكن تخطيهم أساسًا مش بس أشتغل فيهم، ولما اشتغلت كنت بتقي الله في شغلي جدًا، بس للأسف مستمرتش. أظنك عارف شركة (البيونتو)، أهي دي قعدت فيها سنة كاملة، وسبتها لما وقع تحت إيدي بالصدفة ملفات عن صفقات مشبوهة. ولما عرفوا إني شوفت الملفات دي بدأوا يضايقوني ويحفروا لي كل حفرة وأختها، من اللي بتودي ورا الشمس زي ما بيقولوا. قمت قايل وعلى إيه؟ أخدت بعضي وطلعت للمدير، عشان كان استحالة أقابل صاحب الشركة إلا لو كنت من أصحاب المراكز و.. توقف يامن عن الحديث لبرهة، فبدا لجلال وكأنه يصارع شبحًا مقيتًا يحاول إبعاده عنه، ثم استكمل قائلًا: _ المهم، وقفت قدام المدير وقولت له أنا هعمل إخلاء طرف، وإنت تمضي عليه وتوافق على الاستقالة وتحرق ملفي اللي عندك، وأنا مش هجيب سيرة إني اشتغلت عندكم ولا حتى هقول إني عديت من الشارع اللي فيه الشركة. الراجل لما حس إني عاوز أنفد بجلدي خلاني أمشي، وحمدت ربنا إني طلعت منها سليم، بس منكرش إني فضلت أربع شهور حاسس إني متراقب وإن في حد لازق فيا، لكن دعاء الحاجة أمي هو اللي قعد لي وربنا حفظني من شرهم. حاول جلال لجم أفكاره، وأمر عقله بألا يسترسل في تحليل الحديث الآن، وسأله بهدوء عن الشركة الأخرى: _ والشركة التانية، سبتها ليه هي كمان؟ غامت ملامح يامن فجأة، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ومريرة، وقال بصوتٍ كـسـير يشوبه الحزن: _ أهي دي بقى سبتها وأنا قلبي مكـسـور.. لما اكتشفت إني كنت مجرد لعبة في إيد بنت صاحب الشركة. صمت يامن تمامًا محاولًا طرد ذكرياته عنها؛ فهو لا يريد لتلك المشاعر أن تعود إليه فتجعله يعاني ليالٍ أخرى بسببها. زفر أنفاسه بألم، ثم التفت إلى جلال بعدما أدرك أن الأخير لا يزال يتوجس منه خيفة: _ بص يا جلال، أنا عارف إنك خايف مني، يعني إنك تأمن لواحد أول مرة تشوفه في حياتك، ويسندك في الشارع ويصمم يوصلك للبيت ويقعد معاك ومن ساعة ما قعد وهو شغال كلام.. بصراحة والحق، أنا نفسي كنت شاكك فيك لتكون مزقوق عليا من الشركة إياها وناوي تخلص عليا، فقولت أجيب آخري معاك. بس الظاهر كدة إننا في الهوا سوا، هو مش أوي يعني عشان إنت ساكن في منطقة حلوة وشقة ما شاء الله ملعب، وأنا يا دوب مزنوق مع أمي وإخواتي في شقة على قد الحال. المهم يا صاحبي، أنا هسيبك بقى وأمشي، أحسن زمان الحاجة نزلت إعلان في الجرائد إني مفقود، ومش بعيد تلاقي منشور متعلق (ابحث مع الشرطة عن شاب تايه). اتسعت ابتسامة جلال إعجابًا بحديثه العفوي، ونهض من مقعده، فقام يامن هو الآخر ومد يده ليصافحه، إلا أن جلال جذبه برفق واحتضنه قائلًا: _ ما تزعلش مني يا يامن إني كنت شاكك فيك، بس بصراحة أنا قلبي انفتح لك وحاسس إني لقيت الصاحب اللي يقف جنبي ومعايا. عشان كدة يا بطل، أنا بمد لك إيدي وبطلب منك تيجي تشتغل معايا في شركتي؛ هي صحيح مش شركة كبيرة، بس الحمد لله سمعتها طيبة.. ها، قولت إيه؟ حدق يامن في وجه جلال وهو لا يكاد يصدق ما سمعه، وأخذ يهز رأسه يمينًا ويسارًا يحاول استيعاب أنه وجد عملاً أخيرًا وبمثل هذه البساطة. زادت ابتسامة جلال حين رأى ذهول يامن، الذي قال بصوتٍ مرتعش من الدهشة: _ أنت بتتكلم بجد؟ يعني إنت عاوزني أشتغل معاك؟ ولا أنا سمعت غلط ولا بحلم ولا إيه؟ ربت جلال على كتفه فصمت يامن، لكنه عاد ليسأله بحيرة أكبر: _ أوعى تكون شركتك تبع شركة (البيونتو) وناوي توديني ورا الشمس؟ أنا ورايا كوم لحم يا صاحبي ملهمش غيري. انفجر جلال ضاحكًا، فقد بدا يامن أمامه كصورةٍ أخرى منه في شكه وظنونه، وأجابه نافيًا: _ ما تخافش يا يامن، تعالى إنت بس اشتغل معايا ومسير الأيام تثبت لنا سوا إننا في اختيارنا لبعض صح. المهم أنا هشوفك بكرة في الشركة، هي في 6 أكتوبر وده الكارت بتاعي، هتيجي ونعمل لك اختبار صغير، وإن عديته هيبقى لنا كلام تاني وقتها وهفهمك على كل حاجة.. تمام؟ مد يامن يده وشد على يد جلال مصافحًا إياه بحرارة، وأومأ برأسه موافقًا. صحبه جلال حتى باب الشقة، ليغادر يامن مسرعًا وهو لا يكاد يصدق أن الحظ ابتسم له أخيرًا. عاد جلال إلى مقعده يحدق في غيوم السماء التي شعر وكأنها تبلغه رسالة صامتة؛ بأن حياته لن تهدأ أبدًا منذ الآن. أما يامن، فقد انطلقت قدماه تعدوان نحو منزله، يحاول كبح جماح سعادته بتلك الوظيفة التي أضناه البحث عنها. فمنذ أن غادر منزله هربًا من دموع والدته، التي قهرتها صاحبة البيت لتأخرهم في سداد الإيجار لعدة أشهر، لم يحتمل رؤيتها في تلك الحالة، وفر من أمامها متفاديًا الاصطدام بشقيقته رقية التي تابعت هروبه بسخط. تمنى يامن في أعماقه أن يصدق جلال في قوله، فهو في أمسّ الحاجة لذلك العمل الذي سينقذ حياة أسرته من شر الديون التي أصبحت تثقل كاهل الجميع. ... مر الوقت ثقيلًا، ونخر البرد جسدها النحيل حتى تيبست أطرافها، وآلمتها ساقاها من فرط الوقوف متصلبة في تلك الزاوية الضيقة بالقرب من سور الشرفة؛ كانت تحاول بكل قوتها أن تبتعد عن مرمى بصر حسين الذي دلف إلى الغرفة عدة مرات بفضولٍ مريب، انتبهت ياسمين فجأة لصوت وقع أقدامٍ يقتحم سكون غرفتها مجددًا، فانتفضت بذعر حين أحست باقترابه من الشرفة هذه المرة. زاغت عيناها يمينًا ويسارًا مع اقتراب الخطوات، فلم تجد أمامها مفرًا سوى خوض تلك التجربة المريرة والتعلق بسور الشرفة من جديد، وتحركت بجسدها المرتعش، ودموعها تنهمر رغمًا عنها، ثم تسلقت السور وتدلت بجسدها إلى الأسفل، بينما كان صوت الخطوات يقترب منها أكثر فأكثر. وضعت طرف أصابعها على الحافة الصغيرة أسفل السور في نفس اللحظة التي ظهر فيها حسين في الشرفة، وهو ينظر في بادئ الأمر إلى الناحية الأخرى. أحست ياسمين بأنها تقف على أعتاب الموت؛ فلو أدار وجهه نحوها لرآها حتمًا في وضعها ذاك، وبدون تفكير أو مراجعة لقرارها، أغمضت عينيها بقوة وتعلقت بالحلية الحجرية الموجودة أسفل سور شرفتها، ثم تركت الحافة الصغيرة ليصبح جسدها معلقًا في الهواء على ارتفاع عشرة طوابق، لا يدعمها في مواجهة الهاوية سوى أصابعها المرتجفة التي تمسـكت بتلك الحلية بوهن. في تلك اللحظة الحرجة، أدار حسين رأسه ونظر في الاتجاه ذاته الذي علق فيه جسدها، لكنه لم ينظر للأسفل بما يكفي ليلمحها، وأخرج من جيبه علبة سجائره، ووقف يدخن بهدوءٍ مستفز، بينما راح عقله يتساءل بخبث: إلى متى سيصمد رفعت ويتحمل حالة الشُّح التي أصبح الجميع يعامله بها؟ وإلى متى سيصبر على رفضهم مده بمخدره؟ لقد تساءل أيضًا: إلى متى سيتحمل رفعت عذاب إدمانه ويظل مصرًا على إخفاء ابنته عن أنظارهم؟ اسودت عينا حسين وتصلب فكه، ثم همس لنفسه بنبرةٍ تقطر حقدًا: _ مسيرك تقعي في إيدي، وساعتها محدش هيرحمك من اللي هعمله فيكِ يا ياسمين يا بنت أشواق.أسرع أيمن في سيره وقد تملكه القلق؛ فقد استغرق في نومه طويلًا حتى فاتته المحاضرة الأولى، وهو يدرك جيدًا أن الوقت المتبقي على بدء المحاضرة الثانية لا يتجاوز العشر دقائق، وإن لم يدرك القاعة في الوقت المحدد، فلن يسمح له الدكتور بالحضور أبدًا. وقف أيمن أمام باب المدرج يلتقط أنفاسه اللاهثة، فلمح صديقه شادي يشير إليه من بعيد، فاعتدل في وقفته وسار باتجاهه قائلًا بنبرةٍ غلب عليها التعجب:_ أول مرة تحضر في ميعادك! إيه يا عم النشاط ده؟ قولي بقى وطمني.. حضرت المحاضرة الأولى؟أومأ شادي برأسه وأجاب بهدوء:_ أيوة حضرت المحاضرة وسجلتها لما لقيتك مجتش، عشان تعرف تذاكرها كويس، إنما أنت إيه اللي أخرك كدة؟تذمر أيمن بضيق وهو يتذكر ما فعلته شقيقته به، وقال:_ أختي لغت كل المنبهات اللي كنت عاملها، قال إيه مش عايزة تصحى بدري! خلتني أتعصب عليها رغم إنها الكبيرة، بس تعرف يا شادي؟ رغم إنها أختي بس دمها تقيل ورخمة، ودايمًا بقول ربنا يعين اللي هيتجوزها، دي هتجيب أجله بدري!ابتسم شادي في صمت؛ فصديقه قلما يتحدث عن شؤون أسرته، ثم انتبه لسؤال أيمن الذي لاحقه بنظرةٍ فاحصة، فنظر إليه شادي قائلًا:_ أنا منمتش من الأساس
ترددت أصداء ضحكاتها الصافية في الأرجاء وهي تفر منه بخفة، تلتفت خلفها بين الحين والآخر لترميه بنظراتٍ ملؤها المرح والدلال، وصاحت به متحدية:_ مش هتعرف تمسكني أبدًا يا جلجل، عارف ليه؟ عشان أنتَ الظاهر عليك عجزت خلاص!انفجر جلال ضاحكًا، واندفع نحوها بقوةٍ مباغتة حتى قبض عليها، محيطًا جسدها بين ذراعيه بإحكام وهو يقول:_ بقى أنا عجزت يا نورا؟ طيب أنا بقى هوريكِ العجوز ده هيعمل فيكِ إيه.أحكم قبضته حول خصرها ثم أخذ يدور بها دوراتٍ متلاحقة، فتشبثت بملابسه وهي تطلق صرخاتٍ مازحة تمتزج فيها السعادة بالخوف من السقوط:_ خلاص يا جلجل وحياتي، أقولك، أنا اللي عجزت! بس كفاية تلف بيا هدوخ، وهشتكيك لبابا وأنتَ عارف بابا هيعمل فيك إيه، مش بعيد يعمل معاك الجلاشة!"توقف جلال عن الدوران فجأة، وسند جسدها المترنح وهو يحدق في وجهها بدهشةٍ مصطنعة، ثم حرر إحدى يديه ليرطمها بخفةٍ خلف رأسها، وراح يفرك أذنها معاتبًا:_ الجلاشة يا نورا؟ عرفتي كمان الجلاشة! أنا مش عارف مدارس إيه اللي بتروحيها وتخلي لسانك يقول كلام أنا مقدرش أقوله، أقولك، أنا اللي هعمل معاكِ الجلاشة عشان تحرمي تقولي الكلام ده تاني.حاولت نورا أن تملص
فتح أيمن أمامها باب نور وسط الظلام ووجهها نحوه، لم تدرِ ياسمين لِمَ امتلكت كلماته قلبها وسكنته بهذه السرعة، فتـنـهـدت بصعوبة تخرج أنفاسها المحملة بالظلم والقهر والحزن الذي أصبح هو رفيقها الأوحد، وحاولت أن تتنفس هواءً نظيفًا لا تعبق به رائحة المخدرات وضباب أدخنة السجائر المغمسة بكل ما يُذهب عقل والدها، وأغمضت عينيها وانهمرت دموعها بضعف، ليلج شادي في تلك اللحظة ويحدق بهما بتساؤل، فأشار إليه صديقه بأن يلتزم الصمت، فوضع شادي أمامها الطعام والعصير وقال بصوتٍ مضطرب:_ اتفضلي عشان الدوخة اللي عندك تروح، وما تقلقيش من حاجة، وصدقيني لو احتجتِ لأي مساعدة هتلاقيني معاكِ.أومأت ياسمين وهي تبتسم لأول مرة، لتظهر غمازة وجنتها في مشهدٍ سحر لُب شادي، الذي حدق بها ببلاهة، فوكزه أيمن وسحبه من ساعده لخارج الغرفة، وهو يهمس له بأن يتركاها بمفردها لتتناول طعامها في هدوء ودون خوف....جلس حسين يتطلع إلى رفعت الذي غاب وعيه تحت تأثير "الهيروين"، فأخرج إحدى لفافاته وأشعلها، ثم مد يده بها إلى رفعت قائلًا بنبرة ودودة مصطنعة:_ خد يا رفعت، ظبط المزاج، أنا عاوزك تبقى رايق على الآخر، أهو بقدملك السبت عشان تعرف إني م
سيطر على ياسمين دوارٌ قسـي، فقد تآمر عليها الجوع مع رهبة المرتفعات في آنٍ واحد، لدرجة أنها لم تلحظ في غمرة رعبها أن حسين قد ألقى سيجارته وعاد إلى الداخل، في تلك اللحظة الحرجة، أحست بانزلاق أصابعها عن الحلية التي كانت تتشبث بها كأنها تتشبث بالحياة ذاتها، فسحبت نفسًا عميقًا وتلت الشهادة بصوتٍ واهن، لتشهق فجأة بذعرٍ حين شعرت بأصابع قوية تقبض على جسدها بغتة.تسارعت ضربات قلبها كطبولٍ مجنونة، وفقدت أصابعها قدرتها على التمسك، فاستسلمت للأمر الحتمي وهي تهوي داخل تلك الظلمة التي ظنتها نهايتها المحتومة، ولم يمهلها فقدان الوعي وقتًا لتطلق حتى صرخة استغاثة واحدة، ولم ترَ تلك العيون التي جحظت برعب وهي تحدق في وجهها الشاحب الذي يحاكي وجوه الموتى، بزرقة شفتيها وبياض بشرتها.ارتمى جسدها الرخو فوق جسد شابٍ شعر بتجمد أوصاله فور ملامستها له، لِيُسارع بالاعتدال سريعًا وحملها بين ذراعيه، متوجهًا بها إلى داخل الغرفة حيث مددها فوق الأريكة، وأخذ ينادي بصوتٍ يملؤه الجزع:_ شادي! يا شادي.. إلحقني بسرعة!ولج شادي إلى الغرفة، ليصدمه مشهد الفتاة التي انحنى فوقها أيمن يحاول إفاقتها بلهفة، فانقبض قلبه بشدة وهو يقت
اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟ ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة: _ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك. زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن: _ تقدر تقول عني إني انتقلت من خا
سحبت ياسمين أنفاسًا عميقة تحاول تهدئة الاضطراب الذي يسيطر على أطرافها، لكنها انتفضت بذعر حين سمعت جلبة مفاجئة بالخارج، فحبست أنفاسها، ووضعت يدها المرتجفة فوق شفتيها كأنها تخشى أن يشي بها صوتُ نَفَسِها، ومدت عنقها خلسة من باب المطبخ لتستطلع الأمر.تجمدت الدماء في عروقها حين لمحت والدها يجلس وبرفقته "حسين"، رفيق درب السوء، فتراجعت إلى الداخل بسرعة، وقد شحب وجهها حتى صار بلون الورق، بينما راح قلبها يخفق برعبٍ شديد، وراحت تنعي حظها العاثر الذي أخرجها من أمان غرفتها، ملاذها الوحيد؛ فلا أحد من رفاق والدها يعلم بوجودها، وهي لا تنوي أبدًا كـسـر هذه القاعدة.جالت بعينيها في أرجاء المطبخ الضيق تبحث عن مخرج، لكنها أدركت بمرارة أن لا مفر، فلو تحركت الآن سيراها حتمًا ويقع المحظور، انهارت أرضًا بجانب البراد، تحاول الانكماش لتختبئ بعيدًا عن الأنظار، وما إن تسلل إلى مسامعها صوت خطوات تقترب من مكانها، حتى غطت عينيها بكفيها، وانتفض قلبها بين ضلوعها كطيرٍ ذبيح.توقفت الخطوات فجأة بالقرب من البراد، فأبعدت كفيها ببطء وحذر، ليقع بصرها على والدها، فاستندت إلى الحائط ووقفت بصعوبة، بينما شحب وجه والدها بصدمةٍ







