LOGINلافندر
استيقظتُ ذلك الصباح بحماس غريب. ربما لأن الجو كان جميلًا… أو لأن الغابة هنا مختلفة عن غابات القصر. فتحت عيني ببطء، ثم جلست بسرعة فوق السرير وأنا أبتسم وحدي. ضوء الشمس كان يتسلل من نافذة الكوخ الخشبي، وصوت العصافير بالخارج جعل المكان يبدو هادئًا بشكل مريح. نهضت فورًا وبدأت أجهز نفسي بسرعة. ارتديت ملابس خفيفة مناسبة للغابة، وربطت شعري الأسود على شكل ذيل مرتفع. كنت على وشك الخروج من الكوخ… لكن فجأة: — “إلى أين؟” تجمدتُ مكاني. التفت ببطء… فوجدت أبي، زاك، جالسًا قرب النافذة وعيناه الحمراوان تراقبانني بشك رمشت ثم ابتسمت ببراءة مزيفة. — “أريد فقط أن أتمشى قليلًا.” ضيق عينيه فورًا. — “وحدك؟” — “أنا قوية.” — “لا.” تنهدت بضيق. — “أبي…” لكن صوته أصبح أكثر جدية: — “إما لوكا… أو إيفان.” عبست فورًا. طبعًا. الحارسان الرسميان لحياتي نظرت حولي أبحث عن لوكا، لكنني سمعت صوت اصطدام السيوف بالخارج. كان يتدرب مع الملك الفريد وهيفان. تنهدت باستسلام. — “إذًا… إيفان.” ابتسم أبي بانتصار وكأنه ربح حربًا عظيمة. — بعد دقائق… كنت أمشي بجانب إيفان وسط الغابة. وكالعادة… كان صامتًا بشكل يثير الأعصاب. نظرت إليه وأنا أمشي للخلف أمامه. — “أتعرف؟ أحيانًا أشك أنك لا تملك مشاعر.” — “وأحيانًا أتمنى لو تملكين زر صمت.” شهقت بصدمة مصطنعة. — “وقح.” لكنه أكمل طريقه وكأنه لم يقل شيئًا. ابتسمت رغمًا عني. ثم بدأت أجمع بعض الأعشاب البرية والزهور الصغيرة. كنت أشرح له بحماس استخداماتها بينما هو بالكاد يستمع لكن فجأة… دعست قدمي على شيء غريب. طقطقة. اتسعت عيناي. وفي اللحظة التالية— سحبني إيفان بعنف نحوه. اصطدمت بصدره بقوة، ثم وقعنا معًا على الأرض. وفوقنا مباشرة… مر جذع شجرة ضخم بسرعة مرعبة. هواء الضربة وحده جعل شعري يتطاير. تجمدت لثوانٍ. ثم أدركت… أنني ما زلت ملتصقة به. يدي فوق صدره. ويده حول خصري بقوة. ورائحته… أقسم أنني كدت أختنق منها. خشب… برد… وشيء يشبه المطر. احمر وجهي فورًا. ابتعدت بسرعة ونهضت. لكن إيفان وقف وهو يحدق بي بغضب. — “هل تنظرين إلى الأرض أبدًا أثناء المشي؟!” رمشت. — “كنت أجمع الأعشاب…” — “كاد يتم سحقك.” — “لكنني لم أُسحق.” اقترب خطوة وهو يزمجر: — “لأنني سحبتك.” سكتُّ. لثانية فقط… شعرت أن قلبه كان ينبض بسرعة أيضًا. لكنني تجاهلت الفكرة فورًا تنهد بضيق ثم أمسك معصمي وبدأ يمشي. — “عودي للكوخ قبل أن تقتلي نفسك بطريقة غبية أخرى.” ابتسمت بخبث وأنا أمشي خلفه. — “أنت قلق علي؟” — “أخشى أن يقتلني والدك إذا متِّ.” — “كاذب.” لكنه لم يرد. وهذا جعل ابتسامتي تكبر أكثر. — عندما عدنا إلى الكوخ… كانت رائحة الفطور تملأ المكان. عمتي هرلين وأمي كانتا تضعان الطعام على الطاولة. بينما كانت جدتي مارلين تساعدهما وهي تضحك على شيء قاله الملك ألفريد. لوكا دخل وهو متعرق من التدريب. وخالي أيان كان يحمل أكواب الشراب. أما هيفان… فنظر مباشرة نحونا. ثم إلى ملابسنا المتسخة قليلًا. رفع حاجبه ببطء. — “ماذا حدث؟” قبل أن أجيب… قال إيفان ببرود: — “كادت تموت بسبب فخ.” فورًا تجمد الجميع شهقت هرلين: — “ماذا؟!” أما أبي… فنهض ببطء شديد من مكانه. ذلك النوع من البطء المرعب — “لافندر…” ابتلعت ريقي. — “لكنني بخير؟” — “بفضل إيفان.” ثم التفت الجميع نحوه. حتى الملك ابتسم بخفة. بينما لوكا بدأ يضحك: — “أنت أنقذتها مرة أخرى؟” تنهد إيفان بضيق وكأنه نادم على حياته كلها. أما أنا… فجلست قربه عمدًا. ثم همست بينما أبتسم له بخبث: — “أنت بطلي اليوم.” نظر إلي بطرف عينه ببرود… لكنني رأيت أذنه تحمر قليلًا. ولم يكن عليَّ قول أي شيء بعدهامن وجهة نظر أفيني. كنت ما أزال أحاول استيعاب كل ما قاله قبل لحظات، لكن الجملة التالية كانت كفيلة بجعل عقلي يتوقف عن العمل تمامًا. "وأمر آخر." رفعت رأسي نحوه باستغراب. "نعم يا مولاي؟" نظر إليّ بهدوء قبل أن يقول وكأنه يخبرني عن حالة الطقس اليوم: "من اليوم فصاعدًا، سوف تشاركينني هذا الجناح." ... تجمدت. بل إنني متأكدة أن روحي خرجت من جسدي وعادت إليه ثلاث مرات في أقل من ثانية! "ماذا؟!" "أقصد... ماذا؟!" حتى كلارا داخل عقلي بدأت تصرخ بحماس: "اعترفي أنه يحبك! هذا الرجل لم يعد يخفي شيئًا!" أما أنا فكنت على وشك الإصابة بنوبة قلبية. "مولاي! أنا خادمة!" "أعلم." "وأنت ملك!" "أعلم." "وهذا جناحك الخاص!" "أعلم." "إذن لماذا؟!" نظر إليّ للحظات قبل أن يتنهد بخفة. "لأنكِ أصبحتِ هدفًا للكثير من الأشخاص." ثم أكمل بهدوء: "ولا يوجد مكان أكثر أمانًا لكِ من البقاء بجانبي." بلعت ريقي وأنا أحاول البحث عن أي حجة مناسبة، لكنه كان يبدو وكأنه اتخذ قراره منذ وقت طويل. وفي النهاية... خسرت المعركة كعادتي أمام هدوئه المخيف. --- بعد انتهاء حديثنا، قررت أن أعود إلى عملي كالمعتاد. ففي النهاية
من وجهة نظر أفيني. استيقظت ببطء وأنا أشعر بثقل غريب في جسدي، وكأنني كنت نائمة لأيام طويلة. كان أول ما استقبلني هو رائحة مألوفة جعلت قلبي يخفق دون إرادة مني. هذه الرائحة... فتحت عيني ببطء، وما إن بدأت الرؤية تتضح أمامي حتى تجمدت لثوانٍ. "هذه ليست غرفتي!" جلست بسرعة فوق السرير قبل أن أتأوه من الألم الذي انتشر في كتفي. كانت الغرفة واسعة جدًا ومزينة بألوان داكنة يغلب عليها الأسود والذهبي، والأثاث الفاخر المنتشر فيها جعلني أعرف فورًا أنني لست في جناح الخدم. لكن أكثر ما أكد شكوكي هو تلك الرائحة الهادئة التي تملأ المكان. رائحة الملك لايرس. "لماذا أنا في غرفته؟!" في اللحظة نفسها، بدأت ذكريات ما حدث تعود إليّ تدريجيًا. الهجوم. القتال. الخنجر. ثم... "مولاي!" تذكرت كيف اندفعت أمامه دون تفكير، ثم كل شيء أصبح مظلمًا بعد ذلك. قبل أن أتمكن من ترتيب أفكاري، فُتح باب الغرفة ودخلت إحدى الخادمات وهي تحمل صينية عليها بعض الطعام الساخن. وما إن رأتني مستيقظة حتى ابتسمت بسعادة. "أخيرًا استيقظتِ يا آنسة أفيني!" نظرت إليها بتوتر وسألت بسرعة: "لماذا أنا هنا؟ وهل الملك بخير؟" ابتسمت الخادمة
من وجهة نظر لايرس. لم أستطع تذكر آخر مرة شعرت فيها بهذا القدر من الخوف. كانت فاقدة للوعي بين ذراعي، وملابسها ملطخة بدمائها، بينما كنت أضغط على الجرح محاولًا إيقاف النزيف بأسرع ما يمكن. لم أفكر في شيء وأنا أعود إلى القصر. كل ما كنت أفكر به هو أنها يجب أن تستيقظ. وفور وصولنا، حملتها مباشرة إلى جناحي الخاص وأمرت باستدعاء أفضل معالج في المملكة. مرت الدقائق ببطء قاتل حتى انتهى من فحصها، لكن ما إن أخبرته بما حدث حتى تجمدت ملامحه. "هذا... مستحيل." ضيقت عيني وأنا أنظر إليه. "ما الذي تقصده؟" تنهد المعالج وهو ينظر إلى كأس الدم الذي أُخذ منها أثناء الفحص. "هناك ثلاثة احتمالات لا غير." رفع ثلاثة أصابع أمامي ثم أكمل: "إما أن السم الذي أصابها غريب وتفاعل مع دم الملك." "أو أنها تنتمي إلى سلالة خاصة لم نسمع عنها من قبل." توقف قليلًا قبل أن يشيح بنظره بعيدًا. "أو..." "أو ماذا؟" ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "الاحتمال الأخير ما زال مجرد فرضية، لذلك أفضل عدم التسرع في الحديث عنه." لم تعجبني إجابته، لكنني لم أجبره على المتابعة. "لن تخبر أحدًا بما حدث." "أمرك يا مولاي." وبعد أن غادر
من وجهة نظر لايرس. كانت الشمس قد اختفت خلف الجبال منذ ساعات، ولم يبقَ سوى ضوء القمر الذي ينير الطريق المؤدي إلى مملكة نايت فورد. كنت أجلس داخل العربة الملكية بصمت، أحاول إنهاء أحد التقارير التي أحضرها معي من إيلدارا، بينما كانت أفيني تجلس أمامي تقرأ أحد الكتب التي استعارتها من مكتبة القصر. الغريب في الأمر أن وجودها أصبح جزءًا من يومي خلال الأسابيع الماضية. حتى إنني أصبحت ألاحظ عندما لا تتحدث كثيرًا أو عندما تكون شاردة الذهن. "مولاي؟" رفعت نظري نحوها عندما نادتني. "نعم؟" ابتسمت بخفة وهي تشير إلى النافذة. "أعتقد أن نايت فورد ستكون جميلة تحت ضوء القمر أيضًا." لم أستطع منع نفسي من الابتسام قليلًا. "أعتقد ذلك." ساد الهدوء بيننا مرة أخرى، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. فجأة! توقفت العربة بعنف جعل أفيني تسقط قليلًا من مكانها. وفي اللحظة نفسها، دوى صوت انفجار قوي خارج العربة. "احموا الملك!" صرخ أحد الحراس من الخارج. رفعت رأسي بسرعة، بينما اتسعت عينا أفيني بصدمة. "ما الذي يحدث؟" لم أجبها، بل فتحت باب العربة ونزلت بسرعة. كان أكثر من ثلاثين رجلًا مقنعًا ي
من وجهة نظر لايرس. لطالما كنت أعتقد أن أكثر ما أجيده في حياتي هو التحكم بمشاعري. فبصفتي ملك مملكة نايت فورد، لم يكن لدي ترف التصرف باندفاع أو السماح لغضبي بالسيطرة عليّ. تعلمت منذ طفولتي أن أخفي كل ما أشعر به خلف ملامح هادئة وقرارات عقلانية. إلى أن ظهرت أفيني. في ذلك الصباح، عندما دخلت قاعة الطعام مرتدية الفستان الذي طلبت أن يُصنع لها، أدركت أن قراري كان صائبًا. كان اللون الفضي مناسبًا لها بشكل جعلني أتساءل إن كانت إلهة القمر قد صنعت ذلك اللون خصيصًا لعينيها الزرقاوين. ولهذا السبب بالتحديد بدأت أشعر بالندم عندما سمحت لها بالذهاب إلى السوق. في البداية، كنت أظن أن الأمر لن يكون سوى نزهة قصيرة مع سيرين، لكن طوال الاجتماع الذي جمعني بألفا كايلان وكبار مستشاري المملكة، لم أستطع التركيز على نصف ما كانوا يقولونه. "مولاي، ماذا تظن بشأن الاتفاقية الجديدة؟" لم أسمع السؤال أصلًا. كنت أفكر إن كانت قد تناولت فطورها جيدًا قبل أن تذهب. وهل أحضرت معها العباءة التي أعطيتها إياها. وإن كان هناك من سيزعجها هناك. بل إنني وجدت نفسي أنظر من النافذة للمرة الخامسة خلال نصف ساعة. نظر إليّ ألفا كا
من وجهة نظر أفيني. استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بشيء غريب يملأ صدري. ولأول مرة منذ مدة طويلة، لم يكن أول ما خطر في بالي هو عائلتي أو مملكتي. بل... وجه الملك لايرس تحت ضوء القمر ليلة أمس. احمر وجهي فورًا ودفنت رأسي تحت الوسادة وأنا أتمتم بخجل: "مستحيل! لماذا أتذكر وجهه أول ما استيقظت؟!" ضحكت كلارا داخل عقلي ضحكة طويلة قبل أن تقول بسخرية: "أعتقد أنك وقعت في حبه." قفزت من السرير وكدت أسقط على الأرض من الصدمة. "ماذا؟! لا! مستحيل!" "أوه هيا! لقد رأيت هذا كثيرًا في القصص التي كانت تقرؤها إيلي! تبدأ الفتاة بالتفكير بوجه الرجل صباحًا ثم..." "كلارا!" ضحكت أكثر وهي تقول: "لقد أحببته!" "أنا لم أحبه!" قبل أن أستطيع متابعة شجاري معها، صدر صوت طرقات خفيفة على الباب. دخلت إحدى الخادمات وهي تحمل بين يديها فستانًا فضيًا جميلًا مطرزًا بخيوط بيضاء ناعمة. "الملك لايرس طلب مني تسليمه لكِ، وأخبرني أن أخبرك بألا تتأخري عن موعد الفطور مع ألفا كايلان." بعد أن غادرت الخادمة، بقيت أحدق بالفستان لبعض الوقت. "هل يهتم الملك فعلًا بما سأرتديه كل يوم؟" بعد أن استحممت وارتديته، نزلت بسر
لينيا مرت الأشهر بسرعة غريبة… وكل شيء داخل قصر نورفاي أصبح مليئًا بالحياة من جديد. خصوصًا بعد ولادة إيفان. كان صغيرًا جدًا… لكنّه بالفعل يملك هيبة ألفا حقيقية حتى هيفان كان يتحول لشخص مختلف تمامًا قربه. أما هرلين؟ فكانت متعلقة بابنها بطريقة جعلتني أبتسم كلما رأيتها. وأحيانًا كن
هرلين كان كل شيء هادئًا داخل غرفتي. أشعة الشمس الخفيفة تدخل من الشرفة… وأنا أرتب بعض الملابس الصغيرة التي صنعتها لطفلي بيدي. ابتسمت بخفة وأنا ألمس قطعة قماش صغيرة. — “تتوقعين سيكون يشبه هيفان؟” سألت ذئبتي داخل عقلي بخفة. لكن قبل أن يأتي الرد.... تجمد جسدي بالكامل. ألم حاد ضرب بطن
الراوي كان الليل هادئًا داخل قصر نورفاي. القمر يضيء الغرفة بضوء فضي خافت… وكل شيء كان ساكنًا. أو هذا ما اعتقده هيفان. حتى شعر بثقل خفيف فوقه. فتح عينيه ببطء… ليجد هرلين فوقه مباشرة. وجهها مدفون بعنقه. وذراعاها ملتفتان حوله بتملك واضح رمش هيفان باستغراب. خصوصًا أن بطنها أصبحت
الراوي بعد كل الفوضى والدموع… وأخيرًا بدأ قصر نورفاي يستعيد هدوءه من جديد. تم أخذ جثة ليندي ودفنها حسب تقاليد مملكتهم، ورغم كل ما فعلته… بقي الحزن ظاهرًا على وجه والدتها كلاره. أما الملك الفريد… فقرر إقامة مراسم جديدة لـ إلهة القمر. ليس فقط للشكر… بل لتنقية القصر من كل الألم الذي مر عليهم.







