Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-05-07 08:22:38

اعتدل جلال في مقعده، وراح يحدق في يامن بنظراتٍ نافذة كعيني الصقر، وهو يفكر في ريبةٍ تنهش عقله: هل كانت مقابلته لهذا الشاب محض صدفةٍ بحتة؟ أم أنها كانت مدبرة بدقة ككل شيء صار يحيط بحياته مؤخرًا؟

ففي الآونة الأخيرة، تكاثرت تلك الصُّدف التي حاول الكثيرون استغلالها لاقتحام أسواره الحصينة التي شيدها بعناية ليبعد الجميع عنه. لقد أصبح في نظرهم كالبحر المظلم الغامض، يطمعون جميعًا في سبر أغواره ومعرفة ما يخبئه في أعماقه، خاصةً بعدما خسر والده جميع شركاته، وعاد هو ليقف من جديد وسط الميدان، كأن كل تلك الضربات المتلاحقة لم تنل من عزيمته ولم تكسر إرادته. حاول جلال جاهدًا طرد تلك الذكريات التي أخذت تتدافع بقوة لتحتل عقله وتزيد من ريبته، ثم ترك مقعده واتجه صوب يامن متسائلاً بنبرة هادئة:

_ ما قولتليش يا يامن، إزاي واحد خريج هندسة حاسبات، وتبقى مش لاقي شغل لحد دلوقتي؟ يعني أنا أعرف إن بتوع الحاسبات دول مطلوبين دايمًا، طالما في كفاءة وخبرة ولباقة في الكلام زي اللي عندك.

زفر يامن بضيقٍ مكتوم وهو يستحضر في ذهنه سلسلة خيباته المتتالية، ثم قال بصوتٍ يفيض بالخيبة والحزن:

_ تقدر تقول عني إني انتقلت من خانة المنحوسين، وبقيت أنا النحس نفسه.

حدق جلال في وجهه بدهشة، وقال بلهجة شابها التَّهكم لظنه أن الشاب قد يكون مدسوسًا عليه:

_ وهو في حد بيعترف على نفسه ويقول إنه نحس؟ مش شايف إنها غريبة شوية؟

هز يامن رأسه بالنفي، وأطلق أنفاسه بضيق وهو يقرر الإفصاح عما يجول في خاطره:

_ ما هو أنا مش بقول على نفسي كدة من فراغ، للأسف ده نتاج تجارب كتيرة يا جلال. هقول إيه وأنا كل ما أروح مكان وأقول خلاص هو ده مكان أكل عيشي وشغلي الدايم، مكملش فيه كام شهر وأسيبه.

ضيق جلال عينيه ونظر إليه بفضولٍ غلفه الاندهاش:

_ وتسيبه ليه؟ هو في حد لاقي شغل الأيام دي أصلًا؟

مرر يامن كف يده على وجهه محاولًا طرد إحساس الفشل الذي بات يطارده كظله، وقال:

_ عارف يا جلال، أنا في شركتين متخيلتش إن رجليا ممكن تخطيهم أساسًا مش بس أشتغل فيهم، ولما اشتغلت كنت بتقي الله في شغلي جدًا، بس للأسف مستمرتش. أظنك عارف شركة (البيونتو)، أهي دي قعدت فيها سنة كاملة، وسبتها لما وقع تحت إيدي بالصدفة ملفات عن صفقات مشبوهة. ولما عرفوا إني شوفت الملفات دي بدأوا يضايقوني ويحفروا لي كل حفرة وأختها، من اللي بتودي ورا الشمس زي ما بيقولوا. قمت قايل وعلى إيه؟ أخدت بعضي وطلعت للمدير، عشان كان استحالة أقابل صاحب الشركة إلا لو كنت من أصحاب المراكز و..

توقف يامن عن الحديث لبرهة، فبدا لجلال وكأنه يصارع شبحًا مقيتًا يحاول إبعاده عنه، ثم استكمل قائلًا:

_ المهم، وقفت قدام المدير وقولت له أنا هعمل إخلاء طرف، وإنت تمضي عليه وتوافق على الاستقالة وتحرق ملفي اللي عندك، وأنا مش هجيب سيرة إني اشتغلت عندكم ولا حتى هقول إني عديت من الشارع اللي فيه الشركة. الراجل لما حس إني عاوز أنفد بجلدي خلاني أمشي، وحمدت ربنا إني طلعت منها سليم، بس منكرش إني فضلت أربع شهور حاسس إني متراقب وإن في حد لازق فيا، لكن دعاء الحاجة أمي هو اللي قعد لي وربنا حفظني من شرهم.

حاول جلال لجم أفكاره، وأمر عقله بألا يسترسل في تحليل الحديث الآن، وسأله بهدوء عن الشركة الأخرى:

_ والشركة التانية، سبتها ليه هي كمان؟

غامت ملامح يامن فجأة، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ومريرة، وقال بصوتٍ كـسـير يشوبه الحزن:

_ أهي دي بقى سبتها وأنا قلبي مكـسـور.. لما اكتشفت إني كنت مجرد لعبة في إيد بنت صاحب الشركة.

صمت يامن تمامًا محاولًا طرد ذكرياته عنها؛ فهو لا يريد لتلك المشاعر أن تعود إليه فتجعله يعاني ليالٍ أخرى بسببها. زفر أنفاسه بألم، ثم التفت إلى جلال بعدما أدرك أن الأخير لا يزال يتوجس منه خيفة:

_ بص يا جلال، أنا عارف إنك خايف مني، يعني إنك تأمن لواحد أول مرة تشوفه في حياتك، ويسندك في الشارع ويصمم يوصلك للبيت ويقعد معاك ومن ساعة ما قعد وهو شغال كلام.. بصراحة والحق، أنا نفسي كنت شاكك فيك لتكون مزقوق عليا من الشركة إياها وناوي تخلص عليا، فقولت أجيب آخري معاك. بس الظاهر كدة إننا في الهوا سوا، هو مش أوي يعني عشان إنت ساكن في منطقة حلوة وشقة ما شاء الله ملعب، وأنا يا دوب مزنوق مع أمي وإخواتي في شقة على قد الحال. المهم يا صاحبي، أنا هسيبك بقى وأمشي، أحسن زمان الحاجة نزلت إعلان في الجرائد إني مفقود، ومش بعيد تلاقي منشور متعلق (ابحث مع الشرطة عن شاب تايه).

اتسعت ابتسامة جلال إعجابًا بحديثه العفوي، ونهض من مقعده، فقام يامن هو الآخر ومد يده ليصافحه، إلا أن جلال جذبه برفق واحتضنه قائلًا:

_ ما تزعلش مني يا يامن إني كنت شاكك فيك، بس بصراحة أنا قلبي انفتح لك وحاسس إني لقيت الصاحب اللي يقف جنبي ومعايا. عشان كدة يا بطل، أنا بمد لك إيدي وبطلب منك تيجي تشتغل معايا في شركتي؛ هي صحيح مش شركة كبيرة، بس الحمد لله سمعتها طيبة.. ها، قولت إيه؟

حدق يامن في وجه جلال وهو لا يكاد يصدق ما سمعه، وأخذ يهز رأسه يمينًا ويسارًا يحاول استيعاب أنه وجد عملاً أخيرًا وبمثل هذه البساطة. زادت ابتسامة جلال حين رأى ذهول يامن، الذي قال بصوتٍ مرتعش من الدهشة:

_ أنت بتتكلم بجد؟ يعني إنت عاوزني أشتغل معاك؟ ولا أنا سمعت غلط ولا بحلم ولا إيه؟

ربت جلال على كتفه فصمت يامن، لكنه عاد ليسأله بحيرة أكبر:

_ أوعى تكون شركتك تبع شركة (البيونتو) وناوي توديني ورا الشمس؟ أنا ورايا كوم لحم يا صاحبي ملهمش غيري.

انفجر جلال ضاحكًا، فقد بدا يامن أمامه كصورةٍ أخرى منه في شكه وظنونه، وأجابه نافيًا:

_ ما تخافش يا يامن، تعالى إنت بس اشتغل معايا ومسير الأيام تثبت لنا سوا إننا في اختيارنا لبعض صح. المهم أنا هشوفك بكرة في الشركة، هي في 6 أكتوبر وده الكارت بتاعي، هتيجي ونعمل لك اختبار صغير، وإن عديته هيبقى لنا كلام تاني وقتها وهفهمك على كل حاجة.. تمام؟

مد يامن يده وشد على يد جلال مصافحًا إياه بحرارة، وأومأ برأسه موافقًا. صحبه جلال حتى باب الشقة، ليغادر يامن مسرعًا وهو لا يكاد يصدق أن الحظ ابتسم له أخيرًا. عاد جلال إلى مقعده يحدق في غيوم السماء التي شعر وكأنها تبلغه رسالة صامتة؛ بأن حياته لن تهدأ أبدًا منذ الآن.

أما يامن، فقد انطلقت قدماه تعدوان نحو منزله، يحاول كبح جماح سعادته بتلك الوظيفة التي أضناه البحث عنها. فمنذ أن غادر منزله هربًا من دموع والدته، التي قهرتها صاحبة البيت لتأخرهم في سداد الإيجار لعدة أشهر، لم يحتمل رؤيتها في تلك الحالة، وفر من أمامها متفاديًا الاصطدام بشقيقته رقية التي تابعت هروبه بسخط. تمنى يامن في أعماقه أن يصدق جلال في قوله، فهو في أمسّ الحاجة لذلك العمل الذي سينقذ حياة أسرته من شر الديون التي أصبحت تثقل كاهل الجميع.

...

مر الوقت ثقيلًا، ونخر البرد جسدها النحيل حتى تيبست أطرافها، وآلمتها ساقاها من فرط الوقوف متصلبة في تلك الزاوية الضيقة بالقرب من سور الشرفة؛ كانت تحاول بكل قوتها أن تبتعد عن مرمى بصر حسين الذي دلف إلى الغرفة عدة مرات بفضولٍ مريب، انتبهت ياسمين فجأة لصوت وقع أقدامٍ يقتحم سكون غرفتها مجددًا، فانتفضت بذعر حين أحست باقترابه من الشرفة هذه المرة.

زاغت عيناها يمينًا ويسارًا مع اقتراب الخطوات، فلم تجد أمامها مفرًا سوى خوض تلك التجربة المريرة والتعلق بسور الشرفة من جديد، وتحركت بجسدها المرتعش، ودموعها تنهمر رغمًا عنها، ثم تسلقت السور وتدلت بجسدها إلى الأسفل، بينما كان صوت الخطوات يقترب منها أكثر فأكثر. وضعت طرف أصابعها على الحافة الصغيرة أسفل السور في نفس اللحظة التي ظهر فيها حسين في الشرفة، وهو ينظر في بادئ الأمر إلى الناحية الأخرى.

أحست ياسمين بأنها تقف على أعتاب الموت؛ فلو أدار وجهه نحوها لرآها حتمًا في وضعها ذاك، وبدون تفكير أو مراجعة لقرارها، أغمضت عينيها بقوة وتعلقت بالحلية الحجرية الموجودة أسفل سور شرفتها، ثم تركت الحافة الصغيرة ليصبح جسدها معلقًا في الهواء على ارتفاع عشرة طوابق، لا يدعمها في مواجهة الهاوية سوى أصابعها المرتجفة التي تمسـكت بتلك الحلية بوهن.

في تلك اللحظة الحرجة، أدار حسين رأسه ونظر في الاتجاه ذاته الذي علق فيه جسدها، لكنه لم ينظر للأسفل بما يكفي ليلمحها، وأخرج من جيبه علبة سجائره، ووقف يدخن بهدوءٍ مستفز، بينما راح عقله يتساءل بخبث: إلى متى سيصمد رفعت ويتحمل حالة الشُّح التي أصبح الجميع يعامله بها؟ وإلى متى سيصبر على رفضهم مده بمخدره؟ لقد تساءل أيضًا: إلى متى سيتحمل رفعت عذاب إدمانه ويظل مصرًا على إخفاء ابنته عن أنظارهم؟

اسودت عينا حسين وتصلب فكه، ثم همس لنفسه بنبرةٍ تقطر حقدًا:

_ مسيرك تقعي في إيدي، وساعتها محدش هيرحمك من اللي هعمله فيكِ يا ياسمين يا بنت أشواق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قلب إبليس    الثاني والثمانون والأخير من الجزء الأول...

    الثاني والثمانون...استرجعت ياسمين تلك اللحظات العصيبة، حين وقفت أمام البناية التي كانت تقطن بها، لتفاجأ بسيارة دفع رباعي تتوقف بحدة أمامها، ويندفع منها عدد من الرجال الأشداء الذين اختطفوها في ثوانٍ معدودة، شعرت ياسمين حينها ببرودة تسري في جسدها؛ فقد ظنت أنها سقطت أخيراً في فخ "حسين الدياش"، فاستسلمت لقدرها وجلست في السيارة بهدوء غريب أثار تعجب الخاطفين المحيطين بها، بعد بضع دقائق تحدث أحدهم في الهاتف، فسمعته ياسمين وقد جذب انتباهها طاعته ومهادنته لمحدثه: _ اطمني يا هانم هي معانا.. لحقناها قبل ما تدخل.صمت الرجل ليستمع للطرف الآخر، ثم أردف بعد دقيقة:_ لا يا فندم محدش ماشي ورانا اطمني، كلها ساعة وهنكون عند حضرتك.سيطرت الحيرة والفضول على ياسمين؛ من تكون تلك المرأة؟ هل هي والدتها التي أرسلت هؤلاء الرجال لإنقاذها؟ لكن صدمتها كانت عنيفة حين وصلت لتجد في استقبالها امرأة غريبة تماماً عنها، ملامحها حادة ونظراتها ثاقبة، سحبتها تلك المرأة من يدها وولجت بها إلى إحدى الغرف، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بلهجة آمرة:_ بقى في حد عاقل يغلط غلطتك دي ويرجع للنار برجليه؟ عموماً كويس إنك معايا دلوقتي ع

  • في قلب إبليس    الحادي والثمانون...

    وصلت أشواق إلى مدينة الأقصر، وكان التوتر ينهش أعصابها، والخوف من رفض ياسمين لها يطاردها كظلّ لا يفارقها. شعر طايع بارتجاف جسدها، فضمها إليه بقوة محاولاً بث الطمأنينة في قلبها وقال بنبرة حانية:_ اهدي يا أشواق واطمني، بنتك عمرها ما هترفض وجودك. والـلي حصل آخر مرة لما شافتك فيها كان دليل إن عندها النية تفتح صفحة جديدة معاكِ، صدقيني أنا حاسس إن الأيام الجاية دي هتتصلح فيها كل حاجة يا حبيبتي، وبعدين متخافيش، أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبداً.سكنت أشواق داخل صدر طايع، تشعر بهدوء نسبي يتسلل إلى أعماقها، وتنهدت بعمق وهي تراقب معالم الطريق، وما إن توقف سائق السيارة أمام المنزل الذي تقطن به ابنتها، حتى سارعت بالخروج بلهفة ممزوجة بالرعب، بينما اندفع "مجد" من خلفها يهرول باتجاه الباب، ليطرق عليه بضربات طفولية متلاحقة ومبتهجة.في الداخل، كان جلال يتابع ياسمين وهي تحل بعض المسائل التي أعطاها لها، متجاهلاً تذمرها اللطيف وطلبها المتكرر لفترة راحة، وحين سمع صوت الطرقات، اتجه إلى الباب ليفتحه، ليفاجأ بذلك الصبي الصغير الذي اقتحم المكان بحماس، ثم وقع بصره على تلك المرأة التي كانت تتشبث بذراع رجل غريب لم

  • في قلب إبليس    الثمانون...

    تجمدت نظرات ياسمين أمام ذلك القرب الطاغي الذي فرضه جلال، وشعرت بجدران المطبخ تضيق عليها، بينما تسللت أنفاسه لتداعب خصلات شعرها المتمردة، فخفق قلبها بشدة بين أضلعها كعصفور سجين، إلا أن غصة الماضي كانت لا تزال عالقة في حنجرتها كقطعة من الزجاج المكسور، تحول دون أن ينفذ صوته الدافئ إلى أعماقها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، ودفعت صدره برفق بيدين مرتجفتين وهي تهز رأسها يميناً ويساراً كأنها تطرد حلماً جميلاً تخشى الاستيقاظ منه على واقع مرير، وقالت بصوت مخنوق تغلبه العبرات: _ وحشتك إزاي يا جلال؟ وحشتك وأنا اللي كنت عبء تقيل عليك؟ أنا مش قادرة أنسى كلام رقية ليا، ولا قادرة أمحي من دماغي وهي واقفة قصادي بتبص في عيني بكل ثقة وجبروت وبتقول لي إن وجودي في حياتك هو أكبر ضرر ليك، وأكدت لي إنك مش متمسك بيا حباً فيا، لأ دي قالت إنك متمسك بيا شفقة، مجرد شفقة على واحدة وحيدة ملهاش حد في الدنيا غيرك، وخايف لو سبتها تضيع. ابتعدت عنه بضع خطوات، محاولةً خلق مسافة أمان تحميها من تأثيره، ومسحت دمعة فرت رغماً عنها بطرف كفها، ثم تابعت بمرارة تقطر من كل حرف: _ قالت لي إني حمل تقيل عليك بسبب أدمان بابا وانتحاري، و

  • في قلب إبليس    التاسع والسبعون...

    توقف جلال فجأة عن الاسترسال، وشحب لونه حين أدرك أنه يقف على حافة الهاوية؛ فلو أكمل القصة وقص عليها تفاصيل تعنت والدها وما جرى خلف الكواليس، ستنكشف خيوط الماضي، وستعلم ياسمين يقيناً ما حدث بينه وبين رقية، وستدرك دوره في تلك المأساة، وحتماً ستوجه إليه أصابع الاتهام بالجرم والخيانة. نظر إليها بارتباك واضح، ليرى تلك الابتسامة وهي تتلاشى عن شفتيها، وتنطفئ جذوة السعادة في عينيها لتحل محلها صدمة مروعة.تهالكت ياسمين فوق المقعد أمام ذهوله، وانفجرت في بكاء مرير وهي تتخيل حجم الظلم الذي وقع على قلبين لم يتمنيا سوى الحلال، وقالت بصوت يملؤه الرفض والاستنكار: _ والله حرام اللي حصل دا! طيب ليه يرفض أيمن وهو إنسان كويس أوي وبيحبها؟ ليه يحرمها من الإنسان اللي بتحبه؟ وهي.. هي إزاي وافقت تتجوز واحد غيره؟ أنا.. أنا مش فاهمة!أمام صمت جلال المطبق وشروده الذي بدا كأنه يغرق في بحر من تأنيب الضمير، بدأت ياسمين في نسج خيوط جملته التي بترها، ووجهت إليه تساؤلاتها كأنها سهام تخترق صمته: _ طيب أنت محاولتش تعرف عمك رفض أيمن ليه؟ محاولتش تقنعه إنه يغير رأيه؟ ليه سيبته يا جلال يجوز فجر من واحد تاني؟ ليه خليته يك

  • في قلب إبليس    الثامن والسبعون...

    صرخة جعلته ينتفض فوق فراشه من فرط الرعب، ثم رأى الحقنة تطير في الهواء بعد أن قذفتها بقوة نحو الحائط لتتحطم ويتناثر سائلها القاتل فوق الأرض. التفتت إليه وعيناها تفيضان بمرارة السنين، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والوعيد: _ أنا لو شيطان يا حسين فدا لأنك أنت وممدوح اللي وصلتوني للي أنا فيه دا! أنت وممدوح اللي طمعتوا في الكيلاني وفي فلوسه وضربتوه وغدرتوا بيه وقتلتوه زي ما قتلتوا نور الدين وولاده، وزي ما غدرتم بياسمين وأشواق واستخسرتوا إني أعيش حياتي.. حرمتوني منه ومن قبله حرمتوني من ابني لما ولعتم بيا المخزن!توقفت للحظة وكأنها تستعيد وهج النيران وصور الدخان، ثم تابعت بصوت مخنوق: _ ابني اللي كنت حامل فيه، والدخان والحريقة والرعب اللي عشته خلاه يموت في بطني وأتسبب إني أشيل الرحم علشان ممتش! كل دا عملتوه ومش عاوزني أكون شيطان؟ دا أنا لو أطول أكون إبليس نفسه هكون وانتقم منكم وأعيد انتقامي مرة واتنين وعشرة ومية، لحد ما أشفي غليلي منكم وآخد حق كل واحد ضربتوه في ضهره، وعلى فكرة يا حسين، اللي أنا عملته فيك دا ولا حاجة، دا لسه كتير وبكرة تشوف بعنيك باقي انتقامي منك ومن ممدوح وابنه هيبقى إزاي!استم

  • في قلب إبليس    السابع والسبعون...

    سرقت أصوات محرك سيارة طايع التي لاحت في الأفق "أشواق" من دوامة ذكرياتها المريرة، فانتفضت تستعيد رباطة جأشها، والتفتت إلى صغيرها "مجد" الذي كان يلح عليها بجذب يدها لفت انتباهها، فقالت بصوت يحاول استجماع القوة: _ أهو بابا جه يا مجد، بقولك إيه، تعالى معايا نتمم على البيت ونشوف كل حاجة متظبطة وفي مكانها قبل ما نمشي.أوقف طايع سيارته وترجل منها متجهاً نحو مدخل المنزل، وحين وقعت عيناه على الحقائب المصطفة، تجمدت نظراته عليها وهو يحاول استرجاع تفاصيل اتفاقه الأخير مع "نجلا" بشأن السفر إلى الأقصر، فزم شفتيه بضيق وارتمى بتعب وإنهاك فوق أحد المقاعد، ليهرع إليه مجد ويحتضنه بلهفة طفل طال انتظاره قائلاً: _ اتأخرت أوي يا بابا، وأنت عارف إن ميعاد الطيارة بدري!تجنب طايع تلاقي نظراته مع عيني نجلا، التي لمحت على الفور تجهم وجه زوجها وارتباكه، فزفرت بحدة وقد بدأ الشك يقيناً في صدرها، وقالت بنبرة حادة: _ متقولش إنك نسيت تحجز يا طايع!أومأ طايع برأسه في خجل وانكسار، ورد بصوت خفيض: _ أنا نسيت خالص يا نجلا، بس والله غصب عني، الشغل كان كتير وراح عن تفكيري إني أحجز الطيارة والفندق، بس أقولك، أنا هحاول أحل

  • في قلب إبليس    الفصل السبعون...

    _ أنا اللي أعرف مكان ياسمين يا جلال، فنزل سلاحك ده واتكلم معايا أنا، وسيبك من رفعت خالص، لأنه فعلاً ميعرفش أي حاجة عنها ولا هي فين. أتت الإجابة على سؤال جلال المليء بالوعيد من خلفه، حين صدح صوت نسائي هادئ لكنه يحمل نبرة من الثقة والقوة، فتسمر جلال في مكانه لثوانٍ، ثم التفت ببطء نحو مصدر الصوت، وحد

  • في قلب إبليس    الفصل الثامن والستون...

    عاد شادي من عمله، وما إن ولج إلى الشقة حتى استقبله سكونٌ غير معتاد؛ فلاحظ غياب صوت رقية التي اعتادت في الآونة الأخيرة أن تنتظره بلهفة عند الباب، فوقف في منتصف الصالة يبحث عنها بعينيه، وعقد حاجبيه مفكراً في مناداتها، لكنه عدل عن الفكرة بسرعة وكأنه يهرب من أي احتكاك بها، واتجه صوب غرفته. تسمر شادي ف

  • في قلب إبليس    الفصل السابع والستون...

    اعتدلت انتصار بتعبٍ بائن، ورغم وهن جسدها إلا أن نظراتها كانت حادة كالنصل وهي ترمق ابنتها باحتقارٍ أخرسها، ثم التفتت إلى يامن وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل: _ اتصل بخالك يا يامن وقوله ماما غيرت رأيها وموافقة على العريس اللي جابه لرقية، أختك خلاص معدش ليها قعدة وسطنا بعد النهاردة، والأحسن ليها نجو

  • في قلب إبليس    الفصل السادس والستون...

    في صمتٍ مخيف، قبض يامن على ساعد رقية بقوة كادت تحطم عظامها، وجذبها خلفه بعنفٍ وهو يتوجه نحو السيارات، وفي تلك اللحظة، أسرع جلال باتجاههم والدهشة تملأ ملامحه، فوقف بجوار والدته نبيلة وسألها بحيرةٍ وقلق: _ أنتو خرجتوا ليه؟ وماله يامن بيجر رقية كدة ليه؟ هو فيه إيه اللي حصل يا أمي؟ أشاحت نبيلة بعينيه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status