LOGINالفصل 575ضمّ يعقوب ليان إلى صدره بقوة، وقال بصوت خافت مثقل بالألم:"لنعد إلى المنزل عندما تتحسنين يا ليان... تومي ينتظر."تجمدت ليان بين ذراعيه وتسرب إلى قلبها شعور مشؤوم لم تستطع تفسيره فرفعت وجهها نحوه تحدق فيه بقلق، ثم قالت بصوت أجش:"لماذا تتهرب من الإجابة؟"لم يستطع يعقوب ببساطة أن يخبرها بأن طفلهما قد مات… كان يعرف جيدًا أنها ستشعر بالبؤس أكثر منه… فحتى لو لم ترَ طفلهما، فقد حملته في جسدها ثمانية أشهر كاملة... وشعرت به ينمو داخلها لذا ابتلع ألمه، بينما تابعت ليان بصوت مرتجف:"انظر، أعلم أن الأمور كانت سيئة لكنني في الشهر الثامن بالفعل… كان من الممكن أن ينجو الطفل حتى لو وُلد قبل أوانه!"اختنق صوتها بالدموع رغم محاولتها اليائسة للتماسك."لا يمكنك أن تقول لي إننا فقدنا طفلنا... لن أصدقك!"أغمض يعقوب عينيه لحظة، ثم همس وهو يلامس خدها بخده:"أنا أيضًا لا أصدق ذلك..."تسللت الرطوبة إلى بشرتيهما واختلطت دموعهما حتى لم يعد ممكنًا معرفة أيّهما كان يبكي أكثر.ومع ذلك، كانت كلماته قد قالت ما يكفي.طفلهما رحل.ارتجف جسد ليان بعنف وانسحب اللون من وجهها حتى بدت شاحبة كأنها فقدت قدرتها على ا
الفصل 574شعر يعقوب في تلك اللحظة بأنه على وشك الاختناق من شدة القلق… كان عليه أن يفعل شيئًا، أي شيء؛ ليخفف ذلك الضغط الذي يطبق على صدره لكنه لم يجد منفذًا واحدًا يفرغ فيه خوفه.وفي المقابل، حاول سامي تهدئته قائلًا:"ربما ستكون بخير."رفع يعقوب يده فورًا في إشارة حازمة لأسكاته.لم يكن يحتمل في تلك اللحظة كلمات مواساة فارغة، ولا تطمينات تُقال لمجرد تهدئة الموقف… كان يحتاج إلى الصمت... إلى هدوء يستطيع من خلاله أن يلتقط أنفاسه، لا إلى عبارات لا تستند إلى شيء.وبعد لحظات، التفت إلى سامي وقال بصوت منخفض، لكنه مشبع بثقل لا يخطئه أحد:"إنها زوجتي."ضم سامي شفتيه، ثم قال بصدق:"أنا آسف. كان يجب أن نخرجها في وقت أبكر..."وقبل أن يكمل خرجت الممرضة من غرفة العمليات."أين عائلة المريضة؟" تقدم يعقوب خطوة، وقال فورًا:"أنا من عائلتها."توقفت الكلمات في حلقه لحظة، ثم خرج سؤاله مترددًا كمن يخشى أن يسمع الإجابة أكثر مما يخشى أي شيء آخر:"هل هي...؟"قالت الممرضة بوجه متوتر:"لقد فقدت الكثير من الدم. علينا أن نختار... إما الطفل أو المريضة."لم تنتظر الممرضة حتى تكمل جملتها إذ قال يعقوب بحسم:"المريضة."
الفصل 573قاد ديرك، جد سامي، الرجال الذين اندفعوا إلى الغرفة.لطالما كانت الأحزاب المتنافسة على خلاف فيما بينها، وكل طرف يسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح والنفوذ، ولم يكن هذا الموقف مختلفًا.لكن ديرك كان يمتلك ميزة لا يمكن تجاهلها: السلطة.ورغم أن الفصيلين كانا يقفان الآن في مواجهة صامتة، فإن وجوده وحده كان كافيًا لفرض ثقل واضح على المكان.قال أحدهم:"لدينا كل ما نحتاج إليه لبناء قضية ضد زيدونيا. لماذا نطلق سراحها؟"رد ديرك بسخرية باردة:"ماذا؟ اتهامات كاذبة ضد امرأة حامل في شهورها الأخيرة؟ الزيمبابويون يتهمون الولايات المتحدة بالفعل بالاحتجاز غير القانوني، والقضية تثير ضجة كبيرة. هل تريدون دفع الأمر إلى نقطة اللاعودة؟"اعترض الرجل بسرعة:"إنهم جميعًا يتحدثون فقط. بمجرد أن نحصل على دليل منها، لن يصدق أحد كلمة واحدة مما يقولونه—"توقفت الجملة في حلقه عندما شخر ديرك قائلاً ببرود حاسم:"ألا ترى؟ إنها تحتضر، ستموت قبل أن تموت أنت."في تلك اللحظة، كانت ليان قد بدأت تفقد وعيها بالفعل فسقطت على الأرض… انحنى رأسها، وارتخت أطرافها، بينما كان الدم يتدفق بغزارة من أسفلها حتى تشبعت تنورتها ب
الفصل 572كان حلق ليان جافًا إلى حد أنها لم تعد قادرة على إخراج كلمة واحدة. ومع ذلك، لم تجرؤ على إنزال يدها وظلت تحجب بها الضوء الساطع الذي كان يخترق عينيها ويحرقهما بعد ساعات الظلام الطويلة.ثم توقفت فجأة وقد تسللت إلى أنفها رائحة الطعام.كان جسدها المنهك قد التقطها قبل أن تستوعبها حواسها الأخرى. أنزلت يدها ببطء، ومدّت أصابعها تبحث في الفراغ عن مصدر الرائحة، لكنها اضطرت إلى إبقاء عينيها مغمضتين؛ فالضوء كان قاسيًا لدرجة أنها لم تستطع تحمله.كانوا يحاولون إجبارها على الكلام لكنهم لم يجرؤوا على تجاوز حدود معينة؛ فأي تصعيد إضافي قد يفجّر الموقف خصوصًا أن خصومهم كانوا يشككون بالفعل في تصرفاتهم تجاهه أسراهم… ومع ازدياد الضغوط عليهم من كل جانب لم يبقَ أمامهم سوى سلاح واحد...الضغط النفسي."هل تريدين شرابًا؟ أم طعامًا؟"وُضعت أمام ليان أشياء عدة، ودُفعت نحوها كأنها طُعم.ثم جاءها الصوت نفسه:"اعترفي بأنكِ جاسوسة، وستحصلين على كل شيء."ضاقت عينا ليان.كانت شفتاها متشققتين من شدة العطش، وجسدها يصرخ طلبًا للماء والطعام لكنها هزت رأسها بحزم."لا."كانت صلابتها مذهلة فزمجر أحدهم بانفعال:"كفّي عن
الفصل 571كان الرجل الذي فتح الباب أطول من يعقوب، يقف أمامه بهدوء وثبات.بشرته فاتحة لكنها خشنة الملامح، وشعره مصفف إلى الخلف بعناية، فيما بدت عيناه الزرقاوان صارختين وحادتين، بارزتين كملامح وجهه الأخرى.لم يكن من الرجال الذين يأسرون الآخرين من النظرة الأولى، لكنه كان يمتلك حضورًا يجعل من الصعب على المرء أن يصرف عينيه عنه.تنحّى جانبًا وقال:"كنت أنتظرك."دخل يعقوب دون تعليق.كانت ملابسه قد تجعّدت بوضوح بعد رحلة السفر الطويلة ذهابًا وإيابًا، وانفتح طوق قميصه قليلًا، بينما ظهرت شعيرات خفيفة على ذقنه. ومع ذلك، لم ينتقص شيء من مظهره؛ بل منحه ذلك مظهرًا أكثر نضجًا وهيبة، وكأن عناء السفر لم يتمكن من انتزاع شيء من حضوره الطاغي.تحرك يعقوب إلى الأريكة وجلس بثبات، ثم أمال رقبته قليلًا وحرّكها ببطء يطقطقها بصوت مسموع محاولًا تخفيف تيبّسها بعد ساعات من الجلوس.جلس سامي في مواجهته، وظل يراقبه لحظة قبل أن يسأل مباشرة:"أين الأوراق؟"كان سامي من عائلة رايدين، ويبلغ من العمر نحو خمسين عامًا، وقد نجا بصعوبة بعدما أصيب بنوبة قلبية في سن مبكرة.أما مقابلته مع يعقوب الآن، فلم تكن قائمة على الثقة أو الم
الفصل 570 دخلت لمار غودينغ الغرفة بخطوات واسعة، وما إن وطئت قدماها الداخل حتى سألت بحدة: "هل قلت للتو... جيمس؟" كانت لمار الابنة بالتبني لميك، ولذلك كان ستيفن يعرفها بالطبع. لكنه لم يفهم سبب التوتر الذي اجتاحها فور سماع اسم جيمس، ولا ما الذي أثار غضبها إلى هذا الحد. سألها مستفسرًا: "هل تعرفين جيمس؟" كان ميك يراقب ابنته بصمت أيضًا. تسللت إلى ذهنه فكرة لم يستطع تجاهلها: هل هناك شيء يجمع بينها وبين جيمس ولم يكن يعرفه؟ أسرعت لمار في التوضيح، وقد بدا الارتباك جليًا في نبرتها: "قابلته عندما كنت أحاول أن أسأل يعقوب جبريل عن مكان دفن والدتي." "أوه، فهمت." لم يبدُ على ستيفن أنه أولى الأمر أهمية تُذكر، وكأن الإجابة بددت فضوله تمامًا. أما ميك، فكان يعرف ابنته أكثر من أي شخص آخر. ولو كانت علاقتها بجيمس لا تتجاوز مجرد المعرفة العابرة، لما هزّها خبر دخوله في غيبوبة بهذه الطريقة. زفر ببطء، وقد مرّ في ذهنه خاطر غريب ومؤثر في آنٍ واحد. لقد كبرت طفلته بالفعل... وربما حان الوقت لتغادر العش. قال بهدوء: "يجب أن تذهبي لزيارته." اتسعت عينا لمار بدهشة، والتفتت إليه إذ لم تتوقع منه هذه الموافقة
الفصل 6 رفع يعقوب حاجبه في هدوءٍ ينضح بالهيمنة فانعكس في عينيه بريقٌ بارد أشبه بحدّ السيف وقال بنبرةٍ تقطر تهديدًا مكبوتًا: «ماذا؟» انقبض فكّا زاكاري وصوت أسنانه يطحن صمت المكان ثم لفظ كلماته ببطءٍ متردّد: «لا بأس… سأتغاضى ما دام الأمر يتعلّق بسعادتك.» لم يزد يعقوب على ذلك سوى بنظرةٍ ومن ث
الفصل 5كان المساء يهبط ببطءٍ على المدينة يغمرها بظلالٍ بنفسجية تتداخل مع أنفاس الريح القادمة من البحر وبعد أن توقّفت السيارة عند بوابة المستشفى العسكرية كأنها نيزكٌ هبط للتو فترجّل زاكاري بخطوةٍ واثقة يلتفت إلى يعقوب الذي بقي في الداخل فزاكاري قد أتى برفقتهما بعد إلحاح من يعقوب لمقابلة ليان كي يشك
الفصل 4 أبقت ليان رأسها منخفضاً تحتمي من بقايا نظراته وسارت بخطًى مترددة نحو حقيبتها الطبية ورغم اضطراب قلبها ظلّ صوتها ثابتاً يحمل رصانة الطبيب الذي لا يفرّق بين مريضٍ وعدو: «إيّاك أن تدع الغُرز تلامس الماء وضع المطهّر مرّة في اليوم وارتدِ ثيابًا فضفاضة لا تحتكّ بالجروح». قالتها ووضعت على الط
الفصل 3قال زاكاري بصوت مُلح:«ليان؟ هل يمكنكِ مساعدتي أرجوكِ؟»كانت ليان قد تخرجت هي وزاكاري من المستشفى التعليمي ذاته وإن كان يكبرها بفصلين دراسيين ولكن بعد عودته من بعثةٍ في الخارج صار اسمه يتردّد في أروقة الطب كوميضٍ لامع…. نجمًا يعرفه الجميع لكن عينيه ظلّتا تحملان دفء صداقةٍ قديمة لا تخطئه ليا







